المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين‏

من المجالس التي تكثر حولها الأسئلة، مجالس الفرح التي تقام لأجل المناسبات التي تسعد الناس كالزواج والولادات، وغيرها...

فما هو حكم الشرع في هذه المجالس؟

وما هو المضمون الذي ينبغي أن تتضمّنه ؟

وما هي الحدود التي وضعها الشرع المقدّس للحفاظ على شرعيّتها ؟

وما هي التصرّفات التي أجازها الشرع، أو منعها في هذه المجالس أو في خارجها ؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير من الأسئلة الأخرى سنحاول الإجابة عليها في هذا الكتاب، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يعمّ الفرح قلوب المؤمنين، وأن لا يحزننا يوم الحساب، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم...

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


5


الإسلام ومجالس الفرح

جاء الإسلام ليرسم البسمة على شفاه الناس، ويحقق لهم السعادة الحقيقية الدائمة، لا الزائفة المؤقتة، وقد شرّع الإسلام الفرح، بل حثّ على إدخال السرور على قلوب المؤمنين وجعل له أجراً جزيلاً عند الله تعالى، وقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سأل أحد أصحابه: "كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت: قليل، قال عليه السلام: هلاّ تفعلوا! فإن المداعبة من حسن الخلق وإنك لتدخل بها السرور على أخيك ولقد كان رسول صلى الله عليه وسلّم يداعب الرجل يريد أن يسره"1.

وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: "من سر مؤمنا فقد سرني، ومن سرني فقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومن سر رسول صلى الله عليه وسلّم فقد سر الله، ومن سر الله أدخله الجنة"2.

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: في ما ناجى الله
 

6


موسى عليه السلام أن قال: "إن لي عباداً أبيحهم جنتي وأحكمهم فيها، قال موسى  عليه السلام : من هؤلاء الذين أبحتهم جنتك وتحكمهم فيها؟ قال: من أدخل على مؤمن سرور"3

ولا شك أن المجالس التي يعقدها المؤمنون لأفراحهم ومناسباتهم السعيدة تجوز في الأصل، ولكنَّ الكلام يبقى في الضوابط العامة للشكل والمضمون، وهذا ما سنذكره في الصفحات اللاحقة، إن شاء الله تعالى.


7


شكل المجلس

تمهيد

إنَّ المجالس التي تعقد لمناسبة الفرح، كالزواج، والموالد، وغيرها... من المسائل التي يتعاطى بها الناس غالباً في اجتماعاتهم ومناسباتهم، وإذا لم يلتفتوا إلى الضوابط الشرعية اللازم مراعاتها فسيكونون في معرض الخطر والوقوع في المعاصي والسخط الإلهي، والتعريف بالضوابط وترويج السلوكيات السليمة هو الضامن لتقليل هذه الأخطار، ليكون الفرح فرحاً حقيقياً مستمراً في الدنيا والآخرة.

هذه الضوابط يجب أن نلاحظ فيها شكل المجلس ومحتواه وما يقدم فيه من طعام وشراب...

الضوابط الشرعية لشكل المجلس

من أهم الضوابط التي لا بد أن تراعى في شكل مجالس الفرح:
 

11


1- خصوصية المكان

قد تكون للمكان خصوصيته التي تجعل الاستفادة منه في الأفراح محرمةً، خصوصاً إذا كان مشهوراً ومعروفاً بكونه مكاناً للمجون والفسق والتهتك، يقول سماحة الإمام الخامنئي دام ظله: "وقد تكون لشخصية العازف أو للكلام المصحوب بالألحان أو للمكان أو لسائر الظروف الأخرى مدخلية في اندراج الموسيقى تحت الموسيقى المطربة اللهوية المحرمة أو تحت عنوان الحرام الآخر، كما إذا صارت لأجل تلك الأمور مؤديةً إلى ترتب مفسدة"4.

فينبغي أن تكون أجواء المكان بعيدة عن الاستدراج للمعاصي، وتساعد في المحافظة على الضوابط الشرعية.

2- اجتناب الاختلاط

إن الاختلاط بشكلٍ عامٍ، هو أرض خصبة للوقوع في الكثير من الانحرافات السلوكية والنفسية، والتي قد تستدرج الإنسان على هذين المستويين (السلوكي والنفسي) لمرحلة يجد نفسه في لحظة ما قد فقد كل الدفاعات النفسية التي تحصنه من وسوسات الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
 

12


ومن هنا علينا الحذر من عدم تهيئة المقدمات للوقوع في الحرام من حيث شكل المجلس ومنع تداخل مجالس النساء مع الرجال، مما يفسح المجال للنظر أو الاستماع المحرم وغيره، فقد ورد في الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "العُيونُ مصائِدُ الشيطانِ"5

٭ ومن المناسبِ أن يكونَ مجلسُ النساء بعيداً عن مجلس الرجال، بمقدار لا تصل أصواتهنَّ إلى مسامع الرجال.

3- لباس الحضور:

ينبغي للحاضرين في مجالس الفرح والأعراس مراعاةَ الضوابط الشرعية المتعلقة بالمظهر الخارجي من خلال لبس الثياب التي أحلها الله تعالى لعباده، واجتناب الملابس التي حرمها والتي لا تليق بالإنسان المؤمن. وسنشير بشكل موجز إلى الأمور التي نهت الشريعة عن اتخاذها ملبساً وهي:

أ ـ الملابس الخليعة:

وهي الملابس التي تبرز تفاصيل الجسد لأجل ضيقها،
 

13


أو تحكي عما تحتها، أو تظهر جزءاً مما يحرم على المرأة إظهاره أمام الأجنبي، فإذا كانت المرأة في معرض رؤية الرجل الأجنبي لا يجوز لها لبس ما يكون من حيث لونه أو شكله أو كيفية لبسه مما يجلب نظر الأجنبي ويوجب الفتنة والفساد6.

أما إذا كانت المرأة مأمونة من نظر الرجال الأجانب ومن ترتب المفاسد فلا بأس فيه7

ب ـ الغزو الثقافي:

هناك بعض اللباس الذي يتناسب مع الثقافات الغريبة والفاسدة، ونتيجة الدعاية والترويج قد يندفع المؤمن للبس مثل هذا اللباس تقليداً للغرب، وترويجاً لثقافتهم وشخصياتهم من مغنين وغيرهم، فهل يجوز للمسلم أن يتبع أسلوبهم في التزين أو أن يقلدهم في اللباس أو قصّات الشعر؟

إن محافظة الشباب والشابات على مظهرهم
 

14


المتدين، حتى في المناسبات الخاصة كالموالد والأعراس والأفراح، هو حاجز يمنعون من خلاله الثقافة الغربية الغازية لأمتنا من الانتشار، لاسيما في هذا الزمان الذي يسعى فيه الأعداء لغزو أفكار شبابنا وفتياتنا والهيمنة على عقولهم من خلال كل الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة ووسائل الاتصالات الحديثة كالانترنت...، ولا شك أن ترويج الثقافة المعادية والفاسدة سيكون له تأثيره السلبي الكبير على المجتمع وعلى هويته ومستقبله، حتى ينقلب المجتمع بشكل تدريجي ليخسر حاضره ومستقبله ويصبح رهينة بيد تلك القوى الكبرى ومجرد تابع لها ومستهلك لمنتجاتها، فنصبح مصداقاً لذلك الحديث القدسي المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنه أوحى الله إلى نبي من أنبيائه ـ و ـ قل للمؤمنين: لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، و لا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي"8

ج ـ ثياب الشهرة:

وهو اللباس الذي يجعل الإنسان عرضةً لكلام الناس والاستهزاء والتقول عليه، وقد أكدت روايات كثيرة على
 

15


حرمة هذا النوع من اللباس، ففي الرواية أنه دخل عباد بن بكر البصري، على الإمام الصادق  عليه السلام وعليه ثياب شهرة غلاظ، فقال عليه السلام: "يا عباد ما هذه الثياب؟ فقال: يا أبا عبد الله تعيب علي هذا؟ قال عليه السلام: نعم، قال رسول  صلى الله عليه وآله وسلّم: من لبس ثياب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثياب الذل يوم القيامة"9

وكذلك يحرم أن يلبس الرجل ملابس النساء وأن تلبس النساء ملابس الرجال، فقد كثرت الروايات في ذم هذا النوع من اللباس ومن يلبسها ففي الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول  صلى الله عليه وآله وسلّم: "لعن الله المحلل والمحلل له، ومن تولى غير مواليه، ومن ادعى نسبا لا يعرف، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"10

وفي رواية أخرى عن الإمام علي عليه السلام: "أخرجوهم من بيوتكم فإنهم أقذر شيء"11

4- التبرج

ظهور المرأة متبرجة أمام الأجنبي من المحرمات التي
 

16


ذكرها القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى...12

والمعيار الشرعي في ما تضعه المرأة من المساحيق التجميلية أنه "إذا صدق على اللون انه زينة عرفاً فلا يجوز إظهاره أمام الأجنبي"13

ويمكن للمرأة أن تتبرج إذا لم يكن هناك ناظر أجنبي.

الوليمة في الأعراس

من المستحبات الشرعية الأكيدة أن تصنع الوليمة في يوم الزفاف أول ليلته، فإنها من السنن المشهورة الحسنة وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم "لا وليمة إلا في خمس: في عرس أو خرس أو عذرا أو وكار أو ركاز" يعنى للتزويج أو ولادة الولد أو الختان أو شراء الدار أو القدوم من مكة14

وينبغي في الوليمة مراعاة
 

17


بعض الأمور التي أكدت عليها الروايات، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

1- عدم دعوة الأغنياء فقط:

فبعض الناس يخص بالدعوة الأغنياء ومن يسمون بعليَّة القوم، ويمتنع عن دعوة الفقراء، هذا النوع من الولائم التي تقفل أبوابها في وجه الفقراء، وتفتح للأغنياء فقط، في أسلوب يؤكد طبقية مقيتة ويضع الحواجز بين المؤمنين، مثل هذه الولائم تقع في أسفل سلم الولائم من جهة قيمتها ومحبوبيتها عند الله تعالى، وقد ورد عن رسول  صلى الله عليه وآله وسلّم: "شر الولائم أن يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء"15

2- الإخلاص لله في الدعوة:

ففي الحديث الآخر عنه: "ومن اطعم طعاماً رياءً وسمعةً أطعمه الله مثله من صديد جهنم، وجعل ذلك الطعام ناراً في بطنه حتى يقضى بين الناس"16

3- عدم الإسراف أو التبذير في الطعام:

إذ أن بعض الناس يقوم بإعداد كمية كبيرة من
 

18


 الطعام بحيث تفوق حاجة الحاضرين بعدَّة مرات، وعند نهاية الزفاف يقومون برميها في القمامة، وهذا العمل فيه إسرافٌ في الإنفاق وتبذير للمال، ويقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ٭ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً17.

ويقول تعالى في آية أخرى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً18.

ويروى أن الإمام الصادق  عليه السلام مثل في شرح الآية: ... فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، ثم قبض قبضة أخرى فأرخى كفه كلها، ثم قال: هذا الإسراف، ثم أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: هذا القوام 19.

فعندما يقوم الإنسان بالوليمة يكون هدفه البركة والرضا من الله تعالى والأجر منه عز وجل، إلا أن
 

19


مثل هذه الأعمال قد تفوّت البركة، وتقف حاجزاً يمنع الرضا.

خلاصة الضوابط الشرعية

نستخلص أن الضوابط الشرعية لشكل المجلس ما يلي:

1- الالتفات إلى خصوصية المكان (لا يكون مكاناً للهو والحفلات المحرمة).

2- عدم الاختلاط.

3- عدم لبس الملابس التالية:

أ ـ ملابس الشهرة

ب ـ ما يروج الغزو الثقافي

ج ـ الحرير للرجال

د ـ الثياب الخليعة للنساء.

4 ـ مراعاة عدم ظهور المرأة متبرجة أمام الأجنبي.

تستحب الوليمة في الأعراس وهي من السنن المروية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم.


20


هوامش

1- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة، ج2، ص366.
2- ابن بابويه، علي، فقه الرضا، مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام)، ص 473.
3- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة، ج31، ص 653.
4- الإمام الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، دار النبأ للنشر، الطبعة الأولى، ج2، ص 12.
5- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، دار الحديث، الطبعة الأولى، ج4، ص8823.
6- الإمام الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، دار النبأ للنشر، الطبعة الأولى، ج2، ص 001.
7- الإمام الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، دار النبأ للنشر، الطبعة الأولى، ج2، ص 99.
8- الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، دار إحياء التراث، بيروت، ج3، ص 279
9- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة، ج67، ص 316.
10- الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت، الطبعة الثانية 1414هـ.ق.، ج17، ص 285.
11- الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت، الطبعة الثانية 1414هـ.ق.، ج17، ص 285.
12- سورة الأحزاب، الآية: 33.
13- من استفتاءات مكتب الامام الخامنئي في قم على الانترنت رقم 922.
14- الخميني، روح الله الموسوي، تحرير الوسيلة، دار الكتب العلمية، اسماعيليان، قم، ج2، ص 238.
15- المصدر السابق.
16- الحر ألعاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت، الطبعة الثانية 1414هـ.ق.، ج42، ص 312.
17- سورة الإسراء، الآيتان: 26 ـ 27.
18- سورة الفرقان، الآية: 67.
19- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، دار الحديث، الطبعة الأولى، ج2، ص1295..