نور الدين ابن ايران


الناشر: شبكة المعارف الإسلامية

تاريخ الإصدار: 2019-03

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


إشارة

إشارة

 

بين يديك أوراقٌ تنبت من شجرة التاريخ..

 

مفكّرةٌ هي بألوان العمر، وعَبَقِ الهدف، وذائقة الجبهة، تتردّد أصداؤها بضحكةٍ ساطعة وَشَهقةٍ كَتُومة.

 

ذكريات تبدأ ببراءة الاندفاع، ولا تنتهي بحركات الفتى الفُكاهيّ، المشاغب، ومحقّق الإنجازات في آن!

 

فالشاهد هنا يشبّ بين المحاور، ليمتلئ بها مع الجراح الحارقة حيويةً وخلوصًا وانتصارًا، إذ يتلوّن غبار الملاحم بشعاع الشمس، وتنهمر قطرات الشتاء في أحياء وطن فُرِضَت الحرب عليه، فامتزج الثلج بدماء صفوة أبنائه.

 

وبينما تجولُ مع السيد "نور الدين العافي" في فضاءات المكان، تدهشك غزارة التجارب لفتى دون العشرين. وتتنفس رئتاك أَمْنًا مع حنان الوالدين، واتّحاد الرفاق، وصدق العهد في قلب المشاهد المُشَوّقة. ثم يكتمل السَّردُ والحوارات، دون تركيب خيالي أو اختراع صراع أو حبكة.

 

لكأنه "بثٌّ حيّ" بمنتهى البساطة، من عمق الوجدان، يضجّ بالحب والقيم الكونية الكبرى: البطولة والرحمة والحرية..

 

لن يملّ مطالعةَ الكتاب، إن غاص فيه، منْ تحاكيه المقالبُ اللطيفة الممتعة، ومن تُشفيه صورة الصبر في المعاناة، ومن يتأمل في مبعث السلوك الإنساني الفطري، المدافع بنهم عن الحياة بمعناها الكبير المتّصل بخالقها (عز وجل).

 

6

 


1

إشارة

القارئ العزيز،

"نور الدين ابن ايران" أحد الكتب التي نالت تنويه الإمام الخامنئي، وهو الذي حضر في جبهات الدفاع عن الحق - العسكرية والناعمة على السواء- قائدًا ومدبرًا، ومعاينًا للحوادث، ومشجّعا للفنون الأدبية التي ترقى بقضايا الحرب إلى الذاكرة الانسانية، وتنقل للشعوب والأجيال رؤى وأفكاراً تحرّك الضمائر والقلوب. وقد مهر روايات الجبهة كقارىء وناقدٍ خبير، بكلماته المسبوغة بحرارة الإيمان، ومشاعره المصبوغة بالعرفان. ولطالما حثّ وشجع في مواقف عديدة على الكتابة والترجمة والنشر.. وفوّض المبادرين المتفاعلين من أهل الفكر والأدب بقوله "أمر النار بيدك"[1].

 

شكر وتقدير

لا يسعنا في مركز المعارف للترجمة، إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إعداد وإخراج هذه الذكريات لتكون جوهرة مضيئة في أكاليل العزة والانتصارات، ونخصّ بالذكر:

فريق الترجمة: فاطمة شوربا، علي مهدي، حوراء طحيني. فريق التحرير والتدقيق اللغوي: نجوى الموسوي، أمل عبدالله، وعدنان حمود. المخرج الفنّي: علي عليق. والشكر الوافر للراوي وللكاتبة، ولا ننسى مؤسسة "سوره مهر" ومكتب"أدب وفن المقاومة" ناشر ومعدّ النسخة الأصليّة، وكذلك دار المعارف الإسلاميّة الثقافيّة ناشر النسخة العربية.

 

مركز المعارف للترجمة

ذوالقعدة 1438ه

 

 


[1] أمر وتدبير عسكري في الحرب، يُلجأ إليه عند تعقد الأمور وانقطاع التواصل مع القيادة..، وقد ذكره الإمام الخامنئي في لقائه بالجامعيين في حديثه حول مواجهة التحديات الفكرية والثقافية وأدوات الحرب الناعمة(7/6/2017م).

 

7


2

المقدّمة

المقدّمة

عرفت السيد نور الدّين عافي لأول مرة، بصوته عندما كان يروي تفاصيل الأحداث التي جرت معه أثناء الحرب، من كردستان حتى جنوب بلدنا العزيز. كان ذلك في العام 1995م وكنت قد تعرفت حديثًا إلى مكتب أدب المقاومة في "حوزه هنرى" وأعمل على "تفريغ" أشرطة تسجيل لمذكّرات المجاهدين. بعد أن "فرّغت" مذكّرات مختلفة، سلّموني حوالي عشرين شريط تسجيل تحتوي مذكّرات عظيمة لمجاهد جريح اسمه السيد نور الدِّين عافي، هي نصف مقابلات أجراها معه الأخ موسى غيور في عامي 1993 و1994م واستغرقت حوالي الأربعين ساعة. كان الأخ موسى غيور لمدة زميل السيد نور الدين في جامعة العلوم الطبية في تبريز، وقد سمع مذكّرات من السيد حول مرحلة الدفاع المقدس فأصرّ على حفظها. نفس الحصول على موافقة السيد لإجراء هذه المقابلات هو قصة جميلة باح بها السيد في آخر دقائق الحوار وأدرجت في آخر الكتاب. لم أكن أظنّ عندما استلمت أشرطة المقابلة لأفرّغها أنني عندما أسمع هذه المذكّرات سأدخل عالمًا كبيرًا ورائعًا اسمه أدب الدفاع المقدّس. عندما سلّمت آخر جزء للمكتب أحببت أن أرى صاحب هذا الصوت الذي عانى الكثير، وروى بكلّ صدق وبدون رياء أحداث 77 شهرًا من حرب لا مثيل لها، أو على الأقل أن أرسل له رسالة تقدير وتعظيم للآلام الكبيرة التي عانى منها ودوّنتُها على الأوراق عن لسانه،

 

8


3

المقدّمة

الأمر الذي لم يتحقّق أبدًا. بعد أن "فرّغت" المقابلات التي أُجريت مع السيد، سلّموني مذكّرات الأخ مهدي قلي رضائي لتفريغها، وقبل أن أنهي العمل بها اقترحوا عليّ تدوين وتحرير هذه المذكّرات فقمت بهذا العمل بكل شوق وحماس، وعشت في عالم مذكّرات الأخ رضائي الصافية أربع سنوات حتى نُشرت تحت اسم "فرقة الأخيار"[1] في العام 2005م من قبل دار النشر "سوره مهر"، وكانت أول تجربة لي في مجال تدوين مذكّرات الحرب. سمعت خلال هذه المدة أنّ تدوين كتاب مذكّرات السيد نور الدين عافي أوكل لكاتبين، لكنهما اعتذرا بعد مدّة عن متابعة العمل. اقترحوا عليّ في آخر صيف العام 2004م تدوين هذه المذكّرات عندما كنت في المراحل الأخيرة من كتابة رسالة الماجستير، فاستيقظت في داخلي الحماسة القديمة لأعيش مع مذكّرات جريح سمعت عن لسانه لأول مرّة حقائق عن الحرب، واستلمت بسعادة غامرة حوالي 700 صفحة "فُرّغت" من مقابلاته، و40 شريط تسجيل، وبدأت العمل. في أول لقاء لي معه في جامعة العلوم الطبية أربكني عتابه وشكايته من مسألة التأخر في إنجاز هذا العمل، وعدم تفاؤله كثيرًا بعمل المكتب بشكل عام، ومع هذا فقد قبل بكل احترام أن أراجعه لاستكمال المذكّرات متى لزم الأمر. في المقابلات الأولى لم يتمّ الحديث عن طفولته وعائلته، وبقي الكثير من النقاط المهمة حول مرحلة الثورة والاشتباكات في كردستان وغير ذلك من التفاصيل لم تذكر في صلب المذكّرات. لقد استقبلني بكرم أخلاق في مكان عمله وفي المنزل مرات عدّة، وأجاب عن أسئلتي. لم يتمّ حذف أي جزء من المقابلات الأولى عدا المكرر من الأحاديث أو التحليلات التي لا يُخلّ حذفها أو تلخيصها بمسار المذكّرات. لقد احتجت إلى العديد


 


[1] حاز كتاب "فرقة الأخيار" في الدورة العاشرة لاختيار كتاب الدفاع المقدس السنوي عام 2006م على المرتبة الثانية في قسم المذكرات الشفهية. كذلك اختير كتاب فرقة الأخيار الكتاب النموذجي في حفل الربع قرن لكتاب الدفاع المقدس عام 2009مفي قسم المذكرات التي تكتب بقلم الآخرين.

 

9


4

المقدّمة

من الجلسات لمتابعة تفاصيل ذكرت باختصار في المقابلات الأولى، كما ركزنا في هذه الجلسات على رعاية تسلسل الأحداث وانسجامها، مع أنه ذكر مرات عديدة أنّه نسي الكثير من المذكّرات، وحتى بعض ما ذكره في المقابلات الأولى. لقد نسي مع مرور الزمن الكثير من التفاصيل، لكنّه لا يزال يذكر بوضوح بعض ذكرياته مع رفاقه، فذكرى حياة وشهادة أميرالباش مازالت حية في عقله وقلبه، وما زال صوته يضج بالألم وهو يروي حكاية عملية بدر. وللحصول على المزيد من التفاصيل كنت ألجأ إلى الصور والمذكّرات التي نُشرت حول مجاهدي "فرقة عاشوراء31" إضافة إلى أصدقاء السيد الذين استقبلوني بكل احترام، الإخوة العظماء: علي نمكي، الحاج ميلاني، إسماعيل وكيلزاده وفرج قليزاده، وساعدوني برحابة صدر لإكمال مذكّرات هذا المجاهد القديم في "فرقة عاشوراء"، وعدم تنقيص شيء منها قدر الإمكان.

 

المسألة الجديرة بالاهتمام في تدوين خواطر المجاهدين الآذربيجانيين – الذين رووا خواطرهم بلغتهم التركية الجميلة - هي كيفية انتقاء الكلمات المناسبة والقريبة من لهجة الراوي. وقد واجهت هذه المسألة لأول مرة عندما "فرّغت" بشكل أولي المقابلات، وترجمت التركية منها إلى الفارسية، وهو عمل أصعب من "تفريغ" مقابلة باللغة الفارسية. كلما كانت ثقافة الشخص الذي يعمل في "تفريغ" المقابلة أكبر سيكون من الممكن الاعتماد على النص الناتج عن عملية "التفريغ" أكثر، وإلا يتوجب على المدوّن الرجوع إلى أشرطة التسجيل والتأكد من صحة هذه النصوص. ولأنني قمت بتفريغ نصف المقابلات التي أجريت مع السيد عافي كنت أستطيع بسهولة ملاحظة الاختلافات في تلك النصوص المفرّغة. لحسن الحظ صرت أفهم لهجة السيد عافي ولغته بسبب التواصل واستمرار الجلسات معه لإكمال المذكّرات، وحاولت أن أكون دقيقة في اختيار الكلمات المتناسب بعضها مع بعض، والقريبة إلى

 

10

 


5

المقدّمة

بيان الراوي. من جهة ثانية، ونظرًا لتجربتي الأولى في تدوين كتاب فرقة الأخيار - الذي رواه مجاهد يتكلم التركية - وما قيل حول الكتاب، خاصة من قبل الأستاذين الكبيرين في مكتب الفن والأدب المقاوم السيّدين: سرهنكي وكمري، انتبهت إلى الفروق البيانية للرواة في هذين العملين. عملت أكثر من خمس مرات على مراجعة وتصحيح هذه المذكّرات لعلّي أستطيع أن أوصل صوت السيد نور الدين إلى أذن القارئ. من جهة، اعتبرت كلام الراوي وعدم تكلّفه -وكان نطقه متغيرًا قليلًا في البداية بسبب الجراح التي أصيب بها في وجهه وفكّه، واستطعت بعد فترة أن أتعوّد عليه - بمنزلة أمانة في عنقي، ومن جهة أخرى كان عليّ إظهار صدى الجراح في قالب كلمات تستطيع إيصال أحوال ومشاعر الراوي بأفضل شكل إلى القارئ. لقد ذكرت العبارات التركية في بعض الموارد كما هي عندما كنت أرى ضرورة لذلك، وترجمتها في الحواشي.

 

قرأ هذه المذكّرات في مراحل تدوينها الأخيرة اثنان من رفاق درب الجهاد هما السيّدان فرج قليزاده ومهديقلي رضائي، وقمت بإجراء التعديلات التي اقترحوها ووافق عليها السيد. كذلك فقد تذكّر اللواء مصطفى مولوي[1] مسائل هامّة فيما يخص جغرافيا عمليات "فرقة عاشوراء"، خاصة عملية بدر، وقدّم لي فنّان ومصوّر الحرب الأخ بهزاد بروين قدس من أرشيفه الخاص عددًا من صور السيد نور الدين، ولا يسعني هنا إلا أن أعرب عن كامل تقديري وشكري لكلّ هؤلاء العظماء.

 

ما بين أيديكم هو حياة مجاهد صنّفت جراحه بدرجة 70% بسبب الإصابات التي تعرّض لها في بداية الحرب، وقلّ من أصيب بمثلها، لكن لم يتردد نور الدين ابن السبعة عشر عامًا لحظة واحدة في العودة إلى ساحة الجهاد بهذا الجسد الذي أصابت الجراح كلّ جوارحه، والتي

 


[1] نائب قائد فرقة عاشوراء ذلك الوقت.

 

11


6

المقدّمة

غيرت حتى تقاسيم وجهه. إضافة إلى تبيين الأحداث التي كان هو من القلة الذين لم يستشهدوا خلالها، فقد كان حضوره بذلك الوضع دليلًا على غيرته وإرادة الجهاد عنده بحيث جعلته ينزل إلى ساحة الجهاد بكلّ وجوده، ولا يقصّر قيد أنملة في العمل بأمر إمامه.

 

الآن وبعد أربع سنوات من العمل، وصل تدوين مذكّرات 77 شهرًا من حرب عشقها السيد نور الدين عافي إلى خواتيمه. إذا قبلنا هذه العبارة العميقة المعاني بأنّ حرب كلّ مقاتل تنتهي مع كتابة مذكّراته، فخلاصة مذكّرات هذا المجاهد أنّه أخذ شبابه وكلّ فرحه إلى مناطق الحرب، وعاد إلى المدينة بجراح خالدة، وهو لا يزال يعاني من آثار الغازات الكيميائية والعذابات التي لا يستطيع أحد إدراكها بسبب الآلام التي خلّفتها الشظايا في فكّه، والقيح الذي يخرج من عينيه ولم يوجد له علاج حتى الآن، عدا الجراح التي تركها فراق الأصدقاء كأيّ مجاهد آخر.

 

في الختام، أوجّه جزيل الشكر لعائلة السيد المحترمة خاصة زوجته العظيمة السيدة أشرفي التي يجب أن تدوّن كتبٌ في أمثالها، وفي الاختيار الموفّق والعظيم لها كزوجة. كذلك أشكر زوجي العظيم الدكتور "أيوب نصير اوغلي" الذي كان في فترة من الفترات عنصرًا في فصيل الغواصين الذي كان السيد المسؤول عنه، والذي كان دعمه الكبير والمطلق لي سببًا لاستمراري في هذه الأعمال. وأخيرا أقدّم شكري لابني العزيز "محمد أمين" الذي تذكّرت جزءًا كبيرًا من طفولته مع هذه الخواطر...

 

على أمل أن تساهم هذه الجهود في تخليد ذكرى رجال عظماء، في صدر التاريخ المليء بالأسرار، من أبناء آذربيجان التي لا تلد إلا أبطالًا ساهموا في الدفاع عن الدِّين وعن أرض إيران العزيزة.

 

 

معصومة سبهري

أيلول - تشرين الأول 2010م

 

12


7

الفصل الأول: رياض الطفولة

الفصل الأول:

رياض الطفولة

 

 

ولدت بحسب الهوية في السّادس من أيلول من العام 1964م في قرية "خلجان" قرب "تبريز"، لكنّ أبي "السيد حسين عافي" تأخر أشهرًا في تسجيل تاريخ ولادتي. كانت عائلتنا كبيرة، أبي، أمي السيدة نمكي، وستّة أولاد هم: ميررحيم، فريده، ميربيوك، السيد صادق ولعيا. كنّا نعتمد في معيشتنا على عمل والدي في الزراعة كباقي أهل قريتنا الكثيرة البساتين، تجمعنا حياة بسيطة وشاقة. وفي العام 1967م بدأنا حياكة السجاد ونصبنا النول في بيتنا، ومن أجل المساعدة في تأمين لقمة العيش، تعلّمت هذه الحرفة أيضًا. بداية كنّا نحيك السجاد للآخرين، ثم تحسّنت ظروف حياتنا شيئًا فشيئًا. وعندما أنهينا حياكة سجادتين يعود ريعهما بالتمام والكمال لنا، ذهب والداي إلى الحجّ في العام 1969م وكانت حينها رحلة الحجّ تستغرق حوالي الشهرين والنصف. في طريق العودة، تعرّضت القافلة لعملية سطو فلم يبقَ شيء فيها، ولم تكتحل أعيننا برؤية ما أحضراه لنا من هدايا...

 

منذ الطفولة، امتازت علاقة والدي بي عن بقية إخوتي وكان يظهر لي محبة شديدة وأنا أبادله مثلها. كنّا عندما نجلس صباحًا لحياكة السجاد، ويذهب إلى البستان ليقطف العنب ويأخذه إلى "سردرود"[1]، يشير إليّ أن "تعال بسرعة!"، وكنتُ غالبًا ما أتهرّب من حياكة السجاد


 


[1] مدينة عامرة في جنوب غرب تبريز، ولم تعد بعيدة عن تبريز بسبب توسع المدينة.

 

14


8

الفصل الأول: رياض الطفولة

أيضًا بحجة الذهاب إلى المرحاض، فأركض حوالي 3 كلم، لأصل إلى البستان حيث أجد أبي بانتظاري. كثيرًا ما اشترى لي الخبز بالسمن الذي أحبّه جدًّا. ظلّت علاقتي بأبي هكذا حتى إنّني عندما كبرت بقيتُ أنام بجانبه، وأحيانًا أبكي عندما أرى في المنام أنّني ابتعدت عنه. كنت أدعو الله منذ الطفولة أن لا يبعدني عنه أبدًا، وأشكر الله إذ استجاب دعائي مع أنّ سنوات الحرب كانت قاسية على كلينا[1].

 

في الصيف حيث موسم جني الثمار، كان على أحدهم أن يبقَ في البستان ليلًا، فتناوب أبي وعمي على الحراسة، وكنت أرافق الاثنين في ليالي حراستهما إلى أن ترسل لي أمّي الحاجّة رسالة: "نور الدين! لقد أعددت حساء القرنبيط! تعال بسرعة!"، فأستجيب فورًا لأنّني أحبّ هذا الحساء.

 

في إحدى الليالي، ظنّ كلّ من أبي وعمي أنّه دور الآخر في النوم في البستان، فلم يحضر أيّ منهما إلى هناك! استيقظت عند منتصف الليل لأجد نفسي وحيدًا في الظلام الدامس، شعرت بالخوف. فكّرت أن أذهب إلى منزل عمتي لأنّه الأقرب إلى البستان، ورأيت كلبنا الوفي نائمًا أمام الباب، كنّا نفكّ قيده ليلًا ليجول في البستان. وكأنّه شعر بأنّني وحيد،… فأخذته معي. مشيت في ذلك الليل مسافة 800م تقريبًا حتى وصلت. طرقت الباب فلم يفتح أحد، خفت، وخافت عمّتي وأبناؤها المساكين. كانوا في تلك الأيام يخيفون الأولاد الذين هم في مثل سنّي من اليهود، وإذا أرادوا منعنا من الذهاب إلى مكان ما يقولون لنا: "لا تذهبوا إلى هناك، سيأتي اليهود ويمتصون دماءكم!"، وكنت أفكر "وهل اليهود بعوض ليمتصوا دماءنا؟".

 


[1] بعد الحرب، عدت إلى المنزل الذي تعب هو في بنائه. ما زلنا نعيش في ذلك المنزل. كان يذهب يوميًّا إلى بستاننا في خلجان وأذهب أنا بعد انتهاء دوامي إليه لأعيده إلى المنزل...

 

15


9

الفصل الأول: رياض الطفولة

كاد أبناء عمتي يموتون رعبًا في تلك الليلة خوفًا من أن يكون اليهود هم من يطرقون الباب! وعندما وجدوا أنّني لم أتزحزح من مكاني، صعدوا إلى السطح ووجدوني. عندما فتحوا لي الباب ذهبت إلى حضن جدتي "تاتا فاطمة". راحت العجوز تلوم أبناءها لأنّهم "ناموا وتركوا الصبي لوحده..." لا أنسى أبدًا خوف تلك الليلة وكنت في السابعة من عمري.

 

الفصل الأول

رغم كلّ الصعوبات، كانت حياتنا جميلة. كان أبي يعطينا مصروفنا صباحًا، 5 قرانات[1] لأخي الكبير، وخمسة لنا نحن بقية الإخوة الأصغر سنًّا. كنت و"بيوك" و"صادق" مجبرين على اقتسام هذا المال، قرانان لكلّ واحد، والقران الخامس للولد الثالث على أن نتداوله بيننا، لكن عندما كان يحين دوري، أعمد إلى التحايل عليهما.

 

كنت أقضي أكثر أوقاتي مع أخي السيد صادق، وكان لدينا العديد من الأصدقاء نلعب معهم دائمًا: "حسن نمكي"، "السيد محمد والسيد علي حسينيان" وهم أخوان، "السيد محمد إيزدخواه"[2]، إضافة إلى ثلاثة آخرين تغير مسارهم عن مسارنا فيما بعد وصاروا يتعاطون المخدّرات. والغريب أنّنا مذّاك الوقت اختلفنا على بعض الأمور. كنّا عندما نمرّ بالبساتين ونرى المناظر الجميلة لعناقيد العنب، الكرز والجوز، لا نمدّ أيدينا إليها، لكنّ أولئك الثلاثة كانوا يقطفونها ببساطة ويأكلونها. أذكر أنّني أحببت الكرز، ولأنّه لم يكن موجودًا في بستاننا، كنت عندما يسألني أبي ماذا يشتري، أجيب فورًا: "الكرز!"

 

إضافة إلى الدرس والعمل، لعبت وأصدقائي كرة القدم، وقد شكّلنا فريقًا استمرّ إلى ما قبل سنتين أو ثلاث من انتصار الثورة، وسمّيناه


 


[1] قران: وحدة العملة زمن القاجاريين، وكل ريال كان يساوي قرانًا واحدًا وخمسة شاهي، والقران كان يساوي 20 شاهيًا.

[2] أستشهد هؤلاء الأربعة جميعا في حرب الدفاع المقدس (الحرب المفروضة).

 

16


10

الفصل الأول: رياض الطفولة

"البعث"! يومها لم نعلم بأنّ البعث (رستاخيز) هو اسم لحزب سياسي، وهو من باب الدعاية له يوزّع على الأولاد قمصانًا مطبوعًا عليها اسم "البعث"، فكنّا نرتديها أثناء اللعب، ولا علم لنا بكلّ هذا.

 

من ذكريات طفولتي أيضًا أيّام شهر محرّم، فطالما ظلّت هذه الأيام مناسبة مميّزة لكلّ الأولاد. لم يكن يفصلنا عن المسجد سوى منزل عمي، لذا دأبنا على المشاركة في كلّ مراسمه. كان خالي "الحاج علي أكبر نمكي" كبير القرية، وإنسانًا متعلّمًا وعنده اطّلاع واسع في "الرسالة العملية"[1]، فكان غالبًا ما يسأل الأولاد في المسجد عن الأحكام والصلاة، وكلّ من يتقن صلاته يعطيه جائزة، قرانًا أو قرانين[2].

 

كان للمسجد في أيام محرّم أجواءٌ خاصة، وكم أحببت هذا الشهر منذ الطفولة، وأحد أسباب ذلك هو الموائد التي تُعدّ فيه! في تلك الأيام لم يكن تناول الأرز متعارفًا إلى حدٍّ كبير، ولم نكن نتناوله أكثر من مرتين أو ثلاث في السنة، كنّا نطبخ منسفًا يطبخ كما الأرز ونأكله، لكنّنا كنّا متأكدين أننا في العشر الأوائل من محرّم سنحظى بالكثير من الأرز والحساء!

 

أحيانًا في طفولتنا كنّا نسمع أحاديث تولّد في عقولنا الصغيرة أسئلة كبيرة. كان أبي في شبابه ينتمي إلى أحد الأحزاب، ويمتلك خنجرًا قديمًا يخبّئه دائمًا. وحيث إنّنا نحبّ هذه الأشياء ولدينا فضول لنراها ونحملها، كان يعلّق قائلًا: "هكذا سيجدها رجال الشاه!" فأسأله: "وهل يعلم رجال الشاه الغيب!" فيجيبني: "أجل!"، لذا بات من الطبيعي عندما نسمع هذا الكلام أن نخاف من الشاه ورجاله.

 

سنة 1971م، وقع نزاع على الماء بين عائلتي وأحد أهالي القرية،

 


[1] الرسالة العملية: كتاب الأحكام الشرعية.

[2] لم يكن القران أو القرانين مبلغًا قليلًا في ذلك الوقت، كان يمكن الذهاب بقرانين بالسيارة من خلجان حتى تبريز.

 

17


11

الفصل الأول: رياض الطفولة

فاستغلّوا قرابتهم من المختار ونفوذهم الكبير واشتكوا علينا وقالوا إنّنا شتمنا الشاه! فاقتيد أبي وعمّي إلى السجن وأوقفا مدة تتراوح بين 40 و50 يومًا. زرعت هذه الأحداث في قلوبنا الكره وسوء الظن بالشاه، إضافة إلى الخوف.

 

أذكر أنهم جاؤوا مرات عدّة إلى القرية لأخذ الشباب إلى التجنيد. وكان أحد رجال الشاه ويدعى "شوكفر"[1]، يأتي إلى القرية مع عدد من الرجال ليجنّد الشباب! ولأنّ والدي من جملة الذين لم يذهبوا إلى خدمة العلم، كنّا نصاب بالرعب كلّما أتى "شوكفر"، ويختبئ أبي وتتصدى أمّي للرجل! إنّها امرأة ذكية، وكان أهالي القرية يكنّون لها الاحترام. كثير من الناس رشوا "شوكفر" بالمال ليرضوه ويغضّ الطرف عنهم، إلا أنّ والدتي لم تكن تتراجع أمامه، بل أعادته خائبًا كلّ مرة. لكم تساءلت دائمًا "وكيف يعلم رجال الشاه هذه الأمور؟!".

 

كان "آية الله خسروشاهي" مرجع التقليد لعائلتنا في تلك الأيام وخطيبًا في مدينة تبريز، وامتلكنا كثيرًا من الأشرطة المسجلة لمحاضراته وما زالت موجودة. صغيرًا أخذني أخي الكبير ميررحيم إلى تبريز لنستمع لمحاضراته. دأب "آية الله خسروشاهي" على التصريح بكلام لا يجرؤ الكثير من العلماء على قوله. روى في أحد الأيام قصة ما زلتُ أذكرها حتى اليوم. قال: "أمر الشاه يومًا أن يُحاك له لحاف، خاط له أوّلُ خياط لحافًا وأحضره له، لكنّه كان قصيرًا وكانت قدما الشاه تظهر من تحته، فأمر الشاه بقتله. خاط الثاني لحافًا، لكن كانت قدما الشاه أيضًا تظهر من تحت اللحاف وقُتِل. جاء الثالث وقال أنا أجيد الخياطة، فخاط اللحاف، لكنّ قدما الشاه ظهرتا أيضًا من تحته! فقال الرجل:


 


[1] قُتِل أيام الثورة.

 

18


12

الفصل الأول: رياض الطفولة

"أنا خطت اللحاف بشكل جيد لكنّ قَدَمَيْ الشاه هي التي تطول باستمرار لذا عليكم قطعهما!".

 

في مثل تلك الظروف، أمضيت مرحلة دراستي الابتدائية في مدرسة القرية.

 

قرّرت في العام 1978م الذهاب إلى تبريز للعمل وتركتُ مقاعد الدراسة[1]. بحثت عن عمل حتى قُبلت متدربًا في ورشة لصناعة بطاريات "نفين" في مستديرة "قونقا"، وصاحباها أخوان هما "محمود" و"صمد". كانت المسافة من تبريز إلى خلجان تستغرق حوالي الثلث ساعة، فصرت في بعض الليالي أنام في الورشة.

 

في أحد الأيام، أتى "محمود" صباحًا إلى الورشة وقال لي بفظاظة: "سمعت أنك تلاحق البنات عندما لا أكون موجودًا..." لم أكن أصلًا أتوقع سماع مثل هذا الكلام، لم أجبه بشيء وبدأت بالبكاء. بعد قليل جاء أخوه صمد لاسترضائي وقال لي: "يقع الكثير من الشباب الذين يأتون إلى تبريز في الخطأ! ولم يقل لك محمود ذلك إلا لأنّه قلق عليك كي تكون متيقّظا..."[2].

 

كان "محمد نمكي" - ابن الخال المدير لجلسات القرية - يتابع الدروس الحوزوية في قم في تلك السنوات، وقد سمعنا باسم "الإمام الخميني" لأوّل مرة على لسانه. طالما أحضر أشرطة محاضراته، بياناته وصوره إلى القرية، وكنت ممّن يساعدونه في توزيعها. كان السيد محمد يقول افعلوا شيئًا لتحصلوا على المال لطباعتها ونشرها. رحنا في البداية نبيع

 

 


[1] بعد الحرب، تابعت دراستي في العام1994م وحصلت على الشهادة الثانوية.

[2] مرت سنوات على هذه الحادثة، والتقيت بالأخ محمود في ثكنة الأهواز في عملية بدر عام 1985. توجهت نحوه وقلت: جئت إلى هنا للبصبصة والبحلقة؟! تفاجأ... ثم عرفني وأخذْنا نستذكر تلك الأيام.

 

19


13

الفصل الأول: رياض الطفولة

الصور بثلاثة قرانات وبعض المشترين يدفعون خمسة. وعندما نجمع ثمن الصور نقوم بتوزيع الباقي منها مجانًا بين الناس. أحضرت عدة مرات عددًا من الصور والبيانات من خلجان إلى تبريز. كان موقف الحافلات الصغيرة لخلجان يقع في حي "آخمقية" تلك الأيام. في إحدى المرات أخفيت عددًا من صور الإمام في سترتي الشتوية وركبت حافلة صغيرة متوجهًا إلى تبريز. عندما وصلنا إلى الموقف رأيت الجنود هناك يفتشون الجميع. خفت، لكن لم أستطع فعل شيء. وصل الدور إلي، فتّشني أحد الجنود وانتبه للصور. كاد قلبي أن ينخلع من الخوف! نظر الجندي إلى وجهي وقال لي: "أغلقها بسرعة واذهب!". أغلقت سحّاب سترتي وخرجت بسرعة. كانت المسيرة في ذلك اليوم في مستديرة "نصف راه" التي لا تبعد كثيرًا عن "آخمقية". عندما وصلت إلى المتظاهرين وزعت الصور بسرعة وعدت إلى القرية بنفس الحافلة.

 

مع اشتداد المواجهات ونزول الشعب الكثيف إلى الشوارع، أصبح خبر مجيء الإمام إلى إيران أمرًا واقعًا. في الأول من شباط كنّا في تبريز نشارك في تظاهرة متجهين من تقاطع "شهناز" - أصبح اسمه بعد الثورة "شريعتي" - نحو "باغ كلستان" حين سمعنا بخبر هبوط الطائرة التي تقلّ الإمام الخميني في مطار مهرآباد في طهران. أذكر أننّا احتشدنا أمام سينما آزادي (الحرية) وقد وصلت حماسة الناس وشوقهم إلى أوجهما. قلت لصديقي حينها: "للأسف، ستنتهي المظاهرة!".

 

- لا! فالأحداث ستبدأ الآن!

 

كان محقًّا فيما قال إذ نزل الناس إلى الشوارع ولم تتوقف المظاهرات حتى الحادي عشر من شباط وانتصار الثورة. وصلت التظاهرات إلى قريتنا أيضًا، وكان الناس يسيرون حتى مزار "الشيخ أبو دجانه"[1]


 


[1] أحد أصحاب أهل البيت عليهم السلام مدفون بالقرب من خلجان، ولقبره قبة وبناء صغيران، يقصده الناس للزيارة.

 

20


14

الفصل الأول: رياض الطفولة

حيث مقبرة القرية، وينهون المظاهرة برمي الحجارة على مجسمين لأسدين منتصبين في المقبرة، وكأنّ الأسدين الحجريين رمز للشيطان، والرمي رمي الجمرات[1]. وكان أهالي القرية يجتمعون أحيانًا ويذهبون بالحافلات الصغيرة إلى تبريز للمشاركة في المسيرات والتظاهرات.

 

بعد أيام على انتصار الثورة ذهبتُ إلى طهران للبحث عن عمل. كان أخي بيوك قد سبقني إلى هناك للعمل أيضًا، وعاش وحده. استأجرنا منزلًا آخر في "خافران" ووجدت عملًا في محلّة "افسريه" في صناعة البطاريات. لي ذكريات لا أنساها، مع جارنا السيد عبد الله الآراكي الذي لم يُرزق بأولاد وقتها، وكانت زوجته تهتم بنا كثيرًا، وتصرّ أحيانًا على غسل ملابسنا أيضًا. أحبّا أن نعيش معهما. ذهبتُ يوم الجمعة إلى الحمّام العمومي فصدمتني حافلة صغيرة في "خافران"، نقلت إلى المستشفى، وتبيّن أنّ أحد أضلاعي قد كُسر، أمستْ زوجة السيد عبد الله تهتم بي كأمي في فترة نقاهتي التي امتدت إلى خمسة عشر يومًا تقريبًا[2].

 

خلال تسعة أشهر من عملنا في طهران، ذهبتُ مع أخي مرتين أو ثلاثًا إلى القرية، وصادف أن واكبنا أحداث منظمة "خلق تبريز". كان الناس في قريتنا كباقي مناطق آذربيجان منقسمين إلى جماعتين، ووصل الأمر في القرية إلى أن يؤذي مؤيدو "جماعة خلق"[3] كلّ شخص يذهب لأداء صلاة الجمعة، فكانوا يرمونه بالحجارة ويهددون عائلته أيضًا، وقد تعرّضت والدتي للتهديد مرات عدة بسبب أعمالنا. قام مؤيدو


 


[1] بعد ذلك، تم نقل المجسّمين إلى متحف آذربيجان في تبريز.

[2] ما زالت هذه العلاقة الطيبة قائمة، وما زلنا نتزاور حتى الآن. ذهبت إلى طهران لرؤيتهم بعد إصابتي في عملية مسلم بن عقيل. لم يعرفوني بسبب جرحي وتغير شكلي، وعندما عرّفتهم إلى نفسي انزعجا وبكيا لما جرى لي..

[3] حزب الشعب.

 

21


15

الفصل الأول: رياض الطفولة

"جماعة خلق" في أحد الأيام بعد صلاة الجمعة بمهاجمة المصلين -حيث أُقيمت صلاة الجمعة في السّاحة الكبيرة في منطقة "راه آهن" في تبريز - وراحوا يضربون الناس بالحجارة والعصيّ، كانوا يرمون الحجارة من داخل باحة مستشفى طالقاني في مستديرة "راه آهن". كنّا ننزل إلى التظاهرات مع جماعة حزب الله، أما مؤيّدو "جماعة خلق" فينزلون إلى المسيرات في الجهة المقابلة ويطلقون شعارات مؤيدة لـ"شريعتمداري"، وقد حرقوا مكان الصلاة في ذلك اليوم. قلبت النزاعات والمواجهات المدينة رأسًا على عقب، وأحدثت انقسامًا حتى داخل العائلة الواحدة، حتى إنّ الأخ أصبح ضد أخيه.

 

في أحد أيام تلك المواجهات سمعت أحد أصدقائي يشتم آية الله بهشتي. سألته: "وهل تعرفه؟"، قال: "هو المسبب والباعث لكلّ الخلافات!". لم يكن لديّ معرفة كبيرة بالمسائل السياسية، لكنّني لم أصدّق كلامه. أكثر أبناء جيلي هم هكذا، ومثل غالبية الناس، كنّا ننزل إلى الساحات بكل شوق وعزم، لكن من دون امتلاك الكثير من المعلومات. في إحدى الليالي كنّا في القرية حين سمعنا عبر الراديو نداءً للتبرع بالدم، جاء الناس إلى المسجد، وجئت أنا وإخوتي أيضًا إلى تبريز للتبرع بالدم. في النهاية، خمدت "فتنة خلق" في تبريز مع أنّ آثارها السيئة استمرّت لسنوات بين أهالي آذربيجان.

 

راودتني منذ مدة فكرة العودة إلى تبريز والعمل هناك، لكنني أجّلت المسألة من يوم لآخر، وبقيت في عملي إلى أواخر أيلول من العام 1980. في ذلك اليوم، سمعت أول خبر عن الحرب من مذياع الحافلة التي كانت تقلني من مستديرة "الإمام الحسين" إلى مستديرة "خراسان".

 

22

 


16

الفصل الأول: رياض الطفولة

راحوا يبثون البيانات المتتالية عن الهجوم العراقي على المدن الحدودية الإيرانية. جميع من في الحافلة تحدّث عن هذا الموضوع، وأكثر ما لفت انتباهي الحديث عن محاصرة "شوش". بعد سماع هذا الكلام، نزلت عند أول محطة. قلت في نفسي إنّ "شوش" قريبة مني لأذهب وأرى ماذا يجري؟! عندما وصلت إلى مستديرة "شوش" لم أجد أثرًا للحرب! ذهبت إلى عملي من دون أن أسأل أحدًا شيئًا، لكن أخبرت أخي مساءً بما جرى، وفهمت حينها أنّ "شوش" هو اسم إحدى مدن خوزستان، وليس فقط مستديرة في طهران!

 

في تلك الليلة أيضًا لم أستطع النوم بسبب فكرة العودة إلى تبريز. أخبرت أخي أولًا بقرار العودة إلى هناك ثم ربّ عملي، وبعد مرور أربعة أيام على الحرب، غادرت طهران متوجهًا إلى القرية.

 

ألقت الحرب بظلالها على كلّ مكان، وعرفت في خلجان أنّ أصدقائي كانوا يسعون للالتحاق بالجبهة وقد أصبحوا أعضاءً في الحرس. أنا أيضًا كنت أسعى للالتحاق بالجبهة بدل البحث عن عمل، فتوجّهت إلى الحرس الذي كان برأيي أول باب للذهاب إلى الجبهة، وهناك، قابلني أحد عناصر الحرس "محمد رضا باصر"[1]، وأيّ مقابلة كانت! سألني أسئلة في العقيدة، السياسة، الأحكام... أسئلة لم أكن أعرف الإجابة عن الكثير منها! وعندما قال لي إنّني غير مقبول، لم أصدّق! لم أكن أتوقع أن أحرم من الذهاب إلى الجبهة بسبب تلك الأسئلة والأجوبة. عدت إلى المنزل منزعجًا.


 


[1] كان محمد رضا باصر حينها المسؤول عن الانتقاء في الحرس. أصبحنا بعد أربع سنوات رفيقي السلاح في عملية بدر، وكنت موجودًا لحظة استشهاده...

 

23


17

الفصل الأول: رياض الطفولة

صارت "الجبهة" الذكر الذي يجري على لساني ليلًا ونهارًا. أضحيتُ في النهار أطرق كلّ الأبواب لعلّي أجد طريقًا إليها، وفي الليل أمسيت أفعل أيّ شيء في البيت لأستجلب رضى العائلة، أحيانًا لم أكن أتناول طعام العشاء وأقول "لن آكل شيئًا ما لم تسمحوا لي بالذهاب إلى الجبهة". وعندما يحتدّ النقاش أحيانًا، كنت أستاء وأذهب لأنام في المسجد، وأحيانًا ألجأ إلى الحديقة، ولا أعود إلى المنزل مهما فعلوا.

 

بات برنامجي النهاري معروفًا، منذ الصباح أذهبُ إلى مراكز تسجيل التعبئة في تبريز. تكرّر ذلك، حيث ذهبتُ عدّة مرات إلى السوق وأملي أكبر بأن يقبلوني في مركز التعبئة هناك. لكنّني كنت أرجع دائمًا خالي الوفاض، إذ يقولون: "ما زلت صغيرًا، لا يمكن أن تلتحق بالجبهة!". يئست من قبولي في الحرس في أوّل يوم، كما لم يكن لتوسّلي وبكائي أيّ أثر في فروع تسجيل التعبئة كالكثيرين غيري، لكنّني نجحت في المنزل وأقنعت والدتي، أو أنّها ربما تعبت من أفعالي وظنت أنّ ذهابي إلى الجبهة أفضل من بقائي على هذه الطريقة. عندما يئستُ من الحرس والتعبئة فكرتُ بالالتحاق بالجيش، وأخذتُ أمي معي كي يأخذوا موضوعي على محمل الجد. توجهنا إلى أقرب مخفر للدرك في "سردرود"، قلت لهم: "أريد أن ألتحق بالجيش".

 

- كم عمرك؟

 

- ستة عشر عامًا!

 

- اذهب في سبيلك يا عزيزي، لا يمكن قبولك!

 

- ألا يلزم قوات للجبهة؟

 

- بلى، لكن قوات! وليس ولدًا في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة! اذهب وعد عندما تكبر!

 

عدت خائبًا، لكنّ والدتي كانت راضية هذه المرة فأخذت تدعو لي ليقبلوني.

 

24

 


18

الفصل الأول: رياض الطفولة

في تلك الأيام، كان ابن خالي "إبراهيم نمكي" أقرب شخص إليّ قد ذهب إلى الجبهة وأمكنني أن أسمع منه الكثير عنها. عندما عاد من حرب "سوسنكرد"، جعلته هدفًا لأسئلتي الكثيرة والدقيقة: "ماذا تفعلون في الجبهة؟ كيف تحاربون؟ كيف هي الأسلحة؟...". ألهبت إجاباته شوقي أكثر: "هناك، نواجه مباشرة العدو الذي يجب أن نقتله، وهو أيضًا يريد قتلنا. هناك آليات كبيرة اسمها دبابات يصل وزن طلقتها إلى عشرة كيلوغرامات، وأحيانًا يطلقونها على الشخص مباشرة..".

 

- حسنًا، ماذا عليّ أن أفعل إذا أردت الذهاب إلى الجبهة؟

 

- يجب أن تتدرّب كثيرًا قبل لذلك، وعليك أن تتمكن من الركض جيّدًا وبسرعة ولا تقصّر في ذلك!

 

منذ ذلك اليوم بدأت أتمرّن على الركض، كنت أركض فقط حول ملعب كرة القدم في القرية، وفي كلّ يوم أحاول أن أركض دورة إضافية عن اليوم الذي سبق، كما أحمل فوق كتفي كيس خيش مليئًا بالحجارة وأثقله كلّ يوم أكثر بدلًا عن الذخائر وحقيبة الظهر!

 

كان أولاد القرية الذين عرفوا برنامجي يأتون للمشاهدة، فأضطرّ أحيانًا إلى تبرير ما أفعله، لكن ظلّت مشكلتي الأساسية عدم السماح لي بالذهاب.

 

آخر مرة ذهبت إلى "شعبة تسجيل التعبئة" في سوق تبريز، تواقحتُ ولم أرجع على الرغم من رفضهم المتكرر لي، لقد جعلوني أبكي: "لا التعبئة تسجل اسمي ولا الحرس يقبلني. إذا كيف سأذهب؟". وفجأة قلت لهم: "إذًا سأذهب بنفسي إلى الجنوب! لا بدّ أن يسألني هناك أحد

 

25


19

الفصل الأول: رياض الطفولة

ما لماذا أتيت؟!". هنا، أصبحوا أكثر ليونة وقالوا لي: "جيد جدًا! اذهب وأحضر والدتك لنرى ماذا يمكن أن نفعل".

 

في صباح اليوم التالي، ذهبتُ برفقة أمي إلى مقرّ تسجيل التعبئة في سوق تبريز، وأوصيتها في الطريق أن تجيب بـ "نعم" مهما سألوها، وحذرتها بأنهم لن يقبلوني إن تأخَّرَت في الإجابة أو أجابت بالنفي، فحينها أعود إلى المنزل ومن جديد يعود "النقّ"...

 

عندما سألوا والدتي: "هل أنت راضية أيتها السيدة.. ". قالت مباشرة: "نعم"، أما عندما سألوها عن السبب، بدأت بالكلام وكأنّها وجدت فرصة لتشكو همها فقالت: "لقد أتعبنا منذ شهر! لم يقبل أن أبقى في المنزل وأخذني حتى إلى المخفر. إن لم أرضَ...". لم يعطوني في ذلك اليوم إذنًا بالذهاب، ولم يسمحوا لي بعد ذلك حتى بالدخول إلى فرع التعبئة في سوق تبريز!

 

فكرت في تلك الليلة أنّ آخر الحلول هو إمام جمعة تبريز "آية الله مدني" فقد سمعت من الإخوة أنّه يستطيع المساعدة، ذهبت إليه وبحتُ له بوجعي، وأرشدني إلى حلٍّ لمشكلتي. قال لي: "سوف يوزّعون هذه الجمعة بعد الصلاة استمارات للذهاب إلى الجبهة في مسجد "راه آهن". إن شاء الله عندما تملأها...".

 

توجهت صباح الجمعة بكلّ شوق وحماسة إلى مستديرة "راه آهن" حيث تقام صلاة الجمعة، وذهبت بعد الصلاة مباشرة إلى المسجد حيث وجدت الكثيرين هناك ينتظرون قبلي. عرفت من حديثهم أنّه سيتم توزيع 40 استمارة فقط، لذلك حاولتُ الوصول إلى المقدّمة، واستطعت بالرغم من كلّ الإجراءات أن أكون خامس شخص يحصل على استمارة[1].

 


[1] يقال إنّ الحرس قبل ذلك التاريخ كانوا يرسلون فقط عناصرهم المنتسبين، وفي ذلك التاريخ تمّ إرسال أول دفعة من المتطوعين تحت اسم التعبئة.

 

26


20

الفصل الأول: رياض الطفولة

كان القرار في البداية أن يأخذوا هؤلاء الأربعين تعبويًا للتدريب بعد أن يحصلوا على موافقة لجنة المسجد حيث تمّ ملء الاستمارات. سلّمتُ استمارتي للّجنة الإسلامية في المسجد التي كان خالي الحاج علي أكبر نمكي عضوًا فيها، وتمّت الموافقة عليها من دون أيّ عائق. وأخيرًا فُتح باب الجبهة أمامي، وتوجّهتُ في آخر أيام الخريف من العام 1980م مع مجموعة من المتطوعين إلى ثكنة "خاصبان"[1] للمشاركة في دورة تدريبية لمدة شهر واحد.

كان الأخ "علي تجلايي" أحد المدربين هناك، أمّا مسؤول التدريب فكان من طهران. أدركنا صعوبة ما سعينا إليه عندما جعلونا نركض في أول تدريب صباحي حوالي 8 كيلومترات ولم نعد نقوى على الحركة، لكن كانت هذه البداية، ومع ازدياد فترات التدريب وصرامة المدربين، نسينا صعوبات اليوم الأول. فقدتُ كلّ طاقتي تحت ضغط تلك التمرينات، لكن ليس بالإمكان التهرّب من التدريب تحت أي حجة.

 

في إحدى الليالي، قال لي أحد زملائي في الدورة بعد أن رأى حالي: "إذا أصبتَ بملخ في إصبع قدمك سيعفونك من الركض لمدة". تهوّرت إذ سمعتُ قوله وأخذتُ به، وساعدني هو في شدّ إبهام قدمي حتى تأكدت أنّه ملخ! تسببت لنفسي بالألم وتورم إصبع قدمي على أمل أن يتساهل المدرّب معي قليلًا عندما يرى حالي، لكن ما حصل في صباح اليوم التالي هو أنّني أجبرتُ على لبس الجزمة والركض مسافة 8 كلم في المرتفعات والمنخفضات المحيطة بالثكنة، وكانت هذه المرة الأكثر ألمًا

 


[1] تبعد ثكنة التدريب العسكري (خاصبان) حوالي 30 كلم عن تبريز، وبرامج تدريبها العسكري مشهورة ولا تنسى. كان مركز التدريب (خاصبان) قبل عدة شهور من الحرب المفروضة مكانًا للتدريب العسكري للحرس، وهي تعرف اليوم باسم ثكنة سيد الشهداء عليه السلام.

 

27


21

الفصل الأول: رياض الطفولة

مما سبقها. لعنتُ حظّي السيّئ وركضتُ جنبًا إلى جنب مع الآخرين من دون أن أنبس ببنت شفة، وشاركت في كلّ الصفوف والتمارين، ولم أعلم متى يتعافى إبهامي!

 

في اليوم الخامس عشر من التدريب، أُبلغنا بوجود حاجة ماسّة إلى قوات جديدة في المنطقة فأرسلوا من بيننا نحن الأربعين، عشرين شخصًا كانوا قد خضعوا لدورات أو تدريبات عسكرية سابقة، وأكملنا نحن تدريبنا الشاقّ في "خاصبان". لقد أصبح التدريب أكثر قساوة، وأرسلونا مرتين أو ثلاثًا للتدرّب على القتال الليلي الذي كان صعبًا جدًا ومخيفًا في الوقت نفسه. لم ننعم بالهدوء حتى أثناء تناول طعام الغذاء حيث صاروا يرمون علينا من دون سابق إنذار الغاز المسيل للدموع. وأحيانًا، يباغتوننا أثناء الحراسة الليلية ويأخذون أسلحتنا، وعلينا استعادتها بأي طريقة. شيئًا فشيئًا بدأت آثار التدريب تظهر علينا، ولم نعد تلك القوات الحديثة النفس كما في اليوم الأول.

 

في إحدى الليالي، وفي طريق العودة من تدريب القتال الليلي، طلبوا من كلّ من لديه طلقات أن يطلق النار قبل الوصول، فأفرغ الجميع بنادقهم من الرصاص إلا أنا، فقد خطر ببالي الاحتفاظ برصاصاتي. عندما اقتربنا من الثكنة، تقرّر الهجوم على عدوّ مفترض موجود هناك، فبدأنا التحرك، وبعد أن اقتربنا عدّة أمتار، واجهتنا "تشريكة ألغام" أعّدوها مسبقًا، وبدأ رامي رشاش بإطلاق النار علينا. خطر ببالي فجأة أن أتجاوز الأشرطة الشائكة والألغام التي وُضعت لتدريبنا! فقطعت كلّ العوائق ووصلت إلى مطلق النار، وأطلقت النار باتجاهه مستخدمًا الرصاص الذي كان بحوزتي فخاف المسكين كثيرًا، هنا نادونا فورًا: "يكفي، عودوا!".

 

28


22

الفصل الأول: رياض الطفولة

قالوا بعد نهاية المناورة إنّ أحد الأفراد كاد يقتل الرامي. حاولوا كثيرًا إيجاده، لكنّني لم أعترف بفعلتي، وحين لم يتوصلوا إلى نتيجة، أرشدونا إلى المكان الذي سننام فيه، لكنّهم تابعوا الموضوع في اليوم التالي. بعد المراسم الصباحية تمّ استجوابنا: "من أطلق النار على الرامي؟" فلم يُجب أحد. وأنا أيضًا لم أنطق بحرف! فحُرمنا من الطعام 24 ساعة، وسحبونا إلى الخارج حفاة في تلك الليلة الباردة من ليالي الشتاء، أما أنا فكأنّني لم أكن المسبّب لهذه المتاعب الإضافية. في النهاية، عندما رأوا أنّ أحدًا لن يعترف بشيء صرفوا النظر عن متابعة الموضوع.

 

انتهى شهر من التدريب في "خاصبان"، وانتقلنا إلى تبريز لنذهب بعد يومين إلى الجبهة. لقد اقتربتُ من تحقيق أمنيتي.

 

29

 


23

الفصل الثاني: كردستان

الفصل الثاني:

كردستان

 

التحقتُ بالجبهة في شهر شباط من العام 1981م. ودّعتُ أهلي في المنزل، أما أمي فلم تحتمل وأصرّت على أن ترافقني حتى الحافلة. نُقلنا إلى طهران بحافلتين، كنّا 55 شخصًا، 20 من الحرس والبقية من التعبئة، لم أكن أعرف أحدًا منهم. تحركت الحافلة، وبقيت أحدّق من خلف النافذة إلى المناظر من حولي إلى أن بدأ الجميع يتبادلون أطراف الحديث. كان بعض الذين خبروا الجبهة من قبل يتحدثون عن استخدام العراق قذائف الراجمات وعن قصفهم العنيف بالمدفعيات، وكانت أحاديثهم تذكّرني بكلام ابن خالي عن معارك "سوسنكرد"، شعرت مع هذه الأحاديث أنّني اقتربت من الوصول إلى مبتغاي بعد كلّ الجهود التي بذلتها.

 

عندما وصلنا إلى طهران، انتقلنا إلى ثكنة الإمام الحسين عليه السلام التي كانت مقرًّا للسافاك أيام الطاغوت. بقينا هناك ليوم واحد جاؤوا فيه بأخبار مختلفة! في البداية أعطوا لكلّ واحد منا كلاشينكوفًا وقالوا إنّهم سيأخذوننا إلى الجنوب، وبعد فترة جمعوا الأسلحة وقالوا ستذهبون إلى "كيلان غرب"، ثم أعطوا الجميع أسلحة مرة أخرى وقالوا ستذهبون إلى "كردستان"، إنّه القرار الأخير. لم يكن الخيار بيدنا، وجاء الأمر بالعودة من "طهران" والذهاب إلى تبريز حيث لم نمكث طويلًا وتوجهنا إلى "أرومية".

 

 

30


24

الفصل الأول: رياض الطفولة

لم تكن الأوضاع في "أرومية" مستقرة يومذاك، حيث كانت هناك مواجهات مع المعادين للثورة في المدينة، وقد بقينا ليلًا في مقرّ الحرس الذي قصف في تلك الليلة مرات عدة بقذائف الـ(B7). بعد يومين لم نذق فيهما طعم الهدوء، جاء الأمر بالجهوزية عند الساعة التاسعة والتهيّؤ للذهاب إلى "مهاباد". لم تكن الطرق آمنة تلك الأيام، فالحرس أو الجيش يؤمّنون طريق "نقده - مهاباد" لأربع ساعات فقط في اليوم، أما طريق "مياندوآب-مهاباد" فكانت مغلقة.

 

سلّمونا أسلحتنا وعتادنا وذكّرونا بما يجب علينا فعله في حال الاشتباك. تقرّر الذهاب إلى "مهاباد" بآليتي "إيفا"، وتحركنا موجهين أسلحتنا إلى الخارج في حالة من الجهوزية، لكن لم يحصل أي اشتباك في الطريق حتى وصولنا إلى "نقده" حيث أُخبِرنا بأنّ الطريق بعد تقاطع "نقده" غير آمنة بتاتًا، ويجب بالتالي أن نكون حذرين. رافقتنا من هناك قوات في آلية "سيمرغ" مع آليتي مدفعية (106) وآليتي رشاش عيار 50 حيث التحقت بالقافلة، وشكلت لنا نوعًا من التأمين والحماية[1]. تابعنا طريقنا من جديد في حالة من الجهوزية، لكنّ شيئًا لم يحصل حتى وصولنا إلى مشارف "مهاباد"، وهناك انفجر دولاب إحدى آليتي "إيفا" التي كانت تقلّنا فاضطررنا إلى التوقف. أنزلونا بسرعة، وجاء الأمر بالتحصّن خلف الصخور والجبال المحيطة بالطريق ريثما يتمّ إصلاح الدولاب، فتموضع الجميع خلف الصخور على جانبي الطريق. كنت قرب صخرة حين توجه شخص إليّ وطلب مني ماءً ليشرب فأعطيته مطرتي، شرب وجلس بجانبي. عندما عرفت أنّه تبريزي ومن سكان شارع "باستور" تذكرت صديقي "أبو الفضل بازارتشي"[2] الذي كان


 


[1] لم تكن الدوشكا أو الشيلكا معروفة تلك الأيام.

[2] كنت قد تعرفت إلى "أبي الفضل بازارتشي" في صلاة الجمعة، وأصبح أحد أفضل أصدقائي. كان أصغر سنًّا مني لكنه كان من العظماء الذين نالوا وسام الشهادة ما إن وطأت قدماه أرض الجبهة.

 

31


25

الفصل الثاني: كردستان

يسكن هناك فسألته إذا ما كان يعرفه، وسررت حين أخبرني - مبتسمًا - أنّه أخوه، في تلك الأثناء أنهوا إصلاح الدولاب ونادونا لنركب السيارة بسرعة ونكمل طريقنا. طوال الطريق كنّا نردد أناشيد ثورية بالتركية (ومعناها):

جيش الإسلام يتحرك في الجبال وبين الصخور، ولا يهاب شيئا

عشيرتي من "آذر"، وابن آذربيجان ليس جبانا

لن أتوقف، سأكمل المسير

السلاح في يدي

سأذهب إلى الحرب حتى نمسك بصدام اليزيدي.

 

لم نسمع صوت طلقة واحدة حتى وصولنا إلى مشارف "مهاباد"، وكانت الأجواء في المدينة نفسها أكثر هدوءًا حتى من "أرومية" وكأنه لا يوجد شيء هناك، لذلك ما إن وصلنا إلى قيادة الحرس حتى ارتفعت أصواتنا اعتراضًا: "لا يوجد اشتباكات هنا! لماذا جئتم بنا إلى هنا؟ نحن نريد الذهاب إلى الجنوب...". عاتبناهم كثيرًا، لكنّ جوابهم أسكتنا: "الاشتباكات هنا أشدّ من الجنوب... مهاباد من المدن الأساسية في كردستان، انتظروا حتى الليل وسترون ماذا سيحصل!". قلت في نفسي أنتم أخفتمونا من النهار ولم يحصل شيء، ماذا سيحصل في الليل إذًا؟

 

وعندما حلّ المساء بدأت الاشتباكات واستمرّت طوال الليل، إلى أن ذهبت في الصباح إلى مقرّ الحرس في "مهاباد" وكنت راضيًا![1].

 


[1] السبب الأساسي للحرب في كردستان أنّ الأحزاب السياسية هناك كانت تطالب بالاستقلال الذاتي. كان الحزبان: الشيوعي (الكوملة) والديمقراطي الكرديّان من الأحزاب الفاعلة في كردستان قبل سنوات عديدة من انتصار الثورة، وشكلا مع المنافقين والجماعات المعادية للثورة التي نشأت في مناطق من كردستان، القوات المسلحة الأساسية التي واجهتنا. وقد مكّن موقع كردستان الجغرافي في جوار تركيا والعراق القوات الكردية المسلحة من الحصول على التجهيزات العسكرية عبر الحدود. كانت الحرب في كردستان قاسية وعنيفة، وامتدت جبهة هذه الاشتباكات من مياندوآب حتى كرمانشاه بطول 500 كلم. كان أهالي المدن في البدايات يدعمون الديمقراطيين والكوملة، وكانوا عندما تحين الفرصة لهم، يوجهون ضربات لدورياتنا من منازلهم أو يهيئون الأرضية لهجوم مسلح، حتى إنّ بعض النساء المتحزبات كنّ في الأيام الأولى لوصولنا إلى مهاباد يرمين الإخوة بالقنابل من خلف أبواب بيوتهن، ولهذا كانوا يحذّرون الأفراد القادمين إلى كردستان أن ينتبهوا من كلّ شيء يشكّون فيه، ويقولون إنّ العدوّ يحيط بنا من جميع الجهات!

 

32


26

الفصل الثاني: كردستان

تقع ثكنة الحرس التي استقررنا فيها على أطراف المدينة تقريبًا، وتبعد حوالي 200م عن ثكنة الجيش. عرفنا منذ الليلة الأولى أنّ الأكراد يشتبكون مع الحرس فقط ولا يتعرّضون للجيش. كان للحرس أكثر من عشرين نقطة في "مهاباد" وهي مدينة صغيرة، وفي كلّ نقطة ضابط، معاون، عنصر إشارة وعدد من الجنود. استمرت قوات الكوملة تهاجم يوميًا بعض هذه النقاط وتسيطر عليها، فنقوم نحن بشنّ هجوم مضادّ عليهم ونستعيدها منهم. كان ضابط العمليات في الحرس هناك شابًّا طهرانيًا حذقًا وشجاعًا يبلغ من العمر 22 عامًا ويدعى "صالح." وكان يوجد من القوات في المدينة أكثر ممّا يوجد في المدن الأخرى كتبريز، طهران، قزوين، آبعلي، كرمان و..

 

قيل لنا في بداية تجربتنا هناك إنّه لا ينبغي أن ننام في الليل أبدًا، أمّا في النهار فكانوا يطلبون منّا الانتباه والتدقيق في كلّ شيء، فكنّا نمزح مع بعضنا البعض ونقول: "إذًا متى ننام؟!".

 

بقينا في أول يومين في أقصى حالات التأهب ولم تنم أعيننا ليلًا ولا نهارًا. من الأخطاء التي ربما ارتكبت في تلك الأيام أنّهم كانوا يخوّفون العناصر الجدد منذ وصولهم إلى كردستان ويقولون لنا إن سها أحدكم فسيقطع رأسه... وكان من الطبيعي، مع هذا الكلام، أن نبقى متأهبّين دومًا لكن مع شيء من الخوف والقلق. كما إنّهم لم يخبرونا شيئًا عن شجاعة قواتنا التي قاومت الكوملة والديمقراطيين بجرأة حتى اليوم، بل راحوا في كلّ فرصة يحذروننا: لا ينبغي هنا أن تذهبوا وحدكم إلى

 

33


27

الفصل الثاني: كردستان

المدينة، لا تثقوا بأحد هنا، لا يجب...

 

أرسلونا في ظلّ هذه الأجواء، وفي أول توزيع للقوات، إلى مركز "بنك سبه" القريب من مستديرة "كوزنها"[1]، وقد عرفت المستديرة بهذا الاسم بسبب وجود مجسم لـ"ظبي" فيها.

 

يوجد في جانب من جوانب هذه المستديرة "بنك سبه"، وفي جانب آخر منها إدارة التبغ ومقرّ محافظة "مهاباد"، كما يمرّ نهر في جانب ثالث لها. قليلة هي الأيام التي مرت هناك من دون اشتباكات، فقد كانت تبدأ دومًا من جهة النهر حيث البيوت في الضفة الأخرى للنهر متصلة بالغابة فتشكل أفضل مكان للاختباء قبل الاشتباك وبعده.

 

منذ دخولنا المركز، أُخبرنا كيف قطعت قوات الكوملة رؤوس 39 عنصرًا من قواتنا في "إدارة التبغ" وسلبوهم بعد ذلك أسلحتهم وقذائفهم، بثّ هذا الحديث الرعب في قلوبنا، لكن مع الوقت تعرفنا أكثر فأكثر إلى طريقة الاشتباكات وأتقنّاها بعد يوم أو يومين، في البدء كلّ شخص يعبر من هناك على دراجة نارية ثلاثية العجلات أو يبيع الفاكهة، وفجأة ترونه قد أخرج سلاحه و...

 

في الأيام الأولى تلك، قتلت للمرة الأولى واحدًا من الأعداء. كانت المسافة بين "بنك سبه" والمستديرة تتراوح ما بين الـ 30 و40م، وكان هناك متراسان من الإسمنت على بعد أمتار من المركز، كنت وبعض العناصر يومذاك موجودين هناك. عادة ما استخدم الكوملة نوعًا من الرصاص المتفجر لتدمير متاريس الباطون، ولو لم نتجهّز لهذا الأمر مسبقًا، لا أحد يعرف ما الذي كان سيحلّ بنا. بدأ الاشتباك عندما رأيت شخصًا يجول على دراجة نارية ثلاثية العجلات في المستديرة، ظننته في البداية عابر سبيل فناديت بالتركية: "دعه يذهب!"[2]، هم يفهمون هذه اللغة، لكنّه


 


[1] ومعناها مستديرة الظباء، حيوان الظبي.

[2] كئش كئت!

 

34


28

الفصل الثاني: كردستان

لم يعبأ بكلامي، بل أخرج سلاح الكلاشينكوف! فأطلقتُ عليه النار مباشرة وسقط أرضًا. لم أعرف إن كان قد جرح أو قتل، وكان الشخص الأول الذي يسقط برصاصي. خفت كثيرا! تراجعت من المتراس إلى المركز وبقيت هناك. انزعجت كثيرًا ولم أستطع حلّ هذه المشكلة. ذهبت إلى مسؤول مركزنا الذي كان من شباب حيّ "عباسي" في تبريز[1]، وقلت له إنّني قتلت أحدهم! كانت يداي وقدماي ما زالت ترتجف. قال لي ببرود: "وماذا يجب أن يحصل؟! كان عدوّا، وإن لم تقتله قتلك!". أراحني كلامه قليلًا، لكن بقيت أفكر أنّني ارتكبت ذنبًا بسبب قتلي أحدهم. مضت أيام حتى اعتدت على الأمر وبدأت "الحرب" تظهر لنا وجهها الحقيقي في كردستان.

 

كان الكوملة والديمقراطيون يملكون زمام المبادرة في المدينة، فهم يتلقّون الدعم والحماية من أيّ منزل قصدوه ولو بالقوة، أما نحن فلم نكن نتوقع مساعدة أحد من الناس. وكان بالقرب من إدارة التبغ منزل توجد فيه ثلاث فتيات. عرفنا مع الوقت أنّ هؤلاء الفتيات غير الملتزمات بالحجاب الشرعي واللواتي يلقين بأنفسهنّ التحية علينا على مدى أيام وينادين الواحد منّا بـ"الأخ"، كنّ يأتين مساءً لمساعدة الكوملة عند الاشتباكات ويرمين علينا القنابل. لقد اعتاد الناس على الاشتباكات، وعادة ما كان يسقط في المواجهات التي كانت تحدث في المدينة مدنيّون من المارة وأبناء السوق.

 

في هذه الأجواء، كان لمركز "بنك سبه" وضع خاصّ، فوثائق ومستندات البنك منتشرة في كلّ مكان، إضافة إلى عدد من الكتب التي نشرتها قوات

 


[1] كانت تصرفاته غريبة، كان ينفعل كثيرًا في بعض الأحيان، لكنه شخصٌ شجاع، وقد استشهد في كردستان. نسيت اسمه للأسف. رحمه الله.

 

35


29

الفصل الثاني: كردستان

الكوملة على ما يبدو، لكننا لم نطّلع عليها على الرغم من أنّنا نمضي أوقات فراغنا هناك. كان من بيننا عددٌ من طلاب الجامعة يوضحون لنا بعض القضايا والمسائل، وأقيمت أيضًا دروس في الثقافة والعقيدة والعسكر، كانت مضامينها مفيدة جدًا للعناصر الجدد أمثالي. عادة ما تمكث القوات في كلّ مركز قرابة العشرين يومًا، ثم تنتقل إلى مركز آخر. ونحن أيضًا انتقلنا فيما بعد إلى مركز في أطراف مستديرة "كوزنها".

 

غالبًا ما كان الديمقراطيون يهاجمون مراكزنا في الليل، لكن في أحد الأيام وقع اشتباك نهارًا، فذهبت إلى سطح البيت المجاور وعندما توقف إطلاق النار وأردت النزول، اعترضني صاحب البيت. قال لي بالكردية: "لقد أطلقتم قذيفة (B7) ودمرتم الحائط في غرفتنا"، توقفت قليلًا، كنت وحدي والفرصة مناسبة جدًا له ليباغتني، ولأنّني دائم الشك بهم قلت له: "حسنًا، تقدّم أنت وافتح الباب لنرى". لم يتحرك! كررت كلامي لكنّه لم يتزحزح وأراد منّي أن أتقدّم أولًا.

 

شهرت سلاحي بوجهه، فاضطر إلى النزول من على الدرج، ووقف أمام الباب وانتظر لأفتحه فراودني شك كبير به. لو تضرّر منزله لكان يستطيع أن يأخذ تعويضًا من الحرس. فتح الباب بعد إصراري عليه وتهديدي له بالسلاح ورأيت الغرفة سليمة ومرتبة. نظرت إليه، ومن دون أن أخسر المزيد من الوقت خرجت من المنزل بسرعة لأذهب إلى مركزنا الذي كان الأكثر أمنًا في الحيّ.

 

كانت ليالي كردستان غريبة وقاسية. لقد أصبحت أصوات الاشتباكات الليلية في مراكز المدينة وفي الأطراف مألوفة جدًا إلى درجة أن نشك ونستغرب إذا ما مرت ليلة ولم نسمع فيها أصوات الانفجارات، لذلك توزّعت القوات في كلّ مراكز المدينة، ولم تجتمع تحت أي ظرف كان. لم يكن في مركز القيادة الكثير من القوات أيضًا لأنّه مكان ظاهر ومعروف للديمقراطيين، ولو أنهم وجهوا إليه عشر أو اثنتي عشرة قذيفة لأبادوه بمن فيه. لذلك لم تكن تقام أساسًا مراسم جماعية في كردستان. عندما

 

36


30

الفصل الثاني: كردستان

كنت في مقرّ قيادة "مهاباد" أحببت أن نقرأ دعاء كميل في ليالي الجمعة بشكل جماعي، إلا أنّ الأخ "حداد" معاون صالح وزّع الإخوة على الغرف حتى لا تكون خسائرنا كبيرة في حال تمّ قصف المكان بالهاون، لذلك لم يتوافر هناك، في مثل هذه الظروف، مجال واسع للمزاح والمشاكسة، ومع ذلك كان البعض يتحيّن الفرص ليمازح الجميع.

 

بقيت لمدة مساعد المسؤول في مقر مستديرة "كوزنها"، وكان مسؤولنا من شباب قزوين. ذات يوم، كان هذا الأخ رائق المزاج فقال للإخوة: "هل تريدون أن أعلّمكم لعبة جديدة؟".

- ما هي؟

- اجتمعوا كلكم في الغرفة لأخبركم ما هي.

 

عادة ما كان يوجد في المركز قرابة العشرين عنصرًا عدا عن الذين يحرسون سطحه ومحيطه مداورة في الليل والنهار، اجتمع هؤلاء في الغرفة وبدأت لعبة "وضع العمامة"! لم يكن أحد يعرف ما هي هذه اللعبة. قال: "معي عمامة ستوضع على رأس الجميع، فمن تكون العمامة بحجم رأسه يأخذ تومانًا، ومن لا تكون بحجم رأسه يدفع تومانًا، وهناك شرطان للعبة، الأول أن تُطفأ الأنوار، والثاني، ينبغي أن يبدأ أحد ما اللعبة من أحد الجوانب ويشارك فيها الجميع". ضحكنا قليلًا وأطفأنا النور. كان الشخص الثاني أول من أجبر على دفع الـ (تومان) لأن العمامة لم تكن بحجم رأسه... عندما وصل الدور إليّ كنت قد حضّرت تومانًا، لكنّه مسح بيده على وجهي أيضًا عندما أراد أن يضع العمامة على رأسي، ثم ذهب إلى الشخص الجالس بقربي. أخيرًا انتهت اللعبة وأضأنا النور. كانت أشكالنا تستحق المشاهدة! انفجرنا من الضحك، كان مسؤول هذه الفوضى قد جمع "الشحار" من داخون سخان المياه ووضعه في العمامة، ولوث به وجوهنا حين مسح بيده عليها في تلك العتمة. كانت تلك الليلة

 

 

37

 


31

الفصل الثاني: كردستان

من ليالي كردستان المعدودة التي ضحكنا فيها كثيرًا.

 

بعدها لم تترك الاشتباكات وشهادة الإخوة وإصابتهم فرصة ومجالًا لنا لتكرار المزاح والضحك، لكنّني قرّرت أن أردّ الصاع لمسؤولنا القزويني بأيّ شكل كان.

 

في إحدى الليالي وصل الدور إليّ بعد هذا الأخ القزويني في توزيع مناوبات الحرس الثانية التي تبدأ في تمام الثانية عشرة. جاء في الوقت المحدّد وأيقظني وقال: "سيد! سأذهب لأنام، انتبه...". ذهبت أولًا إلى نقطة الـ"آيفون"(انترفون داخلي) حيث كنّا نتواصل مع الإخوة الذين يحرسون المدخل أو السطح، وأخذت معي الشاي للحرس أيضًا. تفقّدت أحوالهم وسألتهم إن كانوا قد ارتابوا في شيء ما أم لا. بدا أنّ الهدوء يسود المكان. بعد ساعة حلّ الوقت المحدّد لتبديل الحرس. وعندما دخلت المبنى لأوقظ المعنيّين بالمناوبة الثانية رأيت مسؤولنا القزويني يغطّ في نوم عميق. أيقظتهم بسرعة وأرسلتهم ليأخذوا مكان الحراس في المناوبة السابقة. عدت إلى المبنى وأطفأت سخان الماء ليبرد، ثم وضعت "الشحار" في علبة وذهبت إلى هذا الأخ القزويني. كان يتقلّب كثيرًا أثناء النوم، أمسكت بوجهه أولًا ثم مسحت الشحار على رأسه ووجهه! وبعد أن أنهيت عملي عدت إلى نقطة الآيفون، كنت قلقًا بعض الشيء لأنّني تركت المكان هناك خاليًا لبضع دقائق. اتصلت فورًا بالأخ الموجود في نقطة الحرس الأمامية وتحدّثت إليه، إلا أن أحدًا لم يجبني. أصبت بالذعر، ركضت وصعدت إلى السطح من دون سلاح. كان الحارس نائمًا! عندما وصلت إليه لمحت طيف شخصين من على مسافة سبعة أو ثمانية أمتار. مددت يدي إلى سلاح الحارس إلا أنّه وثب من نومه وتمسك بسلاحه بشدة. صحت به: "أعطني السلاح"، راح يهلوس مذعورًا: "ماذا حصل؟.. ماذا حصل؟.." عندما سمع الشخصان صوتي عادا وفرّا عبر السطوح الملتصقة ببعضها - والتي كانت قد ساعدتهما

 

38


32

الفصل الثاني: كردستان

على الوصول - أطلق الحارس النار عليهما بعد أن عاد إلى رشده ليُسمع صوت الرصاص مرة أخرى. نزلت عن السطح وكان الإخوة قد استيقظوا أيضًا. رأيت مسؤولنا أمام مرآة كبيرة في الصالة يقترب منها قليلًا ثم يرجع مبهوتًا. لقد استيقظ هذا المسكين على صوت الرصاص وأخذ سلاحه ليذهب إلى الأعلى، لكنّه في ذلك الوضع رأى صورة لا تشبهه! لم يكن يعرف بعد ما حلّ به...

 

لقد صفّيت حسابي معه، وربما كان من المصلحة أيضًا أن أتغافل قليلًا ثم أذهب إلى السطح لأرى ماذا يحدث.

 

هكذا انقضت خمسة وأربعون يومًا في "كردستان" لتسمح لنا القيادة بأخذ إجازة لمدة خمسة عشر يومًا، فعدنا إلى تبريز، ومن هناك ذهبت إلى القرية. صرت أواجه باستمرار أسئلة من أفراد عائلتي وأصدقائي خاصة "بازارتشي" وخالي عن وضع الجبهة والحرب: "كيف تحاربون؟ ماذا تفعلون أساسًا؟ كيف هي الاشتباكات؟.. ". وأجيب: "يطلقون النار قليلًا، ونطلق النار قليلًا، يقتل أحدنا الآخر و..". يسألون مستغربين: "هل يقتلون الناس هناك فعلًا؟!".

 

مضت الخمسة عشر يومًا بسرعة كبيرة، وعدنا إلى "مهاباد" عبر "أرومية" كما في المرة الأولى، ومع المرافقة وسيارات الحماية نفسها. أرسلونا هذه المرة إلى مركز آخر قريب من شركة الاتصالات حيث تعرفت إلى "أكبر واثقي"[1] من أهالي "قراملك" في تبريز، وهو يتيم الأبوين ويعيش في منزل أخيه. عمل راعيًا ولديه العديد من الأغنام يهتم بهم كما قال. كان رجلًا عظيمًا، طاهرًا، حلو المعشر، ومؤمنًا، يستأنس


 


[1] اغتيل "أكبر واثقي" في مهاباد فيما بعد ونال وسام الشهادة التي كان يليق بها كثيرًا.

 

 

 

39

 


33

الفصل الثاني: كردستان

بالصلاة. أحببناه وصرت أمضي معظم أوقاتي معه.

 

كالعادة، كانت الاشتباكات الليلية برنامجنا في "مهاباد"، ونهارات أغلب الأيام تمضي بهدوء. المركز الذي استقررنا فيه هو عبارة عن منزل يقع بين شركة الاتصالات وإدارة التبغ ويبعد حوالي 150م عن مركزنا السابق. أخبرنا "أكبر واثقي" في أحد الأيام أنّ الديمقراطيين مجتمعون في المنزل الواقع على مسافة 100م من شركة الاتصالات خلف المسجد. ليلًا، تحركت وأكبر وشخصين من "آبعلي" من على السطح باتجاه المنزل الهدف. كنّا نقوم بهذا العمل تحت مسؤوليتي، فقلقتُ شيئًا ما من أن يكون اشتباكنا بلا فائدة لا قدّر الله. ما إن رأينا الحراس على سطح المنزل حتى بدأت الاشتباكات، عاجلناهم برمي قنبلتين داخل المنزل وعدنا، لكن عندما وصلنا إلى المركز قال أكبر بقلق: "قنبلتي ليست معي! لقد وقعت في الشارع حتمًا.."، فقلت له: "هيا بنا لنذهب! سيكون الأمر سيّئًا إذا ما وقعت تلك القنابل بأيدي الناس، سيقولون انظروا كيف فرّوا ولم يأخذوا قنابلهم معهم!". لكن لم يكن الوضع مناسبًا لنخرج ثانية من المركز، فانتظرنا حتى الصباح وذهبنا قبل شروق الشمس ووجدنا القنبلة وسط الشارع، فكرتُ هناك أنّه من الأفضل أن نلقي نظرة على مكان الاشتباك. كانوا قد أخلوا المنزل، والدماء المتناثرة على الأرض تُظهِر أنّ عمليتنا في الليل لم تكن بلا نتيجة، وشاهدت في الزقاق شابًا في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره يحمل بيده رشاش "عوزي"، وما إن رآني حتى هرب، حين رأيت أنّني لن أصل إليه صوّبت على قدمه وأطلقت النار. حين سقط أرضًا ركضت نحوه، أراد أن يتناول سلاحه الذي وقع أرضًا فلم أدعه يصل إليه. كان أصغر منّا بقليل، حملناه على ظهرنا وأخذنا سلاحه أيضًا وذهبنا في طريقنا. حدّدت الدماء التي كانت تسيل من هذا الولد مسيرنا، وكنت واثقًا أنّ صاحبه سوف يأتي خلفنا، وفكرت أنّ الولد الذي يحمل رشاشًا من نوع عوزي، لا بدّ أن يكون 

 

40


34

الفصل الثاني: كردستان

مع والده رشاش ثقيل. قال لي مسؤول المركز عندما رآنا: "أرسلتك لتجد القنابل أم لتطلق النار على ولد وتحضره إليّ!". أخبرته أنّه كان يحمل سلاحًا ولا يُستبعد أن يكون قد شارك في تلك الجلسة (الاشتباك). أخذوه وحققوا معه وحصلوا منه على الكثير من المعلومات.

 

أُرسلتُ في أواسط آذار من العام 1981م إلى تلة التلفزيون. كان مقرّ التلفزيون من أهم النقاط في المدينة، ويجب حمايته بأفضل ما يمكن، وقد تمّ إنشاء عددٍ من المراكز حول هذه التلة ما قلّل من نسبة الاشتباكات في مركز التلفزيون نفسه. يوجد في هذا المقرّ حوالي 22 عنصرًا، وكان من أكثر الأماكن راحة بالنسبة لي في كلّ فترة وجودي في كردستان، فللحضور هناك امتيازات خاصة، إضافة إلى انعدام الاشتباكات الجديّة فيه. عمد العاملون هناك أحيانًا إلى بثّ أشرطة لطم ومجالس عزاء وعرضوا أفلامًا عن الحرب تروقنا. كان قلبي ينشدّ إلى جبهة الجنوب كلما شاهدت أو سمعت شيئًا عنها. وحين علمت أنّ أحد الأفراد الموجودين هناك قد أمضى فترة في جبهة الجنوب سابقًا، صرت أنهال عليه بالأسئلة. وفيما يروي كيف أصاب دبابة و... رحت أسأل: "أنّى لي أن أعرف كيف رميت الدبابة، أخبرني كيف كانت تشكيلة القوات؟ وما هي قاعدة الحرب هناك؟". كان ما يقوله شبيهًا بالأفلام التي يركض فيها التعبويون بنداء الله أكبر مئات الأمتار إلى الأمام ويُسقِطون الهدف! لم أصدّق أنّ جيش صدام البعثي جاهل إلى درجة يمكن قتاله بهذه الطريقة.

 

وقع اشتباك واحد فقط خلال فترة الشهر التي قضيتها في تلة التلفزيون وذلك في يوم النوروز عام1360 (21 آذار 1981م). كان الجميع جالسين صباح ذلك اليوم حول سفرة العيد ينتظرون لحظة

 

41

 


35

الفصل الثاني: كردستان

بداية السنة الجديدة، حوالي الحادية عشرة. في ذلك اليوم كنت أفكر أنّه العيد الأول لي بعيدًا عن البيت وفي الجبهة، والله وحده يعلم كم ستطول الحرب وإلى متى سأبقى أنا! وإذ بصوت انفجار ورشقات من الرصاص تجعلنا نخلي السفرة. قلت مازحًا: "اجتمعوا، إنها لحظة بداية السنة الجديدة!". استمرّت الاشتباكات في أطراف التلة حوالي ساعة أو ساعتين، وعندما هدأت الأصوات وعدنا إلى مركز التلفزيون، وجدنا أنّ الإمام قد أنهى كلامه بهذه المناسبة، وفاتنا سماعه.

 

بعد فترة، أرسلونا مجددًا إلى "بنك سبه"، خلال شهر رمضان. طلبوا منا في أحد الأيام تأمين الطريق الممتدة على مسافة 35 كلم من "مهاباد" حتى تقاطع "نقده"، والتي كانت قوات الجيش تؤمّن نصفها والإخوة في الحرس يؤمّنون النصف الثاني، وكان من المقرر الذهاب بثلاث آليات لتأمينها. عادة ما تستمر عملية تأمين الطريق من الصباح حتى أذان المغرب، ولأننا كنّا صائمين سألنا الإخوة القدامى: "ماذا عن صيامنا؟"، فقالوا: "يجب أن تفطروا"، عندها شربت الماء فورًا ولم أكن أعرف أنّ الضابط ينظر إلي، ناداني فجأة: "أنت لماذا أفطرت؟"، تلعثمت، وقلت له: "أنتم قلتم إنّنا سنذهب للتأمين". لم يتراجع - وكان اسمه "محسن" وهو من الإخوة في الحرس في تبريز- ورماني في غرفة المرحاض عقابًا وعبرة للآخرين! انزعجت كثيرًا. ذهبت إلى شباك صغير مطلّ على الفناء الخارجي للمركز وحاولت فتحه حتى نجحت في ذلك، ومن هناك توجهت إلى داخل المبنى. كم تعجبت حين رأيت كلّ الإخوة قد أفطروا، ويتناولون طعامهم قبل التحرك لتأمين الطريق! مع هذا كنّا نحب الأخ محسن[1].


 


[1] كان من قوات خاصبان، وكان حذقًا وشجاعًا جدًّا. رافقنا أول مرة إلى كردستان حيث كنا حوالي 90 عنصرًا. وقد قُدِّم لنا في مهاباد كمسؤول عنا.

 

42


36

الفصل الثاني: كردستان

بعد عدة أيام، وفي أواخر أيام شهر رمضان المبارك سنة 1981م، جاءت إحدى النساء الكرديات بعد الظهر وأخبرتنا أنّ الديمقراطيين قد نصبوا كمينًا في تقاطع "كوزنها"! كنّا تسعة أشخاص في المركز، وبعد التداول في الأمر توصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ تلك المرأة كاذبة لأنّه لم يحصل حتى ذلك اليوم أن جاء أحد من أهالي البلدة وقدّم لنا المساعدة. عند الغروب جاء سائق المركز وملأ خزان المياه، وركبنا نحن في سيارة (بيك آب) لنقوم بجولة في المستديرة، وجلست أنا خلف السائق، وما إن ابتعدنا عن المركز قليلًا حتى انتبهت إلى أنّني نسيت سلاحي، طلبت من السائق التوقف فورًا وعدت إلى المركز بسرعة وأخذت سلاحي، في هذه الأثناء رموا السيارة بقنبلة يدوية. كان في السيارة 9 شباب استشهدوا جميعًا في لحظة واحدة ما عدا شخص واحد، واحترقت أجسادهم، وهناك استشهد الأخ الشيخ "كاظم كاظمي"، لقد كانت لحظات مرّة. احترقت أجساد الشهداء الطاهرة فيما لم نكن نستطيع الاقتراب منهم بسبب تلك الحرارة الصاهرة. بعد التواصل مع القيادة، جاء الأمر بعدم الاقتراب من السيارة والعودة إلى المركز. كان عدد الديمقراطيين والكوملة كبيرًا في المدينة، والمواجهات في مثل هذه الظروف ستؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوفنا. لم نكن نعلم حتى الليل أنّ أحد الإخوة رمى بنفسه من السيارة لحظة انفجار السيارة وأصيب بثلاث شظايا في بطنه. وأخبرنا فيما بعد أنهم جاؤوا ليطلقوا عليه رصاصة الرحمة، لكن عندما رأوه ملقى على الأرض قرب الساقية بلا حراك، قالوا لا حاجة لذلك فقد مات، وذهبوا. رأى حارس المركز في تلك الليلة شخصًا يجرّ نفسه من المستديرة باتجاه المركز فهرعنا بمساعدة الإخوة إلى نجدته.

 

طُلب منّا في تلك الليلة البقاء على جهوزية تامة لعلمهم بأنّ العدو سيشنّ هجومًا على المركز، ظنًا منه بأنه لم يبق فيه أحد، فانتظرناهم على أحرّ من الجمر. عند الساعة العاشرة مساءً، كنت أحرس أمام

 

43


37

الفصل الثاني: كردستان

المركز عندما التفتّ إلى شخصين عبرا الشارع. أصبحنا جميعنا نعرف حيلهم، قبل الهجوم، يعبر شخصان من أمام المركز الذي يريدون استهدافه، فإن أظهرت القوات الموجودة فيه ردّ فعل يعزفون عن الهجوم، وإلا يبدأ باقي العناصر الذين يكمنون في نقطة أبعد الهجوم. عندما رأيت هذين الشخصين في تلك الليلة قلت للإخوة "دعوهما وشأنهما وانبطحوا على الأرض واستعدّوا"، فخرج عدد من الإخوة من المركز وتموضعوا على جانب الطريق. تحرك الديمقراطيون بسرعة باتجاه المركز، وما إن اقتربوا منا حتى رماهم الإخوة بوابل من الرصاص وقتلوا عددًا منهم في اللحظة الأولى. لقد هاجمونا في تلك الليلة مرّتين، لكنهم لم يستطيعوا السيطرة على المركز.

 

بعد مدة استدعوني إلى مقرّ القيادة وسلموني مسؤولية مركز شرطة السير في "مهاباد". يتابع عناصرها هناك الأمور المتعلقة بالقيادة والمرور، وينزلون إلى الشوارع بلا سلاح، ولم يحدث أن وقع اشتباك بينهم وبين الناس. أما نحن، فلأننا كنّا مكلفين بحفظ الأمن في تلك الناحية من المدينة، فقد حملنا أسلحة خفيفة كالرشاشات و الـ(B7). كان المسؤولون في الشرطة يراقبوننا ويتابعوننا، وعندما عرف أحدهم أنني لا أحمل رخصة قيادة، أخبرني بأنه المعني عن هذه الأمور، وأنّه يستطيع تأمينها لي، لكنّني لم أكن أفكر بها أبدًا وقلت له: "من غير المعلوم إن كنت سأعيش أكثر وأذهب إلى تبريز وأستفيد منها...". قال إنّه من الصعب الحصول عليها في تبريز، ولكنّني لم أقتنع.

 

يتصل هذا المركز بالمدينة عبر جسر وقد وقعت فيه عدة اشتباكات. كان الإخوة يقفون عادة على جوانب الطريق للتأمين. انسجمت هناك مع أحدهم أكثر من غيره وهو "كريم برويزي" من مدينة آذر ويبلغ من

 

 

44


38

الفصل الثاني: كردستان

العمر 16 أو 17 عامًا، وعندما تعرّفنا أكثر إلى بعضنا البعض، أدركتُ أنّه يتيم الأم. كان قلبي يحترق لأجله عندما يتحدّث عن أمه، فحاولت أن أعطف عليه. ذات يوم جاء والده لرؤيته، وأمضى الليلة في المركز، وأحضر له الفستق وأنواعًا أخرى من المأكولات.

 

في اليوم التالي، كنّا ننتظر دورنا في الصف للاستحمام، وكان قد جاء دور كريم حين أخبرونا أنّ الإخوة يخوضون اشتباكًا في الحيّ المجاور، وأنّه لا مجال للتأخر، قلت لكريم: "أسرع، فهؤلاء الإخوة لا يعلمون ما ينبغي عليهم فعله!". والقوات التي دخلت في اشتباك مع الديمقراطيين قد جاءت للتوّ من "آبعلي" ولم تَخبُر بعد أساليب الاشتباك. بعد دقائق وصل خبر اشتداد الاشتباكات، وأنّ الإخوة بدأوا بالتراجع، فذهبت ناحية الجسر لأتابع الأحداث عن قرب. رأيت الديمقراطيين يعبرون الشارع بين الجسر ومستديرة "كوزنها" واضعين الناس أمامهم دروعًا بشرية، وقد التفوا على مجاهدينا من الخلف وراحوا يطلقون عليهم النار. أُجبرت على إطلاق النار عليهم، وكانت الاشتباكات قد امتدت إلى عدة منازل. لجأنا إلى قاذف الـ(B7)، إلا أنّ قسمًا منها انكسر، ولم تعد صالحة للعمل، فأحضر الإخوة الرشاشات، وبدأنا الرمي عليهم إلى أن أسكتناهم. بعد دقائق، جاء الأمر عبر جهاز اللاسلكي بالانسحاب التدريجي والعودة إلى المركز لأنّ خسائرنا كانت ستزداد إذا استمرت الاشتباكات. حين ذاك قال لي كريم: "سأذهب إلى الجهة الأخرى من الشارع".

 

- لا، أنا...

 

لم يتركني أكمل كلامي وقال: "إذا استشهدت أنت ستحزن أمك، أما أنا... حسنًا، ابدأ بالرمي الآن لأستطيع العبور". بذهاب كريم إلى الجهة الأخرى سيطرنا على الموقف أكثر، واشتدت الاشتباكات من كلّ الجهات. كنت وكريم ننادي بعضنا البعض عند كلّ فرصة، وكنت

 

45


39

الفصل الثاني: كردستان

أميز صوته بسهولة من بين أصوات الرصاص المتفجر في تلك الجهة من الجسر. فجأة، تغيّر صوته ولم يعد يجيبني رغم نداءاتي المتكررة له. استأتُ وتوقعتُ أن يكون الديمقراطيون قد استهدفوه من الخلف. وصلتْ في تلك اللحظة (عربة) آلية بثلاث عجلات من جانب الجسر، فقلت لسائقها: "ابق هنا حتى أعبر". لكنّه لم يُعِر أهمية لكلامي. أصبح الناس الذين تعوّدوا على الاشتباكات هنا لا يكترثون لكلامنا لأنّهم يعلمون أننا لن نتعرّض لهم. استغللتُ في لحظة واحدة حركة هذه العربة وألقيت بنفسي خلف الدشمة. كان كريم قد استشهد، وما زال فمه ينزف. حاولت كثيرًا حمله على كتفي والعودة به إلى المركز لكنّني لم أستطع. لم أقوَ على ذلك لأنّ جثته كانت كبيرة. عشت ظروفًا قاسية، كنت فيها قلقًا ومضطربًا ولا أحد من الشباب حولي. وكنت قد طلبت من إخوة "آبعلي" أن يعودوا إلى المركز، وها أنا الآن أصبحت وحيدًا مع جسد صديقي بين الأعداء. وضعت سلاحه على كتفي لأستطيع استخدام يديّ. قرّرت أن أسحب جسده بأيّ ثمن كي لا يبقى ويحرقه الديمقراطيون بعد ذهابي كما فعلوا سابقًا مع أجساد شهدائنا. الشيء الوحيد الذي استطعت فعله هو سحب جسده على الأرض، أمسكته من قدميه ورحت أسحبه أمتارًا عدة لأذهب بعدها إلى خلف الأشجار وأشتبك مع العدو. بقيت هكذا حتى وصلت إلى مكان آمن، عندما أردت حمل كريم على كتفي، رأيت وجهه مهشّمًا ومدمًى جراء سحبه على الأرض فشعرت بالخزي. كلّ ما كنت أريده هو أن لا يقع جسده بأيدي الديمقراطيين. وصلت أخيرًا إلى قرب المركز فهبّ الإخوة لمساعدتي. عندما فتحت حقيبة كريم لألملم أغراضه رأيت بينها كفنًا... استأت كثيرًا عندما تذكّرت حضور والده قبل يوم واحد فقط من شهادته، لكن لم يكن باليد حيلة، وكان هذا أول الغيث!

 

خبرنا بالتجربة أنّه عندما يسقط لنا شهداء وجرحى في المواجهات، يشنّ الديمقراطيون هجومًا ثانيًا في الليلة نفسها. تحضّرنا في تلك

 

46


40

الفصل الثاني: كردستان

الليلة وشنّ العدو هجومًا كما العادة. بدأ الاشتباك، ولأنّني كنت مسؤول الموقع رحت أتنقل من ناحية إلى أخرى وأتابع أمور الإخوة. وخلال كلّ تلك الفترة كان أحد أفراد شرطة السير يلاحقني كظلي. لقد بات مضطربًا لأنّه قتل أحد الديمقراطيين في الاشتباكات ذلك النهار وهو الآن يرجوني: "سيد، إن سألوك من قتل ذلك الشخص قل إنّك أنت من قتلته!".

 

- أنا قتلته... نحن قتلناه... لقد قمنا بعمل جيد جدًّا. لماذا أنت خائف؟

 

- لا سيؤذوننا.. بالله عليك قل إنّك أنت من قتله.

 

- كان عدوّنا، ولا ينبغي الخوف من قتل العدو!

 

تحدثت معه، لكنّ كلامي لم يؤثّر فيه. كان خائفًا وقلقًا، وظلّ يلاحقني كظلّي على سطح مبنى شرطة المرور أينما ذهبت، ومهما فعلت، ويعيد كلامه، حتى صرت فيما بعد أضحك من تكرار حديثه. قتلنا في تلك الاشتباكات سبعة أو ثمانية أفراد منهم.

 

بعد عدة أيام، عدنا من مركز شرطة السير إلى قيادة الحرس، المكان الذي كان يسمى "قصر الشباب" قبل مجيء الحرس إلى المنطقة. مضى 45 يومًا على البعثة الثانية إلى كردستان، وتحضّرنا للإجازة والعودة إلى مدننا، إلا أن قائد عمليات الحرس الأخ صالح قال لي: "ابق أنت هنا لأننا نحتاجك". امتثلت للأمر، وبقيت في مقرّ الحرس في "مهاباد" مع عددٍ من الإخوة الذين طُلب منهم البقاء أيضًا. ذهب البقية في إجازتهم[1] وجعلنا مهمتنا بناءً على طلب الأخ صالح ستة أشهر لنبقى في كردستان ثلاثة أشهر إضافية. وكان "أكبر واثقي" و"رضا نمك دوست" من بين ثمانية أفراد تقرّر بقاؤهم في كردستان 3 أشهر إضافية. لقد أصبحت عضوًا في الحرس بشكل رسمي في ربيع العام 1981م.


 


[1] وهؤلاء ذهبوا بعد أن أنهوا المأذونية إلى منطقة الجنوب.

 

47


41

الفصل الثاني: كردستان

بعد مدة، أُرسلتُ مع عدد من الإخوة في مهمة إلى تلة "الشهيد مهدي زاده" حيث بقينا هناك أكثر من أسبوعين. تقع هذه التلة قرب المدينة تقريبًا، وتشرف من جهة على المدينة، وتحدّها من جهة أخرى إحدى القرى على مسافة 500م. لم يقترب الديمقراطيون منا في الأيام الثلاثة الأولى، وكانت الاشتباكات تدور في كلّ مكان إلا في هذه التلة. لم أستطع الصبر، فذهبت إلى المقرّ وطلبت أن يرسلوني إلى أحد المراكز. كان مسؤولنا[1]، وهو من منطقة "مغان"، من العناصر ذوي الخبرة في الجيش، وقد استقال من الجيش والتحق بالحرس، قال لي بثقة: "سوف تقع اشتباكات في التلة هذه الليلة، اصبر حتى المساء". لقد صدق القول، فأخيرًا انكسر الصمت في تلة الشهيد "مهدي زاده" بعد أن هاجمها الديمقراطيون. كنّا مسلحين بالقذائف والرشاشات و الـ(B7)، وسيطرنا ناريّا وبشكل جيد من أعلى التلة على الأطراف، وقد استهدفوا هم أيضًا مركزنا بالـ(B7) من القرية المجاورة. خلاصة الأمر، كان الدفاع عن المراكز التي تقع في أعالي التلال أسهل من الدفاع عن تلك الموجودة في المدن.

 

الحدث الذي لا أنساه وقع أثناء وجودنا في تلة الشهيد "مهدي زاده" هو انفجار مكتب الحزب الجمهوري الإسلامي في 28 حزيران 1981م. قيل في البداية إنّ عددًا من النواب قد استشهدوا، وإنّ الدكتور بهشتي قد جرح، لكن بلغنا لاحقًا الخبر الذي يؤكد شهادة الدكتور بهشتي. في تلك الليلة خلا كلّ واحد من الإخوة بنفسه وراح يبكي. وعندما استحضرنا ذكريات الماضي، وعينا وأدركنا أكثرَ معنى حديث الإمام الذي اعتبر أنّ مظلومية الشهيد بهشتي أكبر من شهادته. في مقابل حزننا وانزعاجنا،

 


[1] استشهد فيما بعد في كردستان.

 

48


42

الفصل الثاني: كردستان

كان أعداء الثورة يظهرون الفرح، وقد ازدادت فرحتهم أكثر بعد عدة أيام عندما وصل خبر فرار "بني صدر" من البلد، وإمضائه معاهدة مع "قاسملو" في إحدى الدول الأوروبية. نزلوا إلى الشوارع، لكنهم لم يجرؤوا على إقامة المسيرات بشكل واضح، فصاروا ينزلون جماعات من خمسة أو ستة أشخاص هنا وهناك ويطلقون شعارات مزعجة من قبيل: "بني صدر، قاسملو، معاهدتكم مباركة!".

 

بعد تلة الشهيد "مهدي زاده"، أوكلوا إليّ مسؤولية تأمين طريق "مياندوآب - مهاباد" التي كانت بيد الديمقراطيين، ولم نكن قد قمنا بعد بأيّ خطوة لتحريرها. طريقنا الوحيدة التي كانت تصلنا بالخارج هي طريق "أرومية - نقده- مياندوآب" الواقعة تحت سيطرتنا من "مهاباد" حتى "كوی تبه"[1]، آخر مركز لنا في تلك المنطقة ويبعد 15 كلم عن طريق "مهاباد-مياندوآب"، وهو يشبه الثكنة ويتسع لثلاث أو أربعة كتائب.

 

كنا مكلّفين في منطقة "كوی تبه" بتفتيش كلّ السيارات المتجهة من "مهاباد" إلى "مياندوآب". فهِم الحرس أنّ الديمقراطيين يؤمّنون جزءًا من حاجتهم من الغاز والبنزين من "مهاباد"، وأحيانًا كثيرة عمد الأكراد أنفسهم إلى بيعهم البنزين والنفط بثلاثة أضعاف سعره، وأحيانًا أخرى كانوا يقدّمون لهم البنزين بالمجّان، لكن بشروط معينة. لذا، تم استحداث نقطة عند مدخل "مهاباد" مهمتها تفتيش كلّ السيارات العابرة في تلك الطريق ذهابًا وإيابًا. كنّا نتأكد أثناء التفتيش من أنّ ما يحملونه من أمتعة وأطعمة في سياراتهم هو على قدر حاجة العائلة نفسها. أحيانًا كنّا نجد عائلة متوجهة من "مهاباد" إلى قريتها وتحمل معها 30 علبة سمن نباتي، فنفهم أنهم سيسلمونها للديمقراطيين.


 


[1] اسم تركي أطلقناه نحن على التلة، ويعني التلة الخضراء.

 

49


43

الفصل الثاني: كردستان

اللافت هنا أنّ السائقين كانوا يقولون لنا: "أنتم تفتشوننا هنا، وبعد عدة كيلومترات سيفتش الديمقراطيون سياراتنا!". لهذه الدرجة كان الديمقراطيون والكوملة مسيطرين على المنطقة.

 

كما العادة، رافقنا في هذا المركز عدد من أفراد التعبئة والحرس، لكن ما بعث فيّ الطمأنينة هو وجود "كاكا قادر". إنّه أحد البشمركة الذين سبق أن التقيته عدة مرات لكننا هنا كنّا دائمًا معًا. كان كاكا قادر من الوجوه المعروفة في كردستان، الكلّ يعرفه، الناس، الديمقراطيون، الكوملة وقوات الحرس والجيش. هو من أقوى البشمركة، وقد استشهد أبناؤه وزوجته على أيدي الديمقراطيين. اجتمعنا بالبشمركة مع دخولنا إلى كردستان، فهم من أهالي المنطقة الذين تختلف عقائدهم وأفكارهم عن أفكار البقية، وكانوا يتعاونون معنا، ويعود الفضل في نجاح الحرس في وأد فتنة كردستان في كثير من الحالات إلى تعاونهم ودعمهم المباشر، لأنّ القوات التي كانت تأتي من أقاصي إيران إلى كردستان لم تكن تعرف شيئًا عن تلك المنطقة، أما الإخوة البشمركة فطالما عرفوا المداخل والمعابر والطرق الفرعية وامتلكوا خبرة حرب المدن. وإلى الوقت الذي أصبحت فيه القوات المرسلة من المناطق على معرفة بظروف وطبيعة الحرب في كردستان، شكلت المساندة المهمة للبشمركة السبب الأساسي في مقاومة وصمود الحرس وانتصارهم. كانت عوائلهم معروفة في المدن، فأصبحت هدفًا لحقد الديمقراطيين والكوملة كما حدث مع "كاكا قادر". لقد قدّموا الكثير من الشهداء، ولهذا كانت عائلاتهم تسكن تحت الحماية في قصر الشباب - مقر الحرس - بشكل منفصل عن الآخرين.

 

في المقابل، عرف البشمركة أيضًا الديمقراطيين والكوملة وأسماءهم ومحلّ سكنهم بشكل جيد، وكانوا حتى يجلبون لنا معلومات حول

 

50


44

الفصل الثاني: كردستان

إمكاناتهم وتحركاتهم، واستطعنا في أحد الأيام أسر 110 عناصر من الديمقراطيين بمساعدة البشمركة، وقد تكررت مثل هذه العمليات على مستوى أصغر. كان الحرس يرسلون هؤلاء المساجين من "مهاباد" إلى "أرومية"، وبعضهم يعترف أثناء التحقيق في "مهاباد" بأنّهم قتلوا أفرادًا من قواتنا فيُعدمون هناك بحكم المحكمة.

 

كان "كاكا قادر" و"خالد براقي" الأكثر شهرة بين البشمركة. وأكثر المعلومات التي وصلت إلى الحرس عن الديمقراطيين جاءت عبر "خالد براقي"، وهو شابٌ شجاعٌ وكان من أركان المعلومات في المقر، وإليه يعود الفضل في أكثر نجاحات الحرس في المنطقة باعتراف العدو والصديق. عُرف كشخصية هامة وحاسمة، وقد حُدّدت بين عامي 1980و1981م جائزة قدرها 500 ألف تومان لمن يقتله. استشهد بشكل مؤلم أثناء وجودي في "بنك سبه"، حين استهدفه الديمقراطيون بقنبلة يدوية في ميدان "كوزنها". كنت قد شاهدت سابقًا كيف أنّ قنبلة تحرق سيارة بمن فيها، وسبق وعلمت أنها أحيانًا قد تحرق دبابة، لكن بنية "خالد" كانت قوية لدرجة أنّه بقي حيًا بعد إصابته بالقنبلة التي رمت بجسده المتهالك عند أحد الدكاكين قرب الشارع، فأخذ صاحب الدكان يضرب رأس "خالد" بالأوزان التي كان يستخدمها، ما أدى إلى استشهاده. بعد أيام تمّ التعرف إلى البقال القاتل وأُعدم.

 

في الفترة التي أمضيناها في نقطة التفتيش على طريق "مهاباد - مياندوآب" أصبحت أكثر قربًا من "كاكا قادر". وهو الذي دأب على ارتداء الملابس الكردية دومًا، كان يعرف الداخلين إلى المدينة والخارجين منها، ويعلم حتى إلى أين يذهبون! أغلب الذين يترددون إلى هناك عُرفوا لدينا بالتعاون مع الديمقراطيين، لكننا لم نكن نعتقل سوى

 

51

 


45

الفصل الثاني: كردستان

من دخل في مواجهة مسلحة معنا. مرت عدة أسابيع على بداية مهمتنا في نقطة التفتيش تلك، وقد أدى حظر إدخال بعض المواد من قبيل البنزين وأنواع الأطعمة إلى إضعاف إمكانات الديمقراطيين في ذلك المحور. كنت في أحد الأيام واقفًا في نقطة التفتيش عندما وصلت سيارة مسرعة من جهة "مياندوآب" إلى المقرّ وقال لنا سائقها: "الديمقراطيون آتون نحوكم، وليسوا بعيدين عنكم!".

 

وصادف في ذلك اليوم أن عددًا من الإخوة غادروا في إجازة إلى المدينة وبقيت في المقرّ أنا و"كاكا قادر" وثلاثة أو أربعة آخرون، وفي حوزتنا رشاش واحد فقط، توقعت أن تكون المعركة قاسية، فذهبت لأتصل بالقيادة وأطلب المزيد من القوات، لكن صوت "كاكا قادر" منعني: "ابق أنت هنا. أنا سأوقفهم!".

 

كان بارعًا في الحرب مع الديمقراطيين فذهب مع اثنين من الأفراد فقط وبقيت أنا وشخص واحد في نقطة التفتيش، واستعددنا للدفاع بالرشاش عند الحاجة. في الجانب الآخر من الطريق يمرّ نهر "مهاباد"، وتقع خلفه غابة بدأ الديمقراطيون إطلاق النار علينا منها. لقد ترجّلوا من سياراتهم على مسافة كيلومترين تقريبًا منا وتوجهوا إلى الغابة ليبدأوا الاشتباك من هناك. ذهب "كاكا قادر" إلى تلك الجهة. رماهم بدقّة، وأثبت حذقًا وشجاعة. الديمقراطيّون تفوّقوا علينا أضعافًا من حيث العدد، ولكنّنا من منطلق التجربة علمنا بأنّهم لا يصمدون في الاشتباك لأكثر من ربع ساعة في اليوم. أما هم بدورهم فكانوا يعرفون أيضًا المدة اللازمة لوصول قوات الدعم من مركز القيادة. قُطعت الطريق بالكامل، وتوقّف تردّد السيارات فيها خلال هذه المدة، وملأ صوت الرصاص الأرجاء. بعد ربع ساعة خفّت حدّة النيران. خرجنا من خلف المتاريس وعاد "كاكا قادر" مع الإخوة الذين ذهبوا معه. لم يتأذّ أحد منا ولم نعلم شيئًا عن خسائر الديمقراطيين أيضًا. وصلت قوات الدعم من مركز القيادة، لكنّ الاشتباكات كانت قد انتهت ولا حاجة لحضورهم.

 

52


46

الفصل الثاني: كردستان

وعلى هذا المنوال، بدأ الديمقراطيون يضعفون شيئًا فشيئًا، وساعد على ذلك أيضًا بعض السياسات التي اتّبعناها مع الناس العاديين وتعاونهم معنا، ومنها إعطاء بعض المسؤوليات للأكراد أنفسهم كإدارة شؤون المدينة، وتسليم أحد الأطباء الأكراد رئاسة مستشفى مهاباد والذي كان يساعدنا في حل المشاكل التي تعترضنا في المستشفى. كان الديمقراطيون قبل ذلك يختطفون جرحانا من المستشفى ويقتلونهم بشكل مريع، لكنْ، تدريجيًّا ازداد تعاون الناس معنا، وصار مشروع تحرير الطرق وتأمينها في رأس أولويات الحرس.

 

قمنا في صيف 1981م بالعديد من العمليات لتحرير طرق "مهاباد-مياندوآب" و"مهاباد-بوكان"، وقد تم فتح طريق "بوكان" في هذه العمليات وأرسلونا بعد ذلك إلى "كوی تبه".

 

استقررنا هناك، وتقرّر بعد عدة أيام تطهير مراكز الديمقراطيين في التلال المحيطة بطريق "مهاباد - بوكان" لكي لا يتمكنوا من رصد قواتنا منها.

 

بدأت العملية صباحًا بمئة عنصر من قوات الحرس والجيش وقرابة العشر دبابات. كان الهدف هو تحرير التلال، لكن قبل الوصول إلى تلك التلال، اشتبكنا مع الديمقراطيين في منطقة حرجية سبق واجتمعوا فيها. الاشتباكات في مثل هذه الأماكن أصعب منها في الأرض السهلة والتلال، لأنّ العدو يستطيع الاختباء خلف الأسوار والأكواخ. عندما وصلنا إلى تلك المنطقة، غسلنا رؤوسنا ووجوهنا بمياه نهر تنتشر على أطرافه أشجار الدراق الناضجة التي تنتظر من يقطفها، لقد كان منظرها جميلًا. جلسنا هناك لنرتاح، وبدأنا بتناول التمر الذي بحوزتنا وإذ بالديمقراطيين يخرجون فجأة من الغابة، توجهنا بسرعة إلى التلال المحيطة، لكن أوقفتنا رشقات بنادقهم المتواصلة. بدا واضحًا أنّ عددًا منهم يراقبوننا من أعالي الشجر. جاءنا الأمر بالانسحاب لتبدأ دباباتنا

 

53


47

الفصل الثاني: كردستان

بالقصف المباشر للمنطقة، بقينا لدقائق نراقب المشهد، ثم تقدّمنا إلى الغابة عندما هدأ قصف الدبابات، واستطعنا في النهاية تحرير تلك المنطقة والوصول إلى الطريق بعد أسر خمسة أو ستة أفراد من الأعداء.

 

استمرّت العمليات للسيطرة على التلال الواقعة في الجانب الآخر من الطريق، وتم تقسيم القوات لتحقيق هذا الهدف: الدبابات من جهة، قوات الجيش من جهة، وقوتين من الحرس في كلّ منها عدد من الفصائل والمجموعات، تحركت نحو التلال من ناحيتين. عمدنا إلى هذا الإجراء لأنّ التجارب علّمتنا أنّه كلما قلّ عديد قواتنا في الاشتباكات قلّت خسائرنا وحققنا نتيجة أفضل. عندما وصلنا إلى أسفل التلال، انقسمنا من جديد إلى مجموعتين صغيرتين كنت المسؤول عن إحداهما، وبدأنا بالصعود إلى أعلى التلال، قرّرت أن يرافقني عنصر الإشارة لنصعد من جهة، ويصعد بقية العناصر من جهة أخرى. في بداية الطريق تقريبًا أصيب العنصر بطلقة من نيران متفرقة ولم يعد يقوى على إكمال المسير، قلت له: "ابق أنت هنا، أنا سأكمل!"، ما فكرت به أنّ الإخوة يتوجهون الآن إلى الأعلى، وإن لم أصل إلى هناك سيتعطّلون ولن يستطيعوا البدء بالعمل. وصلت إلى أعلى التلة وحدي، توقعت أن ألتقي بهم، لكن لم يكن هناك أثر لا للعدو ولا لقواتنا. تعجبت، خفت أن يكون الإخوة قد تركوا التلة وذهبوا إلى الجهة الأخرى. تفقدت التلة، لكن لا أحد هناك. ليس من الجيد البقاء وحدي هناك، لكنّني لم أرد العودة في هذا الوضع. في هذه اللحظات بدأت دباباتنا بقصف التلة فاحتميت بعدد من الصخور الكبيرة وانتظرت. لا أعرف إن كان الراصد قد أخبر بشيء أو أنّ الخطة اقتضت أولًا أن تقُصف أعلى التلال بالدبابات ثم تتقدم القوات. عندما هدأت النيران، رأيت الإخوة يصعدون التلة فخرجت من خلف الصخور وما إن رأوني حتى صرخوا: "حاذر، قد يرمونك من الخلف!"، لكنّني خفتُ في تلك الأثناء من نيران قواتنا الكثيفة وليس من الأعداء. عندما

 

54

 

 


48

الفصل الثاني: كردستان

وصل الإخوة عرفت أنهم لم يستطيعوا الذهاب إلى خلف التلة فعادوا إلى نقطة تحركنا، وهناك رأوا عنصر الإشارة وأخذوه معهم.

 

هكذا تحررت التلال الواحدة تلو الأخرى، واستحدث الحرس نقاطًا له هناك، وثبّت قوات فيها، وتحررت كلّ منطقة "كوی تبه"، لكن هذا لم يكن يعني توقف الاشتباكات، إذ ظلّ الديمقراطيون الذين يعرفون المنطقة جيدًا يهاجمون مراكزنا ليلًا، فيشتبكون معنا ويتركون المنطقة قبل طلوع الشمس.

 

بعد التلال، أصبح تحرير طريق "مياندوآب" هدفًا لنا، ولهذه المهمة تم تحضير كتيبتين من المغاوير للمشاركة في العملية، إضافة إلى مجموعات من الحرس تواجدت سابقًا في المنطقة، وعدد من دبابات الجيش. كان في مقرّ الحرس في "مهاباد" مجموعة من "القوة الضاربة"[1]، وعملها الأساسي هو التدخل في الاشتباكات التي لا تستطيع المراكز خوضها. عدد من السيارات سرّع عمل المجموعة التي ضمّت الأخ "أمين" أيضًا، وهو من ضباط الحرس. من القوات التبريزية كنت أنا وأكبر واثقي فقط. بدأ التحرك بعد إطلاع القوات على التفاصيل. تم التنسيق مسبقًا مع الحرس في "مياندوآب"، وتقرر أن يتقدموا هم من جهة المحطة الزراعية حتى شرطة "مياندوآب-مهاباد"، أما نحن فنتقدم من جهة "مهاباد" إلى الجهة الأخرى لنهاجم العدو من جهتين. بعد تقدم 6 كلم من دون اشتباكات، وصلنا إلى إحدى القرى. كما المتوقّع، وجدنا الناس مجتمعين في الساحة، قلنا لهم: "إذا ما أرشدتمونا إلى مكان الديمقراطيين فأنتم وشأنكم، وكلّ من يمتلك سلاحًا فليسلّمه لنا وإلا سيعاقب". سلّمنا العديد من الناس أسلحتهم، لكن لم يبوحوا بمكان الديمقراطيين، وقالوا: "ما


 


[1] أو مجموعة رأس الحربة.

 

55


49

الفصل الثاني: كردستان

إن رأوكم حتى ذهبوا وابتعدوا"، لكن كنّا نعرف بالتجربة أنّه لا يجب أن نثق بكلامهم. كنّا مشغولين بجمع أسلحتهم عندما طلب الإخوة في الجيش عبر اللاسلكي المساعدة، فتوقفنا عن جمع السلاح وركبنا سياراتنا بسرعة وتوجهنا إلى مكان الاشتباك وهو منطقة حرجية، ويبدو أنّ الديمقراطيّين قد نصبوا كمينًا بين الأشجار وقعت فيه قوات الجيش التي كانت تتحرك بطريقة كلاسيكية. في بداية الاشتباك، تم استهداف الجيب الذي يتقدّم الجميع، وقد استشهد الضابط الذي كان فيه، ووسط الطريق من بعيد، رأينا المدفعيات قد تركت فيه، من دون أن يطلق الديمقراطيون النار عليها على أمل أن يأخذوها كغنائم. كانت قوات الجيش قد تموضعت على جانبي الطريق ووقعت في الكمين. عندما وصلنا إلى المكان تقرر أن يتحرك الأخ "فندرسكي"[1] أمامنا، وكان يتمركز على آلية "سيمرغ" خلف دوشكا، بدأ تحركه، لكن الديمقراطيين التفتوا إليه وكادوا يقتلونه. فأوقفنا حركة هذا الأخ وقرّرنا أن ندخل الاشتباك راجلين. استطعنا في هذا الاشتباك سحب المدفعيات وإخلاء أجساد الشهداء أيضًا.

 

جاء للتوّ خبر مفاده أنّ قواتنا الآتية من جهة "مياندوآب" قد وصلت إلى مشارف القرية، وبالتالي تمت محاصرة الأعداء من كلّ الجهات. أعطاهم الأخ أمين مهلة عشر دقائق لتسليم أنفسهم، انقضت المهلة ولم يحدث شيء، فدخلت مجموعتان أو ثلاث القرية مباشرة لتبدأ اشتباكات عنيفة، وبمجرّد دخولهم عرف الإخوة أنّ الأهالي قد أخلوها، وأن لا أحد فيها سوى الديمقراطيين الذين أبوا الاستسلام، فجاء الأمر لهذه المجموعات بالانسحاب، وتمّ قصف القرية بالميني كاتيوشا

 

 


[1] هو من قوات التعبئة في كرمان، وقد ذهب قبلي إلى مهاباد حيث انتسب رسميًا للحرس هناك. كان فردًا حذقًا، وهو أول من بحث وتعرف إلى طريقة استخدام الدوشكا حيث لم نكن نعرف كيفية استخدامه في تلك الأيام.

 

56


50

الفصل الثاني: كردستان

والمدفعيات المتموضعة في "كوی تبه"، وبعد دقائق هدأ القصف وتحركنا باتجاه القرية.

 

تقدّمت برفقة أحد الإخوة من "قزوين" عبر حقول القمح للحصول على معلومات، ولما وصلنا إلى سور أحد البساتين، سمعنا ضجيجًا وضوضاء، ظننّا أنّ الإخوة وصلوا إلى هناك، لكنّنا انتبهنا إلى أنّ العديد من الديمقراطيين كانوا في أعالي الشجر، وقد رأونا فبدأ تبادل إطلاق النار، لكنّنا استطعنا الوصول إلى شبابنا سالمين بحول الله تعالى. استمرّت الاشتباكات في الغابة لفترة طويلة، بقينا متموضعين هناك حتى العصر، لكن لم نتمكن من التقدم أكثر لأنّ الديمقراطيين كانوا يعرفون المنطقة هناك جيدًا في حين لم تكن أقدامنا وطئتها من قبل، لذا تقرّر البقاء هناك حتى الصباح، واستكمال العملية عند الشروق.

 

كنت تلك الليلة عند الأخ أمين حين أخبرونا بأنّ الدبابات علقت في المستنقع، قرّر أمين الرجوع فذهبت معه. كنّا قرب إحدى القرى نتناول طعام الغداء حين أخبرونا ثانية أنّ الدبابات حوصرت فذهبنا إلى المكان الذي توجد فيه، لم يكن هناك أيّ اشتباكات، لكن بقينا حتى الصباح نحرسها مع أنّها لا تفيدنا كثيرًا في تلك المنطقة[1].

 

عُقدت في الصباح جلسة بحضور ضابط في الجيش لشرح الخطة التي سنعتمدها، لكنّني لاحظت أنّه فهم المنطقة وهذه العملية بطريقة أخرى.

 

يا أخي! هنا كردستان وليس الجنوب!

 

انزعج من كلامي. قلت له: "هنا لا يمكن القتال بهذه الطريقة الدفاعية التي تتفضل بها، الحرب هنا حرب عصابات". عارضت خطّته


 


[1] تقع منطقة الاشتباكات قرب مياندوآب وعلى مسافة 15 كلم تقريبًا من "كوي تبه" في منطقة موحلة لا تستطيع الدبابات المناورة فيها بشكل جيد. تكون الدبابات أكثر فعالية في الأماكن الجافة، السهلة وفي الطرقات.

 

 

57


51

الفصل الثاني: كردستان

القاضية بتحرك الدبابات في المقدمة وتحرك القوات خلفها. كنت أعلم أنّنا لن نصل إلى نتيجة بهذه الطريقة لأنّني شاركت في الحرب في كردستان لأشهر، وأعلم أنّ الأرض غير ملائمة لحركة الدبابات. على أيّ حال، أصرّ الضابط على رأيه ولم يقتنع بكلامي، وبدأت حركة الدبابات والقوات. لم نكد نصل إلى المنطقة المعلومة الشبيهة بالمستنقع حتى غرقت إحدى الدبابات في الوحل من جديد، ولم تستطع الثانية التي جاءت للمساعدة التقدم أكثر وتوقفت عن العمل أيضًا، ونالت الثالثة المصير ذاته وغرقت في الوحول. عند ذلك توقفت حركة الدبابات مباشرة وتقرر استكمال العملية، فتقدمت القوات "ناقلة جند" وبدأت المواجهات بعد دقائق. استمرت المعركة حتى الظهر، وفي النهاية طهّرنا المنطقة بالكامل بين الواحدة والثانية ظهرًا تقريبًا وتحررت طريق مياندوآب - مهاباد.

 

كان يومًا جميلًا في "كوی تبه"، عندما وصلت عصرًا أوّل شاحنة من جهة تبريز وكان سائقها سعيدًا جدًا، وأخذ يشكرنا على تحرير ذلك المحور إذ كان الناس مجبرين على قطع طريق طويلة قبل ذلك والمجيء من طريق أرومية. كما ضاعفت من سعادتنا أيضًا ورفع معنوياتنا أكثر رؤيةُ مواطن تبريزي بعد مدة طويلة نسبيًا.

 

بعد تحرير طريق "مياندوآب - مهاباد"، خطّطنا في مقرّ القيادة لتحرير "بوكان" أيضًا، وهي مدينة مهمة في المنطقة. كانت الطريق التي تصل بين "بوكان" و"مياندوآب" وتبريز مغلقة بسبب وجود جماعة الكوملة، وبالتالي فإنّ تطهير المدينة والطريق مهمة صعبة.

 

أُعطيت التعليمات اللازمة لتنفيذ هذه المهمة لقوات مؤلفة من البشمركة في "بوكان"، قوات الحرس في "مياندوآب"، الحرس في "مهاباد" وقوات الجيش، وتقرر أن تقوم طائراتنا بقصف مواقع الكوملة

 

58

 


52

الفصل الثاني: كردستان

في "بوكان" قبل أن نبدأ التحرك لأننا كنّا نعلم أنّ "بوكان" هي أكبر موقع تنظيمي للكوملة، وأنّ الهجوم الجوي عليها يمكن أن يساعدنا كثيرًا.

 

صباح اليوم الموعود، كانت كلّ القوات متأهبة. تموضعنا في التلال المشرفة على المدينة، وكنا قلقين من أن لا يحصل الهجوم الجوي، وازداد قلقنا مع مرور الوقت. للأسف، لم يقع هذا الهجوم ولم تُقصف مواقعهم، وبدأنا العملية في الوقت المحدد معتمدين على القوات البرية، فوقعت معركة قاسية وأكثر شراسة استمرت ليومين لندخل المدينة في اليوم الثالث، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها الخشية من أن نصيب المدنيين بسوء، لكن لم يكن الأعداء يخشون هذا الأمر، بل كانوا يستغلون مثل هذا الحدث دعائيًا ليستجلبوا دعم الناس وتعاونهم أكثر.

 

بمجرد دخولنا إلى "بوكان" عرفنا أنّ للكوملة مراكز في كلّ أنحاء المدينة، كما كان لنا نحن مراكز في كلّ أنحاء "مهاباد". لقد ضعفت قواهم في معركة أطراف المدينة لذلك لم نحتج للكثير من الوقت لتطهيرها، وبعد تحرير بوكان وطريق "كرمانشاه-بوكان-مياندوآب"، عدت إلى "مهاباد" مع مجموعة القوة الضاربة.

 

في أواسط أيلول 1981م كنت في إجازة، فمضيت أولًا إلى شارع "باستور" عند صديقي العزيز "أبي الفضل بازارتشي" الذي تعرّفت إليه من صلاة الجماعة فأردت الذهاب معه لأدائها هذه المرة، ثم التوجّه إلى منزل أخي الذي دعاني لتناول طعام الغداء.

 

قال "أبو الفضل" إنّ الصلاة ستبدأ بعد قليل في مسجد البازار، فقصدناه، وتوقفنا قليلًا عند بائع ساندويشات في أول شارع البازار. كنت طوال الوقت أتحدث عن الاشتباكات في كردستان وهو يستمع إليّ أو يطرح الأسئلة. هو أصغر مني بسنتين تقريبًا وكان تلميذًا متفوقًا حتى الثالث المتوسط، ولكنّه بات يردّد في هذه المرحلة: "لم أعد أستطيع الدرس.

 

59

 


53

الفصل الثاني: كردستان

شغلت الجبهة عقلي وقلبي ولم أعد أستطيع التركيز". حاولت أن أقنعه بمتابعة الدراسة وقلت له: "من المؤسف أن تكون متفوقًا وتترك الدراسة وأنت تستطيع الذهاب إلى الجبهة بعد سنة أو سنتين"، لكنّه كان يجيبني بإجابات مختلفة: "هذا غير منصف! أنتم هناك وسط النار ونحن...!". وصلنا إلى مكان إقامة صلاة الجمعة ونحن نتحدّث بهذه المواضيع، وكان "آية الله مدني" ينهي خطابه، وعندما استقررنا بين صفوف المصلين سألته: "لماذا لا يفتشون الناس هنا؟ ألا يحتملون وقوع حدث ما؟!". تعجّب من سؤالي، وهزّ بكتفه مشيرًا "لا أعلم!"، وربما ظنّ أنّ كلّ من جاء إلى هنا إنما جاء للصلاة ولا داعي ليفتشه أحد، فكرت في نفسي أنّ وجودي في كردستان جعلني أشك وأحذر من كلّ شيء.

 

- تكبيرة الإحرام، صلاة الجمعة...

 

أقيمت صلاة الجمعة. ولأنّني لم أستطع الاستماع إلى الخطبتين، فقد قمت مباشرة بين الصلاتين لأصلّي فرادى، وما إن وصلت إلى القنوت حتى سمعت صوتًا مرعبًا بقيت على إثره مصدومًا لبضعة ثوانٍ، انفجار وفي صلاة الجمعة أيضًا؟! عمّت الفوضى المكان فجأة. قطعت صلاتي وركضت مع جموع المتوجهين إلى بقعة الانفجار، فيما ابتعد العديد من الناس عن المكان. كنت من أوائل الواصلين إلى الصف الأول، رأيت فيما رأيت إمام جمعتنا العزيز "آية الله مدني" غارقًا بدمه وقد تقطع جسده في المحراب، وإلى جانبه شهيد آخر. لم تكن المرّة الأولى التي أرى فيها شهيدًا على هذه الحالة، إلا أنّ شهادة "آية الله مدني" بهذه الطريقة وفي محراب الصلاة أذهلتني. تناولت كيس نايلون وصرت ألملم أشلاء جسده الطاهر بحزن وقلق والدموع تنهمر غزيرة من عينيّ. امتلأ المكان بالعويل والصراخ وكأنّ أحدًا لم يعرف ماذا يجب أن يفعل، وتحطمت الواجهات الزجاجية للمحلات المحيطة بالمكان... وما هي إلا لحظات، حتى بدأ إطلاق النار من على السطوح المحيطة

 

60


54

الفصل الثاني: كردستان

بالمستديرة فارتعب الناس وأخذوا يركضون هنا وهناك، وعمّت الفوضى حول الجسد الطاهر. ذهبت بعد دقائق إلى بائع الساندويشات الذي كنّا عنده قبل قليل لعلّي أجد "أبا الفضل"، وقبل أن أصل رأيت شابين أثارا ريبتي، فلم يكونا يتصرفان بشكل عاديّ. سألتهما "ماذا تفعلان هنا؟"، كانا أكثر ذكاءً مني، وبدل أن يجيبا عن سؤالي أشارا إلى سيدة تعبر المكان وصرخا: "هذه المرأة مسلحة...". خُدعتُ للحظة، وكنت حتمًا قليل الخبرة في هذا المجال، فتوجهتُ إليها وطلبت منها التوقف، ولأنها كانت محجبة، انتظرتُ دقيقة أو دقيقتين ريثما وصلتْ ثلاث سيدات وطلبتُ منهن تفتيشها. في هذه اللحظات فكرت في نفسي أنّني أيضًا مسلح! أنا عضو رسمي في الحرس في كردستان ولديّ رخصة بحمل السلاح، لكن لم أكن أتوقع أن أُبتلى بمثل هذه الأحداث المشؤومة. استغلّ هذان الشابان غفلتي عنهما وهربا! بحثت عنهما قليلًا ولما لم أجد لهما أثرًا لم أتابع القضية أكثر. انزعجت إلى درجة لم يعد لديّ أدنى رغبة بالبقاء بين الناس. توجهت إلى منزل أخي، وانتبهت في الطريق أنّ الجوّ تغير، فقد هبت فجأة رياح شديدة ومحملة بالغبار، وعندما وصلت إلى تقاطع القدس أصبح الطقس عاصفًا بشكل غريب. وكأنّه كان لهبوب ريحٍ شديدةٍ في يوم مثل 11 أيلول في تبريز، سبب فوق الطبيعة، حيث كان الطقس لا يزال دافئًا. عندما دخلت منزل أخي فهم الجميع من حالي أنّ شيئًا ما قد حدث، ولما أخبرتهم بشهادة "آية الله مدني" انقلبت أحوال الجميع، وبقيت سفرة أخي في ذلك اليوم كما هي.

 

أُجريت مراسم تشييع الشهيد مدني في اليوم التالي في شارع "الفردوسي". كنّا متجهين إلى شارع البازار حين رأيت رجلًا يمشي قرب مجموعة النساء المشاركات في التشييع، ذهبت نحوه وقلت له:

 

61

 


55

الفصل الثاني: كردستان

- أرجو منك أن تمشي على الرصيف.

- لن أذهب! إذا لم أذهب ماذا سيحصل؟!

- لن يحصل شيء! لكنك ترى أنّ النساء يمشين في الشارع، لذا من الأفضل أن تمشي أنت على الرصيف.

 

امتعضتُ منه لأنّه أجابني بكلمات بعيدة عن الموضوع، وفي هذه الأثناء وصلت إحدى سيارات الحرس، أخبرتُهم بما جرى فارتبك كثيرًا، لكنّه لم يستطع الهرب، فتشوه ووجدوا معه مسدسًا! كان منافقًا وغبيًا إذ فضح نفسه بهذا الشكل.

 

تابعنا مسيرنا حتى وصلنا إلى البازار، توقفت في المكان المخصّص للباعة الذين يعرضون بضاعتهم على الأطباق والعربات، فجأة سمعت صياح النسوة وتوجهت سيدة إلي قائلة: "يا أخي! هناك رجل يرتدي العباءة قد دخل بين النساء!". حاصرنا المكان بسرعة أنا وشباب الحرس الموجودون في المنطقة، وفتشنا النسوة واحدة واحدة بمساعدة اثنتين من السيدات حتى عثرنا على الرجل الذي تخفّى بينهن، وكان يرتدي تنورة صفراء ويضع عباءة على رأسه! فتشناه فوجدنا معه قرابة الكيلوين من الـ"TNT"! فاعتقلناه، وعرفنا فيما بعد أنّ أحداثًا كهذه وقعت في أمكنة أخرى. سمعت بعد انتهاء مراسم التشييع أنّه تم اعتقال أكثر من عشرين شخصًا من المنافقين في ذلك اليوم.

 

بعد الصلاة عليه، تم نقل جسد الشهيد مدني إلى "قم"، فعدت إلى المنزل ولم أرغب بالبقاء في المدينة. قبل انتهاء إجازتي ذهبت إلى "مهاباد" مع الدفعة المتوجهة إلى هناك، وتعرفت في الطريق إلى شخصين أو ثلاثة هم كريم ستاري، الحاج يوسف رنجبر[1] و...

 


[1] المعروف بالحاج يوسف جانباز. التحق بقافلة الجرحى عندما بترت قدماه في عملية الفتح المبين في أواخر آذار عام 1982.

 

62


56

الفصل الثالث: أنا باق

الفصل الثالث:

"أنا باقٍ"

 

 

كان لدينا في مركز القيادة مكان للاستراحة، يمكن لعناصر الحرس في منطقة "مهاباد" أو للأشخاص الآتين مؤقتًا، أخذ قسط من الراحة فيه. ذات يوم، كنت مستلقيًا هناك بعد صلاة الصبح، وإذ بضجيج يأتي من الخارج. سمعتهم يقولون: لقد أخذوا دبّابات الجيش!

- من أين أخذوها؟!

- من معاقلها!

 

ضحكت.. لم أستطع التصديق بأنّهم سحبوا الدبابات إلى خارج المعاقل وسرقوها! لم آخذ الموضوع على محمل الجدّ، وحاولت النوم مجدّدًا، وما هي إلّا دقيقة حتّى تجمّعوا فوق رأسي: "قم يا عزيزي! صدر الأمر بالاستعداد، فقد سرقوا الدبابات!". سألت مجدّدًا: "وأين كانت تلك الدبابات؟".

- على التلال التي تقع تحت سيطرة الجيش! في المعاقل!

- هل تسخرون منّي! وهل يُعقل أن يأخذوا الدبابات من غير أن يراهم أحد!

- لم يرَ أحد أيّ شيء.

 

هذه المرّة أتى "فندرسكي" ووقف عند رأسي مكرّرًا ما تداوله الشباب. ولأنّني من عناصر القوّة الضاربة، توجّب عليّ التحرّك معهم.

 

63


57

الفصل الثالث: أنا باق

كانت دبابات الجيش مستقرّة في تلال تقع قرب "مياندوآب". في طريقنا إلى هناك، لم أتوقّف عن الظنّ بأنّ الأمر عبارة عن دعابة سخيفة! لكن عند وصولنا إلى التلال، تأكّدت من صحة الخبر تمامًا، لأنّ آثار الدبابات لا تزال ظاهرة على الأرض وقد داست على الأسلاك الشائكة أثناء سيرها. كنت على يقين أنّهم لا يستطيعون القيام بهذا العمل من دون علم عناصرنا: "من المؤكد أنّ أحدًا ما تساهل في أمر الحراسة أو حتى تعاون مع الديمقراطيين". قيل لنا إنّه وقعت الليلة الماضية اشتباكات هناك عندما انتبهوا لحركة دبابتين، إلا أنّ أحدًا لم يصب بسوء. وكأنّ هذا الاشتباك وقع للتمويه! بعد السؤال والبحث والضغط تبيّن أنّ مسؤول المنطقة لم يكن قد وضع الليلة الماضية أيّ شخص للحراسة هناك، الأمر الذي زاد من انزعاجنا. ذهبت برفقة عدد من عناصر الحرس لتتبّع آثار الدبابات، لكنّنا قبل ذلك استفسرنا عن كمية الوقود التي كانت بداخلها ثم انطلقنا. مشينا قرابة الخمسة كيلومترات إلى أن وصلنا إلى إحدى القرى التي شاهد أهلها حركة الدبابات ليلًا. أكملنا مسيرنا وإذ بنا نرى عند أطراف أحد الوديان هياكل الدبابات الضخمة. من المؤكد أنّها كانت قد فرغت من الوقود. لم يشاهَد أحدٌ بالقرب منها، لكنّ فوّهات المدافع كانت قد فُكّت عنها وأُخذت مع القذائف. لم تتعرّض الدبابات لأيّ أذى، ويبدو أنّهم لم يفجّروها ليأخذوا الوقود ويكملوا سرقتهم الكبيرة. أما نحن، فأفرغنا ما كان بحوزتنا من وقود داخل مخازن الدبابات وركبها بعض من كان معنا من عناصر الجيش وأعادوها إلى المقرّ.

 

في اليوم التالي، جاءنا قائد الجيش في ثكنة "مهاباد"، وكان في الواقع إنسانًا مؤمنًا ومتعاونًا. قال: "ما رأيكم بأن تأتوا إلى الثكنة لندربّكم؟ يجب أن تجيدوا استخدام جميع الأسلحة. كما ترون، يقوم البعض هنا بسرقة الدبابات وإعطائها للديمقراطيين. في المستقبل أنتم من يجب

 

64


58

الفصل الثالث: أنا باق

أن يحمي هذا البلد..". وبناءً على إصراره الشديد، ذهب ثلاثة أو أربعة أشخاص من ضمنهم "فندرسكي" وعدد من شباب "مراغة" وتدربوا على الدبابات والمدفعية وبعض الأسلحة الثقيلة. ولم يكتف الرجل بذلك، بل صار يأتي إلينا في المركز أحيانًا لإعطائنا الدروس. كان عقيدًا مؤمنًا وكفوءًا وكان يقول: "رأيت أنّكم لم تأتوا، فجئت بنفسي لأعلّمكم"، وتوطّدت العلاقة بيننا وبينه حتى قال لنا: "ليت لي بدل ثكنة العناصر، سريّة واحدة من العناصر أمثالكم"[1].

 

فرحنا كثيرًا لخبر فكّ الحصار عن مدينة "عبادان"[2] في أواخر شهر أيلول. في ذلك اليوم كنّا في مركز القيادة، وما إن سمعنا هذا الخبر العظيم حتّى توجّهنا نحو سطح المبنى مكبّرين. وبينما نحن كذلك، وإذا بأصوات نيران الديمقراطيين تخترق نداءات التكبير لتبدأ المواجهات. لأنّنا كنا على السطح مكشوفين ومن دون رادع يحمينا من رصاصاهم، فقد أُمرنا بالنزول سريعًا إلى الأسفل. حين كنتُ أنزل على السلالم، لفت انتباهي معطف أحد الإخوة القزوينيين وقد اخترقته رصاصة، سألته: "هل أنت مصاب؟" أجاب متعجّبًا: "لا!". كانت الرصاصة قد مزّقت معطفه من الخلف، مسافة سنتمتر واحد أو حتى أقلّ، كانت كفيلة باستشهاده أو إصابته بالحدّ الأدنى، وها هو الآن يخيط معطفه الممزق!

 

كانت الأيام تمضي هادئة في "مهاباد". حيث بدأ أهالي المدينة بالتأقلم مع مفهوم الأمن التامّ بعدما شهدوا اشتباكات يومية على مدى


 


[1] يومذاك كان هناك خلافات على مستوى قيادة الجيش. لم تكن بعد بني صدر قد تمّت إعادة بناء الجيش على نحو ما هو عليه الآن، ولم يعمل بعضهم في بداية الحرب في كردستان كما يجب، وقد تحسن وضعهم تدريجيًّا.

[2] في إيران تكتب وتلفظ: آبادان.

 

65


59

الفصل الثالث: أنا باق

سنوات، أوقعت خلالها الكثير منهم ضحايا. كما تمّ تطهير أطراف "مهاباد" كليّا، أمّا أنا فاجتاحني الشوق للذهاب إلى الجنوب. عزمت في خريف العام 1981م على إنهاء عملي مع الحرس في كردستان والذهاب إلى هناك. من جهة ثانية كان شهر محرّم على الأبواب، فطاف حنيني إلى إحياء الليالي العاشورائية في تبريز، وأردت أن أكون فيها في هذه الأيام. تقدّمت من الأخ صالح بطلب إجازة لبضعة أيام، إلّا أنّه رفض ذلك. حاولت كثيرًا إقناعه لكنْ من دون جدوى، وتحوّل نقاشنا إلى جدل، إلى أن تدخّل "حداد" وقال لي: "ابقَ هنا يومين على الأقلّ ثمّ اذهب". لكنّني لم أقبل، حيث كنت أعلم أنّ الطرقات تقفل في يوم عاشوراء، وخفت أن يطول الأمر فأواجه عند ذهابي الطرقات المقفلة والحواجز. فقال حداد: "ابق يومين فقط واذهب في المهمة، وسأرسلك بنفسي إلى تبريز". ومع ذلك لم أطمئن لما سمعت. منذ مدة كان الديمقراطيون يتسلّلون من جهة تلة الشهيد "مهدي زاده"، ينصبون مدفعين من عيار (106) ودوشكا ويرمون مراكزنا ليلًا، ومهمّتنا الآن باتت على الشكل التالي: أن نصل قبلهم ونكمن لهم. تحجّجت بالتعب الشديد لعلّي أُعفى من الذهاب، فأجاب الأخ "صالح": "لا فائدة من هذا الكلام، ويجب عليك الذهاب!"، ولمّا رأى أنّه لن يحصل على شيء بالفرض، غيّر في أسلوب كلامه وراح يشكو همّه قائلًا: "سيد! اذهب هذه الليلة فقط. فقد ذهبت من قبل في مهام مثل هذه..". فقبلت. وقلت في نفسي: "لن تكون هذه الليلة كغيرها من الليالي، ستختلف عنها قليلًا".

 

وبالفعل ذهبنا إلى المكان الذي سننفذ فيه المهمّة بسيارتين من نوع تويوتا، استلمها الحرس حديثًا. وصلنا وانتظرنا حلول الظلام لنصعد إلى أعلى التلة من دون أن يرانا أحد. كنّا ثلاثة وعشرين شخصًا وبيننا ستة من البشمركة الكرد. وكانت مسؤولية هذه المجموعة بعهدتي، حيث كان من المقرر أن ننصب الكمين عند المساء لنبدأ العمل مع شروق الشمس.

 

66

 


60

الفصل الثالث: أنا باق

عند حلول الظلام، تحرّكنا من جانب القوات المستقرة على تلة الشهيد "مهدي زاده" باتجاه الهدف المحدّد. منذ مدّة كانت التلّة قد سلّمت لعناصر الدرك الذين لم يستطيعوا الوقوف كما ينبغي بوجه الديمقراطيين. وما إن اقتربنا منهم حتى سألونا: "إلى أين تذهبون؟".

- قد تواصلنا مسبقًا، سنتقدّم إلى الأمام لننصب كمينًا.

 

أثار جوابهم غضبي إذ قالوا: "اذهبوا! لكن إن حصل اشتباك ما، فلا تنتظروا منّا أن نساعدكم أو أن نرسل قوات لمساندتكم". ثم اقترحوا علينا الذهاب إلى القرية المجاورة ونصب الكمين هناك بدلًا من التلة المقابلة. فأجبت: "إذا فعلنا كما تقولون سيأتي الديمقراطيون من دون أن نشعر بهم أو نراهم". إلا أنّهم أصرّوا على رأيهم، فانزعجت كثيرًا وتواصلت مع المقرّ عبر جهاز اللاسلكي وأخبرتهم بما جرى، وأنّ هؤلاء يقولون إنّهم لن يمدّوننا بالقوات، ولن يساندونا أو يساعدونا، ولن يطلقوا القنابل المضيئة إلا في حال ذهابنا بالاتجاه الذي اقترحوه علينا، وحينها سيقدّمون لنا ما يستطيعون من مساعدة! وجاءت الأوامر من المقرّ بالتنسيق معهم والذهاب بالاتجاه الذي اقترحوه علينا. في السابق، كنت قد خدمت في تلة الشهيد "مهدي زاده" وأعرف محيط التلة والقرية جيّدًا، لذا علمت بأنّها ليست مكانًا جيّدًا للاشتباك، إذ يمكن للعناصر أن يطلقوا النار خطأً على رفاقهم أثناء الاشتباك، كما لا يُمكن للقوات الصعود منها إلى الأعلى بأيّ شكل. ومع ملاحظة كلّ هذه الأمور، أطعنا الأوامر وأكملنا المسير. وتمّ التأكيد على القوات بضرورة التزام الصمت المطبق، وأن يحملوا ما أمكنهم من الرصاص والقنابل وقذائف الـ(B7).

 

كنت أمشي أوّل الصفّ، وخلفي عنصر الإشارة، يتبعه باقي العناصر على شكل طابور. أثناء المسير شعرتُ أنّ شيئًا ما يتحرّك في العتمة. دقّقت النظر لكنَّني لم أبصر شيئًا في ذاك الليل الدّاكن. فجأة تذكّرت

 

67

 


61

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

والدي. في الصغر، عندما كنت أذهب برفقته ليلًا إلى البستان، وأشعر أحيانًا أنّ شيئًا في الظلام يمرُّ أمامي، كان يقول لي: "لا! لا شيء هناك، أنت تتخيّل بأنّك ترى شيئًا ما..". هنا قلت في نفسي أيضًا: "لعلّي أتخيّل". وتابعت المسير من دون أن أخبر عنصر الإشارة الذي يمشي خلفي بشيء. مشيت عدّة خطوات ومجدّدًا شعرت بشيء يمرّ أمامي. فكرت من جهة بأنّ ما أراه مجرّد وهم في وهم، ومن جهة أخرى ونظرًا لحساسيّة المنطقة والمهمّة، لم أعد أستطيع التفكير كما في السابق، وتوجّب عليّ أخذ الحذر. كنّا نسير في قناة توصلنا إلى القرية، فقرّرت أن أضع شخصًا واحدًا بالتناوب داخل القناة كي لا يطلق الشباب النار على بعضهم أثناء الاشتباك عن طريق الخطأ. وبينما أردت الرجوع لأنفّذ ما قرّرته، صُدمتُ بشخص يخرج فجأة من القسم الغربي للقناة شاهرًا سلاحه بوجهي. تجمّدت في مكاني، كانت فوّهة سلاحه ملتصقة بصدري تمامًا. بقيت على هذا الحال لثوانٍ معدودة، مع أنّ السلاح في يدي كان جاهزًا للإطلاق، معدّاً (محرّر الأمان) مسبقًا وفي وضعية الرشق، وكان إصبعي على الزناد، إلا أنّني وقفت في تلك اللحظات كالعاجز تمامًا. كانت عيناي مسمّرتين على ذاك الديمقراطي الجاهز للقضاء عليّ نهائيًّا.. ضغط على الزناد، لكنّ سلاحه لم يعمل! خلال لحظة عدتُ لتوازني فضغطت على الزناد ورميت به أرضًا من الطلقة الأولى. كان هذا الصوت كفيلًا بتحذير قوّاتنا فاشتدّت المواجهة. أصبح واضحًا بأنّ الديمقراطيين قد وصلوا إلى القرية قبلنا وكمنوا لنا. استأت جدًّا لمجرّد التفكير بأنّ شخصًا ما كان على علم بالأمر وطلب منّا الذهاب إلى هذه المنطقة. ومن حسن التوفيق أنّ أحدًا من قوّات العدو لم يكن موجودًا وراء الصخور عند نهاية القناة، ولم يكن يُسمع من تلك الناحية صوت لأحد أو لرصاصة، فطلبت من الشباب التقدّم إليها سريعًا. شكّلت تلك الصخور الكبيرة الموجودة هناك ملاذًا جيّدًا

 

68

 


62

الفصل الثالث: أنا باق

بالنسبة لنا. مع أنّني انشغلت طوال تلك المدة، إلا أنّني كنت بحال سيئة. كلّ ما علمته أنّنا محاصرون، وإن لم نتحرّك سيزداد الوضع سوءًا. كنت أسمع أصوات قذائف الـ(B7) التي يرميها الشباب وصوت الرصاص الذي يرتطم بالصخر فيصدر رنينًا عندما ينعكس اتجاهه، بالإضافة إلى أصوات عناصر القوات الحليفة والعدوّة، وأنا أشعر وكأنّ ذلك السلاح ما يزال يضغط فوق صدري. فقلت في نفسي، لأوّل مرة، كم يمكن للخوف في بداية الاشتباكات أن يكبّل الإنسان!

 

أثناء المواجهة قلت لعنصر الإشارة، وكان الأقرب إليّ: "قل لمن خلفك أن ينسحبوا وهم يُطلقون النار". لكنّه قال: "أنا لن أنسحب". شخص آخر سمع ما قلته فأجاب: "أنا أيضًا لن أنسحب". وصل الأمر بالانسحاب إلى بقيّة القوات فتراجعوا تدريجيًّا في حين بقينا نحن الثلاثة في تلك النقطة والاشتباك في ذُروته. ثمّ أحسست بالديمقراطيين يتقدمون تدريجيًّا نحونا، فأردت أن أقول لمن معي بأن يحاولوا تغيير أماكنهم خلف الصخور وتضليل العدو من خلال تغيير أماكن الرماية لكي لا يعرف مكاننا بسهولة، لكن ما إن استدرت حتى وقع نظري على أحد الديمقراطيين وقد اقترب منّا من خلف الصخور. فرميته على الفور بقنبلة وانتهى أمره. ثمّ قلت لعنصر الإشارة والأخ الآخر الذي كان من شباب "آبعلي" بأن يعطياني القنابل اليدوية خاصّتهما ويتراجعا إلى الخلف. إلا أنّهما رفضا مجدّدًا قائلين: "نحن أيضًا سنبقى!".

 

- لا يُمكن ذلك. ينبغي لشخص واحد فقط البقاء هنا كي يتمكّن الآخران من الانسحاب.

 

أقنعتهما في النهاية، فتركا قنابلهما معي وانسحبا. بقيت وحيدًا تمامًا لبضع لحظات. فتضاعف الخوف الذي ساورني في بداية الاشتباك ولم يكن قد زال عنّي بعد. رميت بقنبلة نحو الأمام ثمّ تراجعت قليلًا

 

 

69


63

الفصل الثالث: أنا باق

ولُذتُ بصخرة كانت خلفي. تسارع تقدّم الديمقراطيين، فرميت هذه المرة بقنبلتين اثنتين وتراجعت أكثر. كانت تفصلني عن تلّة الشهيد "مهدي زاده" مسافة ٣٠٠ متر تقريبًا. انسحبت كلّ هذه المسافة شيئًا فشيئًا بخوف ورجاء، وبالاعتماد على ما في جعبتي من ذخيرة إضافية، وبعد مشقّة كبيرة وصلت إلى بقيّة الشباب. قبل أيّ شيء، ذهبت أبحث عن الشخص الذي أرسلنا إلى كمين العدو، وقد افتضح أمره، وكنت أنتظر الصباح![1]

 

سريعًا أرسل الصباح بضيائه على السهل. عدتُ إلى مركز القيادة مع باقي العناصر وقد جرح منهم اثنان. سلّمت ذاك الخائن إلى معلومات الحرس، ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى اعترف بخيانته.

 

في ذلك اليوم، أذعنا بين الناس أنّ عدد ضحايانا كبير جدًّا، وكانت تلك خدعة منّا آتت ثمارها، إذ كان المعادون للثورة يعترفون بدقّة بعدد قتلاهم عندما نبالغ في عدد شهدائنا وجرحانا بعد انتهاء الاشتباكات. ويومذاك، أعلنوا هم أيضًا عن مقتل ستة من أفرادهم في الكمين الليلي.

 

بعد هذه الحادثة، قصدت الأخ صالح قائد عمليات الحرس في كردستان، الذي أبقاني ليلة في "مهاباد" من أجل تلك المهمة، وقد كانت ليلة فظيعة بالنسبة لي. ووفقًا للاتفاق السابق فقد أذن لي بالذهاب، وتوجهت إلى تبريز لإحياء يومي التاسع والعاشر من شهر محرّم.

 

مع مرور الوقت، راح شوقي للجنوب يزداد، لكنّني من جهة كنت عضوًا رسميًّا في الحرس في "مهاباد كردستان"، ومن جهة أخرى جعلني ردّ فعل القادة لا أصرّ كثيرًا على الأمر. في تلك الأيام كان قائد الحرس في "مهاباد" الأخ صالح، وكان معاون العمليات الأخ حداد وهو من شباب

 


[1] لتصفية حسابي معه.

 

70


64

الفصل الثالث: أنا باق

"قزوين". عرف صالح بالذكاء والشجاعة الكبرى، وكان لديه سيارة من نوع (جيپ) دخل بها في الاشتباكات مرارًا، وبعد تحقيقه خسائر كبيرة في معسكر العدو كان يرجع إلى المقرّ، وقد وقعت على جيبه أكثر من ٢٠٠ رصاصة إلّا أنّه لم يصب بأيّ جرح، حتّى إنّ البعض شكّ في أمره بأن يكون على علاقة بالمنافقين! وسرعان ما انقضى الشك عندما أُصيب وأرسل إلى طهران للعلاج. بعده استلم القيادة شخص آخر هو الأخ "شمس"، من أهالي "كرمان". بعد ذهاب صالح، ذهب الأخ "أمين" أيضًا إلى طهران ومن هناك إلى الجنوب، وأصبح الأخ حداد مسؤولًا عن اللجنة. امتاز الأخير بأسلوبه الخاص في مواجهة الأكراد المعاندين، فعندما يحصل اشتباك في أحد المراكز داخل المدينة، يصدر الأخ حداد أمرًا بالدفاع عن المركز، لكن مع التخفيف من حدّة الاشتباك، وسرعان ما يحاصر المنطقة بقوّات أخرى، وعندما يحلّ الصباح يطلب من أهالي المنطقة عبر مكبّرات الصوت الخروج من المكان، وتقوم جماعة البيشمركة التي معنا بسحب الديمقراطيين من بين الأهالي وينتهي الأمر[1]. تميّزت الخطة بفعاليتها وفائدتها، بحيث أنّه في غضون أشهر ثلاثة أو أربعة تمّ إلقاء القبض على غالبية الديمقراطيين الموجودين داخل "مهاباد" واستئصالهم. ومنذ ذلك الحين صاروا ومجموعات الكوملة يأتون من القرى والمدن المحيطة إلى "مهاباد" للمواجهة، وقد نُفّذت خطة الأخ حداد في المدن الأخرى أيضًا، ما سمح بكشف الكثير من هؤلاء وإلقاء القبض عليهم.

 

من جهة ثانية، اتُّبعت سياسة جديدة للتعامل مع الأهالي في القرى المجاورة. فأحيانًا كان يتمّ توزيع المؤن والألبسة عليهم، بالإضافة إلى تزويدهم ببعض احتياجات المعيشة، ما ساهم تدريجيًّا بزيادة تعاون


 


[1] بالطبع، بعد تحرير "بوكان" وقعت اللائحة التي تضم أسماء جميع الديمقراطيين في أيدينا، فكنا نعرف حتى أسماء قادتهم ومعاونيهم، ومحل استقرار قواتهم وعددها.

 

71


65

الفصل الثالث: أنا باق

الناس معنا ومساعدتنا، وتوقفهم عن تقديم العون للديمقراطيين أثناء الاشتباكات، بل على العكس صاروا يدلّوننا عليهم. في المقابل كلما كان الخناق يضيق على الديمقراطيين والكوملة كانوا يزدادون شراسة! وهم في الواقع لم يكونوا يقبلون بكلمة "استسلام" أبدًا، وكانوا يقاتلون حتى الموت أو الجرح أو الأسر.

 

في أوائل العام 1982م، ذهبنا مجدّدًا إلى مركز مستديرة "كوزن ها"، المكان المزدحم دومًا. وعلى الرغم من وجود ثلاثة مراكز لنا هناك يبعد الواحد منها عن الآخر مسافة ٣٠٠م فقط، إلّا أنّ يومًا واحدًا لم يكن يمرّ من دون حصول اشتباك في هذا الميدان. فقد كان يوجد بين كلّ مركزين سوق كبير تتصل به خمس أو ست طرقات، ما يُسهّل دخول الديمقراطيين للاشتباك والمواجهة، إضافة إلى قرب المنطقة من النهر والغابة. لذا، صعُب جدًّا تطهير هذه المنطقة وبتنا نعبر فيها بواسطة السيارات لا مشيًا على الأقدام. أذكر أنّه طوال السنة التي كنت موجودًا فيها في كردستان، لم يحصل أن جُرحتُ في أيّ اشتباك، أمّا هناك فقد أصبتُ ولأوّل مرّة أثناء اشتباك عادي، وذلك بطلق ناريّ في أعلى الركبة، في الخامس من كانون الثاني. وعلى الرغم من أنّني قد شهدت سابقًا استشهاد الكثير من أصدقائي وإصابتهم بالجراح، ولم أعد أشعر بالخوف، إلا أنّها كانت المرة الأولى التي أُصاب فيها وأذوق طعم الألم الحادّ، فاختلف الموقف عليّ. مع اشتداد المواجهات وسقوط الجرحى من الشباب، عادة ما كانت تأتي من مقرّ القيادة مجموعة خاصة للمساعدة مصحوبة بآليتين أو ثلاث آليات مجهزة بمدافع رشاشة. فجاؤوا ونقلوني بسيارة الإسعاف إلى المستشفى. وهناك أدخلت فورًا إلى غرفة العمليات، وتمّ إخراج الرصاصة من ساقي، لكنّني لم أبق تلك الليلة في

 

72

 


66

الفصل الثالث: أنا باق

المستشفى، فالسائد أن يتمّ إخراج الجرحى من المستشفى بعد تلقّيهم الإسعافات اللازمة ما لم يُرسل المصاب إلى أرومية في حال الجرح البليغ، أو يظلّ عدة أيام في غرفة الإسعاف الموجودة في مركز القيادة في حال الجرح السطحي، وهذا ما حصل معي فبقيت حوالي الأسبوع هناك قرب معسكر الجيش إلى أن تحسّنت حالي، ولم تعرف عائلتي بإصابتي.

 

طوال تلك المدة، تواصلت مع العائلة هاتفيًّا، وكنت أتّصل بمنزل والد زوجة أخي لأطمئنّ عن أحوال أسرتي، بسبب عدم وجود هاتف في منزلنا.

 

ذات يوم، وقعت اشتباكات في إحدى القرى، فأرسلوا مجموعة من القوة الضاربة إليها. دخلت القرية برفقة "فندرسكي" الذي كان مسؤولًا عن مدفعية الـ (106)، يقودها بنفسه ويرمي عند اللزوم. ما إن وصلنا إلى هناك حتى رأيت دبابتين تابعتين للجيش تطلقان النار، وانتبهت إلى أنّهم يريدون رمي دباباتنا بقذائف الـ (B7) فصرخت عاليًا وانتبه لي الطاقم فنحّوا فوّهة المدفعية عن دباباتنا. بعد ذلك، أراد "فندرسكي" إطلاق قذيفة مدفعية من عيار (106) على مركز الديمقراطيين، فقلت له: "لا يا عزيزي! هؤلاء لا يتخطّى عددهم الستة أو السبعة أشخاص، من المؤسف أن نهدر ذخيرة المدفعية عليهم". كان القرار أن ندخل القرية ثلاثة أو أربعة أشخاص. تركنا المدفعية في مكانها، وحملنا بأيدينا قطعتين من سلاح الكلاشينكوف وتقدّمنا على شكل طابور. بالقرب من المركز انتبهنا إلى أنّ ثلاثة أو أربعة من الديمقراطيين قُتلوا جرّاء إصابتهم بقذائفنا، ولم تكن الظروف تسمح لأحد بالفرار خارج المركز. اقتربنا أكثر، فلم نجد سوى اثنين منهم لا يزالان على قيد الحياة، وقد نالا نصيبهما من شظايا الدبابات. كانت جراحهما

 

73


67

الفصل الثالث: أنا باق

بليغة، ومع ذلك يحاولان ضرب دباباتنا بقذائف الـ (B7)! حين وصلت مجموعة البشمركة، قلت: "دعوهما فإنّهما أسيران". وافقوني الرأي، وعرفنا لاحقًا أنّهما أب وابنه. تمّ اعتقالهما، واعترفا كغيرهما من الديمقراطيين والكوملة المعتقلين أنّهما قتلا عددًا من عناصرنا، فصدر بحقّهما حكم الإعدام. كما أنّهما لم ينفكّا عن توجيه الإهانات لنا حتى الرمق الأخير، وكانا يكرّران شعاراتهما غير آبهين!

 

في شباط - آذار، أنهيت خدمتي في "حرس مهاباد"، وفيما كنتُ في المقرّ أجهّز نفسي للعودة إلى تبريز، جاء "فندرسكي" إليّ وقال: "سنذهب لتنفيذ عملية".

- أنا ذاهب إلى تبريز. انتهى عملي هنا!

- تعال الآن وشارك معنا في العملية، ومن ثم اذهب.

 

بعد دقائق عدتُ مجدّدًا وأخذت السلاح والقنابل من مسؤول التسليح، وهو من شباب تبريز، ثمّ ركبت السيارة.

 

كان في "مهاباد" سدّ شيّدوا إلى جانبه متنزّهًا يعرف بـ"متنزّه أشرف"، وبالقرب منه تقع قرية لم تكن قد أثمرت كلّ محاولات تطهيرها بعد حتى ذاك الوقت، ولعلّ السبب في ذلك يعود لموقعها الذي يعيق احتلالها بسهولة. في الليلة السابقة ووفق خطة السيد حداد، حاصرت قوات الحرس القرية، وفي الصباح استُدعيت مجموعة من القوة الضاربة إلى المنطقة لبدء الاشتباكات دفعة واحدة.

 

ذهبنا هذه المرّة برفقة سائق من "مراغة"، وبحوزة "فندرسكي" (رامي المدفعية) 15 قذيفة. لم نكن قد وصلنا إلى المكان المعلوم بعد حتى اعترتني حالة غريبة. كان الاشتباك قد بدأ، ورحنا نسمع أصوات الرصاص والقذائف. على إحدى التلال، عملت جرّافة على إحداث

 

74


68

الفصل الثالث: أنا باق

ساتر ترابي، وما إن انطلقت السيارة صعودًا حتى شممت رائحة بنزين، لم أكن أعلم أنّ السيارة إن صعدت المنحدر يفيض وقودها ويطفو. قلت لفندرسكي: "تفوح رائحة البنزين، لن يصيب الديمقراطيين شيء في هذه الحالة، لكن سيارتنا ستلتهب".

 

- لا تخف! لن يحصل شيء. ما إن نصعد قليلًا حتى يصلح الأمر.

 

وصلنا إلى أعلى التلة واستعددنا للإطلاق. في الأعلى شاهدنا جيّدًا ما يفعل الديمقراطيون، كانوا يُحضرون القوّات بالسيّارات فينزلونهم بسرعة ويعودون من حيث أتوا. حضّرنا قبضة مدفع الـ(106)ثمّ قام "فندرسكي" برمي قذيفتين أو ثلاث. رأيت بأمّ عيني انفجار إحدى السيارات المليئة بالقوات. حقّا كان يرمي بدقّة. فبعد خبرته لفترات طويلة على هذه المدفعية أصبح بارعًا في عمله. كما إنّنا بدورنا تعرّفنا في تلك المدة إلى طريقة عمله، كان يوجد على مدفعية الـ (106) مدفع رشاش ذو طلقات خطّاطة، وتجنّبًا لهدر الذخيرة، وجّهنا المدفع الرشاش بموازاة مدفع الـ(106) ليصيبا هدفًا واحدًا، فكان في البداية يرمي بالرشاش لتحديد الهدف، وإن أصابه أطلق القذيفة المدفعية. بعد رمي ست إلى سبع قذائف حميت فوهة المدفع، ممّا استوجب الانتظار قرابة الخمس دقائق قبل أن نعاود الرمي. أثناء انتظارنا لتبرد فوهة المدفعية قليلًا، انقلبت أحوالي فجأة، فقلت لفندرسكي: "أترى! سأُصاب حتمًا في هذا المكان!".

- لماذا؟!

 

لأنّني كنت قد أنهيت عملي وجميع أموري هنا لأذهب أخيرًا إلى الجنوب. كم أنا عديم الحظّ. فإلى الآن لم أصب إصابة جديّة في كردستان، لكنّني أشعر اللحظة بأنّ شيئًا ما سيحدث.

 

قاطعني "فندرسكي" قائلًا: "هل جُننت... لا تتشاءم!"، إلا أنّني لم أكن 

 

75


69

الفصل الثالث: أنا باق

مطمئنًّا. وعندما رمى قذيفة أخرى قلت له: "يوجد في جيبي 500 تومان، تعال وخذها لتسلم على الأقل هذه النقود!...". غضب "فندرسكي" من كلامي. كان هناك أخ آخر معنا يدعى "يوسف"، مهمّته إيصال قذائف المدفعية إلينا، فصار يحضرها واحدة تلو الأخرى، يضعها خلفنا ثم يذهب. كنت أتحدث إلى "فندرسكي" وهو يهدّف. فجأة رأيت "يوسف" قد وضع قذيفة وراء المدفع تمامًا ومشى. وكنت أعلم أنّ اللهب الخلفي لقذيفة الـ (106) يفوق اللهب الخلفي لقذيفة الـ(B7) بعشر مرّات وربّما أكثر! نهضت بسرعة وكان "فندرسكي" يجلس وراء المدفع وكما جرت العادة، كان بعد إطلاق عدّة طلقات من المدفع الرشّاش يضغط بركبته على عقب القذيفة المدفعية مجرة النار. صرخت: "لا ترم!"، وحضنت القذيفة لأُبعدها عن مسار النيران الخلفيّة التي ستنجم عن القذيفة المدفعية عند إطلاقها. لكنّه كان يضع يديه في أذنيه ولم يسمعني، ثم ضغط بركبته ورمى.. وما إن اطلق قذيفته حتى طِرْتُ في الهواء، لقد قذفتني سرعة النيران ودفعها الخلفي كطابة خفيفة في الهواء. لا أذكر شيئًا من تلك الثواني الغريبة التي مررتُ بها.. جلّ ما أذكره أنّني وقعت بشدة على الأرض. في حين أنّ عنقي كانت عالقة بين قدميّ! أزكمت أنفي رائحة غريبة، كانت خليطًا من رائحة اللحم المحروق، البارود، الدم، والتراب.. وتناهى إلى سمعي شيئًا فشيئًا صراخ "فندرسكي" والآخرين. كانوا يبكون ويصرخون.. أمّا أنا فحاولت إخراج رأسي من بين قدميّ ولم أستطع. عانيت كثيرًا من هذه الوضعية. لم أكن أعلم ماذا يرى أولئك الذين تجمّعوا حولي. أحسست أنّني أصبحت كطابة مستديرة ولا طاقة لي على تحمّل ذاك الوضع فصرخت: "حرّروا رقبتي". لكنّ هذا الأمر استغرق دقائق. عندما تحرّر رأسي من تلك الوضعية الضاغطة رأيت كلّ لحم جسدي يتساقط، لم يبقَ أيّ لباس على بدني، حتى القنابل ومخازن الرصاص التي كانت على خصري اختفت، ولعلّها تحولّت رمادًا!

 

76


70

الفصل الثالث: أنا باق

كان الشباب يلطمون وجوههم ورؤوسهم ويبكون. ردّدت الشهادتين من دون أن يصدر مني أيّ بكاء أو نحيب، فأنا كذلك منذ الصغر. مهما جرى عليّ من بلاء لم أكن أشكو أو أتأوّه أبدًا. في السابق كنت أظن أنّه لو سُلخ جلدي عن جسدي لم يكن ليُسمع لي صوت. وهذا ما حصل واقعًا، لقد شويت تمامًا خلال لحظات، وكان الدم واللحم والجلد المحروق يتساقط من جسدي. حملني بعض الشباب بصعوبة ببطانية عسكرية. تشهّدت وهم يركضون.. مع كلّ اهتزاز انتظرت لفظ أنفاسي الأخيرة التي لم تأتِ أبدًا، حتى وضعوني داخل آليّة "سيمرغ" هبطت بي من أعلى التلة. بعد تلاوة الشهادتين مرّات أحسستُ في النهاية أنّني باقٍ على قيد الحياة! حاول السائق جاهدًا إيصالي بسرعة إلى "مهاباد"، وحيث كانت الطريق في تلك المنطقة الجبلية ترابية، راحت الآليّة تعلو وتهبط، وأنا المكبّل بالبطانية رحتُ كذلك أعلو وأهبط معها، فيرتطم بدني بل كلّ جراحي بأرضها الحديدية. كنت أتألّم كثيرًا ومع ذلك لم أشكُ. إلى أن وصلت الآلية في النهاية إلى طريق إسفلتي فتحسّن الوضع قليلًا، ثم توقفت عند مركز القيادة وفُتح الباب. عرفني جميع الشباب هناك، وتحلقوا لدقائق حولي، كما جاء شمس وحدّاد أيضًا، كانا قلقين عليّ! نُقلت فورًا إلى مستشفى "طالقاني في مهاباد". وهناك اقترب مني طبيب، وما إن أزاح البطانية عنّي جانبًا حتى أعادها إلى موضعها وقال: "وضعه سيّئ جدًّا! أرسلوه إلى تبريز". حتى إنّهم لم يقوموا بشيء على الإطلاق من تضميد للجروح أو غيره، إنّما نقلوني إلى سيارة الإسعاف التي انطلقت بي. شعرت بالوقت يمرّ ثقيلًا وأنا على تلك الحال السيئة. طوال الساعات الأربع أو الخمس التي قضيتها في سيارة الإسعاف، كنت تارة أفيق وطورًا يّغمى عليّ.. ما زلت أذكر جيّدا الحريق والوجع وذاك الإحساس الغريب الذي انتابني في تلك اللحظات. لم أكن أعلم ما الذي ينتظرني وما الذي سيجري.

 

77

 


71

الفصل الثالث: أنا باق

رافقَنا عدد من شباب الحرس بسياراتهم إلى أوّل "مياندوآب" حيث أصبحت الطريق آمنة، فتوجّهت سيارة الإسعاف بسرعة نحو تبريز، إلا أنّ السائق لم يكن يعرف المدينة على الإطلاق، فأوقف السيارة وسألني: "والآن إلى أين أذهب بك؟".

- إلى أحد المستشفيات!

- أنا لا أعرف المكان هنا!

 

خارت قواي، فيما كان السائق يتوقف من وقت لآخر ويسأل الناس عن العنوان. لم أعد أحتمل.. فكرت في نفسي أنّه قد يكون من الأفضل لو أدلّه على العنوان بنفسي لعلّنا نصل بنحو أسرع. رفعت رأسي بصعوبة، نظرت من خلف زجاج سيارة الإسعاف فرأيت شارع السكة الحديدية ودللته من أين عليه أن ينعطف، فذهب من حيث قلت له. وبالرغم ممّا كنت أعانيه من ضعف، عاودت من حين لآخر رفع رأسي بصعوبة والنظر من النافذة لأرشده إلى الطريق مجدّدًا. وهكذا إلى أن وصلنا في نهاية المطاف إلى مقرّ التعبئة في شارع "حافظ". كنت خائر القوى، أصحو تارة وأغيب عن الوعي تارة أخرى بانتظار أن يأتي أحدهم ويوصلني إلى المستشفى! وعلى الفور صعد اثنان إلى سيارة الإسعاف وأرشدا السائق إلى مستشفى الإمام الخميني في تبريز. في المستشفى وخلافًا لما توقّعت، لم يسارع أحد لنجدتي. بقيت ما يقارب الربع ساعة على النقّالة ملقًى على الأرض. كلّ شخص يقترب مني ويرى الحال التي كنت عليها كان يتراجع!

- أيّ جرح من جراحه نضمّد؟!

- بل ما الذي يمكننا القيام به من أجله؟

 

استأت بشدة من هذا الوضع. وكلّ ثانية كانت تمرّ أقسى من سابقاتها، ولجأت من أعماق قلبي إلى الله..

 

78

 


72

الفصل الثالث: أنا باق

في النهاية، نقلت إلى إحدى الغرف ومدّدوني على بطني. ثم أتى طبيب وأزال بالمقصّ أقسام الجلد المحروق عن بدني، فشعرت بالراحة نتيجة هذا العمل! في قسم الجراحة الثالث، وُضِعتُ على أحد الأسرّة المفروشة بالنايلون. ثم أحضروا طاولتَي طعام ووضعوهما إلى جانبَيْ السرير الذي كنت ممّددًا عليه ووضعوا فوقهما بطّانية وذلك لكي لا يمسّ جسدي شيء.

 

خسرتُ الكثير من الدماء نتيجة النزف، ما استدعى إعطائي وحدات من الدم لأيّام عدة. العمل الوحيد الذي كان باستطاعتهم القيام به من أجلي يوميًّا هو وضع كمية من الدواء المطهّر على جراحي، وأن تأتي مجموعة لتحركني ثم تذهب. كنت أحيانًا أسمعهم يتهامسون فيما بينهم: "إلامَ سيؤول مصير هذا المسكين في النهاية يا ترى؟!".

 

مرّت أربعة أو خمسة أيام بقيت فيها على حالي السيّئة من دون أيّ تحسّن يُذكر. قال الطبيب إنّ قسمًا من عظامي قد احترق أيضًا. الشيء الذي لم أسمع به في حياتي أبدًا قد حدث لي الآن. ومن حسن حظي أنّ الحروق البليغة كانت في ظهري ولو كانت في وجهي وصدري لكان من الصعب البقاء على قيد الحياة مع هذه الدرجة من الحرق. إلى ذلك الحين، لم أكن قد أخبرت عائلتي بأنّني مصاب وموجود في تبريز. لكنّ شخصًا أتى لعيادتي، هو السيد "علي حسينيان" أحد أصدقائي القدامى، إذ كان يسارع إلى زيارة المستشفيات التي تستقبل جرحى الحرب لعيادتهم والاطمئنان عن أوضاع الأصدقاء المجاهدين. في أواسط شهر آذار من العام 1982م، وبالتزامن مع العمليات التي نفّذت في منطقة الجنوب، نُقل عدد كبير من الجرحى إلى القسم الذي وُضعتُ فيه. لذا، توافد الكثير من الناس إلى المستشفى في تلك الفترة. عندما

 

79


73

الفصل الثالث: أنا باق

رآني السيد علي فرح كثيرًا لكنّه استاء أيضًا، فقد صُدم للوضع السيّئ الذي كنت عليه. تجاذبنا أطراف الحديث قليلًا. قلت له: "حتى الآن لم يعرف أحد من أفراد عائلتي بإصابتي".

- إذًا، سأذهب وأخبرهم!

 

حاولت إقناعه بأن لا يفعل وقلت: "هم الآن يعتقدون أنّني سليم معافى في الجبهة. ولو علموا أنّني هنا سينشغل بالهم وسأربكهم بالتردد المستمر لزيارتي". وكنت قد عزمت على إخبارهم ما إن تتحسن حالي قليلًا. كان وضعي الجسدي سيّئًا لكنّني ما زلت على قيد الحياة وأعلم أنّ الشهادة لم تُكتب لي حتى الآن، أي لن تُميتني هذه الجراح وسأتعافى. لم تمضِ بضع دقائق على ذهاب السيد علي حتى سمعت صوت والدتي المألوف ينبعث من عتبة الباب، وقد أقامت مأتمًا.. لم أعرف متى ذهب السيد علي وأخبر أمي؟!

 

في ظلّ الظروف الصعبة التي أمرّ بها، كان حضور أمي وصوتها يشعراني بالراحة والاطمئنان، رغم معرفتي أنّها ستغتمّ كثيرًا لأجلي. سرعان ما أدركتُ أنّها في ذلك اليوم، وكغيرها من الناس، أتت إلى المستشفى لعيادة جرحى الحرب، وبعد وداع السيد علي لي رآها في بهو المستشفى، وبعد السلام عليها قال عن غير قصد: "سيدتي، شفا الله السيد نور الدين!"، فتعجّبت: "وهل أصاب نور الدين مكروه؟". حاول تدارك الأمر إلّا أنّه وبفعل إصرار الوالدة اضطرّ لقول الحقيقة، مشيرًا إلى أنّ السيد نور الدين في الغرفة الأمامية! تركت أمي أكياس الفاكهة في البهو وركضت نحو غرفتي. وها هي الآن قد رأتني ولم تصدّق أنّني قد جرحت بهذا الشكل.

- ما الذي أصابك بني؟!

- لا شيء يا أمي!.. لا شيء!

- ما الذي تريد أن يحصل ليكون شيئًا؟ وهل هناك أسوأ مما أنت

 

80

 


74

الفصل الثالث: أنا باق

عليه الآن؟!

 

حزنت أمي كثيرًا. أرادت أن تعرف ما الذي جرى معي، إلّا أنّني اختصرت لها الحادثة. ثم جلست المسكينة تستذكر أيام طفولتي وقالت: "لديك رأس مليء بالمصائب والبلاءات، لا أعلم إلى أين سينتهي بك الحال؟"، وحدّثتني كيف وقعتُ في المنقل عندما كنت طفلًا واحترقت، أمّا أن تراني الآن على هذه الحال أمر صعبٌ عليها كثيرًا.

 

رضيت أمي في النهاية أن تعود إلى المنزل، لكنّها منذ ذلك اليوم ما انفكّت تأتي يوميًّا من قريتنا خلجان إلى مستشفى الإمام الخميني في تبريز لزيارتي، وأحيانًا كان يأتي بعض أفراد العائلة والأقارب أيضًا لعيادتي. إلّا أنّ قدميّ والدي لم تطآ أرض المستشفى طوال تلك المدة! وكنت أعلم أكثر من غيري كم يتشاءم من المستشفيات، وما ستسبّبه رؤيتي من ألم له.

 

لم يتغيّر وضعي عمّا كان عليه في الأيام الأولى للإصابة، حتى إنّني اعتدت على تلك الرائحة المنبعثة من جسدي، لكنّ كلّ من يدخل عليّ كان يحسّ برائحة البارود الممزوج بالرمل والحصى المحترق تحت جلدي. في المستشفى لم يستطيعوا القيام بشيء لي سوى إعطائي وحدات من الدم من وقت لآخر وفصل الأجزاء المحترقة من جلدي ولحمي عن بدني.

 

ذات يوم جاء الطبيب لمعاينتي كما جرت العادة، كنت شبه نائم وخائر القوى، لكنّني سمعت الحوار الذي دار بقربي. قال الطبيب للممرّض الذي يرافقه: "ما من علاج لهذا الجريح!".

 

- لكنّني أعرف دواءه! سأنقله إلى الحمام، وأمدّده وأكشط جسمه إلى أن ينفصل هذا الجلد المحروق والممزوج بالحصى عن بدنه!

 

لم أر ردّ فعل الطبيب على كلام الممرض، لكنّني أحسست ببدني

 

 

81

 


75

الفصل الثالث: أنا باق

يشتعل. ناداني الممرض: "أخي! هل تتحمّل أن أنقلك إلى الحمام.."؟ كنت أعلم ماذا يقصد. في الحقيقة، لم يكن هناك أيّ علاج آخر، وكان عليّ أن أقبل بهذا الحل الوحيد. سألت فقط: "كم يستغرق هذا الأمر من الوقت؟".

- قرابة العشر دقائق.

- حسنًا، سأتحمّل هذه العشر دقائق مهما كانت صعبة.

 

أعدّوا التجهيزات اللازمة بسرعة، ثمّ حملوني إلى حوض الاستحمام الذي مُلئ بالمياه الفاترة والقليل من المادة المطهّرة للجروح ووضعوني فيه. لم يكن الأمر سهلًا على الممرض الذي رقّ قلبه لحالي. سألني: "هل تريد شيئا؟!"، فلم أطلب سوى أمر واحد وهو أن يضعوا شيئًا بين أسناني كي لا أصرخ. فوضع لي منديلًا وبدأ عمله. المشهد الذي ما زلت أذكره عن تلك الدقائق الصعبة أكثر من أيّ منظر آخر هو حبات العرق المتصبّبة على وجه الممرّض. شعرت وكأنّ كلّ عروق جسدي تشتعل وأحترق من جلدي... لقد أراد القيام بما عجز الأطبّاء عن القيام به حتى الآن، وقد فعل! حبست بكائي وصراخي في حنجرتي وكدت أغيب عن الوعي من شدّة الألم. لكنّني قاومت حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن نظر في عينيّ وقال لي: "لقد انتهى الأمر!".

 

كنتُ خائر القوى ومتعبًا إلى درجة لم أستطع التفوّه بأيّ كلمة. في اللحظات الأخيرة التي كانوا يحملوني فيها من حوض الاستحمام ليضعوني على السرير. نظرت إلى الحوض وإذ بي أرى قطع جلدي ودهون جسدي تطفو فوق الماء. لعلّي خلعت اثنين إلى ثلاثة كيلوغرامات من وزن بدني داخل حوض الاستحمام! لكن مع ذلك انتابني شعور غريب بالراحة!

 

كانوا منذ ذلك اليوم وأنا في سرير المستشفى، يسكبون "البتادين" على جسدي، ويضعون الملاءة قربي على الطاولة ويذهبون. وبعد مدة، صاروا

 

82


76

الفصل الثالث: أنا باق

يطهّرون جراحي ويضعون لي ضمّادات "الفازلين"، وفي اليوم التالي حيث تكون الضمّادات قد يبست والتصقت بجراحي، يضعون "السافلون" عليها لتصبح رطبة ويتمكنوا من نزعها بسهولة، وهكذا دواليك...

 

بدأ جلدي ينمو شيئًا فشيئًا، وكانت تزعجني بعض الأماكن في بدني حيث الحرق أكثر عمقًا، لكنّ وضعي تحسّن كثيرًا عمّا كان عليه.

 

ذات يوم تناهى إلى سمعي صوت أنين وبكاء ينبعث من الغرفة المجاورة. لم أكن وقتها على ما يرام، فانزعجت من تلك الأنّات والآهات. طلبت من أحد الممرضين أن يحمل سريري ويضعه بالقرب من ذاك الأخ. ظننتُ أنّه من جرحى الحرب، لكنّه لم يكن كذلك. عندما حملوني إليه عرفت أنّ اسمه "حسن شيرافكن". سألته عن سبب كلّ هذا الأنين فأجاب أنّه يشكو من ألم في الكلية ما زاد من انزعاجي، لكنّني لم أظهر له ذلك وقلت له: "في النهاية على المرء أن يتحمّل. انظر إليّ! لم يبقَ أيّ مكان سالمًا في بدني ومع ذلك لم أُصدر صوتًا.. ستتعافى إن شاء الله". عندما رأيته يبكي تعجّبت. قال: "أنت تقول إنّك مقاتل وقد حصل لك في الجبهة ما حصل. أما أنا فماذا..؟!". أعتقد أنّ كلامي قد أثّر به. فبعد ذلك اليوم لم أعد أسمع له حسًّا، لكنّنا التقينا مجدّدًا وأصبحنا أصدقاء، حيث قضينا معًا في مستشفى الإمام الخميني مدّة شهر تقريبًا. بعد مضيّ حوالي الشهرين على إصابتي في كردستان، وفي أواسط أيار من العام 1982م كان خروجي من المستشفى بشكلي الجديد.

 

لقد نبت لي لحم زائد في الأماكن التي كان الحرق فيها أعمق، وتوجّب عليّ الذهاب إلى طهران لأُكمل العلاج في مستشفى "الشهيد مطهري" المخصّص للحروق. كان جلدي الجديد رقيقًا وناعمًا، ولكن بعض الأقسام الأخرى ما تزال بحاجة إلى التضميد ممّا يستدعي الذهاب إلى المستشفى، فصرت أتواعد مع "حسن شيرافكن" ونذهب

 

83


77

الفصل الثالث: أنا باق

معًا. في تلك المدة، وفي كلّ مرّة سألته فيها عن عمله كان يُجيب: "أنا بائع في شارع تربيت، وستأتي وترى ذلك بنفسك".

 

ذات يوم ذهبت، ورأيته يبيع أدوات التزيين الخاصّة بالنساء والجوارب و... فتعجّبت: "سيد حسن! هذا العمل لا يليق بك على الإطلاق!".

- أقسم بالله! لقد سئمت من بيع هذه الأشياء! وأطلب من الله أن يخلّصني من هذا العمل، لكن ليس باليد حيلة!

- لا يا أخي، الأمر بيدك.

 

طوال تلك المدة أصبحنا صديقين حميمين. لذا لم يكن من الصعب عليّ أن أنصحه بترك عمله لغيره والذهاب للتدريب العسكري.

- الجبهة من أفضل الأماكن! عليك الذهاب لترى!

 

ولم يمضِ وقت طويل حتى التحق بدورة عسكرية، لينطلق بعدها إلى الجبهة[1].

 

بعد خروجي من المستشفى، وجدتْ أمي عملًا جديدًا لها. ففي كلّ يوم كانت تجلس بالقرب مني لساعة، تحمل بيدها الإبرة وتُخرج بها ما تبقّى من رمال تحت جلدي! فيما بعد اشتريتُ بعض أدوات التضميد وبدأت أتكيّف مع جراحي.

 

ذهبت مرتين إلى طهران لاستكمال علاج اللحم الزائد، وقد وقعتْ بعض الأحداث هناك. كان الحرس هم من يتولّون نقل الجرحى في ذلك الحين، ولهم في طهران قسم خاصّ بعلاج الجرحى، وأحيانًا كانوا يرسلونهم إلى خارج البلاد لتلقّي العلاج. في الطابق العلوي لمستوصف "الشهيد بهشتي" في تبريز، أُحدث مكان ليستريح فيه الجرحى إلى أن


 


[1] "حسن شيرافكن" هو نفسه الذي سطّر الملاحم في عملية "والفجر4"، وأذهلت بطولاته وشجاعته أصدقاءه، وسرعان ما نال الشهادة.

 

84


78

الفصل الثالث: أنا باق

يحين موعد نقلهم إلى طهران أو إلى المستشفيات الأخرى. وكان هذا القسم يتألّف من عدّة غرف يتمّ فيها تضميد الجروح وإعطاء الحقن للجرحى، وهي مجهّزة بسرائر كتلك المخصصة للمستشفيات.

 

وفي يوم من الأيام تمّ إدخالي إلى مستوصف "الشهيد بهشتي" حتى يحين وقت نقلي. ومن حظّي السيّئ أنّه في الوقت نفسه الذي كنت فيه هناك تواجد شخص آخر، قال البعض إنّه من المنافقين وقال آخرون إنّه من الديمقراطيين. يبدو أنّه اعتقل ونقل إلى المبنى التابع للحرس في المنطقة الخامسة، ثمّ حُبس مساءً داخل غرفة ليتمّ استجوابه في الصباح التالي، ووضعوا له حارسًا أمام باب الغرفة أيضًا لكي لا يتمكّن من الفرار، فقصّ البطانية بقطعة زجاج على شكل شرائط ووصلها ببعضها محاولًا الفرار من النافذة، إلا أنّ الشرائط تمزّقت فوقع على الأرض وكسر قدميه، وقد وُضع على حاله تلك معنا في الغرفة. ومع أنّ قدميه الاثنتين كانتا مجبّرتين إلّا أنّه كان قويًّا، فكنا نخاف النوم رغم وجود الحرّاس فوق رأسه خشية من أن يؤذينا!

 

أُرسلت في نهاية المطاف إلى طهران، حيث خُصّصت للحرس في "شميران" و"فنك" مبانٍ نظيفة ومرتّبة يتابعون فيها أمور الجرحى. وعند وصول المصاب، يتم إرساله في سيارة الإسعاف مع مرافق إلى المستوصف أو المستشفى، ويتابعون أمر علاجه حتى المراحل الأخيرة. أحيانًا كانوا ينتظرون مع الجريح، وأحيانًا أخرى يعطونه رقمًا ليطلبه عند الانتهاء من العلاج. بعد سنة أو سنتين تغيّرت هذه الإجراءات، وشهدنا أيامًا أمرّ بعشرات المرّات من أيام الحرب والجراح[1]!


 


[1] منذ أن عُهد أمر متابعة أمور الجرحى إلى مؤسسة الشهيد، اختلف الوضع. فإما أنه لم يكن يوجد إمكانات، وإما لم يكن هناك تنسيق. وحصل لمرات أنه عندما نذهب إلى مؤسسة الشهيد في طهران، كنا نقف في صف طويل ليعطونا رسالة يعرّفونا فيها إلى أحد المستشفيات. وكثيرًا ما يحدث أن تتوقف سيارة نظيفة ومن أحدث طراز إلى جانب الطريق أو أمام المستشفى وتترجل منها سيدة سيئة الحجاب، تريد إيصالنا إلى المكان الذي نقصده. عادة ما كان الناس يدركون أننا جرحى حرب، فكانوا من باب التعاطف أو لأي نية أخرى، يحاولون مساعدتنا. إلا أن [قلوب العاملين في] مؤسسة الشهيد على ما يبدو لم تكن ترقّ لحالنا! كانوا ينزلوننا في أحد الفنادق التي يفوق وضعها الأنزال * (جمع نُزُل) سوءًا، وكان مصعداه الكهربائيان معطلين، فكان على الجرحى أن يتكبدوا عناء صعود السلالم ونزولها وهم يعرجون. كما كانت معاملة موظفيه غريبة، حيث راحوا يقدمون لنا الشاي في فناجين بلاستيكية كنا نضطر لاستعمال أمثالها في الجبهة. لا أعلم، ربما كانت هذه المشاكل تحدث بسبب كثرة الجرحى الذين يتوافدون من قوى الحرس والجيش والتعبئة، ومن جميع المدن إلى هناك. كنا نرى تغير القيم وتبدلها شيئًا فشيئًا، فقد كانوا يقدمون يوميًّا لكلّ جريح يأتي إلى طهران للعلاج مئة تومان، ويضاعفونها مرّات عدة في بعض الحالات الخاصة. كنت أستمع هناك إلى كلام بعضهم فتثور أعصابي. فيقول أحدهم مثلًا: "اقتحمت حشود الناس وكسرت الزجاج ليعطوني المال". ويقول آخر: "ذهبت إليهم وبكيت وانتحبت..." أكاد أجن حين أسمع ذاك الكلام. لو كنت أملك المال، لدفعت مصاريف العمليات من جيبي الخاص ولا أرى مثل هذه المعاملة والمشاهد. لقد ازداد التساهل والاستهتار. ذات يوم أرسلوني إلى أحد الأطباء من أجل استكمال علاجي، وبعد طول انتظار، حين جاء دوري قال لي إنّ علاجي ليس عنده، وإنّ اختصاصه مغاير تمامًا لمشكلتي!

 

85


79

الفصل الثالث: أنا باق

استغرق الأمر وقتًا طويلًا من الأول من آذار العام 1982م حيث أصبت بتلك الجراح النادرة إلى أن تحسّن وضعي نسبيًّا. وحتى صيف العام 1982م كنت قد تغيّبت لأشهر عن ميدان القتال. هذه المدة الطويلة من النقاهة أرهقتني وأحزنتني، فحزمت أمري على العودة إلى الجبهة. في هذه الفترة، أنهيت عملي مع حرس كردستان الذين اعتقدوا أنّني بعد إصابتي لن أكون عنصرًا فاعلًا. وها أنا الآن أصبحت حرًّا وصار بإمكاني الذهاب إلى الجنوب. وبصعوبة أقنعت عائلتي وبالأخصّ الوالدة، ثم وضعت في حقيبتي الصغيرة بعض الأغراض الضرورية لتضميد جراحي وتوجهت إلى الجنوب.

 

 

86


80

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

الفصل الرابع:

أخوان وعروج واحد

 

كان سفري الأوّل إلى الجنوب حافلًا بالأحداث. بجسدٍ حافل بالحروق لكنّه مغطّى، انطلقتُ برفقة كريم ستّاري[1] - الذي تعرّفت إليه في كردستان - وبعض الأصدقاء الآخرين. سار جميع العناصر من مركز الحرس إلى المصلّى مطلقين الشعارات. من هناك، ركبنا الحافلات وتوجّهنا إلى محطّة القطار. كثر الشباب بحيث امتلأت المقصورات، وبقي عددٌ منهم واقفًا على رجليه. وفي تلك الأثناء، جاء إلينا أحد مهندسي الحرس ويُدعى "موسوي". كان عضوًا في لجنة مسجد التوحيد، ويبدو أنّه على معرفة بكريم من خلال المسجد. أخذنا جانبًا وقال: "لا تذهبوا بهذه البعثة، من المفترض أن تُنقل الليلة في تمام التاسعة، خمس عشرة جرّافة بقطار الشحن إلى الأهواز. أريدكم أن ترافقوا هذه الشحنة وتسلّموها إلى المعنيّين هناك". كانت مهمة ملائمة تمامًا لوضعي.

 

ترجّلت وكريم من القطار وعدنا إلى مقرّ الحرس. قدّموا لنا هناك الطعام وأعطونا مصروف الطريق، وعلمنا أنّ رحلتنا هذه إلى الأهواز ستستغرق خمسة أيّام. كانت مهمّة صعبة ومسؤوليّة كبيرة بالنسبة لنا. أوصلنا الإخوة في الحرس بكلّ احترام وفي الموعد المحدّد إلى محطّة

 

 


[1] استُشهد في عملية مسلم بن عقيل. كانوا ثلاثة إخوة غالبًا ما يذهبون معًا إلى الجبهة، وقد استشهد أخوه محمود متأثّرًا بجراح أصيب بها بالسلاح الكيميائي، وهو مهندس في بلديّة تبريز.

 

88


81

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

القطار، لأبدأ وكريم ستّاري رحلة فريدة من نوعها. لم يكن في قطار الشحن سوى مقصورة واحدة فقط مُعدّة لاستراحة السائق ومساعده كنّا نستريح فيها ليلًا، أمّا في النهار فنجلس على الجرّافات. انطلق القطار من تبريز في تمام التاسعة ليلًا ووصلنا ظهر اليوم التالي إلى طهران. كان علينا البقاء ثلاث ساعات في محطّة القطار من أجل أعمال الصيانة، فقمت وكريم بجولة هناك، ولم نبتعد كثيرًا بسبب الازدحام. المحطّة التالية كانت قم. وصلنا إليها في الثامنة مساءً، وكان علينا التوقف هناك أربع ساعات. وجدناها فرصةً جيّدة، فقرّرنا الذهاب لتناول العشاء أوّلًا، ثمّ زيارة مقام السيدة المعصومة عليها السلام والعودة بعدها إلى المحطّة. وعلى الرغم من أنّهم زوّدونا في تبريز بالمعلّبات والطعام البارد، إلّا أنّنا كنّا مشتاقين إلى الطعام الساخن، فرحنا نبحث عن بائعٍ للكباب في الجوار، إلى أن وقع نظرنا على أحد المطاعم قرب المحطّة. دخلنا. شاهدنا الصالة خالية، والطاولات قد صُفّت ورُتّبت بنحو جيّد، ووُضعت عليها المناديل الملوّنة والمرطّبات على أنواعها و... وكنّا في الطريق قد اشترينا كيلوين من العنب، فغسلته ووضعته في أحد الصحون الموضوعة على الطاولة. لفت منظرنا النادلين، فلباس الجبهة الذي نرتديه، والغبار الذي غطّى ثيابنا وعلا وجوهنا ورؤوسنا جرّاء الجلوس أيّامًا على الجرّافات، جعل مظهرنا غير ملائمٍ للمكان. كنّا قد طلبنا عند دخولنا المطعم صحنين من الأرزّ بالكباب، فقال النادل: "سنقدّم الطعام للجميع دفعة واحدة". لم نلتفت إلى ما قاله لشدّة جوعنا، ورحنا نتناول الخبز الموضوع على الطاولة مع العنب. لكنّني رحت أوصي كريم باستمرار: "لا تأكل كثيرًا! فينفد العنب ولا يبقى منه شيء للطريق. كما إنّ الأرزّ بالكباب سيبقى ولن تستطيع أكله!". لكن حتى الآن لا خبر عن الأرز بالكباب، فقلت لكريم: "قم واستعجلهم ليأتونا بالطعام، فلدينا أربع ساعات من الوقت قضينا منها ساعة هنا!". ذهب كريم، والتفت

 

89

 


82

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

إلى الكراسي تمتلئ شيئًا فشيئًا بالوافدين إلى القاعة. هذا يضع ربطة عنق، وآخر جاء مع زوجته وما شابه.

 

فعلًا لقد جئنا إلى مكان خاصّ!

 

قلت ذلك في نفسي وسمعت كريم يقول: "يقولون إنّهم سيقدّمون الطعام للجميع معًا!". فجأة وبينما كان الجالسون حولي يرمقوننا بنظرات حادّة، خطر ببالي خاطر، لعلّ مراسم خاصّة تُقام هنا ونحن لا ندري. أخبرت كريم بالأمر لكنّه قال: "لا يا عمّ، فطاولات الطعام تُزيّن دائمًا على هذا الشكل... اجلس، بعد قليل يأتوننا بالطعام!". وما كدت أفتح فمي لأردّ عليه، حتّى وقع نظري على عروسين يدخلان الصالة! وارتفعت الأصوات مرحّبة بهما...

- أسرع يا كريم، ها هما العروسان يدخلان!

 

وقفنا، لكن الأصوات ارتفعت من كلّ صوب تدعونا للجلوس. ظنّ أهل العروس أنّنا من أهل العريس، وكذا أهل العريس ظنّوا أنّنا من أهل العروس. كان الجميع يقولون: "أهلًا وسهلًا، بعد قليل يُقدّم الطعام". دخل العروسان، فانقلبت الأوضاع ولم نعد نستطيع التحرّك من أماكننا، وبدأنا نشعر بعذاب الضمير. في النهاية، هدأ الجوّ وجلس الجميع. قلت لكريم: "أنا سأذهب، اتبعني!". تركنا العنب وخرجنا من الصالة بحجّة ما. في الطريق كان أكثر ما أسفنا عليه العنب الذي تركناه على الطاولة! مضت ساعة من الوقت المحدّد للاستراحة. لم نجد في تلك الناحية مبتغانا. مشينا إلى آخر شارع محطّة القطار. قال كريم: "لن نجد في هذا الوقت من الليل مطعمًا يقدّم الأرزّ بالكباب، تعالَ نوصِ على سيخين من الكباب المشويّ، ومن ثمّ ننصرف إلى عملنا!". عندما قصصنا قصّتنا على صاحب أحد المحلّات التي تبيع الكباب المشوي، انفجر ضاحكًا وقال: "أنتم الليلة ضيوفي على العشاء! ولن آخذ منكم

 

90


83

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

المال لقاءه. لكن ليتكم بقيتم وتناولتم عشاءكم هناك!". على كلّ حال قنعنا بما قدّمه، وتوجّهنا سريعًا إلى الحرم[1]، وبعد الزيارة والصلاة عدنا إلى المحطّة لينطلق القطار بعد نصف ساعة.

 

كان قطار الشحن يتحرّك ببطء ويتوقّف ساعات في المحطّات، أحيانًا يحمّل البضائع، وأخرى يبدّل الأدوات. وصلنا صباح اليوم التالي إلى "آراك"، وهناك اشترى سائق القطار خروفًا وذبحه ودعانا لتناول الطعام. كان من المقرّر أن نتوقّف هناك أربع ساعات، فكانت تلك المدّة كافية لطبخ مرق اللحمة اللذيذة، وإضفاء المزيد من الذكريات الجميلة إلى الرحلة الأولى للجنوب.

 

كان ذلك في أواسط فصل الصيف حيث موسم العنب، والمزارعون يقدّمون لنا العنب والفاكهة الأخرى. اختزنّا طوال الطريق ذكريات جميلة. في إحدى المحطّات، ذهبنا إلى أحد الكروم وطلبنا من صاحبه ابتياع القليل من العنب، وحين رآنا ننقل بعض الآليّات الثقيلة إلى الجبهة قال بكلّ احترام: "ما هذا الكلام، عن أيّ مال تتكلّمون؟ هذا البستان لكم بما فيه!". ثمّ أحضر كيسًا وأصرّ علينا أن نقطف ما نشاء منه. حقًّا، كان ذلك العنب لذيذًا.

 

طوال النهار، حين نمرّ بقرية أو مزرعة ما، كان الناس يلوّحون لنا بأيديهم بكلّ محبّة. كان الطقس رائعًا، فالطبيعة في مناطق غرب إيران وجنوبها لا ينقصها من الجمال شيء. في طريق "انديمشك ـ بُل دختر"، عَبَر القطار أنفاقًا عديدة، فانتشر دخانه الغليظ في أحدها، وكأنّه يعوّض عن كلّ مسرّات الطريق! بالإضافة إلى الدخان، تقاطر الماء علينا من سقف النفق، ليصبح شكلنا يُرثى له عند خروجنا منه. حين وصلنا


 


[1] مرقد السيدة المعصومة (عليها السلام).

 

91


84

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

إلى "أنديمشك"، كان وضعنا مزريًا، لذا قرّرنا في فترة الاستراحة التي ستستمرّ لأربع أو خمس ساعات، أن نهتمّ بأنفسنا ونحسّن هندامنا. بعد الاستحمام وتناول الطعام، أقمنا صلاتي المغرب والعشاء في مسجد كبير قريب من المحطّة، وعندما عدنا إلى المحطّة قالوا إنّنا سننطلق ليلًا. خلدنا إلى النوم، ولم نستفق إلّا ونحن في الأهواز.

 

قبل ساعتين من طلوع الفجر، كان الإخوة في الحرس قد أرسلوا إلى المحطّة من يستقبلنا هناك. أصرّوا علينا للبقاء عندهم، ولم يتركونا نذهب إلى مقرّنا إلا مع إشراقة الصبح. استضافونا على الفطور، وما إن بسط النهار أجنحته حتّى توجّهنا إلى مدرسة الشهيد "براتي" مقرّ لواء عاشوراء. وحين وصلنا أخبرونا أنه ينبغي علينا تسليم مفاتيح الجرّافات لمسؤول المحور، وهو الأخ "حبيب باشايي"، ولم أكن قد رأيته حتى ذلك اليوم. سألنا عنه أوّل شخص التقيناه، وكان شابًّا ذا مهابة. قال: "أنا هو حبيب باشايي!".

 

دقّقت النظر فيه. بدا لي منذ النظرة الأولى إنسانًا مختلفًا، رياضيًّا في ريعان الشباب، ذا لحية كثّة أضافت بهاءً خاصًّا إلى جمال وجهه. حقًّا كانت القيادة تليق به. سلّمناه المفاتيح بعد أن أخبرناه بأنّنا أتينا بالجرّافات من تبريز، وها هي الآن في محطّة قطار الأهواز. استقبلنا الأخ حبيب باشايي بحفاوة وقال: "لا يكفي أنّكم جئتم بأنفسكم، بل أحضرتم الجرّافات أيضًا!..". سُررنا جدًّا، فتجربتنا الأولى في السفر إلى الجنوب كانت مميّزة، كما إنّ رؤيتنا الفرحة العارمة في وجوه المسؤولين والعناصر لاستلام عدد من الجرّافات في المنطقة، شكّلت واقعًا أمرًا مهمًا. ركبنا سيّارة الأخ حبيب، وسلك بنا طريقًا سريعًا ومختصرًا إلى محطّة القطارات، حيث التقينا خمسة أو ستّة سائقين سبقونا لاستلام الآليّات. توجّه إلينا الأخ حبيب قائلًا: "أنتما ضيفانا لليومين المقبلين".

 

92


85

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

بقينا في ضيافتهم يومين، وفي تلك المدّة شاهدت كم كانت تؤثّر هيبة حبيب باشايي في عناصره. في اليوم الأوّل وقبل أيّ شيء، استحممنا في الحمّام العمومي الذي أُعدّ للمجاهدين في مدرسة الشهيد براتي، بعدها أخذني كريم، وقد سبق له المجيء إلى الأهواز، لنجول في المدينة، وأراني أهمّ المناطق هناك. توجّهنا إلى جسر الأهواز المشهور، فأثارت رؤية نهر "كارون" فيّ شعورًا رائعًا. لم أكن إلى ذلك الحين قد رأيت نهرًا بهذه العظمة. جلنا في المتنزّه المجاور للنهر، وراح كريم يحدّثني عن الطابور الخامس الذي كان له وجود كبير هناك، ووقعت مواجهات عنيفة معه في المدينة. في طريق العودة إلى المدرسة وقع نظري على محلّ يبيع الساندويشات. أصرّ كريم على تناول الغداء في مدرسة الشهيد براتي حيث يقدّمون الطعام لجميع العناصر، لكنّني كنت أرى أنّ طعم الساندويش يفوق طعام المقرّ لذّة! ولم أستطع صرف النظر عنها. تناولنا الساندويشات وعدنا إلى المدرسة لنجد العناصر متوجّهين نحو صالة الطعام. كانت صالة الطعام عبارة عن عدّة خيم موصول بعضها ببعض، بحيث عندما تدخل من أحد جانبيها ترى منظرًا لافتًا، سفرة طويلة قد مُدّت، وأوّل ما يلفت نظرك فيها الأكواب البلاستيكيّة الحمراء الموضوعة عليها، فيما يتحلّق حول المائدة المجاهدون الذين وردوا الأهواز للتوّ، والذين لا يلبثون أن يوزّعوا على الكتائب بعد الفرز والتنظيم. في الواقع، كانت مدرسة الشهيد براتي بمنزلة مكان للتجهيزات، حيث أُنشئ فيها مخزن كبير يلبّي حاجة العناصر والكتائب. في فترة تواجدنا هناك، كان عناصر كتيبة الشهيد مدني في طريق العودة من إجازتهم، كما توجّهت بعض الكتائب إلى المنطقة استعدادًا للعملية القادمة، أمّا نحن فتمّ فرزنا بعد يومين.

 

93


86

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

استقرّ عدد من عناصر لواء عاشوراء في "كلستان" و"بوستان"، وهما مدرستان تحوّلتا بعد بدء الحرب إلى مقرّ للمجاهدين. في البداية فُرِزنا إليها، ثمّ انتقلنا إلى جامعة "جندي شابور"[1] حيث التقيت بابن خالي إبراهيم نمكي[2]. كان لقاء أحد المعارف بالنسبة لي في أول مرّة آتي بها من كردستان إلى الجنوب، أمرًا رائعًا. غالبًا ما سألني الإخوة: "أين خدمت قبل مجيئك إلى هنا؟"، وعندما يسمعون باسم كردستان، يغلبهم الشوق والحماسة لأخبرهم عن المواجهات التي حصلت هناك. ما كانوا ليتصوّروا فكرة عدم وجود مسافة بين الصديق والعدوّ، وأنّ المرء قد يُرمى بقنبلة في أيّ لحظة من قبل أيّ رجل أو امرأة أو طفل. لذا اعتبروا وجود قوّاتنا في مواجهات كردستان، وجودًا قويًا، وقالوا: "إنّ الذي يخدم في كردستان لمدّة شهرين أو ثلاثة كالذي يخدم في الجنوب لمدّة سنتين أو ثلاث!"، وهذه هي الحقيقة. فمواجهات كردستان القاسية والمتتالية، تجعل الإنسان أشدّ مِراسًا وتجربة.

 

بعد يومين أو ثلاثة قضيتها عند ابن خالي، ذهبت إلى مدرسة الشهيد براتي في الأهواز. كان الأخ زارعي هو المسؤول عن فرز القوّات وتنظيمها، وقد سبق له أن تعرّف إليّ. بعد التحيّة والسلام والاستخبار عن الأحوال وفرز القوّات، التفتُّ إلى أنّني الوحيد الذي لم تُحدّد مهمّته.

- إذًا، لما لم تفرزوني إلى نقطة معيّنة؟

- أنت الآن باقٍ هنا، تعال وامضِ معنا يومين أو ثلاثة!

 


[1] في تلك الفترة كانت جامعة جندي شابور، فرع الأهواز التي تقع في أوّل طريق الأهواز-خرّمشهر القديم، مقرًا للمجاهدين.

[2] هو من المجاهدين القدامى في فرقة عاشوراء، وكان له حضور كبير أيّام مقاومة القوّات الآذريّة في "سوسنكرد". وقع أسيرًا بأيدي القوّات العراقيّة أثناء عملية خيبر، وعاد إلى الوطن بعد سبع سنين من المعاناة في الأسر.

 

94


87

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

قال هذا فبقيت. في تلك الفترة كان أخي الأصغر منّي سنًّا السيّد صادق، في كتيبة الشهيد مدني أيضًا. فبعد ذهابي إلى جبهة كردستان، فعل السيّد صادق كلّ ما بوسعه للالتحاق بالجبهة، إلى أن أُرسل في النهاية إلى جبهة الجنوب. ومن قضاء الله أن وُوجِه منذ أوّل وصوله إلى الجبهة، بالمواجهات العنيفة في تلّة "الله أكبر"[1]. وهناك أصابه الهلع عند رؤيته الجثث الكثيرة المتناثرة، فترك سلاحه في أرض المعركة ورجع إلى المدينة! ومنذ ذلك الحين وُضع اسمه على لائحة الفارّين من المعركة. لذا، فقد طرق كلّ باب من أجل الالتحاق مجدّدًا بالجبهة، لكن بلا نتيجة، إلى أن جعلني وسيلته إلى ذلك، وراح يطلب مني باستمرار: "بالله عليك، تكلّم مع جواد بشأني"، ويقصد "جواد جبّار زاده" المكلّف في الهيئة المشرفة على إرسال العناصر إلى الجبهة، وقد رفض طلبه لمرّات. في النهاية، وخلال فترة النقاهة التي قضيتها بعد إصابتي في كردستان، قصدنا الهيئة المشرفة على إرسال العناصر، وكانت تربطني بجواد علاقة جيّدة ويعاملني بلطف، وأعلم أنّه لن يرفض لي طلبًا. قلت له: "سجّل اسمه، فهو يريد الالتحاق بالجبهة!".

- هذا فارّ من الجبهة، ما القرابة التي تربطك به يا سيّد؟!

- إنّه أخي!

لم يكن يريد التصديق أو قل لم يمكنه ذلك. أكدتّ له: "صدّقني يا سيّد، إنّه أخي!".

- يا أخي هذا الشابّ قد فرّ يومًا من الجبهة!

- لا مشكلة. سجّل اسمه الآن، فهو يريد الالتحاق بالجبهة.

 

بالمحصّلة، كاد أخي السيّد صادق يطير من الفرحة، وجاء اسمه في عديد


 


[1] قام المجاهدون التبريزيّون بتنفيذ عملية في تلال "الله أكبر" على حدود "سوسنكرد" في أوائل الحرب بتاريخ 21 أيار 1981م، بهدف دحر العدوّ من المنطقة وفكّ الحصار عنها.

 

95


88

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

كتيبة الشهيد مدني في أوّل بعثة أُرسلت.

 

كانت هذه الكتيبة التي يقودها "السيّد أحمد موسوي" قد أخذت إجازة خلال المدّة التي قضيتها في الأهواز، فأخذ أخي السيّد صادق إجازة أيضًا، وقبل أن ينطلقوا، جاء لرؤيتي ثم توجّه مع بقية العناصر إلى تبريز أمّا أنا فبقيت. في تلك الفترة، كان "أصغر قصّاب عبداللهي" معاونًا لقائد الكتيبة، و"صادق فعله آذري" و"حميد بهنيان"[1] مسؤولي سرايا. لم أتذكّرهم جيّدًا حينذاك، لكن يبدو أنّهم كانوا يعرفونني من مركز مسجد التوحيد في "قره آغاج"، واستقبلوني بحرارة[2].

 

كانت فرصة جيّدة لنا أثناء غياب العناصر لنتبادل الأحاديث حول ذكريات كردستان والجنوب ومعاركهما. بعد عدّة أيّام، بدأ بعض مسؤولي الكتيبة بالعودة الواحد تلو الآخر من إجازاتهم التي علمت أنّ سببها انكشاف عملية كانت مقرّرة في الجنوب.

 

عندما عاد السيّد صادق حمل إليّ سلّة صغيرة من العنب من محصول كرمنا، وقد أوصته أمّي أن يوصلها كلّها إليّ، فتقاسمتها حينذاك مع الرفاق. كان الشعور باهتمام الأبوين بأولادهم في كلّ الظروف شعورًا منقطع النظير!

 

فُرزت كعنصر في كتيبة الشهيد مدني، وتوجّب عليّ أن أذهب إلى السيّد أحمد موسوي وأخبره بذلك. استقبلني السيّد بوجه بشّ، وحين سألته: "سيّد بأيّ مجموعة سألتحق؟"، أجاب: "أنت مقاتل حرّ، ستبقى


 


[1] هو واحد من أهالي منطقة "قره آغاج" في تبريز، وقد التحق بالحرس عندما كان طالبًا جامعيًّا. كان شديد الإيمان ودقيقًا فيما يتعلّق ببيت المال، بحيث كان يترك نصف راتبه للحرس لاعتقاده بأنّه يدرس ولا يقضي كلّ وقته في الحرس. لم يمضِ وقت طويل حتّى نال الشهادة في عملية مسلم بن عقيل.

[2] بعد تعرّفي إلى كريم ستّاري في كردستان صرت أتردّد إلى مسجد التوحيد، واستمرّت هذه العلاقة لمدّة سنتين.

 

96


89

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

هنا!". من الواضح أنّه أخذ بالحسبان تجربتي في جبهة كردستان التي استمرّت خمسة عشر شهرًا. أصررت على الالتحاق بإحدى المجموعات فلم يقبل. قلت: "يا أخي، أريد أن أعرف كيف هي المواجهات هنا في الجنوب؟"، فأراحني جوابه حيث قال: "لقد قاتلت في كردستان، والحرب هنا أسهل بكثير من هناك!".

 

في أحد أيام آب الأخيرة من العام 1982م، قال لي السيّد موسوي: "علينا أن نذهب إلى سومار بأسرع وقت". جهّزنا أنفسنا بسرعة وانطلقنا بالحافلة نحو "كرمانشاه" و"إسلام آباد". وفي الطريق إلى إسلام آباد، التقط الإخوة في الحافلة الإذاعة العراقيّة. ذُهلنا حين سمعنا بيان الإذاعة العراقيّة يقول: "ها هي قوّات لواء عاشوراء الآن قد ركبت الحافلات متّجهة إلى إسلام آباد للقيام بتنفيذ عملية!". رحت أضحك، فأنا نفسي لم أكن أعرف إلى أين يؤدّي هذا الطريق، لكن الإذاعة العراقيّة كانت على علم وخبر بمسيرنا ومقصدنا. قلت في نفسي: "كيف يمكن القيام بالعملية هنا؟!".

 

بقينا لثمانية أيّام في ثكنة "الله أكبر" في إسلام آباد، وهناك وضعوا برنامجًا لتدريبنا على حرب الجبال. كانوا عادةً ما يُخرجون العناصر من الثكنة ليلًا بعد تناول العشاء، ليسيروا أحيانًا ما يقارب العشرين كيلومترًا حول الثكنة، أو ليتسلّقوا الجبال أحيانًا أخرى. وفي هذه الجبال كانت تُنصب بعض الكمائن من قبل الأعداء، وكنّا أحيانًا نصطدم بها. فكنّا على حد تعبير بعضهم، نقوم بمناورات حية، وأحيانًا نتوقّف في مكان ما، فيعلّموننا معرفة الجهات بواسطة النجوم. وفي تلك الفترة، أغارت الطائرات العراقيّة مرّتين أو ثلاث مرّات على المنطقة، ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء.

 

من هناك انتقلنا إلى منطقة قريبة من نهر "سومار" وتقع في مرمى

 

97

 


90

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

قذائف مدفعيّة الجيش العراقي، كما لم تدع صواريخ الطائرات الشباب يعرفون طعم الراحة أيضًا. بقينا ما يقارب العشرة أيّام في الخيام، وكنّا يوميًا في حالة تعلّم وتدرّب، تدرّب على تسلّق الجبال، قراءة الخريطة وما شاكل. حينها شاهدت خريطة للمرّة الأولى، وفيها رأيت لأوّل مرّة موقع تلّة "سلمان كشته"[1].

 

برزت من السيّد أحمد برامج غير عاديّة. ذات يوم وأثناء المسير في المنطقة وصلنا إلى منحدر يتراوح طوله حوالي 70م.

 

طلب من الرفاق التوقّف وقال: "ليضع كلّ واحد منكم يديه على رأسه ولتبدأوا بالشقلبة (التدحرج) الواحد تلو الآخر...". وقفت أفكّر هل أتشقلب أم لا، وجاء دوري.

- هيّا!

 

كان السيّد أحمد موسوي هو من أعطى الأمر. قلت بلهجة لطيفة: "سيّد! أنا أيضًا...!؟".

- نعم!

- لكن أنا ما زلت...

- لا! عليك أن تفعل! أسرع.

لم أستطع أن أخبره بصراحة أنّني مصاب، وأنّ بدني لم يتعافَ ويستعيد قوّته بشكل جيّد إلى الآن. وأُجبرت على وضع يديّ خلف رأسي و"التشقلب"... وازداد عذابي وأنا أتدحرج في ذلك المنحدر قرابة 60 الى70مترًا، ونفذت الأشواك من وراء الثوب في جسمي لينتشر الوجع في

 

 


[1] تقع تلّة سلمان كشته في مرتفعات "سان وابا"، وكان مخفر سلمان كشته يقع عليها ويشرف على مدينة "مندلي" العراقيّة.

 

98


91

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

المواضع المحروقة. في طريق العودة كنت أتلوّى من الألم، وما إن وصلنا إلى مقرّ الكتيبة حتّى دخلت الخيمة، ورفعت القميص مناديًا السيّد أحمد: "سيّد أحمد... تعالَ الآن وأزل هذه الأشواك من بدني!".

 

المسكين، حين رأى ظهري تغيّرت نبرة صوته وقال بكلّ محبّة: "لِمَ لم تقل لي؟!".

- ماذا كنتَ تريدني أن أقول! أخبرتُك أنّني جريح بعض الشيء، لم تقبل!

 

مع أنّ السيّد كان منزعجًا، إلّا أنّه أجاب جوابًا قويًا: "لا ضير في ذلك! تبقى فتصبح أقوى!".

 

في أواخر شهر أيلول من العام 1982م حيث لم يبقَ سوى يومين أو ثلاثة على بدء العملية، جاء إليّ أخي السيّد صادق مع آخرين ومن جملتهم كريم ومحمود ستّاري ـ وهما أخوان ـ وقالوا: "هيّا بنا نذهب إلى البحيرة"[1]. كان ذلك صباح يوم خريفي، وقد مال الطقس إلى البرودة شيئًا ما، لكنّني لم أرفض دعوتهم. كان الإخوة في تلك الأيّام القلائل يذهبون إلى هناك للاستحمام والسباحة في حرّ الظهيرة. وصلنا إلى هناك مع اشتداد حرارة الشمس. ما إن جلسنا على ضفّة البحيرة وتهيّأنا للنزول، حتّى ناداني أخي صادق: "انظر هناك! أحدهم يغرق!".

- لا يا أخي!

- انظر ذاك الفتى يغرق!

 

حقًّا ما كان يقول. فثمّة شخص يصارع في الماء، ويعلو ويهبط من


 


[1] كان جهاد البناء قد أنشأ في تلك المنطقة سدًّا صغيرًا في مجرى نهر "سومار"، فتجمّعت الكثير من المياه في ذلك المكان، وهذا ما قصده الرفاق بالبحيرة.

 

99


92

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

دون أن يلتفت إليه أحد ممّن حوله. قفزت فورًا في الماء ووصلت إليه بسرعة. نزلت تحت الماء ورفعته من رجليه إلى الأعلى ليبقى رأسه فوق الماء. ما إن طفا المسكين على سطح الماء حتّى تعلّق بشعري ودفعني إلى الأسفل واستقرّ فوق عنقي. شربت الكثير من الماء، ومهما حاولت لم أفلح في إفلات رأسي من بين ذراعيه. بتّ الآن أنا من يغرق، ولم يعد بيدي حيلة سوى أن ألكمه عدّة لكمات على بطنه لعلّه يتركني. سحبته من الماء بصعوبة، إلّا أنّ أنفاسي كانت قد انقطعت، وقد شربت من الماء أكثر منه. أخرجنا بصعوبة الماء الذي شربناه. تعرّفت إليه، إنّه الأخ الأصغر لـ "محمّد رضا تشميدفر"[1]. أعرضنا مع هذه الحادثة عن فكرة النزول إلى البحيرة، وارتدينا ملابسنا وغادرنا المكان.

 

بدأ مقرّ الكتيبة يتراءى لنا شيئًا فشيئًا. كنّا نسير في الطريق الترابيّة المؤدّية إلى المخيّم والتي غالبًا ما تسلكها الآليّات، لعلّنا نجد من يقلّنا. لكن أينما جلنا بنظرنا، رأينا الإخوة يتوجّهون نحو التلّة مشيًا على الأقدام. مرّت لحظات، وإذ بغبار يتصاعد في المكان. لقد جاءت سيّارة التجهيزات تنقل قدور الطعام الكبيرة إلى القوّات. كان السائق من أهالي "مراغه"، توقّف على مسافة أمتار أمامنا لنركب السيّارة. ما إن وصلنا إليها حتّى اعتلاها الإخوة من كلّ مكان وتعلّق كلّ منهم بمكان فيها. ركب صادق أيضًا في المؤخّرة، ولم يبق سواي! ناداني السائق: "تعال يا سيّد واركب أنت أيضًا!".

- أين أركب، لم يبقَ أيّ مكان فارغًا!".

 

أراد السائق أن يُرجع الإخوة الذين جلسوا في المقدّمة إلى مؤخّرة السيّارة، فلم أرضَ وقلت له: "اذهب أنت، أريد أن أذهب مشيًا!". حين رأى أخي أنّني لم أركب، ترجّل فورًا من السيّارة، وهكذا فعل كريم


 


[1] هو من قدامى العناصر الآذربايجانيّين الذين قاتلوا في "سوسنكرد" و"بستان"، ومن عداد الباقين في تلك الملحمة الكبرى.

 

100


93

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

ستّاري، وانطلقت السيّارة. إضافة إلى ثقل قدور الطعام المملوءة، فقد تعلّق بالسيّارة ما يقارب الثلاثة عشر شخصًا، فكانت تصعد التلّة بصعوبة. بعد دقائق قليلة، سمعنا هدير الطائرات العراقيّة. كنّا قد وصلنا إلى أعلى التلّة، ولا يفصلنا عن مقرّ الكتيبة أكثر من 800 متر. كانت السيّارة تسير في أرض سهلة ولمّا تصل إلى هنالك بعد، ما جعلها هدفًا سائغًا للطائرات التي اتجهت إحداها نزولًا. أطلقتُ صرخة من الأعماق: "تريد أن تقصف السيّارة!".

 

ركضت مسرعًا، لكن في ظرف ثوانٍ قليلة، أطلقت الطائرة صاروخًا، فتطايرت السيّارة وتناثر كلّ شيء أمام أعيننا، الإخوة، قدور الطعام، العجلات... حين وصلنا وجدنا أشلاء الإخوة متناثرة. انقبضت أحوالنا. كان الطعام يومها عبارة عن "الآش"، وأزعجنا كثيرًا المنظر الذي رأيناه أمامنا... من بين كلّ الإخوة، لم يبقَ حيًّا سوى مسؤول التجهيزات الذي بُترت ساقاه وتمزّقت أحشاؤه، فنُقل إلى الخطوط الخلفيّة. لملمنا الأشلاء قدر الإمكان. بعد ساعة جاءت جرّافة من الكتيبة، وطمرت بقايا السيّارة ومخلّفات الانفجار بالتراب، وذلك حتّى لا تضعف معنويّات الإخوة جرّاء النظر إلى ذلك المشهد. في اليوم نفسه سمعنا أنّ الناجي الوحيد من تلك الحادثة نال الشهادة وهو في طريقه إلى غرفة العمليات[1]. شاءت القدرة الإلهيّة أن أنجو وصادق حينها من القصف، وأن نشهد شهادة رفاقنا المجاهدين. والله وحده كان يعلم ماذا سيحلّ بنا بعد أيّام!

 

مُدّت خريطة العملية من أجل الشرح والتوضيح، وهذا يدل على أنّ موعد تنفيذ العملية صار قاب قوسين أو أدنى. تقرّر أن نكون في منطقة

 


[1] أعتقد أنّ تلك السيّارة تعود لكتيبة الشهيد صدّوقي، وكان مسؤول التجهيزات فيها الأخ قربانعلي بجاني الذي نال الشهادة أيضًا.

 

101


94

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

العملية قبل يوم من تنفيذها، لذا تهيّأنا للمسير. وبينما نحن متوجّهين إلى آليات الـ"إيفا"، كانت مشاهدة أحوال الإخوة أمرًا جديدًا بالنسبة إليّ، ها هم يحتضنون ويودّعون بعضهم البعض بالبكاء والنحيب والدعاء، ولم أكن قد رأيت مثل هذا الأمر في كردستان أبدًا.

 

في النهاية، توجّهنا إلى منطقة العملية في 29 أيلول العام 1982م. بقينا نمشي لساعات ولم نعلم بأنّنا قد ضللنا الطريق. توقّفت آليات الـ"إيفا"، وترجّل بعض الشباب ليستطلعوا المكان، لكن ما لبثوا أن عادوا وأخبرونا بأنّنا صرنا على مقربة من القوّات العراقيّة! كان بعض الإخوة قد ترجّلوا من الآليات لقضاء حاجة من دون أن يعلموا بشيء، والقوّات العراقيّة المتمركزة في التلال المحيطة تشرف على المكان بشكل تامّ، بحيث يمكنها رؤيتنا جيّدًا عبر المناظير الليليّة. فجأةً، بدأ وابل النيران ينهمر علينا من كلّ مكان. انسحبتْ بسرعة كلّ سيّارة استطاعت ذلك من دون التفكير فيمن ترجّل منها. كانت صواريخ الكاتيوشا والرشاشات تعمل بلا توقّف، فانسحبنا في جنح الليل من تلك المنطقة مستائين من هذا الخطأ الذي حصل.

 

كانت الخطوط الدفاعيّة لمنطقة سومار متباعدٌ جدًّا بعضها عن بعض، وقد قطعنا مسافة طويلة حتّى وصلنا إلى أحد تلك الخطوط. أخيرًا بلغنا المحلّ المقصود، وبتنا باقي ليلتنا في الخيام التي نُصبت هناك. في الصباح، أُبلغنا بأنّه سيتمّ إرسالنا بعد صلاة الظهر وتناول طعام الغداء إلى منطقة أخرى. كان لصلاة الظهر أجواؤها الخاصّة، فقد اتّخذ كلّ فرد ناحيةً وراح يصلّي ويناجي ربّه بحالة من الخشوع والخضوع، ثمّ وزّعوا على كلّ منّا علبتين من السمك المعلّب، فأعطيتُ واحدة لأحدهم، وتناولت قليلًا من الثانية. وعند حلول موعد الغداء، وإذ أردت أن آكل ما تبقّى من السمك المعلّب، وجدت النمل قد هجم عليه! ولم أستطع أن آكله. في هذه الأثناء، جاء إليّ "أصغر غربي" وقد

 

102


95

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

التفت إلى ما حدث، ففتح علبته وقاسمني إيّاها.

 

عند قرابة الثانية والنصف ركبنا الآليّات وسرنا في طابور. كان قد جرى التخطيط من قبل، بأن تتوقّف الآليّات في ثلاث أو أربع محطّات لاستراحة العناصر، هيأوا فيها من قبل الماء والطعام والفواكه المعلبة. توقّفت آليّتنا في أحد المحاور بالقرب من نهر صغير، فأدّينا صلاتي المغرب والعشاء. وبعد تناول الطعام، تفرّق الإخوة. البعض يصلّي، وآخرون يقرأون القرآن والأدعية بخشوع، وبقية يوصون بعضهم بعضًا الوصايا الأخيرة. اشتدّ أنين البعض ونحيبهم، أمّا أنا فكنت غريبًا عن ذلك العالم. أساسًا، لم يكن يروقني طلب المسامحة ومثل هذه الأمور. ربّما كنت قاسي القلب بعض الشيء.

 

سرعان ما بدأنا مسيرنا الأخير نحو منطقة العملية[1]. كانت ليلة مقمرة، بل أضاء نور القمر البهيّ كلّ مكان، وبفضله لم يصطدم أحد بأحد خلافًا لما كان يحدث سابقًا، عندما كان الإخوة يصطدمون ببعضهم من شدّة الظلمة وهم يسيرون على شكل طابور. وصلنا إلى منطقة يمكن فيها سماع أصوات العراقيّين في ذلك السكون. وهناك، حان وقت الوداع ليتفرّق بعده الإخوة ويذهب كلّ منهم إلى محور محدّد. كنت جائعًا فشاركت اثنين من الإخوة طعامهم. تناولت لقيمات، وانفصلت عنهم بوداع سريع. بدأ تحرّكنا الأخير. وما إن سرت قليلًا، حتّى سمعت أحدهم يناديني: "نور الدين... نور الدين!".

 

إنّه صوت أخي صادق، الذي كان يسير إلى جانب الطابور بحثًا عنّي ويناديني. لكنّني لم ألتفت! وانزعجت أيضًا لأنّه لم يراعِ الحيطة في تلك المنطقة التي يمكن أن نسمع فيها صوت العراقيّين. حين عثر عليّ قال: "يا مسهّل! نحن أخوان، ونريد أن نذهب إلى العملية، وسوف نفترق...

 


[1] بدأت عملية مسلم بن عقيل بنداء "يا أبا الفضل العبّاس"، فجر 1/10/1982م، في جبهة غرب "سومار" والمرتفعات المشرفة على "مندلي".

 

103


96

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

دعنا على الأقلّ نودّع بعضنا!".

 

لم تستطع كلماته أن تليّن قلبي: "حسنًا، الجميع ذاهبون إلى العملية، لِمَ الوداع؟! هناك أيضًا سنلتقي!".

 

ومهما فعل لم أودّعه. كنت أعتقد بأنّه لا حاجة للوداع، وأنّنا نسير في هذا الطريق معًا. عند سماعه كلامي، ذهب والتحق بطابوره، وتابعنا نحن أيضًا مسيرنا. وصلنا إلى مكان يشبه الوادي، سبق وزرعه العراقيّون بالألغام، وطهّر الإخوة قسمًا منه ليُجعل معبرًا. تقدّمتْ من خلاله إحدى الكتائب وعبرت، وبقينا نحن بانتظار أن يُفتح معبر آخر. كنّا هناك بمحاذاة تلال "سلمان كشته"[1]، في منطقة تقع أعلى "نفت شهر". وفيما فرقة الهندسة تعمل على فتح المعبر، بدأت الاشتباكات مع الألوية الأخرى الموجودة في أطراف تلال سلمان كشته.

 

من مكاني رأيت جيّدًا الضابط العراقي وهو يصيح في وجوه قوّاته! كان الهدف من العملية احتلال تلّة "سلمان كشته"، الأمر المحال الذي تقرّر أن يصير ممكنًا على أيدي الشباب الغيارى. فجأة، وفي تلك اللحظات، عمّ ضباب كثيف المكان، فلم نعد نرى أمامنا. راح العراقيّون يطلقون القنابل المضيئة، ما مكّن الإخوة من إتمام عملهم تحت نورها. كنّا نرى الإمداد الغيبي بأمّ العين.

 

أعطاني السيّد أحمد موسوي الأمر بالتحرك، وكنت من العناصر الحرّة في الكتيبة: "لقد تمّ قطع الأسلاك الشائكة، ابدأ بالمواجهة لإلهاء القوّات العراقيّة". كان من المقرّر أن نقوم بإلهاء العدوّ ليتمكّن باقي الإخوة من الصعود من السفح إلى أعلى التلّة، وقد أكّد السيّد أحمد

 


[1] المجاهدون الذين شاركوا في مواجهات "سلمان كشته" يعلمون جيّدًا ما هي طبيعة المنطقة. يومذاك، لم تكن القيادة نفسها تصدّق بأنّنا سنسيطر على هذه التلة. الحقيقة أنّ العراقيّين جّهزوا التلّة بإمكانات وتجهيزات كبيرة للحؤول دون إمكانية السيطرة عليها، فالتحصينات القويّة، وعربات الشيلكا، والدبّابات و.. جعلت شبه المستحيل تحقق ذلك. أساسًا، إنّ أيّ عملية تهدف إلى احتلال تلك المنطقة لم يكن من الممكن تنفيذها من دون الدعم الناري.

 

104


97

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

علينا بأن نعمل على أن تبقى نيران العدوّ موجّهة إلينا. تقدّمت و"أصغر غربي" وشخصٌ آخر يُدعى "أسد" من الناحية التي قُطعت فيها الأسلاك الشائكة، ولم يكن للعراقيّين أيّ أثر. تقدّمنا أكثر، وكان بيننا وبين تلّة "سلمان كشته" الرئيسيّة ثلاث تلال صغيرة. عبرنا الأولى من دون أن يرانا أحد. وصلنا إلى الثانية وصعدناها ولم يلتفت إلينا أحد كذلك.

 

- فلنذهب باتّجاه الثالثة!

 

- لقد اقتربنا كثيرًا! من غير الممكن أن لا يرونا!

 

كان أصغر وأسد يميلان لأن نبدأ بالمواجهة من مكاننا. فيما رجّحتُ أنّنا كلّما تقدّمنا أكثر سيصبح الأمر لمصلحتنا، لكنّني بالنهاية وافقتهما الرأي. تموضعنا في مكاننا، ورحنا نتناقش بأيّ سلاح نبدأ مواجهتنا، ففي حوزتنا رشّاش*[1]، وكلاشينكوف، و(B7)، وحُسم القرار بأن نبدأ بها جميعًا. قلنا بسم الله وبدأنا الرمي. ردّ العراقيّون علينا مباشرة، بالثنائي**[2]، والرشاش، وحتّى بالقذائف المدفعيّة! أصبحت الأوضاع غير عاديّة. نحن نفتقد أيّ مكان محصّن، وكنّا نرمي عليهم من أعلى التلّة لإلهائهم فقط، لذا صرنا هدفًا لجميع أنواع الأسلحة. كان من الواضح أنّ خطّتنا قد نجحت، وما هي إلّا دقائق حتى بدأنا نسمع أصوات تكبير الإخوة الذين صعدوا التلّة، واشتبكوا مع العدوّ من الناحية الأخرى. لقد بدأت المعركة الأساسيّة. قلت: "قوموا بسرعة، علينا أن نهجم نحن أيضًا!".

 

- يا عم، إنّهم يرمون علينا، ما هذا الذي تقوله؟!

- لا، إنّ كلّ اهتمامهم الآن منصبّ على تلك الناحية. من الآن فصاعدًا إن رمى علينا أحد ستكون قوّاتنا هي التي ترمي!

 

تحرّكنا بسرعة، وعندما وصلنا إلى مواقع العراقيّين، رأينا الإخوة

 


[1] * سلاح من صنف الBKC أو ما يشبهه، وكثيراً ما يرد في الكتاب بهذا العنوان (رشاش).

[2] ** مدفع رشاش متوسط يستخدم مضاداً للطائرات أيضاً له فوهتان.

 

105


98

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

مشتبكين معهم من الناحية الأخرى. فبدأنا نحن بتطهير الدشم من ناحيتنا. كانت في الموقع الأوّل دبّابة لا تزال سليمة وتشكّل غنيمة كبرى. قلت: "لا تفجّروها!"، لكنّ أحد الإخوة لم يلتفت وألقى بداخلها قنبلة يدوية و... توجّهنا نحو الموقع الثاني. كان موقع الاشتباك يبعد مسافة عن موقع تلّة "سلمان كشته" الرئيسيّة. غاية الأمر، أنّنا بالاشتباك والتطهير كنا نتقدّم نحو الأعلى. ابتعدتُ عن الإخوة حتى وصلتُ إلى جانب دشمة وسمعت منها صوتًا يدل على عدم خلوّها. مباشرة رميتُ قنبلة يدوية في الداخل وابتعدت. وما هي إلّا ثوان حتّى انفجرت وتطايرت في الهواء. علمنا أنّها كانت دشمة الذخائر، وأحدثت الانفجارات المتتالية في مدّة زمنيّة قصيرة صدمة للأعداء، والإخوة لا يزالون أيضًا يقاتلون ببسالة ويتقدّمون. كان الأمر بمنزلة إطلاق ألعاب ناريّة معتبرة، وملأت المنطقة أنوار الانفجارات المتتالية. من الواضح أن العدوّ لم يكن يتحلّى بروحيّة المقاومة.

 

- بقي مدفع فاصل ثنائيّ فقط يشكّل مصدر إزعاج للإخوة!

 

قال أحدهم ذلك، فانطلقنا معًا لإسكاته. كنّا تقريبًا وراء الثنائي الذي يشرف على المكان ويمنع الإخوة من التقدّم، كما كان هناك اثنان أو ثلاثة من العراقيّين يرمون. ناديت من الخلف بصوتٍ عالٍ: "فليأتِني أحدكم بالـ (B7) لأضرب هذا الثنائيّ"[1]. بالطبع، لم يكن أحد إلى جانبي، لكنّني أردت بذلك إسماع العراقيّين وحثّهم على الاستسلام! وهكذا، فقد سمعوا ما قلت، وخرج أحدهم من الدشمة وتوجّه نحوي. اقترب منّي كثيرًا، وحين صار على مسافة أقدام منّي أردت أن أرمي عليه، لكنّ الكلاشينكوف لم يعمل. جرّبت ثانيةً، لكنّه استعصى! والعراقيّ يتقدّم نحوي بهدوء. حرت ماذا أفعل. يا إلهي، لقد استخدمت كلّ القنابل التي بحوزتي. كان شكله في تلك اللحظات مثيرًا للرعب: بنيته كبيرة،


 


[1] بير نفر آر بي جي كتيسين من بو دولولى وروم!

 

106


99

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

ويحمل في يده سكّينًا. تركت السلاح ولذت بالفرار! رحت أعدو وهو يعدو خلفي. لم يكن أيٌّ من الإخوة موجودًا في تلك الناحية، وأدركت حينها أيّ خطأ ارتكبت حين ابتعدت عنهم. استجمعت كلّ طاقتي في رجليّ ورحت أركض. كنت أسمع صوت أنفاس العراقيّ من خلفي، لكنّني لم أجرؤ على الاستدارة. في تلك الأثناء، أطلق العراقيّون القنابل المضيئة، فوقع نظري في ظلّ نورها على قذيفة (B7) مرميّة على الأرض قد رُكّبت حشوتها الدافعة أيضًا. وفي لحظة، التقطّتها واستدرت نحوه وضربته بها على رأسه. فأصيب بدوّار! ضربته بقوّة حتى انفصلت أجزاء القذيفة عن بعضها البعض. لكنّني تابعت فراري أيضًا، لأنّ ذلك المخلوق الذي رأيته لم يكن ليسقط جرّاء تلك الضربة. تقدّمت قليلًا، فرأيت أحد الإخوة، صحت به: "ارمه..."[1] ، ورماه أخيرًا.

 

حين سقط أرضًا، وقفت وتنفّست الصعداء. وهذه المرّة ذهبت مع عدد من الأشخاص إلى موقع الرشّاش الثنائي، وأسكتناه برمي قنبلة يدوية عليه. زاد انسحاب العراقيّين من معنويّات الشباب. كنت ذاهبًا إلى مكان الاشتباك حين التقيت بأصغر غربي. قلت له: "كم أشعر بالنعاس!"، قال: "اذهب ونم في واحدة من هذه الدشم!".

 

- سأنام، لكن إيّاك أن تبتعد من هنا! فقد يخطر فجأة على بال أحد شبابنا تطهير الدشمة ويرمي عليها قنبلة!

- كن مرتاح البال، سأبقى في هذا المحيط!

 

وضعت رأسي على تراب الدشمة ونمت...

 

استفقت على صوت أكبر وهو يقول "حان وقت الصلاة". تبيّن لي أنّني نمت قرابة الساعتين. صلّيت الصبح، واشتدّت الاشتباكات. لقد شنّ العراقيّون هجومًا مضادًّا واضطربت المنطقة. كنت أفكّر في أخي السيّد صادق، وإذ بالسيّد أصغر يناديني: "أحدهم يبحث عنك".

 


[1] بونى ورون...

 

107


100

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

- من كان؟

- لا أدري! كان فتىً يافعًا. ولأنّك كنت نائمًا لم أدعه يوقظك!

- من أيّ جهة ذهب؟

 

أشار إلى مضيق (معبر) وقال: "من هنا". ذهبت في ذلك الاتّجاه فلمحت من بعيد أخي السيّد صادق قد جلس في فوّهة المضيق. اقتربت إليه من الخلف، فوجدته يأكل الإجاص المعلّب، ومن دون أن أتفوّه بكلمة، سحبت العلبة من يده. نظر خلفه، ولمّا رآني فرح كثيرًا. كنّا فرحين لكوننا ما زلنا سالمين. كان معه بعض البسكويت، فرحت آكل منه وأنا واقف، فقال لي: "اجلس على الأقلّ يا أخي، وكُل!".

- لا تخف، وهل يوجد خطر هنا؟

- ألا ترى كلّ الرصاص يأتي إلى هذه الناحية؟!

 

جلستُ بجانبه، ثم التحقنا بعد دقائق بجمع الإخوة. استعاد العراقيّون في هجوم معاكس التلال المجاورة لـ"سلمان كشته"، ثمّ بدأوا قرابة الحادية عشرة ظهرًا هجومًا آخر بالدبابات من جهة "نفت شهر" لاستعادة تلّة سلمان كشته، إلّا أنّ مقاومة الشباب الباسلة منعتهم من تحقيق أهدافهم. إلى ذلك الحين، لم يكن إسناد مدفعيّتنا قد صدّق بأنّنا سيطرنا على التلّة[1]، وظلّ دومًا يطلب منّا الانسحاب، ويقصف المنطقة بشكل عنيف، ما تسبّب بخسائر في صفوفنا أيضًا!

 

في الواقع، كنّا في تلّة "سلمان كشته" عرضة لنيران العدوّ والصديق، ووقعنا تحت ضغط شديد، وكانت الأوضاع غير عاديّة وأخبار استشهاد الرفاق تصلنا باستمرار. في تلك الأثناء، أتى مسؤول المحور "حبيب باشايي" لتفقّد أحوال الإخوة والاطّلاع على ظروف المنطقة عن كثب. لكن في طريق العودة قُصفتْ سيّارة الإسعاف التي أتى بها إلى منطقة


 


[1] كانوا يظنّون أنّنا عراقيّون، وأننا من أجل تضليلهم نتكلّم الفارسيّة ونرسل لهم برسائل أن لا يقصفوا المنطقة هناك.

 

108


101

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

العملية، فارتفع شهيدًا إلى جوار ربّه[1].

 

غدت المواجهات تشتدّ كلّ لحظة. ظهرًا، طلبتُ من السيّد صادق الانسحاب، فما دام موجودًا هناك، كنت أفكّر فيه ولا أستطيع القيام بعملي جيّدًا. بعد ساعة، ولمّا سقطت كلّ التلال الصغيرة المحيطة بتلّة "سلمان كشته"، جاء الأمر بالانسحاب إلى خطوط خلفية حدّدوها مسبقًا، لنقوم بتنفيذ المرحلة الثانية من العملية من أجل السيطرة مجدّدًا على التلّة. كما أُصدرت الأوامر للجرحى ممّن كانت جراحهم سطحيّة، بمساعدة الجرحى الذين لا يستطيعون الحراك بأنفسهم، ونقلهم إلى الخطوط الخلفيّة. قضت الأوامر بأن لا يُخلى الخطّ دفعة واحدة، وأن تستمرّ المقاومة ريثما يُستكمل بناء السواتر الترابية. دام هذا الأمر إلى قرابة الثالثة بعد الظهر، ليبدأ الانسحاب التامّ. وفي هذه الأثناء، وصلت قوّات العدّو إلى أعلى تلّة سلمان كشته، وأخذت تمطرنا بوابل نيرانها. والرصاص الطائش يضرب بالأرض من حولنا، ويثير الغبار في الهواء.

 

- نور الدين... سيّد نور الدين!

 

ناداني أحدهم ونحن ننسحب: "يا فتى! دخلت في حقل الألغام! ". أصابني الذهول.

 

ألقيت نظرةً من حولي فوجدتني في حقل ألغام.

 

- سامحك الله! الآن تقول لي!

 

كان رصاص العراقيّين ينهمر علينا من دون توقّف، وأنا محاصر لا أستطيع التقدّم إلى الأمام أو التراجع إلى الخلف. وجب عليّ أن أقرّر، وقرّرت. سمّيت باسم الله وعدت من حيث أتيت. لم يكن بيدي حيلة. أيمكن أساسًا أن يشكّل اجتياز حقل الألغام خطرًا أكبر من الوقوف

 


[1] بقي جسد الشهيد حبيب باشايي هناك لسنوات، وعُثر عليه لاحقًا في عملية التقصّي عن أجساد الشهداء، فأُعيد إلى تبريز ودُفن في مقبرة وادي الرحمة.

 

109


102

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

تحت زخّات الرصاص والقذائف والصواريخ والشظايا!؟ في كلّ دقيقة كانت عدّة رصاصات ترتطم بالأرض، لكنّني تابعت طريقي غير مكترث لها. ومع أنّني كنت قلقًا في تلك الدقائق من انفجار لغم تحت قدميّ، إلّا أنّ الله قدّر لي أن أخرج من وادي النيران ذاك سالمًا. في حقل الألغام ذاك، دست فقط على لغم مضيء، لم يكن له أيّ تأثير في ضوء النهار. وصلتُ إلى ساتر ترابي وأنا أشعر بلطف العناية الإلهية.

 

كنت قد أوصيت صادق بأن ينتظرني عند الإخوة في "برمنديه"، فَرُحْتُ أبحث عنه، وسرعان ما وجدته. وجدته على ما يرام، يتناول مع أصدقائه السمك المعلّب والبطيخ، وقد استقبلوني بحفاوة. بعد ساعة، انسحبتُ ومن بقي من عناصر كتيبة الشهيد مدني إلى الخلف. لقد حلّ الليل، وكنّا نعلم أنّه ستنفّذ في الغد عملية لاستعادة تلّة "سلمان كشته".

 

في الصباح علمنا أنّه سيلتحق بكتيبة الشهيد مدني حوالي 85 عنصرًا قدموا للتوّ من تبريز. فقد أوكلت مسؤوليّة قيادة الكتيبة إلى الأخ "صادق آذري" بعد إصابة السيد أحمد موسوي في المرحلة الأولى من عملية "مسلم بن عقيل"، وقيل لنا إنّه سيُعاد تنظيم الكتيبة من جديد عند الثانية ظهرًا، وننطلق مجدّدًا للهجوم على تلال سلمان كشته. كان لدينا حتّى الظهر وقت للراحة. نمت ذلك اليوم بعد صلاة الصبح نومًا عميقًا إلى أن أيقظني الإخوة قائلين: "قم، لقد حلّ الظهر!". استيقظت فرأيت مائدة الغداء قد مُدّت. تناولت القليل من الطعام وخرجت. منذ انسحابنا بالأمس بتلك الطريقة وأنا أبحث عن فرصة لأغسل ملابسي التي امتلأت كلّها بالدماء، لكن التعب قد أخذ منّي كلّ مأخذ، وها أنا الآن قد استعدتُ قوّتي ونشاطي. ناديت صادق وقلت له: "أريد أن أذهب لغسل ملابسي". فرافقني كعادته. انطلقنا نحو أرض مسوّرة حيث توجد حفرة تجمّعت المياه فيها، وقد احتشد الشباب هناك للاستحمام وغسل

 

110


103

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

الملابس. كنّا كلّما اقتربنا من الماء، ازدادت حرارة الرمال تحت أقدامنا. فجأةً، ظهرت طائرة عراقيّة في سماء المنطقة، خطر ببالي أنّها جاءت لتقصف المكان. قلت لصادق: "ستقصف هذا المكان الآن!".

 

- هل أنت خائف؟

 

- لا، لكن..

 

وكنت قد سمعت أنّه في كلّ قصف واسع النطاق، تأتي في البدء طائرة وتضع إشارة على المنطقة المراد قصفها، ثمّ تأتي طائرات أخرى وتقصف المكان. سرح فكري في السماء، وأنا أنظر في المشهد أمامي، والمكان مزدحم بالناس. عدد كبير من شباب طهران داخل الماء، كما كان بعض مجاهدي تبريز في تلك النواحي.

 

إلى جانب البركة عالمُ دين يتحدّث إلى بعض الإخوة. ما زلت أذكر إلى الآن حرارة الرمال تحت قدميّ. قلت للسيّد صادق: "لا تخف! تعالَ نغسل ملابسنا..". وفيما كنت أنظر في الدماء التي تجمّدت على ملابسي، أحسست فجأة بأنّني أترنّح، وكأنّ دوارًا أصابني، ورحت أدور حول نفسي... كنت أدور وأحسّ بالشظايا الحامية تخترق بدني الواحدة تلو الأخرى... الغريب أنّني لم أشعر بأمر سيّئ. بل أحسست بأنّني أسبح في فضاء ساخن ومبهم... ثم وقعت أرضًا على وجهي. لقد اختلطت الأصوات والروائح وطعم التراب والدماء... وفيما كنت أسقط حاولت جهدي أن أعرف ما الذي حصل. رفعتُ رأسي بصعوبة بالغة عن الأرض، لم أرَ شيئًا. رفعت يدي لأمسح الدم والتراب عن عيني، فغرقت يدي في وجهي! لقد تبلّلت أصابعي بسائل دافئ ومائع، وهوى قلبي من مكانه. أوَيمكن أن يكون وجهي قد سُحق؟ للوهلة الأولى فقدت الأمل في عيني اليمنى، فيما كانت عيني الأخرى ممتلئة دمًا بحيث لم أعد أستطيع رؤية ما حولي. استجمعت كلّ قواي في أصابعي لأمسح الدماء عن عيني، أردت معرفة ما حصل، ويحصل. بعد جهد جهيد أزلت الدم والتراب

 

111


104

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

عنها، وما رأيته في اللحظة الأولى، بدا لي وكأنّه ضباب، عاصفة رمليّة وصلَتِ الأرض بالسماء. كنت أسمع أصوات الشباب، وأرى الخيام تتفجر وتتطاير في الهواء. تذكّرت حينها أنّ ذخائر الأفراد كانت في خيامهم، فزاد انفجارها النيران أضعافًا مضاعفة. ارتفع الصراخ والأنين من داخل الماء، والأرض تهتزّ من حولي. كنت واعيًا بعض الشيء لكنّني لم أستطع إبقاء رأسي مرفوعًا... فجأة، أحسست وكأنّ صاعقة صدمتني، تذكّرت أنّنا كنّا نفرين، أنا وأخي صادق. وهنا حاولت النهوض للبحث عن صادق. يعلم الله أيّ مشقّة كابدت وأيّ حالة عانيتها لأرفع رأسي بحثًا عن أخي... رأيته ملقىً إلى جانبي مباشرة. وقع نظري في البداية على رجله، رأيتها قد جُرحت وأُدميت، ثمّ رحت أمرّر نظري صعودًا إلى سائر أنحاء جسده إلى أن وصلت إلى وجهه، لقد تدفقت الدماء من فمه كنبع صغير، ما جعلني أفقد الأمل ببقائه على قيد الحياة... كأنّ كلّ شيء قد توقّف! كان صادق ساكنًا، فتيقّنت أنّه استشهد... فقدت وعيي، كنت أنتظر اللحاق بصادق وباقي الإخوة. لم أعد أرى شيئًا لكنّني كنت أسمع أصواتًا تتكرّر على مسمعي، وتأخذني معها إلى فضاء غامض...

- انقلوا هذا!

- هذا استشهد... خذوه...

- فليأتِ أحدكم للمساعدة، هذا لا يزال حيًا...

 

عندما استعدت وعيي، سمعت صوتًا عاليًا وغير مألوف بالنسبة لي شغل كلّ تفكيري. استغرق الأمر لحظات حتى استجمعت حواسي وفهمت أنّني داخل مروحيّة. ومن شدّة النزف والجرح كنت أغيب عن الوعي وأصحو، وعندما أفتح عينيّ أجد نفسي في مكان مختلف عن الآخر!

 

ومرّة أخرى استعدت وعيي. وجدتني موضوعًا على حمّالة وينقلونني

 

112

 


105

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

داخل كبينة. ثم غبت عن هذا العالم!

 

بعد ثلاثة أيّام استعدت وعيي على سرير المستشفى. طال الأمر حتّى انتبهت إلى أنّ أكثر المواضع في جسدي قد ضُمّدت، بطني، يدي، رجلي، ووجهي. وبصعوبة بالغة، سألت الممرّضة التي كانت في الغرفة: "أين أنا؟"، أجابت: "في مستشفى كرمانشاه.. لقد أُجريت لك عمليّة. بل عدّة عمليات... وأنت فيها جميعًا في غيبوبة...".

 

كنتُ مشتّتَ التفكير، وما زلت لا أعي جيّدًا ماذا حصل لي. شيئًا فشيئًا علمت أنّني أُصبت بما يقارب الـ 24 شظيّة من تلك القذائف العنقوديّة، وبعض هذه الشظايا أصابت المكان نفسه ما تسبّب بجراح عميقة، فخضعت لعمليات جراحيّة متكررة في كلّ من بطني ورجلي ويدي ووجهي، وقد فهمت ذلك تدريجيًا. كانت يدي العضو السليم الوحيد في بدني، وحالي سيّئة، ويغمى عليّ من وقت لآخر. في ذلك اليوم قالت الممرّضة إنّه سيتمّ نقلي إلى تبريز. لم يكن عقلي يعمل جيّدًا، أحيانًا كنت أتذكّر صادق وأقول: "أين هو صادق الآن؟".

 

ليلًا، كنت في تلك الغرفة نفسها. لم يكن الزمن يمرّ عليّ بنحو منتظم. لم أعلم كم مضى من الوقت، كلّ ما أذكره هو أنّ الوقت كان ليلًا، عندما استفقت ووجدت نفسي في المطار، أُنقل إلى الطائرة. كان الأشخاص الذين ينقلونني على الحمّالة يتحدّثون الفارسيّة، من لهجتهم عرفت بأنّهم طهرانيّون. سادت جلبة كبيرة داخل الطائرة. فوضعوا حمّالتي فيها، فوق أحد الرفوف التي نُصبت وذهبوا. بات صوت المحرّك يؤذيني، والعطش يضجرني أكثر من أيّ جرح. كان الطبيب أوّل من جاء لتفقّدي. سألني: "كيف الحال؟"، وبصعوبة بالغة أجبت: "جيّدة، لكنّني أريد أن أشرب". فقال: "لقد أُجريت لك عمليّة في بطنك ولا يمكنك الشرب".

- بالحدّ الأدنى، بلّلوا لي شفتيّ... أنا عطشان يا عميّ...

 

113


106

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

كنت فعلًا ألتهب من شدّة العطش، فبلّل قطنة صغيرة ووضعها على شفتيّ، وكان ذلك غنيمة كبرى بالنسبة لي.

 

اهتزاز الطائرة، ونورها الضعيف، والأمصال المعلّقة فوق الأسرّة، وأنين الإخوة الذين كانت أحوال معظمهم سيّئة... في ظلّ هذه الأجواء سمعنا صوتًا يقول: "وصلنا إلى مطار تبريز". ثم ما لبثوا أن قالوا إنّ المناخ غير ملائم هناك ولا نستطيع الهبوط! فطالت رحلتنا الجويّة. ارتحت قليلًا لأنّني لم أعد مضطّرًا لرؤية والديّ بهذه الحال وبعد شهادة صادق. ظننت أنّهم لا بدّ متجهون إلى طهران. فقدت وعيي مرّات عدّة، وفي كلّ مرّة أستعيد فيها وعيي كنت أرى أنّنا ما زلنا في الطائرة. أخيرًا، سمعنا صوتًا يقول: "وصلنا إلى مطار مشهد". كنت حينها نصف واعٍ، وحين سمعت باسم مشهد، قلت في نفسي: "خيرًا حصل، لقد أتينا إلى مكان جيّد...".

 

وفيما كنت على الحمّالة، علمت من حديث الكادر الطبّيّ أنّني في عداد الجرحى السيّئي الحال، لكنّني بِتُّ أعلم بعد تجربة الإصابة في كردستان، أنّني لن أموت بهذه السهولة! نُقلت مع الجرحى الآخرين إلى مستشفى الإمام الرضا عليه السلام. وما إن وصلت إلى المستشفى حتّى أُدخلت إلى غرفة العملية، فخُدّرت وأجريت لي عمليّة جراحيّة.

 

عندما فتحت عينيّ وجدتُ نفسي وحيدًا في إحدى الغرف. كان الممرّضون يراقبونني على مدى 24 ساعة، والطبيب يتفقّدني من وقت لآخر. لم يكن يُسمح لأحد بالدخول إلى الغرفة سوى الطبيب والممرّضين الذين يتناوبون على تمريضي. فيما بعد علمت أنّه توجد في هذا القسم سبع أو ثماني غرف عزل على غرار غرفتي، وقد نقلوا إليها من الجرحى من كانت أوضاعهم سيّئة. كان على الممرّضين أن يغيّروا ضمادات جراحي كلّ يوم. مرّت الساعات ثقيلة عليّ، فمن جهة كنت مغمومًا لشهادة أخي

 

114

 


107

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

صادق، ومن جهة أخرى، أكابد آلامًا مبرّحة. لا أذكر أنّني عانيت يومًا كما عانيت في تلك الأيّام التي كنت فيها وحيدًا في تلك الغرفة. ومع أنّني لم أكن من أهل الولولة والعويل، كما هي عادتي منذ الصغر، وسعيت جاهدًا لتحمّل كلّ تلك الآلام، إلّا أنّ حالي كانت أكبر من الاحتمال يومًا بعد يوم. لقد أدخلوا أنبوبًا من حلقي إلى معدتي كان يضايقني كثيرًا. وكأنّ وظيفة أحشائي تغيرت جرّاء الشظايا الكبيرة التي أصابتها. شيئًا فشيئًا علمت أنّ أعصاب عيني اليمنى قد تلفت وأصبح من الصعب علاجها. أمّا حرارتي فقد ارتفعت لعدّة أيّام، إلى درجة لم تعد تنفع معها الأدوية، فغطّوا جسمي بالنايلون، ووضعوا فوقه ثلجًا، فيما قُيّدت يداي ورجلاي، ويا لها من معاناة! أحيانًا كنت حين أستعيد وعيي، وتقع عيناي على الثلج، أسعى جاهدًا لأرفع رأسي لعلّي أستطيع أن أبلل لساني به! وبعد جهد جهيد تمكّنت من لحس قطعة ثلج مرّة واحدة، ففرحت وكأنّني ربحت في تلك الظروف القاسية جائزة كبيرة! كان هذا الحلّ الوحيد لرفع العطش الذي لم يفارقني لحظة.. العطش.. العطش.. وقد كرّرت هذا الأمر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أحيانًا كنت أيأس، وأفكّر أنّ لا أحد يعلم بألمي، ألم العطش الذي أضيف إلى آلام جراحي كلّها..

 

كانت حالي تزداد كلّ يوم سوءًا. وقد جاءت السيّدة التي أتت إليّ في اليوم الأوّل لدخولي مستشفى الإمام الرضا عليه السلام طالبة منّي رقم هاتف لتخبر عائلتي بما جرى لي، وألحّتْ عليّ بذلك: "لِمَ لا تريد أن تهاتف عائلتك؟! أعطني رقم الهاتف، لأخبرهم بالحدّ الأدنى أنّك هنا". أخيرًا، خرجت عن صمتي وقلت لها: "إنّ أخي كان معي حين القصف، وقد استُشهد حتمًا، ولا بدّ أنّ جسده قد وصل الآن إلى المنزل، وهم مشغولون بمراسم تأبينه وإقامة التعازي عن روحه. لا أريد لهم أن يعانوا أكثر من ذلك.. إنّهم يظنّون أنّني معافًى سليم، فإن علموا بإصابتي سيتركون المراسم ويأتون إلى هنا.. لا أقبل.."، وعادت للمرّة

 

115


108

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

الثانية خالية الوفاض.

 

جريحًا فوق سريري، كنت كثيرًا ما أذكر صادق، وأفكّر أين هو؟ ومع من؟ أحيانًا أبدأ أتكلّم معه: "بهذه السرعة رحلت يا صادق!"، وفي كلّ مرّة يشتدّ فيها وجعي أفكّر بأنّ أخي قد ارتاح بالحدّ الأدنى من آلام الدنيا وهمومها. أحيانًا كان الألم يشتدّ عليّ لدرجة أن أطلب من الطبيب طلب العاجز بأن يخدّرني ويغيّبني عن الوعي لأرتاح من الألم لساعات.

 

كان يجيبني: "لا يمكن. إن غيّبناك عن الوعي ستموت!". في مثل تلك الدقائق، أحببت الموت أكثر من تحمّل الألم الذي كنت أعانيه. إلا أنّني شعرت، كأنّ قدري هو الصبر على تحمّل كلّ الآلام، ألم الجراح، وألم البقاء وعدم الالتحاق بركب الشهداء...

 

كان من بين الممرّضين المناوبين ممرّض مسيحيّ، يؤدّي عمله بدقّة وجديّة تامّة. أحيانًا عندما يأخذ الوجع مني كلّ مأخذ وهو يقوم بتغيير ضماد جراحي، كنت أرجوه قائلًا: "بالله عليك، برويّة وهدوء أكثر!"، فيجيبني: "أنا أؤدّي عملي. مهما فعلت أو قلت لن يؤثّر ذلك على عملي. لذا من الأفضل لك أن تتحمّل إلى أن أنتهي من تضميد جراحك". ومع أنّني كنت أتألّم كثيرًا عند تضميده جراحي، إلّا أنّني كنت معجبًا به لكونه دقيقًا في عمله وودودًا. فيما بعد، سمعت أنّه وبسبب خبرته ومهارته في التمريض، وضع الحرس سيّارة تحت تصرّفه ليستخدمها في ذهابه وإيّابه إلى المستشفى والعناية بجرحى الحرب.

 

مضى شهر وأنا على هذه الحال، وعادت الممرّضة للمرّة الثالثة. أصرّت عليّ أن أتّصل بعائلتي، وأقنعتني أخيرًا بالقول: "إنّ مراسم تأبين أخيك قد انتهت الآن". وعند حوالي العاشرة صباحًا، جاؤوا بهاتف إلى غرفتي، فطلبت رقم محافظة تبريز حيث يعمل ابن خالي "محمّد علي

 

116


109

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

نمكي"، لكن من حسن حظّي، قيل لي إنّه ليس موجودًا. تركت له رسالة بأن يتّصل حال مجيئه بمستشفى الإمام الرضا عليه السلام في مشهد. أصرّ عليّ المجيب بأن أُعرّف عن نفسي، فذكرت له اسمي، وقلت له بأنّني أُصبت إصابة بسيطة!

 

بعد ساعة، أحضروا الهاتف مرّة ثانية إلى غرفتي، وكان ابن خالي هو المتّصل. رحت أتحدّث إليه بهدوء ورويّة، وهو يسأل بين الحين والآخر: "ماذا حصل لك؟" فأجيبه: "لا شيء"، لكنّه انفجر بالبكاء... سألته: "هل انتهت مراسم التأبين؟".

- تأبين من؟

- صادق!

أراد أن ينكر الأمر، ولعلّه أراد مداراة وضعي. قال: "لا، لم يصب صادق بخطب... لقد عاد إلى البيت".

- لقد استُشهد صادق بالقرب منّي... أنا رأيته بأمّ عيني!

 

وانفجر بالبكاء مرّة أخرى. أمّا أنا فقد ضاق صدري واسترسلت بالبكاء الذي كان يخفّف عنّي. كان هو يبكي وأنا أبكي. إلى أن قال أخيرًا: "أجل، لقد انتهت مراسم تأبين صادق، ونحن بانتظار الأربعين". لم أعد أستطيع الكلام. استودعته الله وارتاح بالي.

 

في صباح اليوم التالي، وأذكر جيدًا أنّه كان يوم الخميس، بدأ الزوّار يأتون لعيادتي. أوّل من حضر لزيارتي هي أمّي، لكنّها ما إن رأتني حتّى رجعت، وتناهى إلى سمعي صوتها وهي تقول: "هذا ليس جريحنا!".

- وكيف لا يا حاجّة؟! أَوَلم تطلبي زيارة السيّد نور الدين عافي؟

- بلى، لكن...

 

ومرّة أخرى رأيت والدتي واقفة في الباب. لم تعرفني! ناديتها: "ادخلي

116

يا حاجّة!"، دخلت وانكبّت عليّ وأنهار الدموع تجري من مقلتيها. والتفّ حولي أيضًا أخي السيّد مير رحيم وصهري وراحا يبكيان.

- إي يا عمّ! لِمَ كلّ هذا البكاء؟! ما الذي حصل؟...

 

أخيرًا، توقّفوا عن البكاء، وراحوا يتبادلون أطراف الحديث ثم يضحكون. ومع أنّني كنت خجلًا تمامًا من أمّي، إلّا أنّني سألت عن صادق. في البداية قالوا لي: "إنّه بخير ولم يصبه مكروه". قلت: "لقد رأيت كلّ شيء بأمّ عيني، وكنّا معًا حتّى اللحظة الأخيرة". كنت أفكّر فيما قاسته أمّي وعانته في هذه المدّة. قالوا لي: "أنت رجل قويّ جدًّا!"، وراحوا يمدّونني بالمعنويّات. فأجبتهم: "ليس الأمر كما تتصوّرون! بالمناسبة، كيف يبدو وجهي؟".

- ألم تره حتّى الآن؟!

- لا! لم أغادر السرير طوال هذه المدة.

 

117


110

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

بادرت أمّي، ومسحت بيدها على رأسي وقالت: "ليس به أيّ مكروه! كلّ شيء جيّد!". بالفعل، لقد أحسست، برؤيتهم، أنّ حالي تحسّنت، خاصّة أمّي التي بدت قويّة متماسكة مع أنّها كانت مفجوعة بشهادة ابنها الشابّ صادق. أخبروني بأنّهم سيبقون في "مشهد" ليومين، إنّه بالفعل الخبر الأجمل بالنسبة لي في تلك الأوضاع.

 

بعد يومين، قال لي الطبيب أثناء الزيارة الصباحيّة: "يبدو أنّ حالتك قد تحسّنت". قلت: "أشعر أنّني بحال أفضل".

- لقد كتبت في ملفّك اليوم، أن يقدّموا لك نصف كوب من الحليب، ونصف كوب من الشاي.

- يا له من خبر جيّد!

 

وما هي إلّا دقائق، حتّى كان كوبا الحليب والشاي على الطاولة بجانب سريري طبقًا لتعليمات الطبيب. فمنذ 34 يومًا وأنا أتغذّى عن طريق المصل فقط، وطالما انتظرت هذه اللحظة. غدوتُ فرحًا ومسرورًا، لكن سرعان ما انقضت فرحتي، فقد جاءت لتبديل ملاءة سريري ممرّضة جديدة أراها للمرة الأولى. قلت لها: "دعيني أوّلًا أتناول الحليب والشاي ومن ثمّ تبدّلينها".

- لا! قم لأبدّل ملاءتك، ومن ثمّ تأكل ما تريد.

- أيّتها السيّدة! إلى الآن لم أنهض من سريري، وأنت الآن تطلبين منّي النهوض لتبديل الملاءة!... إن أنا نهضت سينفجر بطني.

- ما هذا الذي تقوله، لقد أُجريت لك العمليّة منذ أكثر من شهر، وتقول إنّك إن تحرّكت ينفجر بطنك!

- البطن بطني، وأعلم أنّني إن نهضت سينفجر!

 

ومهما حاولت معها، لم تعِ الأمر. كما إنّ جرح رجلي لم يكن قد التأم بعد، إلّا أنّ أسلوبها بالكلام جعلني أنفذ ما تريد، خاصة أنّ أمي وأخي كانا قد ذهبا في ذلك الوقت لزيارة حرم الإمام الرضا عليه السلام، ولم يكن معي أحد آخر ليساعدني في إقناعها!

- ساعديني بالحدّ الأدنى لأنزل!

 

ذهبت وأحضرت الدّرجات التي توضع تحت سرير المريض لتسهيل مغادرته. سحبت نفسي إلى جانب السرير بصعوبة، ودلّيت قدميّ. أزعجني تعاملها الجافّ معي وعدم اكتراثها، وكأنّها ممّن يقمن مرغمات بتمريض جرحى الحرب في المستشفيات، ولم يكن في قلبها ذرّة رحمة وتعاطف. أخيرًا، وضعت قدميّ على الأرض، لكن دوّارًا أصابني. بدأت أرتجف، فتمسّكت بالطاولة والحائط بقوّة كي لا أقع! مرّت ثوانٍ عدّة، خطر ببالي الذهاب إلى المرحاض بما أنّني نزلت عن السرير، وكان يبعد عني مسافة متر ونصف، إذ لم يغسلوا يديّ بشكل جيّد إلى

 

118


111

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

ذلك الحين، وقد يبست الدماء والتراب بين أصابعي. فكّرت أن أذهب، فأغسل يديّ وأنظر إلى وجهي في المرآة. رحت أجرّ قدميّ بهدوء وأنا أتكئ إلى الحائط إلى أن وصلت إلى المرحاض. وما إن نظرت في المرآة حتّى أصابني الذهول! إلهي ماذا أرى؟

- من أنت؟... نور الدين؟!

 

كانت ملامح وجهي قد تغيّرت تمامًا، وجه متلاشٍ، ضعيف ومجروح، وعين قد تعطّلت تقريبًا، فيما العين اليمنى تغيّر شكلها بسبب الجرح العميق في وجنتي، هذا بالإضافة إلى جراح ذقني الوخيمة... ها قد بدأت أفهم لِمَ لم تتعرّف إليّ أمّي. وكان أمرًا طبيعيًّا أن أشعر بضيق في صدري: "لِمَ أصبحت هيئتي هكذا؟! هل يستحيل أن أُشفى؟..." وتوقّفت عن الكلام. لقد انهارت معنويّاتي. إنّ سنوات عمري كلّها لا تتجاوز الثماني عشرة، ولم أكن أفكّر أبدًا بأنّ الحرب ستوقع بي بلاءً مثل هذا... وسرعان ما أعرضت بوجهي عن المرآة وفتحت صنبور المياه. وفيما كنت أغسل الدم المتيبّس بين أصابعي رحت أؤنّب نفسي: "لا تكن جحودًا! اشكر الله أنّك بقيت حيًا وتقف على رجليك! ولا بدّ لوجهك بالنهاية أن يتعافى بحال من الأحوال... سوف تعتاد على الأمر".

- تعالَ وتمدّد على سريرك!

 

نادتني فسرت بهدوء نحو السرير. كان الحليب والشاي قد بردا إلى جانبه. قلت للممرضة: "لا أستطيع الصعود بسهولة!". حدّقت في وجهي من دون اكتراث وبقيت تنتظر. لم تكن تعلم بأنّ الدرجات التي وضعتها إلى جانب سريري لا تشكّل لي أيّ مساعدة. بقيت دقيقتين أو ثلاثًا واقفًا لا أعرف ماذا أفعل؟! كيف سأصعد؟! وشيئًا فشيئًا بدأت أشعر بأنّ حالي تسوء. شعرت ببطني يحمى ويسخن. كانت سخونة بطني تزداد بحيث شعرت بأنّها تريد الانبعاث إلى الخارج! كان لباس المستشفى الذي أرتديه مفتوحًا من الجهة الأماميّة. ألقيت نظرةً وصرخت: "أسرعي وأخبري أحدهم! إنّ بطني يتمزّق!".

 

- ما الذي سيحدث؟!

 

لم تدرك حالي. اتّكأتُ على رجلي المصابة التي لم تشفَ بعد، واستخدمتُ كلّ قوّتي لأضع رجلي الأخرى فوق السرير. قلت بعجز وغضب: "تعالي وساعديني بالحدّ الأدنى لأرفع رجلي". فجثت مكرهة ورفعت رجلي عن الأرض، لكنّني... أطلقت صرخة من أعماق قلبي، لقد انفجر بطني بالفعل، ورأيت أحشائي بوضوح تامّ، وقد سقطت فوق ملابسي! راحت المرأة تصيح بنحوٍ لم أسمع له مثيلًا. تركتني ووّلت هاربة. أحسست براحة! فبعد حالة الالتهاب والسخونة التي كانت في بطني، صرت أشعر بالليونة والخفّة. كان كوبا الحليب والشاي يتراقصان أمام ناظري، وصوت المرأة يطنّ في أذنيّ. نُقلت بسرعة إلى غرفة العملية، وكأنّ كلّ شيء قد حدث خلال ثوان. لم أفقد الوعي، لكن لم يبقَ فيّ رمق، لا للنظر، ولا للكلام، ولا حتّى للإحساس بالوجع الغريب الجديد!

عندما استعدت وعيي، وجدت أربعة أسياخ معدنيّة خارجة من بطني وقد أوثقت بعدد من البراغي. كما أُدخل أنبوب إلى بطني الذي انتفخ فصار بحجم ثلاث طابات بلاستيكيّة! قيل لي إنّه بسبب إصابة الكبد بالشظايا، فقد أجروا 

 

119


112

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

عمليّة ترميميّة للحاجز الحاجب والأمعاء، لكنّهم بعد حادثة الصباح، اضطّروا إلى قطع جزء من أمعائي، ووضعوا الأسياخ لتبقى الجراح ثابتة وتلتحم القُطَبْ.

 

بعد الظهر، حضر زوّاري ليتفاجَأوا بالمستجدّات. كانت أمّي قلقة: "بني! ما الذي أصابك؟ بالأمس كانت حالتك جيّدة!".

- لا شيء! لقد ساءت حالي قليلًا!

أخبرتهم بما حدث، فاستاؤوا كثيرًا. أراد أخي أن يشكي هذه السيّدة إلى ممثّل الحرس في المستشفى فقلت له: "دعك منها! هي نفسها لا تدرك شيئًا. إنّ بطني هو الذي كان على وشك الانفجار وهي لم تكن تصدّق". لم تنتهِ القضيّة عند هذا الحدّ بالطبع، فقد جاؤوا من مؤسّسة الشهيد وسألوني عمّا جرى. قالوا إنّهم لن يبقوها في قسم جرحى الحرب، ونقلوها للعمل في مستشفى آخر، إلّا أنّ خدمة هذه الممرّضة انتهت بدفعي ثمنًا باهظًا، ومجدّدًا، مُنعت من أيّ نوع من أنواع الغذاء سوى المصل. بعد أيّام، حلّت أربعينيّة صادق وكانت العائلة مضطّرة للذهاب إلى تبريز لأقاسي من جديد عذاب الوحدة.

 

ضاق صدري بشدّة. كنت أعدّ الأيّام والليالي... فإلى ذلك الوقت أمضيت 42 يومًا في مستشفى الإمام الرضا عليه السلام، ولم أخرج من غرفتي سوى إلى غرفة العملية! طلبت منهم التحدّث إلى ممثّل مؤسّسة الشهيد. لقد بحت له بما في داخلي وقلت: "مضى على وجودي هنا 42 يومًا، أريد أن أذهب اليوم إلى حرم الإمام الرضا بأيّ ثمن كان". قال: "ينبغي أن نستأذن طبيبك المعالج". ولم يأذن الطبيب لي بالذهاب. أصررتُ وقلت: "ينبغي أن أذهب اليوم للزيارة، فما لم أذهب إلى الحرم لن أسمح لأحد أن يمسّني ويداويني!". أخيرًا، رقّ قلبهم لحالي، ووافق الطبيب بشروط، ووعدوني بأن يأخذوني في الليلة نفسها إلى الحرم. كانت ليلة جمعة، فانتظرت حلول الليل بفارغ الصبر.

 

عند الغروب نُقلت وعددًا من الجرحى على الحمّالات إلى باحة المستشفى، وضعونا في سيّارات الإسعاف وتوجّهنا إلى المقام. وعجبًا، كم بثّت زيارته فيّ النشاط. وصلنا الحرم، وطبقًا للتنسيق المسبق، جرى نقلنا بسيّارات الإسعاف إلى أحد الصحون، ومنه نُقلنا على الحمّالات إلى الداخل. ويا لها من زيارة! كانت مشاعري لا توصف. فُتح لنا طريق إلى الضريح، فتعلّقنا به. وفيما استهلّت دموعي جارية من مقلتيّ، ألصقت به وجهي بعينه المجروحة، ورحت أناجي الإمام... شعرتُ براحة كبيرة في قلبي. لقد أخلوا ما حول الضريح ولم يبقَ سوانا نحن الجرحى وخدّام الحرم. كنت في تلك الدقائق الملكوتيّة العشر إلى جانب ضريح الإمام الرضا عليه السلام أحلّق في فضاء غير عاديّ، وكانت تلك من أجمل زيارات عمري. حين أخرجونا أمسيت مسرورًا جدًّا ومفعمًا بالحيويّة، لدرجة شعرت معها أنّني أستطيع أن أقضي أيّام نقاهتي بسرعة وأقف على رجليّ. كما أقيم دعاء كميل في أحد الصحون فشاركنا الزوّار الدعاء وعدنا إلى المستشفى. لقد شعرت بتحسّن كبير.

 

120


113

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

في اليوم التالي، سمحوا لي بتناول السوائل، فتناولت القليل من الحليب، عدّة رشفات في اليوم الأوّل. ثمّ أدخلوا في الأيّام اللاحقة تدريجيًا الطعام المتضمن للسوائل إلى لائحة طعامي. صرتُ أطالبهم دومًا بأن يزيدوا لي الكمّيّة، وأقول: "لِمَ تقدّمون لي القليل منه!".

- لِمَ أنت مستعجل لتناول الطعام؟

- مرّ أربعون يومًا ونيّف لم آكل فيها شيئًا، ألا يجب أن أعوّض ما فاتني؟

 

بدأت حالي النفسيّة والجسديّة تتحسّن بوضوح، فأخبروني أنّه يمكن نقلي إلى مستشفى تبريز، وكان هذا أجمل خبر سمعته. أخيرًا، وفي اليوم الثامن والأربعين لإصابتي، تركت مستشفى الإمام الرضا عليه السلام، ونُقلت بالطائرة تحت المراقبة الطبيّة إلى تبريز.

 

عندما ترجّلنا من طائرة الركّاب - وقد رُفعت أيدي ثلاثة من مقاعدها مدّدوني عليها - كنت أشعر بالوهن حقًّا. وبما أنّني اتّصلت في مشهد عبر مؤسّسة الشهيد بعائلتي وأخبرتهم بأنّني في طريقي إلى تبريز.. فقد رحت أبحث عن أحد أعرفه، وسرعان ما وجدته. توجّه خالي نحوي مباشرة ـ وكنت ممدّدًا على الحمّالة في قاعة المطار ـ

 

121

 


114

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

وسألني: "هل أتيت بهذه الطائرة من مشهد؟!".

- أجل!

- كان من المفترض أن يأتي جريح آخر عبر هذه الطائرة من مشهد، هل رأيته؟

- ما اسمه؟

- سيّد نور الدين عافي!

 

المسكين لم يعرفني. لا بدّ أنّ التعب والإرهاق قد غيّرا حتّى صوتي. قلت: "خالي! أنا نور الدين. ألم تعرفني؟!"، تغيّرت ملامح وجهه، أخذ رأسي في حضنه وراح يبكي. لم يكن يصدّق بأنّ هذا نور الدين وقد حلّت به هذه المصيبة. بكى كثيرًا، فقلت له: "خالي! لا تبكِ. إنّني أتضوّر جوعًا، أحضر لي شيئًا لآكله". فذهب فورًا وأحضر من أحد محلّات المطار علبة بسكويت. بعد دقائق، وصلت سيّارة الإسعاف ونقلتنا إلى مستشفى الإمام الخميني في تبريز.

 

تحسّنت حالي أكثر في مستشفى الإمام الخميني. وبدأ الأهل والأصدقاء والمعارف منذ وصولي إلى هناك يتوافدون يوميًّا لعيادتي. لكن، كلّ من رآني للمرّة الأولى منهم، كان يندفع للبكاء بنحو لا إراديّ. فأقول لهم: "ما الذي حصل لتبكوا هكذا؟ أيّام قليلة، وما ألبث أن أستعيد عافيتي، ونعود معًا إلى الجبهة!". كنت وابن خالي "حسن نمكي"[1] صديقين حميمين، نقضي أوقاتنا معًا منذ الصغر إلى حين التحاقنا بالجبهة. فرؤيته من ناحية، وتحسّن جراحي، والتغذية التي كنت أحصل عليها من ناحية أخرى، جعلتني بحال أفضل، وقد تبلسمت جراحي ما عدا تلك التي أصبت بها في بطني، فلم أمكث في مستشفى الإمام طويلًا. أردت الخروج،


 


[1] وقد التحق بركب الشهداء في ما بعد.

 

122


115

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

وصرت أؤكد باستمرار على الإخوة في مؤسّسة الشهيد الذين يأتون لعيادتي بأن يستكملوا أوراقي وينقلوني إلى البيت. لكنّهم كانوا يجيبون بأنّ وضع بطني سيّئ، ولا ينبغي لي مغادرة المستشفى! لكنّني واقعًا، كنت قد مللت أجواءه، فرحت ألحّ عليهم لشراء مشدّ للبطن، وإقناع الطبيب بخروجي. وبعد أسبوع جاءت موافقة الطبيب. أعطوني التعليمات الصحية وأدوات التضميد ومشدّ البطن، وتحرّرت من المستشفى.

 

في طريق العودة إلى المنزل، وصلنا إلى مزار "الشيخ أبي دجانه". كان شهداء القرية يُدفنون في جوار مزارالشيخ منذ اندلاع الحرب، وكنت أعلم بأنّ صادق دُفن هناك. أشرت بيدي للسائق أن يتوقفّ لأزور قبر أخي. لم يوافق من معي وقالوا: "ليس وأنت على هذه الحال... فلنذهب إلى البيت!". لكن كان من المستحيل أن أذهب إلى البيت من دون أن أزوره.

 

توقّفت السيّارة إلى جانب الطريق، وتوجّهت بمساعدة الأهل إلى قبر أخي الشهيد. شرع الكلّ بالبكاء، إلّا أنا! رحت أنظر إلى شاهد قبر أخي ورفيقي في الجهاد "الشهيد السيّد صادق عافي"، الذي سلك معراجه بالقرب منّي وأقول: "لِمَ تبكون؟! في النهاية لقد حصل صادق على مراده. علينا أن نبكي لحالنا، لا على الشهيد". حقًّا، كنت وما زلت أؤمن بهذا الأمر.. وبعد زيارة الشهداء، أكملنا طريقنا. كان الوصول إلى البيت بعد كلّ هذه الحوادث، بمنزلة الوصول إلى مركز الأمان.

 

بدا الوضع في البيت مختلفًا. ففي أقلّ من تسعة أشهر، جُرحت مرّتين، وها أنا الآن أعود لأوّل مرّة من الجنوب حاملًا معي إلى جانب

 

123


116

الفصل الرابع: أخوان وعروج واحد

الخطر الجدّي الذي يتهدّد عيني اليمنى، جراحًا عميقة وكبيرة في جسدي. كان لقائي بأبي المكسور الخاطر في هذه الفترة ، صعبًا جدًّا. ومع أنّني رأيت ما حلّ بوالديّ بعد شهادة صادق وإصابتي، إلا أنّني كنت أتعاطى معهما بنحو يمنعهما من التفكير ببقائي في القرية وأن أصبح من سكّانها المستقرّين!

 

كان جميع من في البيت مستعدًّا للقيام بخدمتي، وأخجلوني كثيرًا من محبّتهم. لقد ازدادت شهيّتي إلى الطعام بنحو لا يعرف الشبع. بالطبع، فأنا منذ البداية أحبُّ الأكل والشرب، والآن وبعد إصابتي وضعف جسدي، أصبحت محطّ اهتمام الجميع، فكان يؤتى إليّ بالغذاء من كلّ ناحية، لحم الكبد الطازج، الحليب، الفاكهة و.. والحاصل أنّني عشت في نعيم تامّ.

 

كانوا يأخذونني إلى المستوصف لتغيير ضماد بطني. وبقيت على هذه الحال حتّى ذهب عنّي الضعف والوهن، ونسيت جراحي ومراجعة الأطباء وبتّ أفكّر في العودة إلى الجبهة. شيئًا فشيئًا تشجّعت وطرحت أمام الأهل قضيّة عودتي إلى الجبهة ورحت أختلق الحجج لإقناعهم: "لقد ضقت ذرعًا.. وانقبض قلبي من هذا المكان. إن عدت إلى الجبهة سيتحسّن وضعي الجسدي... لم أعد استطيع البقاء". خالفني الجميع في ذلك، وكانوا يرون بأنّه عليّ في ذلك الوضع أن أزيل فكرة الجبهة من رأسي تمامًا: "ماذا ستفعل إن ذهبتَ في هذا الوضع إلى المحاور. ما زلت حديث العهد بالسير على قدميك، وتريدُ أن تذهب إلى ساحة القتال؟!"، لكنّني كنت قد اتّخذت قراري، واستغرق الأمر مدّة لإقناعهم.

 

بعد مضيّ ما يقارب الستّة أو السبعة أشهر من إصابتي، وضّبت حقيبتي، وودّعت الأهل الذين ظلّوا قلقين بشأني، وانطلقت إلى الجبهة.

 

124


117

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

الفصل الخامس:

جرح فوق جرح

 

 

كان عدد من العناصر الذين انتهت إجازتهم، عائدين إلى الجبهة، فركبت و حسن ابن خالي معهم الحافلة نفسها، وعشت جوًّا حميميًّا ومريحًا لطالما انتظرته. رحنا نحدّث الشباب ونمازحهم. فبعد إصابتي في عملية مسلم بن عقيل حيث تبدّلت ملامح وجهي وتغيّر شكل عيني، صرت أستخدم نظّارة سوداء خارج البيت. وفيما كنت أضع هذه النظّارات غفت عيني، ولم أجدها حين استيقظت. سألت حسن الذي كان يجلس إلى جانبي: "ماذا حصل لنظّارتي؟".

- كسرتها!

- إِ.... لماذا؟!

- عندما كانت لك عينان لم تكن تروقني، فكيف الآن وقد صرت تملك أربعًا؟ ما هذا الذي تضعه على عينيك؟!

 

جعلني مزاح حسن أزيل من رأسي نهائيًّا فكرة استخدام النظّارة.

 

ما إن وصلت الحافلة إلى "كيلان غرب"، حتّى توجّهنا إلى ثكنة كانت مقرًّا للقوّات. وقد أُعيد تشكيل لواء عاشوراء ليتحوّل إلى فرقة قبل عملية "والفجر التمهيديّة" في شتاء العام 1983م. كان مركز الفرقة يقع في منطقة تُعرف بـ "كاسه كران" على مسافة ستّة أو سبعة كيلومترات من "كيلان غرب"، وهو عبارة عن وادٍ محاطٍ من نواحيه الأربع بالجبال

 

126


118

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

المكسوّة بالأشجار، وقد نصب عناصر الكتيبة الخيام فيه. أراد حسن أن ينتقل إلى كتيبة الإمام الحسين عليه السلام التي كان فيها إبراهيم نمكي، فوافقته فورًا وانتقلنا إلى هناك، فهي كتيبة شجاعة يقودها "علي أكبر رهبري" ويعاونه فيها "محمّد باقر مشهدي عبادي". وكما هي العادة، بدأنا بالعمل معهم بعد ثلاثة أيام على تسليم أسمائنا للكتيبة.

 

كان شهر محرّم على الأبواب. قبل أيام من بداية الشهر تقام عادة الهيئات ومجالس العزاء في الجبهة، وقد بدأنا هذه المراسم في مسجد كتيبة الإمام الحسين عليه السلام وكان قسم منه يقع تحت الأرض، وقد بنيت جدرانه من الحجر. أمّا القسم الواقع منه فوق الأرض، فكان من دون سقف، فأضحت مجموعات العزاء تُنظِّم فيه حلقات اللطم.

 

ذات يوم، رأيت في المسجد وجهًا مألوفًا. دقّقت النظر، فإذا به "حسن شيرافكن" الذي كان معي في غرفة المستشفى أيّام إصابتي الأولى في كردستان ويشكو من ألم في كليتيه، وها هو الآن يقف أمامي بروحيّة عالية! سُررت كثيرًا برؤيته بعد مرور كلّ ذلك الوقت. لم أكن أعلم أنّه عُيّن مسؤولًا لمركز المحلّة بعدما أنهى دورة في العلوم العسكريّة في تبريز، وأنّه لم يحتمل البقاء في المدينة فالتحق بالجبهة. وبمقدار ما سعدت لرؤيته حزِن هو لرؤيتي على هذه الحال. كما التقيت في المسجد بأصدقاء آخرين، من جملتهم "صمد نيكبيران"، الذي كان وأخوه يعقوب صديقين لي من قبل.

 

مع ابتداء برامج الكتيبة، قيل لنا إنّه علينا التدرّب على تسلّق الجبال[1].


 


[1] علمت لاحقًا بأنّ العملية القادمة ستكون في منطقة تُسمّى "بمو"، وهي عبارة عن منطقة جبليّة واسعة تقع على الحدود الإيرانيّة - العراقيّة، كانت القوّات العراقيّة تستقرّ فيها وتشرف علينا. كانت المرّة الأولى التي أسمع فيها باسم "بمو" وتعجّبت كثيرًا عندما رأيتها، جبل شاهق وعظيم شكّلت الصخور الكبيرة جدًّا والمتّصل بعضها ببعض، الطريق الوحيد للصعود إلى أعلاه. وعندما سألت كيف سننفّذ العملية في هذا المكان، قيل إنّ على الشباب أن يصعدوا الواحد تلو الآخر على سلالم من الحبال ويشتبكوا مع العدوّ! كانت "كيلانغرب" تشبه "بمو" كثيرًا من حيث الموقع الجغرافي، وكنّا نتدرب هناك على تسلق الجبال استعدادًا للعملية.

 

127


119

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

لا شكّ أنّ اجتياز الصخور وتسلّق الجبال كان أمرًا شاقًّا بالنسبة لي. سعيت جاهدًا للمشاركة في التدريبات، وبالطبع، لم يصعّبوها عليّ. ومع أنّنا في كردستان كنّا نتسلّق الجبال من وقت لآخر، إلّا أنّها المرّة الأولى التي أصعد فيها جبلًا بهذه الطريقة، حيث يمسك الشباب بحبال مدّوها من أعلى الجبل ويتسلّقون بجهود جبارة. لقد عمل الأخ رهبري على تدريب الكتيبة تدريبًا جيّدًا، فمن المفترض أن تصعد كتيبة الإمام الحسين عليه السلام الجبل في العملية القادمة قبل بقية الكتائب، لذا ظلّ قادة الكتيبة حسّاسين وجدّيّين في تدريب الشباب. يقول الأخ رهبري: "إنّ كلّ من يستطيع اجتياز هذه المنطقة من دون جلبة، سيتمكن من تسلّق الجبل ليلة العملية من بين ظهراني الأعداء ومباغتتهم".

 

كانت التمارين تُجرى كلّ يوم، ومنذ الدقائق الأولى، يبدأ الشباب بإطلاق الشعارات الحماسيّة لتتردّد أصداؤها في الفضاء: داغدا داشدا كذر اسلام اردوسي اسلام اردوسونونيوخدي قورخوسي.

 

غالبًا ما كان أحد العناصر ويُدعى رسول هو من يطلق الشعارات، فيردّدها الإخوة وهم يتقدمون إلى القمة على شكل طابور. ما انفكّ الشباب مرحين ويتحلّون بخفّة الدم، ونسيت بينهم أيّام جراحي الصعبة، إلى أن عرض لي يومًا حادث آخر.

 

ذات مرّة ارتفعنا عن سطح الأرض ما يقارب الكيلو مترًا، وقد دأب العناصر على الاجتماع بعد قطع مسافة معيّنة في نقاط محدّدة للاستراحة والاستعداد لإكمال المرحلة اللاحقة. وبينما كنّا نتسلّق الجبل، وقبل أن نصل إلى نقطة الاستراحة، انزلق حجر من تحت رجل "مير محمّد ستّاري"[1] الذي يتقدّمني، وارتطم برأسي. أصابني دوار في رأسي، ورغم ذلك استطعت الوصول إلى الشباب بطريقة أو بأخرى.


 


[1] وقع ستّاري فيما بعد أسيرًا، وبقي في الأسر لمدّة من الزمن.

 

128


120

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

لم أكمل على ما يُرام. فبعد إصابتي صار التعب يحلّ عليّ بشكل أسرع من البقيّة. في الحقيقة كنت أحتاج إلى مدّة من الزمن لأعود إلى حالي الطبيعيّة. وعندما عاود الشباب الصعود ووصل الدور إليّ، لم أشعر أنّني بحالة جيّدة، فناداني علي أكبر رهبري وهو واقف على صخرة: "نور الدين! هيّا اصعد!".

- اسمح لي بالبقاء، سأصعد بعد أن يصعد الجميع.

- لا! هيّا اصعد!

- لقد ارتطم حجر برأسي ولست على ما يُرام، دع...

- لا تختلق الأعذار... هيّا اصعد!

 

لم يكن ليدعني وشأني. وضعت يدي على حبل الاحتياط الذي غالبًا ما نلفّه على وسطنا، حتّى لا نسقط إذا ما حدثت مشكلة ما في الحبل الذي نمسكه. لكنّ الأخ رهبري كان يراقبني بدقّة فقال: "لا! اصعد من دون حبل الاحتياط!". لم أتفوّه بكلمة... انتابني شعور بأنّ شيئًا ما لا بدّ سيحصل لي اليوم.

 

أمسكت بالحبل، ورحت أصعد، ولم أكد أرتفع عدّة أمتار حتّى انتهى كلّ شيء بالنسبة لي... عندما أفقت وجدت نفسي في الدشمة. أدركت أنّني هويت، وكان من لطف الله بي أن توقفت عن السقوط في قسم من الجبل ينخفض قليلًا عن المنطقة التي انطلقنا منها، ولم أعلم كيف أنزلني الإخوة عن مسافة كيلو متر من أعلى الجبل، على بغل، أم على أكتافهم! فطوال تلك المدّة كنت غائبًا عن الوعي. وعلمت في الدشمة أنّ جرح بطني قد فُتح مجدّدًا. نُقلت إلى الطوارئ، وهناك شخّصوا فورًا وجوب نقلي إلى المستشفى وخضوعي لعمليّة جراحيّة. وفي تلك الليلة نفسها، نُقلت إلى كرمانشاه ومنها إلى تبريز، فنلت بهذا حصّتي من الجراح قبل بدء العملية وقفلت راجعًا[1].


 


[1] أُلغيت العملية في منطقة "بمو"، لكن شاركت فرقة عاشوراء في عمليات والفجر2 و4.

 

129


121

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

بقيتُ ما يقارب الأسبوعين في مستشفى الإمام في تبريز. كُنت أتغذّى عن طريق المصل فقط وحالي تزداد تدهورًا يومًا بعد يوم. في المرّة أو المرّتين التي تناولت فيها السوائل أُصبت بألم شديد في بطني وتقيّأت مباشرةً كلّ ما تناولته. كان الجرح الذي أصبت به في بطني في عملية مسلم عميقًا، وقد ساء وضعه بعد حادثة تمزقه السابقة في مستشفى الإمام في مشهد، وحادثة الجبل هذه، ولم يظهر فيه أيّ أثر للتحسّن، حتى يئس الأطبّاء من شفائي. أذكر أنّ طبيبي المعالج راح يشرح لتلامذته الذين تحلّقوا حولي، أنّ القسم الفلاني من أمعائي قد اهترأ وأصبح على هذا الشكل. وردًا على سؤال أحدهم: "كم من الوقت يمكن أن يبقى هذا المريض على قيد الحياة؟"، أجاب بصراحة: "ليومين أو ثلاثة". سمعت بدوري وفهمت ما يقولون، وما باليد حيلة، فأنا عاجز عن أيّ فعل. حتّى إنّهم واجهوني بهذا الأمر عدّة مرّات وقالوا: "لا نستطيع أن نفعل لك شيئًا، أنت تحتضر!". كان كلامهم يؤذيني، لكنّني لم أفقد الأمل. ذات يوم، جاءت أمّي لزيارتي فأخبرتها بما يقول الأطبّاء. فقالت واثقةً تمامًا من نفسها: "لا! لن يصيبك مكروه، فما رأيك أنت؟".

- برأيي أنّني لن أموت بهذه السرعة!

 

مثّلت أمّي الأمل الأكبر بالنسبة لي. بعد مرور يومين أخبرني إخوة من الحرس جاؤوا إلى المستشفى، بأنّ قائد المنطقة الخامسة في الحرس، الأخ "حميد تشيت تشيان" سيزور قسم جرحى الحرب في المستشفى وكان يعرفني من قبل. ولمّا جاء لعيادتي أخبرته بما قال الأطبّاء وأنّني لن أعيش لأكثر من ثلاثة أيّام.

- من قال؟!

- الطبيب...

وفورًا استدعى الدكتور طوفان رئيس مستشفى الإمام حينها وقال

 

130


122

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

له: "افعل ما يمكنك فعله لهذا الجريح". تداولا في المسألة، وتقرّر إجراء عمليّة لي كمحاولة في صباح اليوم التالي.

 

في الصباح، اجتمع حولي الأهل، والأقارب، والممرضون و... وقد أتى أكثرهم قاصدين وداعي الوداع الأخير. كان الأطبّاء ما زالوا متردّدين، ويقولون إنّني لن أخرج من العمليّة حيًّا، والجميع قلقين. ومع هذه المعمعة انتابني شعور بأنّ الأمور ستنتهي إلى خير. انطلقوا بي إلى غرفة العمليات. وأوّل من التقيته هناك كان طبيب التخدير، وهو رجل دزفوليّ يعمل في تبريز. يبدو أنّ قلبه شُحن غيظًا من المجاهدين، فأقبل يحقنني بالمخدّر ويقول: "هل تعلم بأنّك لن تخرج من هذه العمليّة حيًا؟!"، لقد فاجأني فعلًا.

- ما هذا الكلام الذي تقوله وأنا على وشك أن أغيب عن الوعي؟!

 

وقبل أن أفقد وعيي بلحظات توجّهت إليه قائلًا: "أتعلم ماذا؟ أنا أعرف دنياي هذه جيّدًا، وأعرف ماذا فعلت. بإذن الله ومشيئته، أنا أعمل للّه، ومصيري في ذلك العالم معلوم أيضًا. أمّا أنت، ففي جهنمّ، هنا وفي ذلك العالم!". لقد كسر كلامه قلبي، لكن، لم يكن عالم التخدير سيّئًا!

 

عندما أفقت، كانت حالي جيّدة وشعرت بتحسّن. مضى يومان أو ثلاثة على العمليّة، كانت حالي العامّة أفضل، لكن التهب الجرح وبدأ يفرز القيح على كلّ ضماد، برائحته الكريهة التي تثير فيّ القلق. قيل لي: "نريد نقلك ثانيةً إلى غرفة العملية". لكنّني لم أقبل ومهما فعلوا لم أوافق. كنت أشعر بالإعياء بمجرّد ذكر اسم غرفة العملية! إلى أن قال الممرّض الذي كان يغيّر لي ضمادي: "لأنّهم في العمليّة السابقة ظنّوا بأنّك ميّت لا محالة، فقد استخدموا في تقطيب أمعائك خيطانًا عاديّة. وإن لم تذهب إلى غرفة العملية ليغيّروا القطب ستموت بالفعل!".

 

قلت: "إن كان الأمر يتعلّق بتغيير القطب، فأنا مستعدّ ليقوموا بهذا

 

131


123

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

العمل هنا". حقيقة، لقد تدهورت حالي النفسيّة في غرفة العملية آخر مرّة لدرجة أنّني كنت مستعدًا لأن أتحمّل ألم العمليّة من دون تخدير، ويقوموا بعملهم هنا. سألوني: "وهل تحتمل الأمر؟!"، لم يكونوا يعلمون أيّ مصائب تصبّرت عليها سابقًا.

 

استجابوا وهيّأوا المكان، نقلوا المرضى الآخرين إلى مكان أنسب لهم وفتحوا الجرح، فملأت رائحة الالتهابات النتنة الغرفة. وهناك تقرر إبقاء السطح الخارجي للجرح مفتوحًا، لأنّ بطني أصبح يرفض القطب بسبب العمليات المتعدّدة التي أُجريت لي، ولم يعد جرحي يلتحم. ومن حينها صاروا يريقون كلّ يوم زجاجة من الأكسيجين على الشقّ، ويضعون عليه غاز الإستيريل، فكان هذا الأمر مفيدًا، وبدأت أتعافى شيئًا فشيئًا، لكن لم يأتِ أحد بعد على ذكر الطعام.

 

ذات يوم شكوت لأحد الأصدقاء ما جرى مع طبيب التخدير في غرفة العملية. وفي اليوم التالي جاءني هذا الطبيب، وراح يعتذر لي. قلت: "أيّها الدكتور! لي إليك سؤال. لقد نهضنا من تبريز وذهبنا إلى خوزستان، قاتلنا وجُرحنا هناك. وإن كان كلامي فيه شيء من التعصّب، لكن من غير الإنصاف أن تُكلّم بهذه الطريقة أنت الدزفولي، إنسانًا جُرح في منطقتك. وذلك خاصةً في غرفة العملية وعند التخدير...".

- لا تغتمّ، كانت مجرّد مزحة!

- أهكذا يكون المزاح؟!

 

مكث قليلًا إلى جانبي وحاول إرضائي. فسامحته لجهله. لكن سمعت بعد مدّة بأنّه طُرد من المستشفى.

 

ومرّة أخرى، ضاق صدري من جوّ المستشفى. وبدأت "إلحاحاتي" للخروج منه، فجاء الجواب: "ما زال جرحك مفتوحًا". ولكن لأنّني اعتدت على الجراح، علمت أنّ حالي ستتحسّن بعيدًا عن هذا المكان. أخيرًا، عدت إلى البيت. فكانوا يأتون كلّ يوم من قبل الحرس لتغيير

 

132


124

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

ضماد جرحي، ذلك الجرح الذي آذاني لشهور، ولم يكن "يفكّر" في التعافي. من ناحية أخرى، كنت قد اشتقت إلى الجبهة.

 

بدأت أردّد نغمة العودة إلى المحاور مجدّدًا. فقلقت أمّي لذلك وقالت: "يا عمّ! ماذا ستفعل هناك بهذه الحال؟!".

- يا حاجّة! إن أنا بقيت هنا، لن يصحّ بطني أبدًا، أمّا إن ذهبت إلى هناك، فإنّ روحيّتي ستتحسّن أوّلًا، وسيتعافى هذا الجرح ثانيًا!

 

لم يستطيعوا إقناعي والتغلّب عليّ! شددت الحزام خاصّتي حول بطني، ووضعت أدوات التضميد في حقيبتي الصغرى، وتوجّهت إلى مكان إيفاد المجاهدين إلى الجبهة. وهناك أقنعوني بعدم الذهاب إلى الجنوب وأنا في هذه الحال، واقترحوا عليّ الذهاب إلى "بيرانشهر". قالوا: "يمكنك في بيرانشهر البقاء في المقرّ، وكلّما شئت يمكنك التقدّم إلى الخطوط الأماميّة والمشاركة في المعارك!". كان الأمر سيّان عندي بين الجنوب والغرب. ففي كلّ الأحوال، أيّ جبهة هي أفضل بالنسبة لي من الجلوس في البيت.

 

توجّهت مع عدد من العناصر التبريزيّين إلى بيرانشهر[1]. بقيت الخمسة عشر يومًا الأولى تقريبًا في المقرّ، ولم يكن هناك الكثير من العمل، لكن الإخوة دأبوا على الذهاب كلّ يوم لنصب الكمائن، فذهبت معهم في الأيّام الأخيرة. كنّا ننطلق في ساعات متأخّرة من النهار، وننصب الكمائن في طريق القوّات المعادية للثورة الموجودة في المنطقة. تسبب الذهاب والأيّاب بأذيّتي، خاصّة أنّنا صعدنا غالبًا الجبال هناك، وعند كلّ عودة كان ألم جرحي يتضاعف. كنت كلّ يوم أغيّر الضماد، ومن كثرة ما غسلت الجرح بالأكسجين نبت عليه لحم زائد، وصارت


 


[1] كان حميد وباقر من بين هؤلاء، وهما من محلة "شنب غازان"، وقد استُشهدا في إحدى المواجهات.

 

133


125

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

تخرج أشياء من الجزء المفتوح منه، عرفت لاحقًا أنّها الخيطان التي خاطوا بها أمعائي، وكنت قد سمعت أنّ نوعيّة الخيطان التي تُرتق بها الأحشاء، تكون بنحو يمتصّها الجسم حين التعافي ولا حاجة إلى فكّها، كما إنّها لا تلتهب. لكن يبدو أنّهم استعملوا الخيطان العاديّة في عمليّتي، وها هي الآن، بدل أن تُلحق بي أكثر ممّا حلّ بي، تخرج - بلطف اللّه - عند تغيير كلّ ضماد، وكان نصيبي منها خَيْطين في كلّ يوم! وقد خرج الكثير من القيح وخرجت معه الخيطان إلى أن لاحظت بأنّ سماكة الطبقة التي غطّت الجرح بدأت تزداد تدريجيًّا، مما يُعتبر علامة إيجابيّة. لقد ساعدني "باقر نيكي"، وهو أحد عناصر المقرّ، في تضميد جرحي كثيرًا.

 

بقينا هناك قرابة الشهرين والنصف. كانت منطقة بيرانشهر شبيهة بـ"مهاباد" التي قضيت فيها أيّامي الأولى في الجبهة ـ من حيث تعدّد المراكز، والمواجهات المختلفة والمتفرّقة فيها، والجبال المحيطة بها. معظم الاشتباكات وقعت في الكمائن التي نُصبت في أطراف المدينة وفي الطرق التي يسلكها الديمقراطيّون. وقد التفتوا إلى هذه المسألة، لذا صاروا يقومون بالاشتباكات خارج المدينة أكثر منها داخلها. وبالطبع، لأنّ مشكلة كردستان قد حُلّت إلى حدّ ما، لم تحصل المواجهات يومًا من حيث العدد والشدّة كما كانت في مهاباد، ومع هذا، ظلت المواجهات في تلك المنطقة مستمرّة ومتواصلة بسبب وقوع بيرانشهر على الحدود الإيرانيّة-العراقيّة، وعلى الخطّ الدفاعيّ الأوّل للعدوّ.

 

وقعت في المقرّ بين جموع الشباب أحداث بقيت في أذهاننا لوقت طويل. حينذاك، كان في المقرّ عنصرٌ حديث عهد بالجبهة، بدا أنّه يخاف من بعض الأشياء خوفًا كبيرًا. قال الشباب إنّه لا يذهب ليلًا إلى المرحاض - الذي يقع على بعد مئة متر من المقر- ونتيجةً للخوف، يقضي حاجته على بعد أمتار من المقرّ! كان يخشى العتمة، والوحدة، والهجوم

 

134


126

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

المفاجئ للديمقراطيّين! فقرّرت أن أضع حدًا لخوفه.

 

ذات يوم فرّغت جميع الأباريق المعدنيّة ما عدا واحدًا ملأته نفطًا. وحيث كان الشباب يعلمون بالأمر، فقد بدأوا منذ حلول الليل بالمزاح والضحك. قرابة العاشرة ليلًا، خرج هذا الأخ من المقرّ، وفيما كنّا نراقبه تحت نور الكشّاف الضوئي الذي أضاء المحيط، لاحظنا أنّه لم يتوجّه نحو المرحاض، فارتفعت أصوات قهقهات الشباب. مرّت خمس دقائق وإذ بصوته يعلو من الخارج. خرجنا مسرعين: "ماذا حصل؟"، فقال وهو يقفز من مكانه ويشتعل غيظًا: "لا شيء!". عدنا إلى المقرّ. وحين عاد سألنا: "متى يمكن للشخص الاستحمام هنا؟".

- عليك الانتظار إلى الصباح وتذهب إلى مقرّ القيادة، فالحمّام هناك!

 

حين استيقظنا في الصباح، كان قد جّهز نفسه للذهاب، ولكنّه ذهب ولم يعد!

 

كانت الأيّام في بيرانشهر تمرّ بشكل وبآخر. وكان من بين الشباب أربعة أشخاص من محلّة "شنب غازان"، أحدهم يُدعى حميد، كبرت شهيته على الطعام، لذا أصرّ عليّ بسبب وضع بطني والطعام القليل الذي أستهلكه، أن آخذ حصتين من الطعام وأعطيهما له!

 

في الفترة التي قضيتها في بيرانشهر، نُفّذت عملية "والفجر4"[1]، وشُغلت العائلة بمراسم تأبين شهيدها الثاني في تلك العملية[2]، ابن


 


[1] نُفّذت عملية (والفجر4) في 19/10/1983م على مدى عشرين يومًا في منطقة "دره شيلر" شمال "مريوان" و"بنجوين".

[2] فيما بعد حدّثني أحد عناصر كتيبة الإمام الحسين عليه السلام السيّد علي أكبر مرتضوي (بابا)، عن بطولات حسن نمكي في عملية والفجر4 فقال: قبل العملية كان العراقيّون يواصلون هجماتهم علينا، وقد وقع اشتباك قبل يوم على العملية. كانت ليلة ظلماء، والجميع ينتظرون في مضيق جبليّ ليتقدّموا بعد عملية استطلاع أخيرة لعناصر المعلومات. وفي تلك الأثناء، غفا بعض العناصر من شدّة التعب. وأكملت القوّات التي في المقدّمة طريقها، وبقي في المضيق ما يقارب الخمسة والعشرين شخصًا، من بينهم حسن نمكي. وحين أفاقوا وعلموا بما حصل، قال حسن: أنا أعرف المنطقة جيّدًا، لا نستطيع الوصول إلى القوّات المتقدّمة. كان من المقرّر لهذه المنطقة أن تُحرّر بعد المواجهات ومن دون تدخّل قوّاتنا، ثم نبدأ بعملنا. (كان حسن يعمل دومًا مع قائد الكتيبة علي أكبر رهبري، ويعلم جغرافيّة المنطقة). بدأوا بالتحرّك، وبعد أسر حارسين عراقيّين طهّروا المنطقة. كانت القوّات التي تحرّكت قبلهم قد وصلت إلى أعلى المرتفع، ورأت أنّ مجموعة تشتبك مع العراقيّين في أسفل التلّة وقد فرّقت جمعهم. لم يكن أحد إلى ذلك الوقت يعلم من الذي يقاتل في المضيق. في صباح اليوم التالي، شنّ العراقيّون هجومًا معاكسًا. وأرادوا أن يحاصروا المنطقة بالدبّابات، لكنّ المقاومة تواصلت بشدّة. وشنّ العراقيّون هجومًا أو هجومين على المضيق، ولم يستطيعوا السيطرة عليه. أحيانًا كان أحدهم يقف في المضيق ويطلق قذيفة "B7" على الدبّابة فيحرقها. أخيرًا، مع اشتداد المقاومة واشتداد نيران العدوّ، صعدت مجموعة من المضيق إلى الأعلى. كنّا نظنّ أنّ عددهم كبير، ولكن تبيّن لنا أنّه يتراوح بين العشرة والاثني عشر شخصًا. أمّا الباقون فقد استُشهدوا في المضيق! لقد اسودّت وجوههم من شدة الاشتباكات، بحيث لم أتعرف من بينهم حتّى إلى حسن نمكي الذي قضيت معه عامين. سألني حسن: أين كتيبة الإمام الحسين عليه السلام؟ قلت: ماذا تريد منها؟ قال: "نحن من عناصر الكتيبة. أنا حسن نمكي". يقول بابا إنّه إلى تلك اللحظة لم يعرفه. بعد تلك الملحمة، أستشهد في العملية لاحقًا جرّاء عصف انفجار قذيفة دبّابة.

 

135


127

الفصل الخامس: جرح فوق جرح

خالي ورفيقي القديم حسن نمكي. وخلافًا لليالي مهاباد، راح الشباب في معظم الليالي يجتمعون في المسجد المحاذي للمقرّ، ويصلّون صلاة الليل. كما كانت تُقام مجالس العزاء والأدعية. وبهذه الأحداث انقضت مدّة وجودي في بيرانشهر (كأنّها فترة نقاهة) وعدت إلى تبريز لأبدأ بعدها رحلة جديدة (لم أتنبّأ بما خبأته لي).

 

136

 


128

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

الفصل السادس:

مخيّم شهداء خيبر

 

في تبريز، بدأ شباب الجبهة يتحدثون عن العملية، وسرعان ما تركتْ وجوهٌ معروفة المدينةَ، الأمر الذي اعتُبر وكأنّه بشارة باقتراب الموعد. أمّا أنا فلم أحتمل البقاء في المدينة، فتوجّهت في أواسط شباط العام 1984م إلى الأهواز. وهناك سمعنا بخبر بدء تنفيذ عملية "خيبر" في جزر "مجنون"![1] كانت تصلنا أخبار الأيّام الأولى منها، المعارك العنيفة في الجزر، وشهادة عدد كبير من عناصر الفرقة البارزين نتيجة محاصرة الأعداء لهم، ووقوع عدد آخر منهم في الأسر. جاء خبر استشهاد "حميد باكري" و"مرتضى ياغتشيان"، اللذين كانا نائبين لقيادة الفرقة. حوّل النبأ أيّامنا إلى مأتم، ودلّ أنّ فرقة عاشوراء خاضت في عملية خيبر حربًا ضروسًا، ارتفع خلالها الكثير من قادتها شهداء.

 

بعد عدّة أيّام، واتتني الفرصة، لأنطلق مع بعض الإخوة من الأهواز إلى جزيرة مجنون مباشرة. تزامن وصولنا إلى الجزيرة مع استلام كتائب القدس للجبهة، فانسحبَ باقي عناصر كتيبة الإمام الحسين عليه السلام وسائر القوّات العاملة هناك. أمّا أنا وقد وصلت لتوّي، فبقيت بين الإخوة التبريزيّين في كتائب القدس التي جمعت متطوعين من كافّة


 


[1] بتاريخ 22/2/1984م وبنداء يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدأت عملية خيبر في جبهة "هور الهويزة" و"جزر مجنون"!

 

137


129

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

أنحاء البلاد. لكن هطلت في تلك الفترة أمطار غزيرة غمرت مكان استقرار الكتيبة، فأعادونا جميعًا إلى الأهواز.

 

بعد عملية خيبر، استقرّت فرقة عاشوراء في منطقة تقع ما بين الأهواز وسوسنكرد، فتوجّهنا إلى هناك نحن أيضًا. تبعد هذه المنطقة خمسة كيلومترات عن جادّة الأهواز- سوسنكرد، وحوالي الأربعة كيلومترات عن الجادّة الرئيسيّة، وقد انتقى لها الإخوة اسمًا على مسمّى، ألا وهو "توبراق آباد". كانت أرض "توبراق آباد" رمليّة يحرّكها الهواء بكلّ سهولة. فعلًا! لقد انتقى الإخوة اسمًا مناسبًا لهذا الموقع الجديد.

 

وصلتُ برفقة عناصر كتائب القدس إلى "توبراق آباد"، ورحتُ أبحث هناك عن الإخوة في كتيبة الإمام الحسين عليه السلام. كان قد استُشهد من هذه الكتيبة أكثر من مئة عنصر بعد ملحمة بطوليّة في عملية خيبر، وبقيت معظم الأجساد في أرض المعركة، ووقع عدد كبير من الإخوة في الأسر، وجُرح عدد آخر. كان من بين الأسرى ابن خالي إبراهيم، ومن بين الشهداء قائد الكتيبة "محمّد باقر مشهدي عبادي"، وقد بقيت جثّته كما كثير من الشهداء على أرض جزيرة مجنون[1]. لذا فقد أُعطي من بقي من عناصر (هذه الكتيبة) إجازة. أمّا أنا، ولأنّني جئت لتوّي فقد بقيت. في تلك الفترة، كان "محمود دولتي" مسؤولًا للسريّة الأولى، و"صمد زبردست"[2] مسؤولًا للسريّة الثانية، و"خليل نوبري" مسؤولًا للسريّة الثالثة. التحقت بالسريّة الثانية وكان "صمد قنبري" المعاون فيها. وفي

 


[1] تمّ العثور على الأجساد المطهّرة للشهيد عبادي، ومرتضى ياغتشيان وعدد آخر من الشهداء بعد سنوات على عملية خيبر أثناء عملية التقصّي والبحث، وشيّعوا ودُفنوا إلى جانب الشهداء في مقبرة "وادي الرحمة".

[2] بعد فترة، أُصيب صمد زبردست إصابة أدّت إلى شلله، وفي العام 1995م قضى في حادث سير مؤسف، وكان يشغل موقع رئاسة مؤسّسة الجرحى في تبريز.

 

138


130

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

"توبراق آباد"، أُعطيتْ إجازة أيضًا لعناصر كتيبة سيّد الشهداء، وكان قائدها "أصغر قصّاب".

 

بالتزامن مع عودة العناصر، انتقلت الفرقة إلى منطقةٍ مواجهةٍ لـ"توبراق آباد"، بالقرب من مخزن الذخيرة الكبير في المنطقة. كانت المنطقة حرجيّة وتختلف عن "توبراق آباد" من جميع النواحي، فسمّاها الإخوة "جنكل آباد"[1]. كما انتقلت كتائب القدس إلى هناك، وبعد التوجيه وإعطائها التعليمات اللازمة، التحقت هذه الكتائب بباقي كتائب الفرقة. طوال تلك المدّة، بقيتُ في إحدى مجموعات كتيبة الإمام الحسين عليه السلام، وحيث كنت أخاف عودة الأوجاع إلى بطني، لم أكن أشارك الإخوة كثيرًا في أعمالهم ، وبتّ أشعر أنّني "تعطّلت" ولم أعد أقوم بالعمل كما يجب. فبعد حادثة سقوطي، أصبحتُ بالفعل أشعر بالرعب. في تلك الفترة، توطّدت معرفتي بـ"عبد الحسين أسدي"، "يوسف فداكار"[2] و "فرج قلي زاده"، وصرت أقضي معظم أوقاتي برفقتهم.

 

بعد تبديل القوّات بدأت التدريبات، وخضعتُ حينها لأوّل مرّة، لدورة تدريبيّة حول مواجهة السلاح الكيميائي استمرّت شهرًا، التعرّف إلى القناع، التدابير التي ينبغي اتّخاذها في حال القصف بالسلاح الكيميائي و... الشيء اللافت حينذاك كان قلّة الطعام، وبدل الخبز العاديّ، كانت تصلنا أكياس من الخبز اليابس، فلم يجد الإخوة بدًّا من الاكتفاء بهذه الكسرات! أحببتُ أن أكون في جمع الفصيل أكثر من أيّ مكان آخر. ففي الفصيل، لكلّ فرد عمل يقوم به. أحدهم يغسل الأطباق، وآخر يجلب


 


[1] تقع "جنكل آباد" من الناحية الجغرافيّة تمامًا في الجهة المقابلة لمنطقة "توبراق آباد" الرمليّة. ومن أجل الحؤول دون وصول الرمال إلى المزارع والقرى، كان الأهالي يزرعون الأشجار التي تنمو في الرمال، فتشكّلت تلك المنطقة الحرجيّة في قلب المنطقة الرمليّة.

[2] استُشهد قبل عدّة سنوات متأثّرًا بإصابته بالسلاح الكيميائي.

 

139


131

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

الطعام، وثالث يحضّر الماء، وشخصان آخران يفرشان البطّانيّات للنوم، ليجمعهما شخصان آخران عند الصباح، والمحصّلة، أنّ مسؤوليّة كلّ فرد تكون محدّدة ومعلومة في الخيمة، وهذا الجوّ جعلها شبيهة ببيت تسوده الألفة الشديدة والمحبة. أمّا أنا، فقد أخذت على عاتقي إعداد الشاي الذي يسهل تحضيره في تلك المنطقة، لكثرة الأشجار وتوافر الحطب لإشعال النار. كنت عندما يختمر الشاي، أصبّ لنفسي أوّلًا في فنجاني الخاصّ ـ وهو عبارة عن مرطبان مربّى قد فُرّغ من محتواه ـ فيَفْرَغ نصف الإبريق! ويعلو صوت الإخوة: "سيّد، لقد صببت الشاي كلّه لنفسك!".

 

في الفترة التي كنّا فيها في تلك المنطقة، كان الإخوة يمزحون ويمرحون كثيرًا. ذات يوم ظهرت غنمة في محيط الكتيبة، فأخذها الإخوة واحتفظوا بها، وراح كلّ شخص يدلي برأيه حول الموضوع، وظننّا أنّ الغنمة لأهالي إحدى القرى المحيطة. قال أصغر قصّاب الذي استلم قيادة كتيبة الإمام الحسين عليه السلام بعد شهادة الأخ مشهدي عبادي: "احتفظوا بها، فلربّما أتى صاحبها للبحث عنها". في اليوم التالي، وحينما كنت أصليّ فريضة العصر، سمعت جلبة كبيرة في الخيمة والمحيط. لقد دخل فناء خيمتنا ثلاثة أشخاص غرباء يلفّون أنفسهم بملاءات بيضاء، وما إن رآهم أحد الأشخاص حتّى أُغمي عليه! لقد حدثت فوضى عارمة في الخيمة. يبدو أنّ هؤلاء الثلاثة تكلّموا مع الإخوة بضع كلمات باللغة العربيّة، فابتعدوا عنهم بسرعة، وحمل أحدهم الـ (B7)، وآخر الكلاشينكوف و... هرعوا إلى خارج الخيمة. وحين رأى هؤلاء الثلاثة أنّ الإخوة حملوا السلاح، لاذوا بالفرار. خرج الجميع من خيامهم وراح كلّ شخص يدلي بدلوه: "من المؤكّد أنّهم أصحاب الغنمة".

- لا يا عمّ!... لكن كائنًا من كان، فقد ميّزتهم قاماتهم الطويلة جدًّا!

- لا نعلم من أين جاؤوا وأين اختفوا!

 

140


132

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

انتشر الإخوة في المحيط بحثًا عنهم، لكن، مهما فعلوا لم يجدوا لهم أثرًا. دار اللّغط حول المسألة، وسرت شائعة تقول إنّهم وجدوا ثلاث نساء في الكتيبة! سرعان ما وصلت سيّارة الإسعاف ونقلت ذلك المسكين الذي أُغمي عليه. بدأت أرجّح أنّ هذا العمل هو من صنع الفصيل الأول، وحين قلت ذلك للإخوة اعترضوا وقالوا: "على أيّ أساس تبني كلامك، وهل هكذا يكون المزاح؟!".

ــ لا يوجد هنا عربيّ أو غريب. أيًا كان من فعل ذلك فهو أحد منّا. وإلّا كيف يمكن أن يختفوا في ظرف دقيقة واحدة؟!

 

في صباح اليوم التالي، استدعانا السيّد أصغر إلى المراسم الصباحيّة، وأنّبنا كثيرًا: "أيّها الإخوة! ما حدث بالأمس، كان عملًا شنيعًا! لقد ساءت حال أخ من الإخوة و...". طأطأنا رؤوسنا إلى الأرض، ونحن نستمع إلى كلامه، لكنّني كنت واثقًا بأنّ الفصيل الأول هو من قام بذلك الفعل، وفكّرت في ردّ الصاع إليهم. فيما بعد، تبيّن أنّ ظنّي وقع في محلّه، وأنّ ذلك الشخص الطويل ما هو إلا واحدٌ من عناصر الفصيل الأول ويُدعى "حسين ركبار". أمّا العنصر الذي فقد وعيه فكان مسعفًا، ولم يعد بعد تلك الحادثة إلى كتيبتنا!

 

في الفترة التي كنّا فيها في "جنكل أباد" أحببت طبيعة المنطقة، وصرت أقضي أوقاتي في تلك الأنحاء بعد الفراغ من التدريب الذي يستغرق أربع أو خمس ساعات يوميًّا. عاشت بين الأشجار هناك طيور كثيرة، أحببت صغارها، وجلبت عدّة أعشاش إلى الأشجار المجاورة للمجموعة، ورحت أضع لها كلّ يوم ما يتبقّى من الأرزّ، وأستمتع بمنظر الأمّهات وهنّ يطعمن فراخهنّ. ذات يوم سمعت السيّد أصغر يقول: "إنّ بعض الإخوة هنا أصبح لاعبًا بالحمام!" (كشّاش حمام). ليأتِ الآن وليقسم،

 

141


133

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

يا عم! أنا لست لاعبًا بالحمام، أنا فقط أقدّم لهذه الطيور ما يتبقّى من طعام الإخوة. وبسبب كلام السيّد أصغر، صرت قلّما أذهب إلى هذه الأعشاش، ما جعلها في النهاية تترك المكان.

 

كانت المشاركة في المراسم الصباحيّة إلزاميّة، لكن أحد الإخوة راح يتهرب من المشاركة فيها وفي التدريبات، ويصرّ عليّ أن يعدّ الشاي بدلًا منّي بشرط أن أعمل كي لا يلحظ أحد تغيّبه أثناء تعداد الأسماء في المراسم الصباحيّة! وافقت على الأمر، وفعلت ما طلب منّي ليومين أو ثلاثة. صرت عندما أعود، أرى الشاي مُعدًّا والفناجين مصفوفة بكلّ ترتيب، أمّا هو فلا أثر له. وقد اتّضح فيما بعد أنّه وأثناء المراسم الصباحيّة، يصعد فوق أشجار البلّوط ـ التي سمّاها الإخوة "البالوت" بحيث لا يراه أحد من بين أغصانها وأوراقها، ويدخّن السجائر بعيدًا عن أعين قادة الكتيبة! وقد فتّش الإخوة عنه مرّات عدّة ولم يجدوه.

 

اعتدنا الذهاب بعد تناول الفطور إلى التدريب. ولأنّنا من العناصر القدامى، ومعظم التدريبات مكرّرة بالنسبة لنا، كنّا نكثر من المزاح، الأمر الذي لم يرق بعض المدرّبين. كان "التحرّف"[1] أحد تماريننا في مادة الطبوغرافيا، فدأب قائد سريّتنا السيّد صمد وقبل تحرّك العناصر، على السير مع عنصر أو عنصرين طبقًا لانحراف محدّد. على سبيل المثال، خمسمئة متر بانحراف معين، وألف متر بانحراف آخر، وفي نهاية كلّ انحراف، يتم وضع الماء وعصير الفاكهة المعلّب، والبسكويت، لكي يتناولها العناصر الذين يصلون ليلًا إلى تلك المناطق. عادةً ما كان يُعلن بعد الانطلاق من خلال الجهاز مقدار المسافة التي علينا أن نقطع وبأيّ انحراف. كان تمرينًا جيّدًا، لكنّه أوقعنا ذات ليلة في مشكلة


 


[1] أو "الانحراف بزوايا"، (التدرب على المسير مع توجيه البوصلة في زوايا وتحرفات محددة).

 

142


134

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

كبيرة. انطلقنا، وبعد قطع مسافة من الطريق، تمّ الإعلان عبر الجهاز اللاسلكي بأنّه يجب علينا التقدّم بانحراف 45 درجة. سرنا على هيئة طابور مسافة كيلو متر، وأنا بقرب عنصرين هما ابن خالي علي نمكي و"السيّد علي أكبر مرتضوي" من أهالي هريس، وكان الإخوة ينادونه بـ "بابا" مع أنّه من جيلنا. تقدّمنا قليلًا وإذا بي أرى صندوقًا مملوءًا بقذائف الـ(B7) قلت: "بابا! أتعلم، إمّا أن نكون قد أخطأنا بتطبيق درجات الانحراف، أو أنّهم اشتبهوا فيها، هنا يوجد مخزن ذخيرة، ولا يسمح لأحد بالاقتراب، فكيف أخذوا هذا الانحراف و...". لم أكد أنهي جملتي حتّى علت الأصوات في المكان: "توقّف!... توقّف!".

 

يبدو أنّ حرّاس مخزن الذخيرة كانوا يتناولون الطعام حين سمعوا أصواتنا ورأوا طابورًا من العناصر يدخل محيط مخزن الذخيرة! فتأهّبوا مباشرةً، وراحوا يصيحون بنا: "توقّف... توقّف"، وقطعوا علينا الطريق وحاصرونا.

- لا تتحرّكوا! إن فعلتم ستنفجر الذخيرة!

- ألقوا بأسلحتكم إلى الأرض!

 

كانوا يتكلّمون الفارسيّة، ومهما قلنا لهم إنّنا منكم ودخلنا خطأ إلى المنطقة، لم يقبلوا منّا. تقدمّوا نحونا بحذر، وراحوا يركلون الإخوة ليباعدوا بين أرجلهم. فتّشوا الجميع جيّدًا، أخذوا الأسلحة، ومن ثمّ راحوا يسألوننا من نحن ومن أين أتينا؟ بعدها، اتّصلوا بالمقرّ ليتبيّنوا صحّة أقوال مسؤولنا. بقينا تلك الليلة هناك، إلى أن تمّ الاتّصال من المقرّ بفرقة عاشوراء، ومن الفرقة بكتيبة الإمام الحسين عليه السلام، ومن الكتيبة بالسرية واتضحت المسألة. مع انبلاج الصبح عدنا إلى نقطة تمركزنا. وفيما كنت أمرّ من أمام دشمة الأخ "صمد زبردست" وقع نظري عليه فقلت له: "أخ صمد، سأمشي بانحراف 45 درجة!" ،وانتشر

 

143


135

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

كلامي بين الإخوة. ومنذ ذلك الوقت صرت كلّما قلت هذه العبارة للأخ صمد يستاء ويقول: "بالله عليك يا سيّد لا تقل هذا الكلام بعد!".

 

في تلك الظروف التي استمرّت قرابة الشهرين، شعرنا بالوقت يمضي بنحو أسرع مع هذه الأحداث والمشاكسات، بينما كانوا في وحدة المعلومات والاستطلاع والمقرّ يعملون على جمع المعلومات وإعداد الخرائط للعملية القادمة، فيما انتظرنا جميعًا أوانها.

 

ترك عدد من العناصر المنطقة الحرجيّة وذهبوا في إجازة، أمّا نحن الذين انتقلنا حديثًا إلى الأهواز، فقد علمنا بإنشاء مخيّم جديد لفرقة عاشوراء يقع بالقرب من مثلّث الحسينيّة على بعد 35 كلم من "خرّمشهر"، وقد أُطلق عليه اسم "مخيّم شهداء خيبر".

 

تزامنت تلك الفترة مع أيام شهر رمضان المبارك، وكي لا يبطل صيام الإخوة تقرّر نقلهم إلى المخيّم عند العصر، ليعملوا طوال الليل، وعند الفجر يرجعونهم إلى الأهواز. وخاصة أنّه لا يمكن تحقيق إنجازات أفضل في تلك الأجواء الحارة جدًّا سوى في جوف الليل، حيث للعمل تحت النجوم رونقه وصفاؤه الخاصّ. كانت المنطقة عبارة عن صحراء ممتدّة، عملت الجرّافات فيها من قبل على حفر أماكن للدشم بعمق مترين ونصف، وأبعاد مترين بثلاثة أمتار. وتوجّب علينا تعبئة أكياس التدشيم بالرمل وبناء الجدران بها، وغطّينا سقف الدشمة بألواح من الخشب، وثبتنا عمودًا في وسط الدشمة كدعامة للألواح، ثمّ وضعنا على الألواح عوارض خشبيّة وغطّيناها بالنايلون، لنهيل بعدها التراب عليها. استمررنا في هذا العمل عدّة ليالٍ متتالية، إلى أن كان التعب يحلّ على الإخوة ما بين الثانية والثالثة بعد منتصف الليل فيلتقط كلّ واحد منهم بطانية ويأوي إلى زاوية لينام فيها.

 

144


136

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

ذات ليلة استفقت من نومي إذ سمعت هديرًا عاليًا. صعب عليّ الاستيقاظ من شدّة التعب، لكنّ الهدير بات يشتدّ كلّ لحظة. فكّرت انه لا بد سوف ينقضي وينتهي. لكنّه لم ينقضِ وينتهِ. رفعت البطانية عن وجهي وأنا نصف نائم، وأدرت وجهي وإذ بي أمام عجلات جرّافة! أطار الرعب النوم من عينيّ! وفي ثانية واحدة نهضت ولذت بالفرار فتوقّفت الجرّافة بعد لحظات! بعد عدّة دقائق علمنا ما حدث. كان بين العناصر شخص يُدعى "محمّد" وهو من شباب الإعلام، ومسؤول التنسيق في (لجنة) بناء المسجد، لكنّه لم يكن ينسّق مع أحد، لا فيما يتعلّق بالمسجد، ولا حتّى فيما يتعلّق بدشمته، وحين نسأله عن الأمر يقول: "سآتي يومًا ما بجرّافة وأقوم بعملي". وعلى ما يبدو، فقد قرّر تلك الليلة القيام بعمله وجاء بالجرّافة! كان سائقها من أهالي "بناب"، وحين رأى البطانيات منتشرة على الأرض ظنّ أنّ الإخوة قد تركوها وذهبوا، وحتى محمّد نفسه الجالس إلى جانبه، لم يعلم بأنّ تحت كلّ بطانية ينام وأحد من الإخوة. قال السائق: "أسفت لفكرة تمزّق البطانيات تحت عجلات الجرّافة، ففكّرت بأن أمرّ من فوقها بحيث لا تدوسها العجلات وتبقى سالمة، وأتمكّن من رفعها". صادف أنّ البطانيات كانت متناثرة هنا وهناك، لكنّه بالفعل، تفنّن في المرور فوق ثلاثة منها كانت مصفوفة وراء بعضها البعض! والمحصّلة، أنّ سائق الجرّافة ذُهل حين اتّضح له الأمر ، فترجّل من الجرّافة من دون أن ينبس بنت شفة، أو يأتي بأيّ حركة. لم يصدّق الإخوة الذين مرّت الجرّافة من فوقهم ما حدث، وجُرح فقط رأس ابن خالي علي نمكي عندما لامسته عجلات الجرّافة المطّاطيّة. بلطف الله وعنايته، لم يحدث شيء للإخوة في تلك الليلة، ولكنّهم أطلقوا لقبًا غير ملائم على عنصر الإعلام بسبب تصرّفه غير المسؤول، وناديناه به لمدّة طويلة!

 

 

145

 


137

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

كان مخيّم شهداء خيبر كأرض كربلاء، صحراء قاحلة وحارّة. يُقال إنّ درجة الحرارة هناك فاقت الـ 55 درجة، فاحتجنا نسمات مُرطّبة كي تلطّف الأجواء، وقد وجدناها. كان الجوّ حارًّا لدرجة أن يذوب قالب الثلج أثناء نقله من مقرّ التجهيزات إلى الدشمة التي تبعد عنه مسافة مئة متر، لتبقى منه قطعة صغيرة فقط، فنعمد إلى وضعها في البرّاد البلاستيكي الموجود في الدشمة. أمّا مياه الخزّانات فكانت تسخن إلى درجة لم يكن من الممكن استعمالها بسهولة طوال النهار حتّى للوضوء. يقولون لو أنّ بيضة وضعت في الخارج لنضجت! كنّا نمضي الوقت في الدشم التي بُنيت تحت الأرض، لأنها كانت أبرد نوعًا ما. استهدفت قذائف العدوّ المدفعيّة، المصنّعة فرنسيًّا، المخيّم مرّات عدّة، وتسبّبت لنا بخسائر، لذلك كنّا نتجنّب التجمّع قدر الإمكان. كانت جميع كتائب الفرقة مستقرّة هناك ما عدا قسم التجهيزات، والمواقع يتصل بعضها ببعض عبر الطرق الترابية. أحيانًا، كانت تمرّ سيّارة من أمامنا ونحن عائدون من الحمّام، فتعفّرنا بالتراب من رأسنا إلى أخمص قدمينا. أمّا المراسم الصباحيّة، فتقتصر على قراءة آيات من القرآن الكريم خوفًا من مدفعيّة العدوّ، ثم تتفرّق السرايا الواحدة تلو الأخرى، لتعدوَ في المسار المحدّد لها. كانت المسافة بين مدخل مخيّم شهداء خيبر وطريق الأهواز ـ خرّمشهر لا تتجاوز الكيلومتر الواحد، أمّا مكان استقرار الكتائب فيبعد عن الشرطة العسكريّة للمخيّم قرابة 5كلم. اضطررنا كلّ صباح لقطع هذه المسافة ركضًا حتى نصل إلى الطريق فنعود، وهكذا وصلت المسافة التي نقطعها إلى قرابة الاثني عشر كيلومترًا. وبالطبع، يتراجع عدد الإخوة في طريق العودة إلى النصف، فبسبب الحرّ الشديد، وطول المسافة، كان البعض يُصاب بالإعياء، أو يُغمى عليه...

 

146


138

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

في تلك الظروف وجدنا لعبة كرة القدم أحد الأنشطة التي نشغل بها أنفسنا. فعدا المراسم الصباحيّة، والتدريبات، بتنا نلعب كرة القدم يوميًّا، وكان لهذه اللعبة معي حكاية أخرى! لم أكن منذ البداية أحبّ الحذاء العسكري، وحتّى في العمليات كنت أفضّل انتعال حذاء كتّانيّ، لأتحرّك بنحو أسرع وأخفّ. وفي المخيّم أيضًا كنت غالبًا ما أتنقّل حافي القدمين، لذا، صار الإخوة ينادونني "اياق يالين"[1]. ومن شدّة ما مشيت في الجوّ الحارّ وعلى الرمال اللاذعة، أصبحت قدميّ قويّتين وقاسيتين. اعتدت لعب كرة القدم حافيًا، لكنّني أحيانًا كنت أركل الإخوة بضربات تهشّم أقدامهم داخل الحذاء العسكري! بالطبع، لم نكن نجيد اللعب على أصوله، ما عدا علي نمكي فقط، فيما صرتُ أغشّ في اللعب إلى درجة ترتفع فيها صيحات اللاعبين! عادة ما كنت وعلي نمكي، و "علي رضا فغاني" و "علي قره"[2] نلعب في فريق واحد، وجميعنا نغشّ في اللعب. ذات يوم، ارتكبنا عملًا مشينًا. فقد تقدّم حارس مرمانا إلى الأمام وترك المرمى خاليًا! وما هي سوى لحظات، حتّى توجّه شخص من الفريق الخصم نحو مرمانا. فورًا، ركلت رِجْله لآخذ الكرة منه، فسقط أرضًا. بعد لحظات، نهض وتوجّه نحوي مندهشًا. كان يرمقني بنظرات ظننت معها أنّه جاء ليضربني! لكنّه نظر إلى قدمي الحافية بتعجّب وقال: "يا فتى! لقد كسرت رجلي داخل الحذاء العسكري، كيف هي رجلك هذه؟!".

 

في السريّة كنّا فصيلين جيّدين، شباب حذقين وأذكياء انسجمت عقولنا فيما بينها، وبين فترة وأخرى كرّرتُ وبعض الإخوة الفرار من المخيّم. وحيث نُصبت الأسلاك الشائكة حوله، فقد حدّدنا مكانًا حفرنا

 


[1] حافي القدمين.

[2] كان الإخوة ينادونه "علي سياه" (علي الأسود)، لأنّه كان داكن البشرة.

 

147


139

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

فيه تحت هذه الأسلاك ليكون مهربًا سهلًا لنا. أحيانًا كنت أغادر خلسة مع علي نمكي، وعبد الحسين أسدي، و"علي رضا فغاني"، و"يعقوب نيكبيران" من المخيّم، ونذهب إلى الأهواز حيث نبقى ليوم أو يومين. ولأنّ المراسم الصباحيّة كانت مختصرة، لم يلفت الأنظار نقص عدد العناصر وازدياده. ورغم انتباه مسؤول فصيلنا "يوسف"، إلا أنّه تعامل معنا بنحو جيّد واحترمنا لكوننا أقدم منه في العمل، ولم يتوقّف عند المسألة كثيرًا.

 

ولو قبض حارس المخيّم علينا متلبسين، لكنّا عوقبنا عقابًا شديدًا. لكنّ الشباب كانوا حذقين لئلا يلتفت أحدٌ لهروبهم. حتمًا، عندما كنّا نعود إلى المجموعة، يشرع الإخوة بالتعليق على ذلك ممازحين: "الحمد لله على السلامة" و"أهلًا وسهلًا".

 

أحمل آسفًا ذكريات مؤلمة أيضًا من "مخيم شهداء خيبر". ذات يوم خرجنا من المخيّم قاصدين الأهواز. وقفنا إلى جانب الطريق بانتظار سيّارة تقلّنا، ومهما لوّحنا بأيدينا للسيّارات المارّة، لم يكن ذلك يجدي نفعًا، لأنّها إمّا تكون ممتلئة بالركّاب، أو أنّ السائقين يمتثلون لتعليمات القيادة بعدم التوقّف للعناصر على الطريق لأسباب أمنيّة. وفيما ننتظر إلى جانب الطريق الترابيّة، وإذ بآلية "إيفا" تظهر من بعيد. وما إن مرّت بالقرب منّا، حتّى رجعت فجأة نحونا وباغتتنا! قفزت وأحد الإخوة إلى الخلف، وصدم السائق ثلاثة إخوة ولاذ بالفرار. شعرت بدمائي تغلي في عروقي. وقع الجرحى من شباب تبريز، لكنّني لم أعرف أيّ واحد منهم، واستُشهد منهم في نفس اللحظة أخ سُحق جبينه، وأُصيب الشخصان الآخران بجراح عميقة. حرنا في أمرنا وكنّا غاضبين، إلى أن وصلت سيّارة تويوتا من فرقتنا، ومباشرةً وصلت سيّارة الإسعاف. وضعنا جسد

 

 

148


140

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

الشهيد والجريحين داخل سيّارة الإسعاف، وانطلقنا بسيّارة التويوتا نفسها. وفي الطريق تراءت لنا آلية الـ"إيفا" من جديد، وفجأة انحرف سائق سيّارة الإسعاف عندما تفاجأ بسيّارة أمامه، فانقلبت عن الطريق أمام أعيننا ثلاث أو أربع مرّات.. يا لها من مصيبة! لم نتوقّف وأسرعنا لنلحق بآلية الـ"إيفا"، ومن خلفنا أتت السيّارات لنجدة من في سيّارة الإسعاف. في النهاية، وصلنا عند نقطة التجهيزات إلى آلية الـ"إيفا"، وهي النقطة المحددة لتوقّف السيّارات. اعتقلنا الشخصين اللذين كانا يركبان السيّارة، وتركناهما عند نقطة الحراسة، وعدنا مباشرة إلى مكان الحادث الذي وقع لسيّارة الإسعاف. وجدنا أنّ الجريحين سُحبا منها، ولحسن الحظّ لم يصابا بإصابات جديدة. عدنا من جديد إلى مكان التجهيزات، وأحضرنا راكبي آلية الـ"إيفا" إلى مقرّ الفرقة، وسلّمناهما إلى مركز القيادة. كنّا نعلم أنّ مركز القيادة وجريًا على العادة، سيحوّلهم إلى قيادة الأركان لينالوا جزاءهم. لم يغب عن بالي لمدّة طويلة، مشهد ذاك الجرم الشنيع، وشهادة ذلك الشهيد المظلوم. كانت الجبهة ملأى بالعناصر المخلصة والمضحّية، لكن كان فيها أيضًا منافقون يندسّون بين الإخوة، ويتحّينون الفرص لبثّ سمومهم.

 

بقيت مسؤوليّتي في الفصيل إعداد الشاي كما في السابق، وأقبلَ الإخوة على شربه لرفع عطشهم والتعويض عن قلّة ماء الشرب وشحّه في تلك الصحراء. أحبّ جميع الإخوة في الفرقة الشاي، لكنّ إعداده في مخيّم شهداء خيبر لم يتيسّر بسهولة نظرًا لقلّة وجود النفط. أعددت إلى جانب دشمتنا موقدًا صغيرًا من الطين، ووجدت خرطومًا، مددته إلى داخل الموقد ليتقاطر منه النفط نقطة نقطة، وصرت دائمًا أوقد النار في هذا الموقد لأعدّ الشاي. وحيث طبيعة المنطقة صحراويّة، ليس

 

149


141

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

فيها شيء من العشب والحطب لإشعال النار، فقد ازدادت أهميّة النفط عندنا، خاصّة أنّه كان يوزّع بكميات قليلة أيضًا، ثلاثة غالونات لكلّ الكتيبة. لكن لم نقصّر نحن أيضًا، وسعينا لتأمينه لفصيلنا بأيّ طريقة. دأب الإخوة في التجهيزات على توزيع النفط على شكل حصص، وذلك أوّلًا لملء المصابيح والمدافئ (ببّور علاء الدين) التي احتجناها ضروريًا لتسخين الطعام، ومن ثمّ تنال السرايا ما يتبقى منه لتقوم كلّ سرية بتوزيع النفط على فصائلها. وبالمحصّلة كانت حصّتنا لا تكفي حتى لتحضير الشاي، لذا، فكّرنا أن نؤمّن النفط بأنفسنا.

 

شكّل بضعة شبّان مع "علي ذو الفقاري"، "يونس بهجت نيا"، "محمّد ميلاني" مجموعة الشغب، فقامت بكلّ شيء على الأصول، شقاوتها، قتالها، وأيضًا عبادتها. قرّرنا وهؤلاء الأصدقاء غزو خيمة التجهيزات وسرقة النفط منها. هذا والحال أنّ التجهيزات كانت تحت إشراف أشخاص أمثال "حسن باتك" و"أيّوب عمو اوزوم سويي"[1]، اللذين كانا أقوى منّا في الهجوم المضادّ بأضعاف مضاعفة! بالإضافة إلى ذلك، تميّز حسن باتك بالشجاعة، وقصص هجوماته المضادّة جديرة بالسماع!

 

ذات يوم وبينما كنّا نبني دشمة، رأيت حسن يتوجّه نحونا. ومن شدّة إتقانه للهجوم المضادّ، صار الإخوة ينادونه بلقب خاص. قال لي الإخوة: "انتبه! إنّه آتٍ ليأخذ العربة النقّالة منّا". قلت: "إنّ العربة النقّالة في يدي! فليأتِ لنرَ كيف سيأخذها منّي!". وصل حسن ونظر إلى الدشمة. أثنى على عملنا وساعدنا قليلًا، فملأ عدّة أكياس رملًا، ونقل بعضها من مكان إلى مكان، وأنا لا أعلم من أخذ العربّة النقّالة! بل انتبهت فجأة إلى أنّها ليست معي ولا مع الإخوة، ورأيناها بعد ساعات في خيمة التجهيزات.

 

 


[1] "عمو أيّوب عصير العنب"! رحم الله السيّد علي أكبر مرتضوي الذي أطلق عليه هذا اللقب في شعر له، فصار الإخوة ينادونه بهذا الاسم!

 

150


142

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

ولي مع حسن باتك ذكريات مشتركة. ذات يوم كنت وحيدًا في طريق العودة من إجازة، وقد أزعجتني من أوّل الطريق فكرة ذهابي من تبريز إلى الأهواز وحدي، وخاصّة أنّهم أوصوا جميع المجاهدين بأن لا يُشرّعوا الأبواب للأحاديث الجانبيّة عندما يكونون وحدهم في المدن وعلى الطرقات، إذ من الممكن للطرف المقابل أن يأخذ من هذا الحديث معلومات قد تشكّل خطرًا على العملية. باتت هذه التوصية واحدة من وسائل حفظ المعلومات وحمايتها، وكنّا جميعًا ملتزمين بها. ظننت أنّني سأظلّ بلا رفيق إلى أن أصل إلى الأهواز. وفيما أنا أفكّر بهذا الأمر، وإذ بي أرى حسن باتك جالسًا على المقعد الأمامي فانفرجت أساريري. بدّل حسن مكانه وجلس إلى جانبي، فتيقنت حينها بأنّني سأقضي وقتًا ممتعًا حتّى وصولي إلى الأهواز. وفي الطريق، تعرّفت إليه أكثر. سألته عن عمله في المدينة، فقال إنّه سائق حافلة في شركة النقل العام، وإنّه يعمل على خطّ "مارالان". عندما توقّفنا في أحد المطاعم لتناول الطعام، قدّموا لنا طعامًا بائتًا ورديئًا. فعلًا، دفعنا المال لقاء طعام غير صالح للأكل، لكن لم تكن باليد حيلة، وأكلنا منه مكرهين لسدّ جوعنا قليلًا، وقمنا لنصلّي. وفي الأتوبيس قال لي حسن: "ظنّنا صاحب المطعم أغبياء!". فسألته: "كم كانت خسارتنا؟!"

- مئة تومان! لكن اصبر!

 

قال هذا، ومدّ يده إلى جيبه وأخرج منها ملعقة، سكّريّة، مملحة، وفنجان و.. وكان يصفّها واحدةً واحدةً على ركبتيه ويقول: "هذه السكّريّة بعشر تومانات، وهذه الملعقة بخمسة تومانات، و.."، قلت له بتعجّب: "إذًا، لم نتكلّف أيّ خسارة!".

 

حين كنّا في "جنكل آباد"، عانينا نقصًا في التجهيزات إلا في الذخيرة.

 

151


143

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

على سبيل المثال، عانى الإخوة نقصًا في الأحذية العسكريّة، وحتّى في الخبز والطعام. يومذاك، ركب حسن باتك سيّارة تويوتا قاصدًا مقرّ فرقة أخرى، وهو يبتغي الصلاة في المسجد. بعد الصلاة، وحين كان خارجًا، التفت إلى أنّه لا أحد سبقه، فباشر العمل، أحضر التويوتا إلى جانب المسجد، ونقل كلّ الأحذية العسكريّة إلى صندوق السيّارة! وحين أتى إلى الكتيبة، حُلّت مشكلة الأحذية العسكريّة! صادف أن شاهد تلك الليلة أيضًا في ذلك المكان حمّامًا متنقّلًا، فذهب لاحقًا لاستطلاع المنطقة، وفي الليلة التالية ذهب بسيّارة التويوتا إلى هناك، وربط الكبينة بصندوق السيّارة. وفيما هو خارج من ذلك المقرّ، اعترضه عناصر من الجيش وقالوا له: "حسنًا فعلت! نحن أيضًا نريد نقل الحمّام إلى هذه الناحية من الطريق، تعالَ الآن لنتكلّم معًا!"، ردّ حسن عليهم قائلًا: "حاضر"، ومشى خلفهم. كان عناصر الجيش يسيرون أمامه ببطء وهم يشغّلون المصباح الكاشف، وما إن وصلوا إلى الطريق العام، حتّى ضغط حسن على دوّاسة البنزين! وابتعد بسرعة عن المكان، وجلب الحمّام إلى كتيبتنا. لم يعرفه أحد تلك الليلة، ولم يعلموا لأيّ فرقة ينتمي ليتابعوا القضيّة. وإنّما أُضيفت ذكرى أخرى إلى ذكريات هجوماته المضادّة، وسهّل الحمّام علينا أمورنا.

 

الخلاصة، أنّ حسن باتك في تلك الفترة، كان يخدم الإخوة جيّدًا بهذه الطريقة. ذات مرّة أخبرنا بنفسه القصة التالية. قال: "كنت آتيًا من طريق مقرّ خرّمشهر، فرأيت السيّارات قد اصطفّت هناك. وجّهت صندوق التويوتا باتّجاه صفّ السيّارات، ترجّلت منها، ووضعت المفاتيح على السيّارة. وفورًا ملأوا صندوق السيّارة ونادوا على السائق، لكنّني لم أجب! عندما رأوا أنّه لا أثر للسائق والسيّارات الأخرى منتظرة، جرّوا السيّارة باتّجاه الطريق وتابعوا عملهم. ولمّا انشغلوا كلّيًّا، أدرت السيّارة وابتعدت من هناك! لا زلت أذكر أنّ مقدار الزبدة بعد ذلك المقلب، كان كبيرًا جدًّا في

 

152

 


144

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

مركز التجهيزات، بحيث صرنا نأكلها مع كلّ وجبة غذائيّة!".

 

مع كلّ تلك الأحداث التي عرفناها، قرّرنا أن نغزو أمثال "حسن باتك"!

 

في البداية وضعنا خطّة، وانتظرنا إلى وقت استراحتهم لننجز مهمّتنا. لم يكن عناصر التجهيزات عادة يشاركون في المراسم الصباحيّة، وكانوا ينامون من بعد أذان الصبح إلى حين موعد تقديم الفطور. بقينا حول الخيمة منتظرين نراقبهم واحدًا واحدًا، إلى أن حملنا غالونًا من الغالونات التي خبّأوها تحت الخيمة، وابتعدنا عن المكان مسرعين، وإذا بمسؤول الدعم في السرية ينبت أمامنا! كان شخصًا قويّ البنية وضخمًا من أهالي "خسروشهر". ما إن رأى الغالون في يدنا حتّى فهم كلّ شيء: "أين تأخذون هذا الغالون؟".

- إنّه لنا!

- لا، إنّه يخصّ أحد السرايا. بالمناسبة، في كلّ سرية قيادة، اتّصالات، تجهيزات و.. وبعدها يأتي دور فصيلكم..

 

قلت: "انظر إليّ واسمع ما أقول لك. إنّني لن أسلّم هذا الغالون لأيّ شخص كان! لا إلى السرية! ولا إلى الكتيبة! إمّا أن آخذ الغالون إلى دشمتنا أو أريقه هنا على الأرض!". كان تهديدًا كبيرًا، لكنّه لم يصدّق. قال: "لا تستطيع أن تريقه على الأرض"، ومن أجل أن أريَه أنّني مصرّ على موقفي، فتحت سدّادة الغالون، وأرقت قليلًا من النفط على الأرض، فارتفع صراخه: "لا! لا! لم أقصد.. خذه واذهب!"، نقلنا الغالون بكلّ عزّة واحترام إلى دشمتنا، وهيّأنا له مكانًا جيّدًا. وليكون في مأمن من هجمات الآخرين وأطماعهم، كنّا نراقبه مداورةً! أستطيع القول، وبكلّ جرأة، أّنًنا كنّا الوحيدين في مخيّم شهداء خيبر الذين لم يعانوا في إعداد الشاي. في أوضاع المخيّم الصعبة، لطالما رفعت تلك المشاغبات

 

 

153


145

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

عنّا رتابة الأيّام إلى حدّ كبير.

 

إنّ حرّ المنطقة الذي لا يُطاق من جهة، وعدم الانشغال بأيّ شيء سوى التمرينات نفسها من جهة أخرى، حبسنا نحن الخمسة والعشرون نفرًا في دشمة مساحتها (2,5 م * 3,5 م). طوال النهار لا نستطيع الخروج لشدّة الحرّ، وطوال الوقت لا نستطيع التحرّك داخلها. كثيرًا ما زادت الأزمة حين يتساقط التراب من سقف الدشمة على رؤوسنا أو في طعامنا وشرابنا! مع أنًنا وضعنا عليه شراشف النايلون. وللّيل حكاية أخرى أيضًا، فنظرًا لضيق المكان الشديد، كان بعض الإخوة ينامون على حقائبهم الشخصيّة، أو على وسائل التجهيزات، حتّى على الثلّاجة! ولكن معظم الشباب يؤدّون صلاتهم جماعة في مصلّى الكتيبة. أمّا بالنسبة لصلاة الليل فقد بات من الواضح جدًّا أنّه لا مجال لأدائها في الدشمة.

 

ما أثقل الأيّام وهي تمضي ببطء! فإلى متى يستطيع المرء أن يستمر في سرد القصص والأحداث، ويستمع إلى الذكريات ويلعب كرة القدم؟! إضافة إلى ذلك كلّه، كان الحضور الإلزامي في صفوف التمارين، عقابًا فعلًا، وتحمّله أصعب من سائر الأعمال[1]. فمن أجل التخفيف عن أنفسنا رحنا نشاغب أحيانًا كما أطفال المدارس، ونشاكس ونضحك ونقوم بأعمال تضطرّ المدرّب لإخراجنا من حلقة التدريب والتخلّص منّا..! أشار أحد المدرّبين إليّ مرارًا مكرّرًا: "عندما يحضر هذا السيّد في الصفّ، يثير الفوضى!"، وكان يطلب منّي دومًا إمّا أن لا أحضر التدريب،

 

[1] عادةً ما كان يأتي بعد كلّ عمليّة عناصر جدد إلى الكتائب، فكان تدريبهم أمرًا ضروريًّا. أمّا بالنسبة للعناصر القدامى في الجبهة فكان هذا التدريب مكرّرًا ومملًا. لقد كرّرنا التدريبات التي خضعنا لها لأوّل مرّة في "خاصبان" ربما ثلاثين مرّة. كان المدرّبون عندما يروننا يقولون لنا: "إنّنا نخجل من تعليمكم كيفيّة استعمال القنابل والـ(B7) وقد استخدمتموها مئات المرّات". بقيت نفس التدريبات إلزاميّة للعناصر القدامى إلى حين انتقال الفرقة إلى ثكنة "الشهيد باكري" في دزفول حيث اتُخذ القرار بوضع برامج تدريبية لهم تختلف عن تلك الخاصة بالجدد.

 

154


146

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

أو أن أهدأ وأدع الآخرين يسمعون.

 

التدريبات الوحيدة التي حملها حتى العناصر القدامى على محمل الجدّ، كانت الوقاية من السلاح الكيميائي "NPC"، فالاستعداد والتجهّز لمواجهة الهجوم الكيميائي يتطلّب مهارة عالية لا يكفي برأيي لتحققها تكرار الدورة ولو لثلاثين مرة. أحد التمارين في هذه الدورة هو وضع القناع الواقي في ظرف ستّ ثوانٍ، في حال أنّ معظم الإخوة لم يكونوا يستطيعون وضعه في ظرف ستّ دقائق. لم يكن يُسمع همس أحد أثناء تلك التدريبات، فالجميع يتوجّهون بكلّ حواسهم إلى المدرّب. واقعًا، كان من الصعب التحقّق من الهجوم الكيميائي عن طريق حاسّة الشمّ، ثم حبس النفس مباشرةً ووضع القناع في ظرف ستّ ثوانٍ بحيث لا ينفذ الهواء الملوّث إلى الرئتين من أيّ منفذ! ثم يحدّثونا أيضًا حول القنابل الذريّة، وبأنّها تأتي على كلّ شيء ضمن شعاع يتراوح ما بين الـ 60و 100كلم. قلنا لهم عندما سمعنا هذا الكلام: "إذًا ماذا نفعل نحن في هذه الحال؟!"، على الرغم من أنّ المعلومات التي أعطوها عن القنابل مفيدة، إلّا أنّ تصوّرها والتفكير فيها حقًّا أثار رعبنا. توصّلت على امتداد فترة الحرب إلى نتيجة مفادها أنّ القوّات المحاربة في التعبئة والحرس، يخضعون لتدريبات متواصلة ومفيدة، ولهذا صرت أستاء وأتألّم من الأحكام المجحفة لبعض ساكني المدن الذين كانوا يبدون رأيهم فيما يتعلّق بالحرب، ثم يختمون كلامهم بأنّ عدم خبرة قوّات التعبئة والخسائر الكبيرة في صفوفهم، إنّما تعود إلى ضعف التدريب. طوال فترة الحرب، أوجد ضعفنا الإعلامي، تصوير العدوّ عاجزًا، احتلال عناصر التعبئة لتلّة بنداء "الله أكبر"، المعارك البسيطة والخاطفة، صورةً أوّليّة (غير مكتملة) عن الحرب. لكنّ وضع العوائق الكثيرة والمعقّدة جدًّا على امتداد كيلومترات، وحقول الألغام الواسعة، والدشم المثلّثيّة الشكل و.. كانت دليلًا واضحًا على هذا الادعاء، وهو أنّ

 

155

 


147

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

العدوّ، كان أكثر من أيّ شخص آخر على معرفة بقدرة قوّاتنا، ولياقتهم الفكريّة والقتاليّة، وعليه، وضع في الجبهة، بمساعدة داعميه الأجانب، كلّ ما أمكنه من العوائق في طريقنا.

 

من برامج المخيّم، إلى جانب التدريبات العسكريّة، حضور الدروس الدينيّة. واستفاد منها الشباب غالبًا كي يطرحوا المسائل والأحكام الدينيّة عندما يجتمعون في مكان ما. على سبيل المثال، قرأ البعض الصلاة على مسامع الجميع، حتّى إذا ما وُجد فيها إشكال يُحلّ. لم يعيّن هناك شخص محدّد لتصحيح الأخطاء، بل كلّ شخص يعرف معلومة يبادر لذكرها لتحصل الفائدة للجميع. ولكي يكون الإخوة في هذه الجلسات مرتاحين، ولا يخجلوا من الأسئلة التي قد تخطر ببالهم، لزم أن يسود الجمع جوّ حميميّ. لذا، تصدّيت وعبد الحسين أسدي لتقليد كلّ شخص بلهجته وطرح النكات. عادة ما اعتُبِر التكلّم في جمع الحضور بالنسبة للإخوة الترك أمرًا صعبًا، عدا من كان منهم من الطبقة المثقفة أو قارئًا للقرآن، وهم قلّة مقارنة بأعداد المجاهدين. لذا، كنت وأسدي نُضحك الإخوة بلعب كلّ دور نتقنه، فتزول الحواجز بين الإخوة. هكذا لقي مجلس كتيبتنا إقبالًا جيّدًا لدى الإخوة، ومن هناك بدأت قصّة "لوريل وهاردي"[1]. كان أسدي قد لعب سابقًا دورًا في فيلمين، واكتسب معرفة بفنون المسرح. معظم الأوقات، التي استقلينا فيها الحافلة من الأهواز إلى دزفول، كنا ندفع أجرة النقل أوّلًا، وهي تتراوح ما بين الاثني عشر والخمسة عشر تومانًا، وتلافيًا للعطالة والملل طوال


 

[1] "لوريل وهاردي" مسلسل راج كثيرًا في تلك الفترة. يمثل لوريل شخصية النحيل الذي يتميز بالغباء المفرط، أما هاردي فهو البدين الذي يحاول أن يظهر بمظهر الذكي بينما هو ليس بهذه الدرجة من الذكاء، وهما يمثلان في الغالب شخصيتا المواطنين الذين يبحثان عن عمل ويواجهان المشاكل ويعجزان عن إيجاد الحلول السليمة.

 

156


148

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

الطريق لساعتين تقريبًا، يباشر هو بكتابة نصّ مسرحيّ لي وله. كان هو طويل القامة يميل قليلًا إلى السُّمنة، وأنا حينها نحيل جدًّا، فشكّلنا الثنائيّ الكوميديّ السمين والنحيل! وتدريجيا بدانا نقلّد بعض حركات "لوريل وهاردي" وأدوارهما، فناداني "لورل"، وناديته "هاردي". لقد كان عبد الحسين أسدي إنسانًا ودودًا، وهو من أهالي "بندر شرفخانه"[1]، وله أخ استُشهد في الحرب. ورغم أنّه يكبرنا سنًّا، إذ أنّ عمره 35، فقد تحلّى بالتواضع وحسن المعاشرة. والنتيجة، أنّ الإخوة قد حصّلوا تعلّم الصلاة والأحكام في تلك الجلسات، وحصّلت وأسدي على نصيب اسمَي لوريل وهاردي!

 

في تلك الأيّام، نفّذنا مناورات على مستوى عالٍ للإبقاء على جهوزية القوات. كنت أرى أنّ أهمّيّة المناورات لا تقلّ شأنًا عن أهميّة العملية، حيث تُشكَّل فيها بيئة ذات موانع كثيرة، مشابهة لمناطق العمليات الواقعيّة، حقول ألغام، قنوات متعدّدة وعوائق مختلفة. وما جعل العمل في المناورات معقّدًا هو عدم السماح لنا بإطلاق النار، فيما كانت نيران الأسلحة الثقيلة تنهمر علينا، وإن لم نتحرّك في الوقت المحدّد، فمن الممكن أن نتكلّف خسائر في الأرواح مع شروع القصف المدفعي.

 

لديّ مذكّرات عن مناورات كثيرة، لكنّ الأعجب منها كان المناورة التي جرت في مخيّم شهداء خيبر بأمر من قائد فرقتنا "مهدي باكري". فقد زُرعت منطقة بعمق 800 متر بالألغام، وكان ينبغي على فرق الهندسة أن يفتحوا فيها معبرًا. كانت النيران تنهمر على الإخوة بشدّة وبوتيرة واحدة. وبعد حقول الألغام اقتضت المهمة أن نقتحم ساترًا ترابيًّا، يوجد خلفه عدوّ مفترض. وقبل الساتر حُفرت قناة مياه بعمق وعرض ثلاثة أمتار، علينا اجتيازها باستخدام السلالم. شكّل المشي


 


[1] من ضواحي شبستر في محافظة آذربايجان الشرقيّة.

 

157


149

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

على سلالم يتراوح عرضها بين العشرين والثلاثين سنتيمترًا في تلك الظروف عملًا شاقًا بحيث يعاني المرء كثيرًا ليقطع نصفها. فعلًا الأمر صعب، فإذا ما اختلّ توازننا قليلًا سقطنا في القناة. في أثناء المناورات بات يتّضح كم صُرف من جهد على هذا العمل، خاصّة تضحيات شباب المعلومات الذين استطلعوا مواقع الأعداء، وصوّروا دفاعات العدوّ، العوائق والحواجز التي يضعها، والدشم بكلّ تفاصيلها. المعلومات التي كان يجمعها العدوّ عبر طائرات الآواكس، والأقمار الصناعيّة، نحصل عليها نحن بالمقابل من خلال عناصر معلومات العملية هؤلاء، الذين حملوا دماءهم على أكفّهم.

 

إضافة إلى كلّ هذه المسائل، توطدت العلاقة ما بين عناصر الفرقة وقادتها. لقد وقعت لقادتنا منزلة عظيمة في نفوسنا، اعتبرنا أقوالهم وإرشاداتهم بمنزلة أمر واجب الطاعة. ذات يوم، كان من المقرّر أن يأتي "السيّد مهدي" إلى مخيّم شهداء خيبر في زيارة تفقّديّة. انتظمنا جميعًا في صفوف، الكتيبة، السريّة، الفصيل و... حضر قائد الفرقة، ها هو السيّد مهدي يسير أمام قوّات الاقتحام في كتيبته، يتوقّف أحيانًا ويتحدّث إلى العناصر، فيسألهم عن السلاح الذي في أيديهم وعن كيفيّة استعماله، وأحيانًا أخرى يمسك بياقة مجاهد ملويّة فيهندمها بلطف، ومرّة يجثو على ركبتيه ويضيف عقدة أخرى إلى رباط حذاء مجاهد لكونه طويلًا جدًّا. في أيّ مكان من العالم يمكن أن نجد أمثال قادتنا؟! كان يعطينا درسين في آن: درس النّظام والجهوزيّة، ودرس المحبّة والوئام بين أفراد جيش الإسلام. وفي مقابل هذه المحبّة والإخلاص يشتعل استعداد الإخوة للتضحية حتّى بأرواحهم، من أجل تنفيذ أوامر قادتهم.

 

مع اقتراب حلول شهر محرّم، أضافت مجموعات العزاء حماسة

 

 

158


150

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

خاصّة إلى ليالي المخيّم. فعناصر كلّ كتيبة يتوجّهون في مجموعات لطم نحو كتيبة أخرى، لتتلقاهم بالترحاب.

 

أما ليلة عاشوراء في كتيبة الإمام الحسين عليه السلام فلها صخب خاصّ، في وسط الصحراء، وفي ظلمة الليل وتحت الأنوار الضعيفة لبعض المصابيح، يلطم الإخوة الصدور والرؤوس على وقع ترنيمات رواديد الكتائب، ويجعلون من خلوة الصحراء مستودعًا لدموعهم. هناك تناوب على قراءة المجالس كلّ من محمّد رضا باصر صديق الكلّ ومحبوبهم، وخليل نوبري وهو قائد وقارئ عزاء وأستاذ في الـ"زورخانه"[1]. غالبًا ما انتهت مجالس العزاء واللطم بقراءة دعاء التوسّل، وفي ليالي الجمعة بتلاوة دعاء كميل في مسجد الكتيبة.

 

في فترة من الفترات، سرَت في المخيّم شائعة عن صدور قرار وقف الحرب. لم يكن أحد يملك معلومات صحيحة أو دقيقة، إلّا أنّ هذه الأحاديث انتشرت بسبب سير الحرب والفترات الزمنيّة المتباعدة بين العملية والأخرى. وحينها، قالوا إنّ فريقًا من المراسلين الأجانب قدموا إلى المخيّم، يتراوح عددهم بين الـ40 والـ50 شخصًا، بينهم نساء لم يكنّ يرتدين الحجاب، لذا بقين في السيّارات إلى أن جاؤوا لهن بكوفيّات وضعنها على رؤوسهنّ، ثمّ توجّهن نحو الإخوة. في البداية جرى الحديث بيننا وبينهم عبر مترجم مرافق لهم، لكن سرعان ما تدخّل أحد الإخوة ويُدعى "موسى غفّاري" وكان معلّمًا في اللغة الإنكليزيّة، وشرع بالحوار معهم. التفّ جميع المراسلين حوله وراح هو يجيب عن أسئلتهم بطلاقة، ما زاد من معنويّات الشباب، فأقاموا من جديد حلقات اللطم فيما هؤلاء

 

 


[1] رياضة إيرانيّة قديمة لها أصولها ومكانها الخاصّ الذي تُجرى فيه. ورد تعريف لها في كتاب أولئك 32 فتى.

 

159


151

الفصل السادس: مخيّم شهداء خيبر

يكملون حواراتهم. كانت مراسم عظيمة، الشباب يلطمون الصدور ويرددون المراثي والأشعار، والمراسلون ينظرون إلينا بتعجّب، وكأنّهم قد أتوا ليروا قوّات أصابها الفتور والخمول، وها هي حماسة الإخوة الآن تخالف توقّعاتهم. في نهاية العزاء رحنا نردّد شعارات "الموت لأمريكا، الموت لصدّام، سلام إلى الخميني، حربًا حربًا حتّى النصر"، وبعد ذلك أطلق المعلّم المجاهد فينا عدّة شعارات باللّغة الإنكليزيّة.

 

إنّ الإنجاز الذي حقّقه ذلك الأخ المجاهد وقتها، يوازي من حيث الأهمّيّة السياسيّة تنفيذ عملية. ذلك أنّه أوصل الرسالة وتكلّم عن معنويّات الإخوة ودافعيتهم من دون أيّ تكلف. وبعد ذلك قام المراسلون بتفقّد الدشم والمعاقل، ليتفاجأوا بالجوّ الحميمي بين الإخوة. ففي منطقة تبلغ درجة حرارتها 57 درجة، ومع الإمكانيّات المحدودة في تلك المنطقة الصحراويّة، كان هناك سرّ موجود بيننا، لم يتوقّع المراسلون الأجانب رؤية ملامحه أبدًا.

 

 

160


152

الفصل السابع: موقع زيد

الفصل السابع:
موقع زيد

 

بدأت أخبار العمليات المرتقبة تنتشر في منطقة الجنوب، لقد وجّهت وشُرحت خريطة عمليات موقع زيد، واتُّخذ القرار بإرسال قوّات الاقتحام في كتيبة الإمام الحسين عليه السلام إلى الخطوط الأماميّة لإطلاعها عن قرب على بعض التفاصيل. أثار خبر التحرّك، الحماسة في المخيّم بعد توقف طويل عن تنفيذ العمليات. جمعنا أغراضنا، سلّمنا اللوازم الشخصيّة كما هي العادة إلى الـ"تعاون" *[1]، ووضعنا اللوازم الضروريّة في حقيبة الظهر. انطلقنا قرابة الظهر بسيّارات التويوتا إلى منطقة زيد، ومن مخفر زيد توجّهنا بالسيّارة نفسها على فترات متباعدة إلى المنطقة الهدف، وما إن وصلنا إليها حتّى استلمنا الخطّ من فرقة أخرى. مرّ اليوم الأوّل من دون أيّ حادث يُذكر، غير أنّه تمّ تعيين الحرّاس وإعطاء التعليمات العامة. في اليوم التالي، وُضّحت لبعض الإخوة تفاصيل المنطقة، بما فيها النقاط الهامّة، والنتوءات والمنافذ التي يمكن للعدوّ أن ينفذ منها و...

 

في الليل، كنّا نحرس المنطقة بالتناوب، لكنّ الشباب لم يكونوا مستعدّين لأن يقوموا بالحراسة إلى جانبي، ذلك لأنّني لم أكن أستطيع البقاء هادئًا من دون مشاكسة العراقيّين والتحرّش بهم. كنت أضع

 

 


[1] * أو"الشؤون" هو المركز الذي يعنى باستلام الأمانات من سلاح وأغراض خاصة بالمقاتلين والشهداء، وأيضًا يؤمّن الخدمات الطبية اللازمة، إضافة إلى تسلّم أجساد الشهداء تمهيدًا لتسليمها إلى أهلها.

 

161


153

الفصل السابع: موقع زيد

خوذة على فوّهة البندقيّة وأرفعها، ليبدأ العراقيّون مباشرةً بإطلاق النيران ناحيتها، ثم أغيّر مكاني وأعيد رفعها ليبدأوا من جديد بإطلاق النيران عليها. تعب "علي فغاني" من تصرّفاتي، وكان يقول لي: "سيّد! في النهاية، أنت بأعمالك هذه تقتصّ منّي أنا!".

 

كنت أؤمن بأنّه لا ينبغي لنا أن ندع العراقيّين يرتاحون. بعد ساعة، وعندما نشعر بأنّهم أُنهكوا تمامًا، نرمي عليهم قليلًا حتّى نستكمل إزعاجنا لهم! بالطبع، مكّنتنا هذه المناوشات من معرفة مواقع أسلحة الأعداء، خاصّة مكان تموضع الدوشكا، والثنائي، والمدفعيّة، كما إنّ ردّ العدوّ كان يكشف حتّى موقع دشمة الحراسة، وكان هذا أمرًا مفيدًا.

 

لم تتعدّ المسافة التي تفصلنا في منطقة زيد عن خطّ العدوّ الأوّل الكيلومتر الواحد. لذا تعذّر جمع القوّات في مكان خاصّ، ومع هذا لم نترك أيّامنا تمضي من دون مرح ومزاح. غالبًا ما كنّا نشاكس العراقيّين، فمثلًا عندما أريد الذهاب إلى المرحاض، أمرّ من فوق الساتر الترابي، فيرمون في تلك الأثناء، وإلى أن أصل إلى المرحاض، عدّة قذائف! وبسبب تلك الأعمال، لم يكن أحد مستعدًّا للخروج معي من الدشمة. أمّا مساحة الدشمة الداخلية فكانت ضيّقة بحيث لو ضغطونا جميعًا فيه كالفواكه المعلبة لما اتّسعت لأكثر من ستّة أشخاص. هذا وكانت الدشم التي بنيت على شكل حُفَر ووُضعت الألواح الخشبيّة والعوارض على سطحها، تبقى سليمة حتّى لو سقطت عليها قذيفة هاون 60 ملم. وفي تلك الأيّام الخمسة التي قضيناها هناك، سقطت قذيفة على سطح دشمتنا، فانهارت إلّا أنّ أحدًا لم يُصب بأذىً.

 

امتاز حَفْرُ الأقنية بأنّه العمل الأهمّ في منطقة العملية. كنّا نبدأ بالحفر

 

162

 


154

الفصل السابع: موقع زيد

من وراء ساترنا الترابي، ونضع تحته أنابيب ضخمة يمكن للأفراد العبور من خلالها. وحيث إنّه لا يمكن للقوّات ليلة الهجوم التوجّه إلى منطقة العملية من أعلى الساتر، فقد امتدّت القنوات من الجهة الأخرى للساتر نحو الخطّ الأمامي للعدوّ. تمّ حفر ما يقارب الثماني قنوات من خطّنا حتى خطّ العدوّ، وأوكلوا إلينا مهمّة حفر القناة السادسة. وصرنا نذهب بالتناوب لحفرها على مدى ثلاثة أو أربعة أيّام بنهاراتها ولياليها. كانت القناة قليلة العرض، حوالي الـ35سم، أمّا عمقها فيبلغ 1,5م، أي إذا أراد شخص السير داخلها فعليه أن يسير منحنيًا، وبسبب قلّة عرضها، كان عليه الهرولة بنحوٍ جانبي. والسبب في جعل القناة قليلة العرض هو التقليل من إمكانيّة سقوط القذائف فيها. تتفرّع من كلّ قناة عدّة قنوات صغيرة، بحيث إذا ما قوبل أحد أثناء السير فيها بشخص آخر، يمكن لأحدهما الدخول في القنوات الفرعية، ثمّ يكمل مسيره بعد عبور ذلك الشخص. بدا أنّ العدّو كان يعلم بالتحرّكات الجارية في منطقة العملية، وبأنّ القوّات الإيرانيّة باشرت العمل بحفر القنوات، لكنّه لم يتمكن من تحديد مكانها، لأنّنا دأبنا على رمي التراب الناجم عن حفر الأرض خلف ساترنا الترابي، فتعذر عليه رؤية شيء واضح من البعيد.

 

بلغ طول القناة السادسة حوالي الـ120 م. وقد أنجز التصميم بحيث تتّجه كلّ القنوات الأساسيّة نحو قنوات العدوّ. أمّا الفرعيّة فكانت بمنزلة شِعَب إلى جانب هذه القنوات، يمكن لكلّ مجموعة التوجه منها نحو محورها.

 

كانت منطقة غير عاديّة. سهلٌ واسع، تشكّل فيه سواتر العدو الترابيّة المثلّثيّة الشكل التي صمّمها الإسرائيليّون وضعيةً خطيرة بالنسبة لنا. فإذا ما سقط ضلع من تلك السواتر، أمكن للساترين الآخرين حماية القوّات فورًا، والوقوف أمام تقدّمنا. لذا، فقد طُرحت فكرة إحداث القنوات لتجنّب المواجهة المباشرة لهذه السواتر، إذ كنّا نستطيع من

 

 

163

 


155

الفصل السابع: موقع زيد

خلالها الاقتراب من سواتر الخطّ الأمامي للعدوّ بأقلّ خسائر ممكنة. كان أمامنا عملية صعبة، وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ العدوّ كان يفكّر في خطّة لمواجهة فكرة القنوات، فوضع في المكان الكثير من الأسلاك الشائكة المعقّدة، وربطها بالحبال، حتّى إذا ما تقدّمنا، سحب تلك الحبال لتسقط الأسلاك الشائكة داخل قناته، وتسدّ علينا طريقنا. الحلّ الوحيد بالنسبة لنا كان السرعة في العمل.

 

كنّا نذهب كلّ يوم لحفر القناة، وأحيانًا نواصل العمل في الليل. حيث يسهل أكثر من النهار، إذ كان العدو يمطر المنطقة بوابل من نيران رشّاشاته، أو يرمي القذائف بمجرّد رؤيته لخوذة تلمع تحت نور الشمس. أمّا في الليل فلم نكن نواجه مثل هذه المشكلة.

 

ذات يوم، ذهب أحد عناصر المعلومات إلى إحدى القنوات لشرح الخريطة، فسقطت قذيفة هناك أدت إلى استشهاد جميع من كان في القناة. ومع أنّه نادرًا ما كانت تسقط القذائف في القنوات، إلّا أنّ هذا الحادث كشف بأنّها لم تشكّل الحلّ الأمثل لجميع المشاكل.

 

كان من المفترض قبل يوم أو يومين من بدء العملية، أن يأتي مسؤولو السرايا، والفصائل، ومعاونوهم إلى الخطوط الأماميّة ليطّلعوا عن كثب على التفاصيل اللازمة، وهذا ما حصل، وأُعطي كلٌّ منهم - بالاستعانة بمنظار الكاتيوشا - التعليمات اللازمة بما يتناسب مع مهمة عناصره. في اليوم التالي، ذهبت بعد صلاة الصبح في الموعد المحدّد وبدأت أراقب عبر منظار الكاتيوشا ما يفعله العراقيّون. حينذاك، كانت الشمس تشرق من جهتنا، فتعذرّت عليهم رؤيتنا بشكل واضح، بينما كنّا نرى مواقعهم بكلّ سهولة. وهو أمر مهمّ بالنسبة إلينا أنّ نراقب ماذا يحدث هناك، خاصّة في تلك الليلة المقرّرة لبداية تنفيذ العملية. لمحت شيئًا غير عاديّ، شيئًا يلمع، لم أكن قد رأيت مثله إلى حينها. دقّقت النظر، إلى أن

 

 

164


156

الفصل السابع: موقع زيد

تأكّدت أنّ ما أراه حتمًا ماء! ذهبت بسرعة أبحث عن "حسين كربلائي" الذي كان مسؤول المحور، وأخبرته بالأمر. ذهب وألقى نظرة، ومباشرةً أطلع المقرّ بالأمر. تبيّن أنّ العراقيّين عزموا على غمر المنطقة بالماء. جاء الإخوة من المقرّ أيضًا، وألقوا نظرة، ليصدروا الأوامر بعدها، بنقل كلّ ما وضع داخل القنوات إلى خارجها بأسرع وقت ممكن، ومنها بعض الرفوش والمعاول والأهمّ من ذلك كلّه، الذخائر المهيّأة ومن المفترض استخدامها في العملية. باشرنا العمل فورًا، وأخرجناها من القنوات. استغرق ذلك ساعةً من الوقت. في نهاية الأمر، بدأت المياه تصل شيئًا فشيئًا إلى قنواتنا، وملأتها بالكامل! كان من الواضح أنّه تمّ اكتشاف أمر العملية[1]. استمرّ جريان المياه، فباشرنا العمل للحؤول دون وصولها إلى ما وراء سواترنا الترابيّة. وبتعاون الجميع، تمّ سدّ الأنابيب الضخمة التي وضعناها تحت سواترنا الترابيّة كمدخل للقناة، بأكياس الرمل، ليتوقّف جريان الماء خلف السواتر.

 

قرابة الثانية من بعد الظهر، جاءتنا الأوامر بالانسحاب. لم يكن إلى جانب القوّات الأصفهانيّة من فرقة عاشوراء في منطقة العملية سوى كتيبة الإمام الحسين عليه السلام، والمفروض أن تعود إلى مخيّم شهداء خيبر وتسلّم الخطّ إلى كتيبة أخرى. وفي تلك الأثناء، سقطت قذيفة مدفعيّة وسط الإخوة، فجُرح بعضهم، بمن فيهم المسعفون. إلى ذلك الوقت لم أكن قد تناولت شيئًا من الطعام ما أشعرني بجوع وعطش شديدين. ركبنا سيّارة التويوتا وهي على وشك التلاشي بفعل الرصاص والشظايا والحفر والفجوات في الجبهة، لذا أطلق عليها الإخوة اسم "داشقا"[2]. ظهرت من الجهة الأخرى سيّارة تجهيزات تابعة لفرقة أصفهان، وزّعت


 


[1] يبدو أنّ العراقيّين بدأوا قبل عدّة أيّام ضخّ المياه من قناة السمك إلى منطقة العملية. إذ لا يمكن في ظرف يوم واحد ضخّ ذلك المقدار الهائل من المياه إلى المنطقة.

[2] بالتركيّة وتعني عربة نقل البضائع التي تجرّها الحمير أو البغال.

 

165


157

الفصل السابع: موقع زيد

الخبز والأرزّ والبطّيخ على الإخوة. وبينما دارت التويوتا، أردت أن آخذ من سيّارة التجهيزات بطيخة، لكنّها انطلقت مسرعة وكدت أسقط أرضًا، فالتقطني الإخوة وجذبوني إلى داخلها بعناء، فيما كنت أمسك بالبطّيخة بكلّ ما أوتيت من قوّة! راح الإخوة يصيحون بي: "دع البطّيخة، أنت تكاد تقع على الأرض!"، وعندما استقررنا في أماكننا داخل السيّارة، أسعفتنا البطيخة وخفّفت من عطشنا قليلًا.

 

عندما وصلنا إلى موقع زيد، انتقلنا بواسطة سيّارات أخرى إلى مخيّم شهداء خيبر. ولم يكن أحد هناك قد علم بعد بأمر انكشاف العملية، فصار كلّ من يرانا يسأل: "لِم عدتم؟".

 

كان خبر انكشاف العملية ينتشر بين الإخوة ولا أحد يصدّق بذلك. واستولى القلق علينا جميعًا ممّا سيحدث. بعد يومين أو ثلاثة، جاء الأخ "مهدي باكري" وخطب في جمع الإخوة.

 

الجميع أحبّوه من أعماق قلوبهم، وكانت كلماته كعادتها تستقرّ في أرواحنا وعقولنا. وفيما شرع الأخ مهدي يتكلّم عن الاستعداد للعملية القادمة، وعن انكشاف أمر العملية، علا صوت الإخوة بالبكاء. فكلّنا يعرف حجم الجهد الذي يُبذل للتخطيط للعملية ولتنفيذها. كما إنّ عناصر الكتائب يقضون أشهرًا من التدريب ويعيشون ظروفًا قاسية لبلوغ مرحلة التنفيذ. وفي تلك الظروف وقع خبر انكشاف أمر العملية وقعًا كارثيًّا بالنسبة للكلّ. في نهاية كلامه، قال الأخ مهدي: "فلتذهبوا الآن في إجازة لخمسة عشر يومًا، وحين تعودون، سننتقل بإذنه تعالى من مخيّم شهداء خيبر إلى منطقة أخرى".

 

أثّرت بي هذه الحادثة كثيرًا، وبقيت لفترات أفكّر في انكشاف أمر هذه العملية. رحت أحلّل أنّنا لم نعمل بشكل جيّد على حماية المعلومات، وكان يمكن للقوّات الموجودة في مختلف المناطق الجنوبيّة والغربيّة، أن تخمّن بسهولة، من خلال الدورات التي تخضع لها، أين ستكون العملية

 

 

166

 


158

الفصل السابع: موقع زيد

القادمة. وليس بعيدًا أيضًا، أن يكون البعض من بين آلاف الأشخاص الذين يهاتفون ذويهم قبل العملية، قد تحدّثوا إليهم أو إلى أصحابهم عن حدسهم وتخمينهم فيما يتعلّق بالمنطقة التي ستجري فيها العملية. وقد قيل لنا أيضًا، إنّ العدوّ بإمكانه من خلال وسائله المتطوّرة التنصّت على مكالماتنا، هذا عدا عن الطابور الخامس الذي لطالما كان فعّالًا، ويوصل أدنى المعلومات للعدوّ. وعلى أيّ حال، لازمتنا مرارة انكشاف أمر العملية مدّة من الزمن.

 

تجهّزنا جميعًا للعودة. توجّهنا نحو محطّة القطار، وركبنا القطار في ظلّ ازدحام القوّات الخانق. ومع أنّ بعض العناصر كانوا يركبون الحافلات حين عودتهم، إلّا أنّ إعطاء الإجازات لفرق أخرى أدّى إلى حدوث فوضى وازدحام في المحطّة تحديدًا. انطلقت الرحلة والكلّ يسعى لأن يكون مع أصدقائه في نفس المقصورة. كانت مجموعتنا معروفة أيضًا، وهم جماعة "المشاغبة" في كتيبة الإمام الحسين عليه السلام، "عبد الحسين أسدي، علي نمكي، فرج قليزاده، مصطفى بيشقدم[1]، بابا و..."، في تلك الأيّام، راح " بابا" وهو صاحب قريحة شعريّة، يلقي على مسامع الإخوة أشعارًا جميلة، صارت تُتناقل على الألسنة. وقد بدأ بـ"مصطفى بيشقدم" وهو عنصر حرّ، ولكونه داكن البشرة، فقد وصفه "بابا" في بيتين ضمن قصيدة شعريّة طويلة كان يلقيها على الإخوة:

بو كورداندا كزر آزاده بير شخص

سياهي دان قارا جايدانه بنزر![2]

 

 


[1] فيما بعد أصبح مصطفى بيشقدم مسؤول السرية بدلًا عن صمد زبردست، فيما كان قائدًا لكتيبة الإمام الحسين عليه السلام حين استشهد في عملية (كربلاء5).

[2] للأسف لا أذكر كلّ أشعار بابا. كان بابا (السيّد علي أكبر مرتضوي) من الرجال الأشاوس في كتيبة الإمام الحسين عليه السلام، وقد أظهر ذلك جيّدًا ليلة شهادته في عملية بدر. الترجمة الفارسيّة للمقطع: يجول في هذه الكتيبة طيف (رجل) حرّ، من شدّة سواده يشبه إبريق الشاي!

 

167


159

الفصل السابع: موقع زيد

طوال الطريق عمّت الجلبة أغلب المقصورات والصالة. فلم نتورّع في ظلمة الليل عن أن نهجم على المقصورة المجاورة، ونطفئ المصابيح ونشرع بضرب بعضنا البعض، كان اجتماعنا ممتعًا جدًّا. لم ندع أيّ فرصة للقيام بالشغب. أمّا الطعام الذي قُدّم لنا، فهو ساندويشات الهمبرغر مع المرطّبات، وبدت قطعة اللحم كالمطّاط، فأسماها الإخوة "تاير"[1]، كثيرون انزعجوا من أكلها. ورغم ما وجدناه من صعوبة مضغ هذا الطعام، إلّا أنّنا وبهدف الشغب أخذناه مجدّدًا. كانت الأيّام تمضي مع هذه المجموعة بعذوبة ولطف.

 

أخيرًا، وصلنا إلى تبريز. لكنْ، قبل توقّف القطار راح شباب تبريز يخبرون بعضهم البعض بمواعيد جلسات مقرّات المساجد: ليلة الثلاثاء في محلّة سيلاب، الثلاثاء في مسجد كزران و...

 

أمضينا أوقاتًا سعيدة في فترة الإجازة وبقينا على تواصل مع شباب الجبهة. حافظ شباب الجبهة القدماء على هذه العلاقة فبقي الشباب معًا في المدينة وصار المسجد مضافة لجموع التعبويين الطاهرين. المساجد الرائدة في هذا العمل كانت تستقبل أحيانًا عناصر كتيبة بأكملها لتناول طعام العشاء، والأهالي أحيانًا يشاركون في تنظيم هذه الدعوات، وسُفر الطعام التي يلتفّ حولها الإخوة تنقل المرء إلى أجواء الجبهة.

 

ذات ليلة، كان الموعد في مسجد مخفر شارع عبّاسي. دعاني كريم قرباني- وهو من أعضاء المقرّ هناك- وقال لي: "أنا أوصلك الليلة إلى حيث تريد". جرت العادة أن تُقام بعد تناول العشاء مجالس العزاء واللطم، وبعد انتهاء المراسم ينسّق كلّ شخص مع صديق يملك سيّارة أو درّاجة ناريّة، ليقلّه إلى منزله، وذلك كي لا يواجه مشكلة في إيجاد وسيلة نقل. في تلك الليلة أيضًا، مُدّت الموائد، وبعد تناول الطعام الجيّد الذي


 


[1] الإطار المطّاطي الذي يلفّ الدولاب.

 

168


160

الفصل السابع: موقع زيد

عمل الأهالي والإخوة في المسجد على إعداده، أُقيم مجلس عزاء، ومن ثمّ أُعلن عن زمان المجلس اللاحق ومكانه. في تلك الليلة، أشرت لكريم مرّات عدّة بأنّني قد تأخّرت وأريد الانصراف، لكنّه ظل يقول: "لا! أنا أوصلك". أخيرًا، استعار درّاجةً ناريّة من أحد الأصدقاء ليوصلني. وكنت حينها أنوي الذهاب إلى بيت أخي في شارع بهار، الذي يبعد مسافةً طويلة نسبيًّا عن تلك المحلّة. انطلق كريم، وسار مسرعًا. حتمًا لم أخف من سرعته، رغم احتمال أن تؤثّر على وضع كلينا الصحي، ذلك أنّه هو أيضًا، كان قد فقد إحدى عينيه جرّاء إصابته بشظيّة. تجاوزت الساعة الثانية عشرة ليلًا، ونحن نسير في الطرقات مسرعين. قلت له عدّة مرّات: "لا تسرع يا صاح! ماذا ستفعل إن فوجئت بسيّارة على مفترق طرق؟".

- لا تقلق! فقط أعلمني قبل أن أصل إلى مفترق طريق بمئة متر، لأخفّف من سرعتي!

 

ذكّرته في أوّل شارع البازار بأنّنا نقترب من مفترق طرق، ليخفّف من سرعته، ولكنّه بقي مسرعًا! وعبَر مفترقين أو ثلاثة بالسرعة ذاتها. فصحت فيه: "توقّف! توقّف! لديّ عمل!".

- ماذا لديك؟

- كفى، أريد الترجلّ!

- كيف ستذهب سيرًا... قلت لك قل لي قبل أن نصل إلى مفترق الطرق بمئة متر لأخفّف من سرعتي!

- لقد عبرنا مفترقي طرق!

- لم أرَ شيئًا!

 

المسكين كان محقًّا. استشطت غضبًا وقلت له: "لقد قلت لك، أمامنا مئة متر...! وأنّى لك أن ترى يا فتى!". بلطف الله أوصلني كريم قرباني تلك الليلة سالمًا إلى منزل أخي، لكن منذ ذلك الحين،

 

169


161

الفصل السابع: موقع زيد

ولفترة طويلة، صرت كلّما ألتقي به أقول: "كريم! بقي أمامنا مئة متر!".

 

مع أنّني كنت أحبّ اجتماع الشباب، إّلا أنّني لم أكن أستطيع الخروج من القرية كلّ يوم، وإرباك شخص ما بإرجاعي، لذا صرت أقضي معظم أوقاتي مع الإخوة في مركز القرية. في تلك الفترة طُرح بين الشباب الذين سبق والتحقوا بالجبهة برنامج باسم "أصغر قصّاب"، لأنّهم استوحوا فكرة هذا البرنامج من كلماته، "كلّ شخص يرجع إلى الخطوط الخلفية، عليه أن يحضر معه ثلاثة أشخاص بالحدّ الأدنى إلى الجبهة". وقد عمل الإخوة على هذا الأمر كثيرًا. وحيث إنّ الإعلانات التلفزيونيّة لم تكن مباشرة، فلم تُنشر أحداث الجبهة بنحو صحيح أحيانًا. كنّا نتحدّث بين شباب المقرّ عن الجبهة، العدوّ، قوّاتنا، أوامر الإمام وكلماته، مشاكل الحرب، وضرورة التحاق العناصر بها: "يا أخي! قد يستطيع البعض البقاء في الجبهة لمدّة من الزمن. لكم من الوقت أستطيع أنا البقاء في الجبهة؟ قد أُصاب بالنهاية، أو أستشهد، فيبقى مكاني خاليًا، عليكم أنتم سدّ الفراغ الذي يتركه الشهداء...". كنّا نلقي مثل هذا الكلام على مسامع الإخوة لمرّات. لسنا من أهل الموعظة، لكنّنا أدركنا بأنّ الحديث عن وقائع الحرب بنحو عفوي صادق يترك أثره. توافرت في قريتنا خلجان، وهي القرية الأكبر في المنطقة، ويتراوح عدد سكّانها ما بين السبعة والثمانية آلاف نسمة، عدّة مراكز نشطة. ضم مركزنا قرابة الثمانين عنصرًا التحق معظمهم بالجبهة. وقرّرت لشباب المركز أنشطة أخرى. فعلى سبيل المثال، يقومون بالحراسة الليليّة في القرية، فلا تجد تلك الليالي في المنطقة لصًّا أو من يرتكب عملًا مخالفًا للقانون، لكن أحيانًا، تصلنا أخبار بأنّ البعض يشربون الكحول في البستان الفلاني. وحيث إنّ معظم الإخوة تدرّبوا في الجبهة،

 

170

 


162

الفصل السابع: موقع زيد

فقد كان بإمكانهم الذهاب إلى تلك الأمكنة بسهولة، والتصدي للأعمال المنكرة. مثل هذه المبادرات والرعاية التي قدّمناها أثّرت جدًّا في الجوّ العامّ للقرية، ولطالما تعاون الناس معنا أيضًا.

 

على امتداد أسبوعَيْ الإجازة خصّصنا ليلتين أو ثلاثًا لبرامج القتال الليلي. نظرًا لأنّ قريتنا ذات طبيعة جبليّة، ولأنّني ماهر في المعارك الجبليّة، رحت في البدء أرسم على لوح أسود خريطة تبيّن موقعنا وموقع العدوّ المفترض، وأرشد الإخوة إلى الطريق الذي ينبغي سلوكه: "لا تسيروا إلى الأمام مباشرةً، فذلك يوصل إلى الأعداء. عليكم أن تعبروا المنحدرات والأودية. والعدوّ أيضًا لن يدعكم تجتازون هذه الأماكن بسهولة، وهو حتمًا قد فخّخ المنحدرات...".

 

فكنّا ننقل تجربتنا عبر تسلّق هذه الجبال، فيما أدلّ الإخوة على الأماكن التي يمكن أن تُزرع فيها الألغام المضادّة للأفراد، والمضادّة للدروع، والمضادّة للآليّات. لقد سعينا في تسلّق الجبال لإيجاد النقاط العمياء التي تكون في مأمن من مرمى نيران العدوّ المفترض، أو الأماكن التي يمكن أن تكون خالية من العوائق.

 

كان الحرس قد نظّموا، من قبل، دورات عسكرية لشباب المركز، وتوافرت مع الجميع بطاقات عسكرية. لذا عندما كان هؤلاء يلتحقون بالجهة لم يكونوا قوات خام*[1]، بل كانوا مطّلعين إجمالًا على أوضاع الجبهة. كنّا بعد كلّ إجازة نأخذ معنا بعض هؤلاء العناصر إلى الكتيبة. وقد سمحت الفرقة أن يُحضِر الشخص إلى كتيبته الأفراد الذين يستقطبهم. بالطبع، كان يتمّ فرز هؤلاء لاحقًا، بعد أن يتعوّدوا على الأجواء، وقد يتمّ نقلهم إلى كتيبة أخرى. وأحيانًا تُشكّل كتيبة جديدة

 


[1] عبّروا عنها: قوات صفر كلم.

 

171


163

الفصل السابع: موقع زيد

من العناصر الجدد الملتحقين بالجبهة. لأنّه من غير الممكن للكتيبة التي تتألّف من 300 عنصر أن يضيفوا إليها أفرادًا ليصبح عديدها 600 عنصر. لكنّنا بعد هذا الفصل، لم نكن نترك الإخوة الجدد، وكنّا نتفقّدهم من وقت لآخر.

 

وعليه، حفلت أيّام الإجازة بالعمل. عدا عن ذلك، كان لدينا برامج ليليّة. وهي زيارة جرحى الحرب في تبريز أو في قريتنا، وزيارة عوائل الشهداء، فرحنا كلّ ليلة نزور عائلتي شهيدين بالحدّ الأدنى. كانت تلك الزيارات تمدّنا، كما أهالي الشهداء، بالمعنويّات، كانت علاقتنا بهم حميميّة وودية إلى درجة أصبحوايعاملوننا كأولادهم، ويستضيفوننا من دون مجاملة على العشاء، وقد دُعينا لمرّات لتناول الفول: "تفضّلوا، لقد وضعنا الفول على النار!" ، فكنّا نجلس من دون أيّ تكلف، ونتكلّم عن الجبهة، والمجاهدين، وذكرياتنا مع الشهداء، وأنّ عشرات الأشخاص سيملأون الفراغ الذي تركه الشهداء، فنستمدّ بذلك منهم العزم ونمدّهم بالمعنويّات.

 

على الرغم من حقي في الإجازة، إلّا أنّني كنت أنشغل كثيرًا بحيث تأتي أمّي أحيانًا إلى المقرّ وتقول للشباب: "يا عم! بالحدّ الأدنى، دعوا نور الدين يعود إلى منزله ليلًا لينام!". المسكينة كانت دومًا تشتكي. فطوال فترة الإجازة هذه لم أتناول الطعام في البيت لأكثر من مرتين أو ثلاث. كنت أقول لها: "ليطمئنّ بالك، فهؤلاء الذين أخرج معهم شباب جيّدون"، فتجيبني: "أعلم، لكن فلتأتِ أيضًا إلى منزلك!". كانت أمّي محقّة في قولها. أحيانًا كنت أعود عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، في الوقت الذي يقفل فيه جميع الأهالي الأبواب بالجنازير بين العاشرة والحادية عشرة ليلًا. إضافة إلى ذلك، بقيت الإجازة موعدًا ثابتًا لمتابعة علاج جراحاتي التي كُتب عليّ أن تلازمني إلى الأبد!

 

 

172

 


164

الفصل السابع: موقع زيد

أصبحت طريقة وجودي في المنزل عاديّةً بالنسبة للجميع، سوى أمّي التي ترغب ببقائي فيه مدّة أطول، ولم أكن أستطيع ذلك. وعندما يحين وقت الذهاب إلى الجبهة، كانت الوحيدة التي تأتي لتوديعي. لربّما ازداد قلقها عليّ بعد شهادة صادق. كانت تقول لي: "حذارِ أن تعود هذه المرّة وقد أَصابك مكروه و...".

- لا! لن يصيبني شيء. قد أُصاب بجروح. سأهاتفك قبل ذلك أيضًا!

 

كانت قصّة عجيبة، إذ كان يخطر ببالي دائمًا قبل أن أُصاب بإصابة ما، بأنّ شيئًا ما سيحدث، وكنت أعلم بأنّني لم أصل بعد إلى الدرجة التي يقبلني الله فيها بالكامل. بعد مضيّ أربع سنوات على الحرب، صرتُ خبيرًا في تحديد من سيلتحق بقافلة الشهداء. ليس فقط في الجبهة والعمليات، بل حتّى عند لحظة الانطلاق، حيث يبدو واضحًا من الذي يودّع الوداع الأخير، من طريقة توديعهم، ونظرات أمّهاتهم، و...

 

كانت أمّي تقول: "عندما ركب صادق القطار، علمت بأنّه لن يعود! وكأنّ "صادق" أيضًا كان يعلم شيئًا ما، لأنّه صار يعود بين الفينة والأخرى، ينظر إليّ، ويودّعني من جديد". أحيانًا تبادلت الحديث وأمّي عن صادق، وكيف تغيّرت أحواله قبل شهادته بمدّة، فكان يسعى لأن يكون طعامه كطعام الفرقة، حيث كنّا أحيانًا، نعاني نقصًا في الطعام، وكان الشباب لرفع جوعهم، يأكلون فتات الخبز اليابس الذي لا ينظر المرء إليه في المدينة ولو بقي مئة يوم من دون طعام. وأخبرتنا والدتي: "طوال العشرة أيّام التي كان فيها صادق في إجازة، لم أستفق ليلةً إلّا ووجدته يصلّي صلاة الليل". أساسًا، العقل يقول إنّ المسافة بين الأرض وأمثال صادق تزداد شيئًا فشيئًا!".

 

على هذه الحال انتهت إجازتي، وعدت بالقطار إلى الجبهة. المنطقة التي أصبحت في زمن الحرب وطننا الحقيقي.

 

 

173

 


165

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

الفصل الثامن:

الحياة في الحرب

 

 

بقينا عدّة أيّام في "مخيّم شهداء خيبر" إلى أن بدأت عمليّة نقل الفرقة إلى منطقة جديدة، وبدأ المخيّم يخلو تدريجيًّا من العناصر. كانت كتيبة الإمام الحسين عليه السلام أوّل كتيبة تنتقل إلى المنطقة الجديدة أي "دوكوهه"، وهي منطقة جبليّة تقع بالقرب من طريق عام أنديمشك ـ دزفول. شُقّت في مقابل ثكنة للجيش تمامًا ـ والتي كانت مقرًّا لفرقة "27محمّد رسول الله" طريقٌ تؤدي إلى المقرّ المؤقّت لفرقة "31عاشوراء".

 

تمتاز هذه المنطقة بخصائص عدّة، من ضمنها طبيعتها الجبليّة التي تحدّ من إمكانيّة استهدافها بالقصف الجوّي وعدد الخسائر الناجمة عنه. كما إنّ دفاعات الجيش الثكنة كانت قويّة، فبتنا ننعم بالهدوء بالقرب منها ونطمئن لناحية عدم تعرضنا للقصف. كان الهدف الأساسي في "دوكوهه" هو إبقاء القوات في حال الجهوزية لتنتقل الكتيبة إلى منطقة العملية القادمة بمجرد تحديد مكانها.

 

بعد ثلاثة أو أربعة أيّام قضيناها في نصب الخيام وبعد أن استقرّت الكتائب، انطلقت البرامج كما هي العادة. تفتتح المراسم الصباحية دومًا بتلاوة آيات من القرآن الكريم وتفسيرها، ثم يتحدّث قائد الكتيبة إذا ما كان لديه شيء يقوله قبل تسلّق الجبال. وأحيانًا، يُختتم البرنامج بأداء بعض حركات الليونة، لتبدأ التدريبات بعد تناول الفطور.

 

174

 


166

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

في تسلّق الجبال، كلّ فصيل كان يذهب في اتّجاه معيّن، ذلك أنّ تحرك كتيبة*[1] بأكملها أو حتّى سريّة على شكل طابور، أمسى أمرًا مشكلًا ويستغرق وقتًا. يطلق الإخوة عند تسلّقهم الجبل شعارات تتردّد أصداؤها في أعماق الجبال، شعارات تبثّ فينا المعنويّات، وتُفرح الجميع، وغالبًا ما كانت عبارة عن تلك الأناشيد القديمة والمعروفة في كردستان. أحيانًا، كنت أحدّثهم عن تجربة شهور من المعارك في جبال كردستان، عن مميّزات الحرب في المناطق الجبلية ومعرفة العدوّ بالمنحدرات والمعابر المناسبة في الجبال، وأنّهم يضعون حتمًا الموانع والعوائق، وعلى العنصر الجيّد إيجاد الطرق الفرعيّة بسرعة. وأشدد على ضرورة أن يصبح العناصر ماهرين في تسلّق الصخور والتحرك في المنحدرات، بحيث يستطيعون اتّخاذ القرار بسرعة وإيجاد المنافذ.

 

بقينا في "دوكوهه" ما يقارب الشهرين. وفي تلك الفترة استمرّت المراسم الصباحيّة والأدعية ومجالس العزاء التي نقيمها بحلة رائعة تبعث الطمأنينة في النفوس. أحيانًا، ينبري عناصر كتيبة الإمام الحسين عليه السلاملتناول الفطور وحدهم، من دون أن تخلو جلساتهم هذه من الشغب والمزاح، كمغافلة أحدهم للجالس إلى جنبه، ووضع الملح في فنجان الشاي خاصّته، ومراقبة وجهه وهو يشرب الشاي المالح والحلو في آن!

 

مع احتمالات قيام العدو باستخدام السلاح الكيميائي في العملية القادمة، باتوا يركّزون في التدريبات اليوميّة بشكل كبير على كيفية مواجهة هذا السلاح، وإلى جانب تكرار الدروس السابقة، صار التدريب هذه المرة عمليًّا. فأحيانًا يلقون القنابل المسيلة للدموع، ويتوجب علينا وضع القناع في ظرف 6 أو 8 ثوانٍ، ونحن ملزمون بوضعه لمدة ساعة أو


 


[1] تسلسل التشكيلات: فرقة/كتيبة/سرية/فصيلة أو فصيل/مجموعة/عنصر.

 

175


167

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

ساعتين، الأمر الذي يصعب تحمّله لأنّ التنفّس مع القناع مختلف كليًّا عن التنفّس الطبيعي. الهدف من هذه التدريبات كان تعويد القوّات على الوضعيّة، كيف يتابعون أعمالهم والقناع على وجوههم في الوقت عينه. وحتمًا، تميّزت كلّ هذه البرامج بجانب تمويهي لحماية المعلومات حول العملية القادمة، لأنّ العناصر يلاحظون من خلال نوعيّة التدريبات والتمارين، ويخمّنون أين ستكون العملية التالية، في منطقة سهليّة، أم جبليّة، أو مائيّة؟!

 

أقيمت وتعدّدت هناك أصعب المناورات أيضًا، ذلك أنّ طريقة الحركة تختلف في السهول عنها في الجبال. ففي السهل يمكن قطع مسافة كبيرة عدوًا وبسرعة، أمّا في الجبال فكنّا نُصاب بضيق التنفّس بعد قطع 20 إلى 30 مترًا، حيث لا يمكن للأفراد السير بشكل متوازٍ، وإنّما في طابور، وهذا ما كان يصعّب المناورات الجبليّة. وبحكم خبرتي السابقة في حرب المناطق الجبليّة في كردستان، التفتُّ إلى أنّ الإخوة في المناورات الحيّة، ربّضوا المدفعيّة بنحو متقن وجيّد كما في العملية الحقيقيّة. كنّا في إحدى المناورات، نجتاز في عتمة الليل منحدرًا يجري نهر تحته بسبعة أو ثمانية أمتار. وهناك، طلبوا أن يتمدّد عدد من العناصر على الحمّالات ليتدرب الشباب على نقل المصابين في الظروف الطارئة. وبينما مشينا لنجتاز ذلك المنحدر، بدأ وابل الرصاص ينهمر علينا، فاستتر بعض الإخوة خلف الصخور وانبطح آخرون أرضًا اتّقاءً للرصاص. وهنا، انزلقت قدمي ورحت أنحدر إلى الأسفل! كان الوضع سيّئًا، لم أدرِ إلى متى سأبقى أنزلق، ولم أستطع التمسّك بشيء حتى ارتطمت بعد وقتٍ بالأرض فعليًّا... لكن من حسن الحظّ، وقعت على الرمال، ولم أُصب إصابة تذكر. وحده الله يعلم ماذا كان سيحلّ بي لو وقعت على الصخور والحجارة. كما زلّت قدما شخصين آخرين مثلي، وسقطا أرضًا، وكان نصيبنا القليل من الأوجاع والكدمات وحسب. في تلك العتمة، لم أسمع سوى

 

176


168

الفصل السابع: موقع زيد

أصوات الرصاص، ولم أشاهد سوى أضواء الانفجارات المتتالية. انتقى المخطِّط للمناورات مكانًا جيّدًا لمسير القوّات، فالمنحدر ينتهي بباحة رمليّة خالية في أسفله، ويحتمل بشكل كبير سقوط العنصر فيها إذا ما زلّت قدمه.

 

على أيّ حال، في نهاية المناورات، وعندما بدأ الإخوة ينقلون الجرحى المفترضين، قيل لهم إنّ ثلاثة من العناصر سقطوا من المنحدر، فجاؤوا إلينا ووجدونا بحال جيّدة. كان أمرًا عجيبًا أنّ أحدًا منّا لم يُصب بأذىً كبير في تلك الحادثة. في اليوم التالي، ذهبت مع "حاجي ميلاني" و"بهجت نيا" إلى المكان، وعاينّا الارتفاع الذي سقطنا عنه والباحة التي ارتطمنا بها، فازداد إيماني بالعناية الإلهيّة التي شملتنا في تلك الحادثة.

 

كان "دوكوهه" مكانًا مفعمًا بالصفاء، وذا طبيعة خلّابة، أحيانًا يتقاطر الماء من جوف الصخور قطرة قطرة، فيشكّل نبعًا صغيرًا. في أوقات الفراغ، كنت وبعض الإخوة نذهب إلى الجبل، ونأخذ معنا البطّانيّات والطعام والشراب، ونبيت هناك إلى جانب صخرة يتقاطر منها الماء بهدوء. لقد أحاطتنا حقًّا طبيعة رائعة، وكلّ شيء هناك ظهر جميلًا. الماء الخارج من الصخور ينحدر عن علوّ مترين أو ثلاثة أمتار، فعمدنا إلى إعداد مجمع للمياه من خلال تبديل أماكن الحجارة، فتنعّمنا بشرب الماء العذب منه، وإعداد الشاي. تناولنا الفطور هناك أحيانًا. تشاركنا في تلك الفترة الأفراح والأتراح، مع أقرب المقرّبين إلينا، نضحك ونبكي معًا، ونتحدّث عمّا يحصل معنا من أمور. أحيانًا كنّا نتذكّر الشهداء من رفاقنا، أو نتحدّث عن مستقبلنا و...

 

في ذلك الجوّ الحميمي، المفعم بالمحبّة والودّ، لم نكن ننسى الأعياد. وافق ذات مرّة، أن مرّ عيد الغدير ونحن في "دوكوهه"، وجريًا على

 

177

 


169

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

العادة، فكّر السادة في الكتيبة في إعداد الحلوى. وفيما جلست مع آخرين في خيمة، بدأ عناصر الكتيبة يتوافدون إلى داخلها فصيلًا فصيلًا. وضعنا أيدينا في أيدي بعضنا بعضًا، وشرع أحد العلماء هناك بتلاوة صيغة التآخي... أحيانًا كنت أتذكّر كلام أفراد عائلتي: "إلى متى ستبقى في الجبهة!"، وأفكّر أنّ الذي يشهد كلّ هذا الصفاء والخلوص، حقًّا لا يمكنه ترك تراب الجبهة وتحمّل المدينة.

 

كما هو متوقّع، كنّا أحيانًا في "دوكوهه" نهرب من المخيّم، ونذهب غالبًا إلى "دزفول"، إلّا أنّني قرّرت و"حاجي ميلاني" و"يونس بهجت نيا" في إحدى المرات، بأن نتوجَّه إلى ما وراء "دوكوهه" لنستكشف المنطقة هناك. في الصباح انفصلنا عن الإخوة. حتمًا، كان كلّ شخص منشغلًا بأمر ما، فكان ذهابنا أمرًا طبيعيًّا. بدأنا بتسلّق الجبل، إلّا أنّنا كلّما تقدّمنا وجدنا معابر ومنحدرات جديدة، إلى أن أخذ التعب منّا كلّ مأخذ. كاد الماء ينفد منّا ولم نصل إلى أيّ مكان بعد. وطوينا مسافةً طويلة، فلم نكن مستعدّين للعودة من الطريق نفسه. أردنا إيجاد طريق مختصر والالتحاق بالإخوة بأسرع ما أمكن، لكن زاد العطش من تعبنا. كان يونس يقول بكلّ جوارحه: "بالله عليكم أسقوني قطرة ماء!". لقد أصابه الإعياء حقًّا وفقد القدرة على الحراك. قرّرت وحاجي ميلاني الانفصال عنه والبحث عن الماء. وأخيرًا وجدنا بعضه بين الصخور. لم يكن بحوزتنا شيء نملأه، فقد تركنا قواريرنا الفارغة في منتصف الطريق لشدّة تعبنا وإعيائنا. بلّلنا الكوفيّات بالماء وعدنا إلى يونس. عصرنا الكوفيّات في فمه، فارتدّت روحه إليه قليلًا من هذه القطرات. في الواقع، لم نفكّر نحن بالانفصال عن الإخوة من أجل القيام بجولة ويحلّ بنا ما حلّ. بل مضينا على جهل بالطريق أمامنا، ولأنّ طريق العودة

 

178


170

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

طويل جدًّا، وخامرنا شعور بأنّ الليل يكاد يجنّ، قلت وأنا بحال مزرية: "إذا ما وصلت إلى المخيّم فلن أعود إلى حالي الطبيعيّة قبل ثلاثة أو أربعة أيّام". كان الطقس في فترة ما بعد الظهر حارًّا جدًّا، وقد علقنا نحن بين الصخور! وشيئًا فشيئًا، أضعنا حتّى طريق العودة. قرّرنا أن يذهب كلٌّ منّا في اتّجاه، وبمجرّد أن يرى أحدنا شيئًا جديدًا، ينادي البقية. تفرّقنا كلٌّ في جهة، وسرعان ما وجد الحاج ميلاني الماء، فنادانا، وأتينا إليه. كان المكان هناك يؤدّي إلى وادٍ يجري فيه نهر. وبينما نحن نهبط من الجبل، أحسست بغشاوة في عينيّ، فصرخت في صاحِبَيْ: "انتبها، أكاد أسقط!". وبحالة من الضعف، رحت أسير بين أيديهما نحو النهر. بعث الوصول إلى الماء فينا الأمل. ما إن شربنا حتّى تذكّرت أنّنا نفّذنا المناورة على ضفّة هذا النهر وفي هذا الوادي بالذات، وخطر ببالي لو أنّنا سرنا بموازاة النهر لوصلنا إلى الكتيبة. كانت الشمس تميل إلى الغروب شيئًا فشيئًا، أملنا أن نصل إلى الإخوة قبل حلول الليل. وصلنا إلى أنبوب كبير للمياه، ورأينا شباب التجهيزات جاؤوا إلى المكان للتعبئة منه. كم كانت فرحتنا كبيرة! ومن دون أن نشعر ألقينا بأنفسنا ونحن نرتدي ملابسنا إلى الماء! وضعنا رؤوسنا تحت أنبوب الماء! ورحنا ننثر المياه على رؤوسنا ووجوهنا ونضحك! فيما غدا شباب التجهيزات ينظرون إلينا بتعجّب ويتساءلون: "ما هذا العمل؟ ولِمَ تفعلون ذلك!". لم يعلموا بأنّنا ضللنا طريقنا في الجبل منذ الصباح.

 

لم يصدّقوا بأن أتيهَ أنا أيضًا رغم تجربتي في المناطق الجبليّة: "سيّد! حتّى أنت تهت أيضًا؟!".

 

نعم! فالجبل مكان قد يضيع فيه الخبير وغيره!

ذهبنا مع شباب التجهيزات نحو المخيّم. المسافة ما بين النهر والمخيم تبلغ كيلومترًا واحدًا. وحتّى في ذلك الوقت من النهار حين كانت

 

179

 


171

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

الشمس تميل إلى الغروب، كان الجوّ حارًّا جدًّا، بحيث وصلنا ـ نحن المبلّلين بالماء من أعلانا إلى أسفلنا ـ وقد جفّت ملابسنا تمامًا. لم يكن أحد في الفصيل يعلم ما حلّ بنا. فبعد المراسم الصباحيّة انشغل معظم الإخوة بشيء ما، ولم يكونوا معًا سوى في الليل. أمّا نحن الذين عُرفنا بما لدينا من سوابق في الفرار من المخيّم، فلم يُثر غيابنا قلق أحد.

 

لم تجعلنا هذه الحادثة نقلع عن فكرة الهروب من المخيّم نهائيًّا. فاستمررنا كلّما شعرنا بالملل نهرب إلى دزفول، وأحيانًا نبقى هناك ليومين، نسبح في نهر "دز" الذي تميّز بمياهه الصافية والرقراقة كمياه ينابيع القرية، نأكل، ونمرح. ذات يوم، وحين كنت أسبح وقعت في دوّامة قرب جسر. ومهما حاولت جاهدًا لم أتمكّن من الإفلات منها وكادت تبتلعني. نزلت تحت الماء مرّة أو مرّتين وابتلعت الكثير منه. إلى أن رفعت رأسي بالنهاية وصحت: "أكاد أختنق!". كان "رحيم افتخاري"[1] وعلي نمكي على ضفّة النهر. قفز علي نمكي بنفسه في الماء وسحبني. خفت فعلًا. قال لي: "انتبه، فللفرار من المخيّم أضراره أيضًا". بعد تلك الحادثة لم أعد أسبح في نهر دز. وكان الإخوة كلّما ذهبنا إلى هناك يقولون لي: "هيّا، تعالَ لنسبح"، فأجيبهم: "يكفيني هذا!".

 

واظبنا على زيارة محمّد بن موسى الكاظم عليه السلام الملقّب "بسبز قبا"[2]، وكنّا في حال بقينا في دزفول، نقصد المكان الذي خصّصه الحرس للإخوة المجاهدين، ونعود بعد يوم أو يومين إلى "دوكوهه"، فنخجل من الإخوة للحفاوة التي يستقبلوننا بها!

 

ترك الصفاء الموجود في نفوس الإخوة أثره في البيئة المحيطة بهم. كانوا يفرشون الأرض خارج خيامهم بالرمال، ويزرعون العشب والورود. وفي ذلك الجوّ، سرعان ما تنبت البذور من تحت التراب، وتخضرّ،

 


[1] كان رحيم من الإخوة الطيّبين في محلّة (قره آغاج) في تبريز، وقد نال بعد مدّة مقام الشهادة.

[2] لُقّب بذلك لارتدائه الدائم للرّداء الأخضر كما جرت عليه عادة السادة.

 

180


172

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

لتضيف إلى المكان جمالًا خاصًّا. الجميع شعروا بالمسؤوليّة إزاء البيئة المحيطة بهم. أحيانًا، كنت حين أرى مدى اهتمام المجاهدين بنظافة دشمهم وعنايتهم بالورود الصغيرة، أتذكر دشم العراقيّين وخيامهم التي يشمئزّ المرء من رؤيتها، ويدرك مدى انهيار معنويّاتهم من الفوضى والقذارة المحيطة بهم، في أجواء مثل جهنّم، بينما تحلّ الجنّة أينما حلّ شبابنا، وذلك بفضل حسن الخلق، والمودّة، وأيضًا الجمال الذي كان يُصنع في محيطنا. كنّا إذا ما عانينا يومًا نقصًا في الطعام، وبقينا جائعين، نأخذ الموضوع على محمل المزاح كما لو أنّ النقص في أيّ شيء آخر، ولا يشتكي أحد من ذلك.

 

بقينا مدّة شهرين في "دوكوهه"، إلى أن صدرت الأوامر بالانتقال إلى جزيرة مجنون، فحملنا أسلحتنا، وكّنا قد جهّزناها ونظّفناها، وحزمنا حقائبنا لننتقل بالسيّارات إلى هناك. قبل ذلك، لم يسبق لي أن رأيت جزيرة مجنون سوى لمرّة واحدة وذلك في دفاع عملية خيبر، ولم أبق كثيرًا حينها، أمّا الآن، فكانت رؤية الجزيرة مجدّدًا تبعث فيّ الشوق والحماسة.

 

يبدو أنّنا سلكنا طريق بستان نحو جزر مجنون، وقد لفتت نظري في طريق الذهاب الأسماء الجميلة التي وضعها الإخوة للأماكن. ما إن دخلنا الجزيرة الشماليّة حتّى وصلنا إلى التقاطع الأوّل، ألا وهو "تقاطع الإمام". ترجّلنا هناك وفُرزنا في اليوم نفسه. استقرّت كلّ سريّة في تحصينين "2بد"[1]. وكانت فصيلتنا في الـ "بد" الخامس. كلّ "بد" عبارة عن طريق ترابيّة تتشعب من الجانب الرئيسي للجزيرة، وتمتدّ أحيانًا مسافة كيلومترًا أو كيلومترين داخل الهور. بعض هذه الإنشاءات تتحوّل

 

 


[1] البد هو نوع من التحصينات المائية والإنشاءات التي تقام قرب الماء وفي محيط الجزر والمستنقعات.

 

181


173

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

 

في نهايتها إلى ميدان تجتمع فيه القوّات. المياه وحقول القصب تحيط بالـ "بد"، وكان الإخوة يعيشون هناك حياتهم العادية.

 

قبل كلّ شيء توجّب علينا ترتيب وتنظيم دشمتنا. وفي تلك المنطقة، كانت الدشم عبارة عن حفرٍ صففنا في جوانبها أكياسًا رمليّة، ولم تكن تتّسع لأكثر من خمسة أشخاص. إلى جانب الحفرة يوجد نقطة حراسة، يتناوب العناصر على البقاء فيها. لم تكن تفصلنا في مياه الهور مسافة كبيرة عن العراقيّين، فتوجّب علينا مراقبة حقول القصب والقنوات المائيّة بشكل دائم. حينذاك تولّى الحاج "غلام علي بور" قيادة فصيلنا، وهو إنسان مؤمن، وقد تعطّلت إحدى يديه جرّاء إصابتها بشظيّة[1]. ومع أنّه مسؤول الفصيل، إلّا أنّه كان أقلّ خبرةً من الناحية العسكريّة من بعض الإخوة. وبالطبع، لم يسبّب هذا الأمر أيّ مشكلة بين الإخوة. والمسألة تختلف تمامًا من هذه الناحية عن الجيش، وليس بيننا من يتوقّف كثيرًا عند هذه العناوين. فكلّ شخص يؤدّي العمل الذي يتقنه بالتنسيق مع مسؤوله. كنت في دشمة واحدة مع الحاج غلام علي بور، و"همّت آقايي"، وهو من شباب "مراغه"، ومجيد الذي استُشهد اثنان من إخوته، و"محمود مونسي". لم أكن موافقًا كثيرًا على انضمام محمود إلينا لأنّه تهرّب من العمل أكثر من مرّة. ففي أيّامنا الأولى هناك حيث انشغلنا ببناء الدشمة، واستلزم ذلك وضع الأكياس الرمليّة على سقف الحفرة وفي جوانبها، لم يشاركنا العمل، وراح يقول: "لن أبقى هنا، أريد اللحاق بأحد الأصدقاء في تلك الحفرة"، ويذهب، لكنّه عاد بعد أن أنهينا ترتيب الدشمة والعمل بها ليقول: "سأبقى هنا!".

 

في بداية الأمر، لم تتوافر للحاج غلام معرفة جيّدة بي، ليعلم بأنّني إلى تلك اللحظة من الحرب، لم أكن قد مكثت لساعتين في مكان واحد

 


[1] شُفيت يد غلام علي بور في مشهد المقدّسة ببركة أهل بيت العصمة عليهم السلام، وربّما نال هناك أيضًا صكّ شهادته، ليلتحق فيما بعد بقافلة الشهداء.

 

182


174

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

وأدّيت نوبة من الحراسة! قال لي يومًا: "سيّد! عليك اليوم القيام بالحراسة مع أحد الإخوة من الساعة 12 إلى 2!".

 

ــ لا يا حاجّ! يمكنني أن أجول من الليل إلى الصباح وأحرس المكان، لكن لا يمكنني أن أحرس بالطريقة التي تريدها!

 

وقعت كلماتي ثقيلة عليه. فقال: "بالنهاية يتوجّب عليك قانونًا أن تقوم بالحراسة أيضًا!". فقلت: "لا أحبّ أبدًا المكوث في مكان واحد والقيام بالحراسة! إن أردت سأجول حتى الصباح في الـ"بد" و...". تعقّدت المسألة. المسكين لم يكن يعلم أنّه لا يمكنني البقاء هادئًا أو التسمرّ من دون حركات، وإلّا لما أصرّ كلّ هذا الإصرار. أحسست بأنّ الإخوة قد ينزعجون من هذا الأمر، لذا تراجعت عن رأيي. وفي النهاية قال الحاج غلام: "قم الليلة بالحراسة هاتين الساعتين، وغدًا نتداول في المسألة". فلم أتناقش معه أكثر من ذلك ووافقت.

 

أوّل عمل قمت به تلك الليلة بعد مرور دقائق عدّة على وقوفي في نوبتي، هو التوجّه نحو همّت آقايي، وكان مسؤول الدعم في أحد الإنشاءات(بد)، وقد استلم كيسًا صغيرًا من النقولات، ليوزّعها بين الإخوة الذين يحرسون، ولا يصيبهم النعاس بأكلها. لكنّه ربط الكيس بإحكام واكتفى بتسليح العناصر، حتّى صار معروفًا بين الإخوة بـ"البخيل". تكلّمت تلك الليلة مع "بابا" الذي كان لديه أيضًا نوبة حراسة، وقرّرنا في البدء أن نتّجه صوب همّت. كان جميع من في الدشمة، بمن فيهم همّت، نائمًا براحة وهدوء بال. وصلنا بسهولة إلى كيس النقولات، وملأنا جيوبنا بقدر ما تتّسع. وفيما كنّا نأكل خارج الحفرة، خطر ببالي، بما أنّ الجميع نيام الآن، أن نغتنم الفرصة ونذهب لنأخذ زادنا من تلك النقولات للأيّام القادمة. وهذا ما حصل، ثم عدنا إلى موقعنا. كان الوقوف في بقعة صغيرة واقعًا، عملًا شاقًا بالنسبة إليّ. وكانت أصوات

 

183


175

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

أنفاس الإخوة الذين غطّوا في نوم عميق تُسمع خارج الدشمة. قلت لبابا: "لا يصحّ هذا الأمر، من غير الإنصاف أن يناموا هم فيما نبقى نحن مستيقظين، علينا القيام بعمل ما!".

- مثل ماذا؟

- تعالَ لأخبرك!

 

عند نهاية الـ"بّد" كان هناك مكان فسيح، وقف حارس في أوّله فقط، وتُرك القسم الأكبر منه خاليًا. شكّلت تلك البقعة مكانًا خطرًا، لذا حرصوا على أن تُحرس ليلًا ونهارًا، وأقيم فيها أيضًا برج للمراقبة. إلّا أنّ المكان كان واسعًا بحيث لا يمكن لعدّة حرّاس تغطيته. فكّرت بأن نذهب لتفقد تلك البقعة هناك، وعند عودتنا نشرع بالصراخ بأنّ العراقيّين يتقدّمون! مشى "بابا" خلفي فيما كنت أبرّر له ما سأفعل: "لا يصحّ لهؤلاء أن يناموا هكذا في الخطوط الأماميّة، فقد نبدأ في الغد بتنفيذ العملية.."، وبعد أن قمنا بجولة في الـ"بد"، هرعنا إلى الدشمة ورحنا نصرخ: "العراقيّون! انهضوا! قوموا من نومكم!". استيقظ كلّ من في الدشم المجاورة على صراخنا، وهرعوا إلى الباحة: "أين هم؟ من أين أتوا.. ومن رآهم؟..".

ــ نحن رأيناهم، كانوا يصعدون من تلك الناحية من الـ"بد".

 

تجافت أعين الجميع عن النوم. سمّر الحاج غلام نظراته في عيني وقال بهدوء: "تقدّم أنت رويدًا رويدًا، وسنتبعك". فأجبته بصوت متمتمًا: "إن لم يكن في الأمر مخاطرة، فلتتقدّم أنت!".

 

عندما رأى الحاجّ بأنّني لم أتقدّم، تقدّم بنفسه، حاملًا في يديه قنبلتين يدويتين، وسار بحذر في الاتّجاه الذي أشرنا بأنّ العراقيّين قد جاؤوا منه! كنت قد أوصيت "بابا" بأن لا يتفوه بأيّ كلمة قد تكشف كذبتنا. شيئًا فشيئًا اقتربنا من آخر الـ"بد"، وعمدتُ أحيانًا لرمي بعض الحصى

 

184


176

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

في الماء وأقول: "ها هم! كأنّني أرى أحدهم هناك!"، فخاف بعضٌ فعلًا، وصار يتنصّت ليسمع صوتًا. وهكذا، فقد ذهبنا إلى آخر الـ"بد" ولم نجد شيئًا. اشتعل الحاج غلام غضبًا، وتوجّه إليّ وقال: "لا إشكال في ذلك، غدًا سأتكلّم مع السيّد صمد بشأنك!". وكان يقصد بذلك "صمد زبردست" مسؤول السريّة. لم أتراجع أو أستسلم فقلت: "لم يأتِ العراقيّون إلى هنا ليحتلّوا المكان، بل جاؤوا لجمع المعلومات، الذين رأيناهم كانوا مئة في المئة عناصر معلومات.. نحن الذين لم نشتبك معهم".

 

عاد الإخوة إلى دشمهم، وكان علينا البقاء في موقعنا. وما هي إلّا دقائق حتّى سألت صاحبي: "بابا! لِمَ لا يحرس عناصر الجيش هؤلاء؟!"، وكنت أقصد أولئك العناصر الثمانية أو التسعة من الجيش الذين يتمركزون في باحة تشبه الـ"بد"، وقد وضعوا فيها أكوامًا من التراب أوقفوا آليّاتهم عليها، كما ثبّتوا أيضًا المدفع والشيلكا، فكانت تلك النقطة الأكثر أمنًا في الـ"بد".

- يقولون يكفي أن تقوموا أنتم بالحراسة! ولا حاجة معها إلى حراستنا!

- هكذا إذًا؟! ينبغي لهذا الخطّ أن يُطهّر الليلة!

 

أظنّ أنّ قوّاتنا التي خدمت هنا قبلنا، عوّدت عناصر الجيش على الغنج والدلال! فلم يقوموا بالحراسة إلى تلك الليلة، وحصروا مهمّتهم في إطلاق المضادّات باتّجاه الطائرات العراقيّة المغيرة. فكّرنا ماذا سنصنع معهم. التفتنا في البدء إلى الشيلكا، كان لمدافع الشيلكا قبضات، إذا ما فُكّت تعطّلت تلك المدافع. لقد وصل الشغب إلى ذروته. قال "بابا": "تعالَ نفكّ مدافعهم ونضع الأخشاب مكانها!".

- لا يا عمّ، إنّ في الأمر مخاطرة، قد تأتي الطائرات العراقيّة فجأة، ماذا سنفعل حينها؟ علينا أن نجد فكرة أخرى!

 

خطرت على بالنا الصفائح المعدنيّة التي تُستخدم في بناء الدشم

 

 

185


177

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

والخنادق. وضعنا واحدة منها أمام باب دشمة عناصر الجيش، وقفت عليها ورحت أقفز في الهواء، فعلتُ ذلك عدّة مرّات، فهرع أهل الدشمة على أثر طنينها مذعورين إلى الخارج! خرجوا بالشورتات والفانيلّات مسرعين نحو الشيلكا! فرحنا نضحك على مناظرهم! وما هي سوى لحظات حتّى انتبهوا لما يجري.

- لِمَ فعلتم هذه الفعلة؟!

- أنتم قولوا لي، لِمَ لا تقومون بالحراسة؟!

- آها! هذا يعني أنّك أنت من تقوم بالحراسة؟!

- أجل... هكذا هي حراستنا!

 

لم نتوصّل معهم إلى نتيجة، وتوجّهوا إلى دشمتهم ليكملوا نومهم. لكنّني أيضًا لم أتراجع، إذ أسندت الصفيحة إلى مكان ما، ورحت أرمي عليها الحجارة من وقت لآخر... وهكذا، إلى أن أنهيت ساعتي الحراسة.

 

في صباح اليوم التالي، ذهب ثلاثة أشخاص من بينهم "محمود دولتي"، إلى الأخ صمد واشتكوا إليه أمرنا. يبدو أنّ هؤلاء ذهبوا الليلة الماضية بالتزامن مع أعمال الشغب التي قمنا بها، ليستطلعوا مواقع العدو، وعند العودة ضلّوا طريقهم وجاؤوا من جهة الـ"بد" خاصّتنا، ليجدوا أن لا أحد يقوم بالحراسة هناك، فخرجوا من الماء وانصرفوا. بالطبع، من لطف الله وعنايته أنّنا لم نرهم حينذاك، وإلا لظننّا أنّهم من الأعداء، ورميناهم بالنيران. قال محمود دولتي للأخ صمد: "بالأمس، عند الواحدة بعد منتصف الليل، كنّا بالقرب من الـ"بد" الخامس ولم يكن هناك من يحرس المكان!". نادانا الأخ صمد، واستوضح المسألة، فلم نستسلم بدورنا وادّعينا أنّنا رأيناهم أيضًا وعرفناهم ولذلك لم نرمهم! قلنا ذلك بنحو جعلهم يصدّقوننا، وبدل الشكاية راحوا يعتذرون منّا: "أي والله، لقد عرفتمونا ونحن داخل الماء و...". من ناحية أخرى جاء

 

 

186


178

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

همّت مشحونًا غيظًا، وراح يشكونا إلى الأخ صمد: "لقد سطا أحدهم البارحة على المؤونة، وهذان من فعلا ذلك!". كان يقول هذا ويصلّب على صدره كما يفعل المسيحيّون! تعبيرات غريبة تلك التي رأيناها في همّت فرحنا نضحك. لكن قبل أن يكشف هو حقيقة خداعنا، لم يصدّقه أحد. راح يتوسل الجميع ليصدّقوه ويقول: "إنّ بابا والسيّد أكلا البارحة كلّ الفستق الذي كان بحوزتي!". فأجابه الأخ صمد: "قبلك جاء أيضًا من يشتكي منهما، وتبيّن أنّ الحقّ معهما. وتريد أنت أيضًا تحميل هذا السيد مسؤولية تقصيرك!". ورحت أتظاهر بالمظلوميّة. وحان دور الحاج غلام الذي توجّه إلي وقال لي: "سيّد، لم أعد أريد منك أن تقوم بالحراسة!". كان صباحًا رائعًا!

 

بناءً على قول مسؤول فصيلنا، أُعفيت من الحراسة ما دمنا في الـ"بد"، إلّا أن أتطّوع أنا بذلك. وبالطبع، بادرت لذلك وتطوعت فقط للحراسة بدلًا عن أحدهم.

 

تختلف الجزيرة عن سائر خطوط العملية. فهنا، لم تحصل المواجهة مع العدوّ وجهًا لوجه، بل فقط في المعابر المائيّة وحقول القصب. ذلك أنّ مساحة اليابسة صغيرة، ولولا المزاحات والعلاقات الحميميّة بين الإخوة، لثقل علينا تحمّل الظروف الصعبة.

 

إحدى تسالي الإخوة في الجزيرة كانت اصطياد السمك. مضى ثلاثة أيّام على مجيئنا إلى الجزيرة ولم أستطع إلى حينها اصطياد سمكة واحدة. وحيث كنّا قد علمنا سلفًا بأنّنا قادمون إلى الجزيرة، فقد أحضرنا معنا شباك الصيد والمعدّات اللازمة لذلك، لكنّني في هذه الأيّام القليلة لم أستطع أن أصطاد شيئًا بهذه الشبكة. وحين رأى الإخوة معاناتي، قالوا إنّه يمكنني الاصطياد بسهولة عبر استخدام

 

187


179

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

القنابل الصوتيّة التي بالطبع لم تكن حينها مورد حاجة، وباتوا أحيانًا يستخدمونها في صيد السمك. رفعت شبكتي وتعلّمت كيفيّة الاصطياد بواسطة القنابل الصوتيّة. فعندما نلقي إحداها مباشرة إلى الماء، تنزل إلى القعر ولا تفيد كثيرًا في تحقيق الهدف المطلوب. أمّا حين نسحب عتلة القنبلة ونعدّ بضع ثواني ثمّ نرميها، تنفجر على مسافة قريبة من سطح الماء. في المرّة الأولى التي اتّبعت فيها هذه الطريقة، لم أصدّق عينيّ، إذ رأيت السمك يطفو بكثرة على سطح الماء! وهو يتخبّط من عصف الانفجار، ويبقى طافيًا على الماء لدقيقتين أو ثلاث، ومن ثمّ يشرع بالحركة ويلوذ بالفرار! أصبحت ماهرًا في الأمر! فكنت أباشر العمل فورًا بعد انفجار القنبلة، وأجمع ما يقرب من نصف كيس من السمك الحيّ، فأطبخه وأتناوله مع الإخوة، أو أعطيه لسائقي شاحنات التجهيزات وعناصر الإشارة.

 

ذات يوم، ذهب "مونسي" إلى الأخ "صمد زبردست" وأخبره بقضية الصيد. فما كان منه إلا أن جاء إليّ للتحقيق، وسألني: "سيّد! أخبروني أنّك تستخدم القنابل الصوتيّة في صيد السمك!".

- من قال هذا؟!

- مونسي!

- لا يقول الحقيقة!

 

نظر الأخ صمد إلى كمّ السمك الكبير الذي اصطدته وقال: "إذًا، كيف اصطدت كلّ هذا السمك؟".

- لقد ألقى العراقيّون قذيفة وسقطت هنا، واستغللت أنا الفرصة!

 

حدّق بي الأخ صمد وقال: "مضى شهر على وجودي هنا، ولم أرَ قذائف العدوّ تسقط في هذه الناحية، فيما لم يمضِ على وجودك هنا يومان، وتقول لي إنّ قذيفة سقطت هنا!". لم أنثنِ وقلت: "سيّد صمد، أنا لم

 

188


180

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

آخذ وعدًا من العراقيّين بقصف المكان أو عدمه! ها هم الآن قد قصفوا المكان واصطدت..!". كان خندق الأخ صمد يبعد عنّا قرابة الخمسمئة متر، وواقعًا أنّ القذائف العراقيّة سقطت أحيانًا على بعد خمسين مترًا، لكنّها لم تسقط أبدًا في المكان الذي اصطدت فيه. لم يجادلني الأخ صمد كثيرًا، وابتعد عنّي والبسمة تعلو شفتيه. وللإنصاف، كان كثير من الإخوة يقفون إلى جانبي في مشاغباتي. بعد ذهابه، وبينما انشغلت بتنظيف السمك، وإذ بي أرى مونسي واقفًا أمامي. قال لي: "سيّد! أعطني سمكة من فضلك...".

- لا يمكن، فهذه السمكات قد قُصفت يا صاح!

 

انتهزت الفرصة المناسبة لتسوية حسابي معه. إلى أن قال المسكين في النهاية: "لن أتدخّل في شؤونك بعد اليوم يا صاح! ومهما فعلت لن أخبر أحدًا!". لكنّني لم أتراجع، وبعد تلك الحادثة أخرجناه من دشمتنا.

 

في الجزيرة، كنّا نبقى مبلّلين من شدّة الرطوبة. لذا، وكي لا نصاب بالروماتيزم، قدّموا لنا غالبًا اللبن والثوم كوجبة غذائيّة. لكنّني لم أقنع بذلك، وطوال الفترة التي قضيتها في الجزيرة لم آكل من طعام الفرقة إلّا قليلًا! فبالإضافة إلى السمك، لفتت نظري أحيانًا، الطيور والبطّ البرّي الذي يعوم على وجه الماء أو يتنقّل بين حقول القصب، فوضعت خطّة لاصطيادها. جمعت شرائط التلفون القديمة وربطت طرفها بالقضيب (المعدني) الموجود في المكان الذي تُنظّف فيه الأواني. كنّا هناك نستخدم قطعًا كبيرة من الكاوتشوك بمنزلة جسور، فأعددت لنفسي قاربًا هو عبارة عن قطعة كبيرة من الكاوتشوك فرّغتها من الداخل بمساحة متر تقريبًا، بحيث يمكنني الجلوس فيها براحة. وبعد أن أصطاد الطير، كنت أركب القارب وأمسك بطرف الشريط، وأتقدّم

 

 

189

 


181

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

في الماء إلى حيث سقوط الطير، آخذه ثم أمسك من جديد بطرف الشريط وأسحب نفسي نحو الـ "بد".

 

وكنت بعد تنظيف الطيور وطبخها أعدّ سفرةً معتبرة. كان الأخوة في أغلب الأوقات يعدّون البطاطا المطبوخة للفطور.

 

أمضينا أوقاتًا جميلة في الجزيرة، وأصبحت العلاقة بين الإخوة أكثر وديّة. ومع أنّ طبيعة المنطقة الجميلة قد حدّتنا قليلًا، إلّا أنّ سكون حقول القصب والماء الذي لم يكن يكسره سوى أصوات البطّ البرّي والطيور، كان ينسينا قساوة الحرب. أمّا السباحة في ذلك الجوّ فطالما بدت ممتعة جدًّا إلى جانب فراخ البطّ التي ما إن يقترب المرء منها حتّى تغوص مباشرة في الماء وتظهر من ثمّ على بعد خمسين مترًا. كم راقتني شقاوتها ولعبها.

 

ذات يوم، وبينما كنت أسبح، وإذا بأحدهم يقطع عليّ صمتي وهدوئي.

- سيّد! أسرع، نريد أن نقصف!

 

كانت في المكان ثلاث مدفعيّات، تباشر القصف كلّما لاحت لها آليّات الجيش العراقي. سبحت مسرعًا باتّجاه الـ"بد"، وبدأت نيران المدفعيّة تعمل، ليتبعها ردّ المدفعيّات العراقيّة. ما إن خرجت من الماء وتمدّدت على الجسر، حتّى سقطت قذيفة مدفعيّة في المكان الذي سبحت فيه تمامًا. ولو كنت واقفًا حينها لنلْتُ نصيبي عددًا من الشظايا. قمت بعد لحظات، وركضت نحو دشمتنا. العراقيّون يمطرون المنطقة بنيران مدفعياتهم، ولم تتسنّ لي الفرصة حتّى لأرتدي السروال والقميص، فظهرت مثارًا للضحك. وقد رأى بعضهم للمرّة الأولى جسدي المشظّى بنحو كارثيّ (جرّاء الإصابات السابقة)، فصار يحدّق بي مذهولًا.

 

مرّ ذلك اليوم على خير، لكن بعد يوم أو يومين وقعت حادثة أخرى حيّرتنا جميعًا، على الرغم من أنّني تهرّبت مرات من الحراسة، إلّا أنّني

 

 

190


182

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

برعت في تنظيف الأواني. وكنّا نغسلها في ناحية من الجسر حيث تتجمّع فيها المياه النظيفة نسبيًّا. وبينما استغرقت في أحد الأيام بالجلي هناك، وإذ بقذيفة تسقط إلى جانب الطريق، فارتميت بنحو عجيب في الماء، وكأنّ أحدًا أو شيئًا دفعني بقوّة. حرت في أمري، وكذا الإخوة. اجتمعوا حولي متسائلين: "ماذا حصل؟!"، وحين خرجت من الماء، وقع نظري على شظيّة كبيرة، هي التي ارتطمت جهتها الملساء بظهري، ورمتني بقوّة في الماء. حملتها ورحت أتأمّلها فيما تناهت أصوات الإخوة إلى سمعي: "ماذا فعلت مع الله حتّى دفع عنك البلاء؟!". حقيقةً، لو أصابتني تلك الشظيّة بحجمها الكبير من الجهة الأخرى لمزّقت كلّ ظهري، ويعلم الله ما كان سيحلّ بي!

 

لم نتخلَّ عن شغب الفرار من المنطقة. وكان علينا للذهاب إلى الأهواز اجتياز خمسة إلى ستّة حواجز، لم يكن عبورها بالأمر الهيّن، ما يجعلنا نحتاج إلى تصاريح، فصرنا نعبر كلًّا منها بحجة معيّنة. فنركب مثلًا آليّات الفرق الأخرى، فيظنّ هؤلاء بأنّنا في عداد قواتهم. عندما نصل الأهواز، نمكث هناك يومين أو ثلاثة ومن ثمّ نعود. ذات يوم، لفت انتباهي غياب "بابا". فتّشت عنه كثيرًا فلم أجده. علمت أنّه ذهب وحيدًا إلى الأهواز. مرّ يومان وإذا به يعود حاملًا معه خمسة كيلوات من الرّمان. ما إن اقترب منّي حتّى ضحك وقال: "تعال كلّ الرمّان، فلهذه الرمّانات حكاية". سألته عمّا جرى، فقال: "أردت أن أشتري رمّانًا من بائع بسط بضاعته على صينيّة بالقرب من نهر كارون، وكان الاتّفاق على أنّ الكيلو بخمسة وعشرين تومانًا. فأراد أن يتحاذق عليّ وبدأ يضع في الكيس كلّ رمّانة متعفّنة ولم أرَ حبّة واحدة جيّدة. اعترضت عليه وعلا صراخنا. قلت: "لم أعد أريدها!". فقال: "إن لم تعد تريدها، سأحملك وأرميك في الماء!". كان الجوّ متوتّرًا، وكنت وحيدًا، ورأيته حقًّا يغوص في

 

 

191

 


183

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

الخيال. أفرغت الرمّانات على الصينيّة، فراح يلاحقني، صرت أدور حول الصينيّة وهو يلحق بي. وجدت أنّه لن يعتقني. فرفعت الصينيّة بوجهه، ووقعت جميع الرمانات على الأرض. وهنا، بدأ جميع الباعة يلاحقونني. تملّكني الخوف. ومن بعيد رأيت عددًا من عناصر الجيش قد تدخّلوا ووقفوا بجانبي. عندها شرع الباعة برشقنا بما لديهم من الفاكهة، وواجهناهم بالمثل أيضًا! حدثت فوضى عارمة، ولو وصلوا إلينا لكانوا أبرحونا ضربًا! في النهاية، وصل شباب من الهيئة وخلّصونا من بين أيديهم. وهذه الرمّانات اشتريتها من مكان آخر! كل الآن...".

 

كان لعناصر الجيش دشمة بالقرب منّا، ونصبوا منصّة لصواريخ الكاتيوشا في أوّل الـ "بد" إلى جانب بئر النفط، التي تبعد مسافة كبيرة عن دشمتهم. لقد اطمأنوا بأنّهم وبعد إطلاقهم لصواريخ الكاتيوشا، سيكونون ودشمتهم في مأمن من مدافع العدوّ التي تمطر المكان بوابل نيرانها، ما يعرّضنا لسقوط شهداء وجرحى في صفوفنا، الأمر الذي جعلنا ننزعج منهم.

 

ذات يوم وفيما كنت عائدًا للتوّ من الأهواز، رأيت بالقرب من دشمة قيادة السريّة وسط الـ "بد" عبد الحسين أسدي ـ هو نفسه الذي توطّدت علاقتي به في مخيّم "شهداء خيبر"، ومن أداء دور "لوريل وهاردي"، وغالبًا ما شاكسنا بعضنا بعضًا. حين رآني ناداني ضاحكًا: "سلام سيّد! من أين قدومك؟!"، قلت: "من الأهواز". بعد السلام والسؤال عن الأحوال توجّهت إلى دشمتنا. دقائق وسمعت صوت إطلاق صواريخ الكاتيوشا بالتزامن مع رفع أذان الظهر. كنت في الدشمة وشعرت بأنّ قذيفة سقطت بالقرب من منصّة الكاتيوشا. لم أكترث للأمر، وما هي سوى لحظات حتّى رنّ جرس الهاتف أن: "أرسلوا لنا مسعفًا بسرعة، فقد أُصيب أحد الإخوة"، قلقت وسألت : "من هو؟!".

 

192

 


184

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

- أسدي!

خرجت مسرعًا من الدشمة وركضت إلى أوّل الـ "بد"، فرأيت أسدي وقد أُصيب إصابة بالغة وهو يتوضّأ. ضمّد المسعفون جراحه ونقلوه إلى سيّارة الإسعاف. نظرت إليه بقلق. لم تكد تمضِ فترة حتّى سمعنا بخبر استشهاده وهو في المستشفى. تذكّرت صفاءه وحميميّته ولحظات السرور التي كان يبتدعها من أجل الإخوة. انقبض قلبي بشكل غير عادي، لكنّني حاولت جهدي إخفاء غمّي عن الإخوة لكي لا يؤثّر ذلك على معنويّاتهم. دائمًا ما كان قلبي ينفطر لشهادة الإخوة، لكنّني أبذل وسعي لئلّا يظهر ذلك عليّ، وأقول: "هذه هي الحرب، وقد حقّق الشهداء مرادهم".

 

لم يكن عناصر الجيش يحرسون في الخطوط الأماميّة. فكنّا نعتبر عدم مساعدتهم عادةً سيّئة. في البداية، عندما رأيناهم ينامون في الملابس الداخليّة (شورت وبروتال) ضحكنا عليهم، لكن، شيئًا فشيئًا وجدنا أنّهم اعتادوا على الأمر ولم يعودوا يكترثون للمسألة، والحال أنّنا اعتبرنا النوم على تلك الحال في الخطوط الأماميّة أمرًا غير مستساغ. لذلك صرنا نعمل على إزعاجهم، ونطلق أحيانًا الرصاص بالقرب من دشمتهم لنعكّر عليهم صفو نومهم فلا يشعروا بالراحة التامّة! بعد مدّة اتّخذوا قرارًا آخر. كان يوم الجمعة حين رأيناهم ينقلون وسائلهم تاركين الدشمة. سألت قائدهم: "أين تذهبون على بركة الله؟!".

- لِمَ؟! وهل تريد اللحاق بنا؟!

- لا يا عمّ...

- حسنًا نحن ذاهبون إلى أوّل الجادّة!

 

لم أكن لأصدّق أنّهم انتقوا أوّل الجادّة للاستقرار هناك، وكلّنا نعلم بأنّ الجادّة، وبسبب تردّد السيّارات والآليّات عليها، كانت دومًا عرضة لقصف المدفعيّات العراقيّة. لكنّ تحديد مواقعهم كان بيدهم، وقد

 

193


185

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

اختاروا أسوأ الأماكن بنظرنا. أمّا بالنسبة إليهم، فقد اعتبروه مكانًا جيّدًا لأنّه قريب من كبينة الاستحمام، كما إنّ الطعام يصل إلى هناك بوفرة، فيما تقلّ كميته عند وصوله إلينا. ومهما قلنا لهم إنّكم مخطئون في التموضع هناك، لم يقتنعوا، فذهبوا واستقرّوا على طرف الجادّة.

 

بعد يومين أو ثلاثة، قرّرت و"بابا" الذهاب للاستحمام. خرجنا من الـ"بد" ووصلنا إلى الجادّة. لقد دأب العراقيّون على رميها بالنيران، لكنّ القصف اشتدّ ذلك اليوم. بدأنا نزحف حينًا وننهض حينًا. ليس باليد حيلة، فقلت لبابا: "لنعد أدراجنا! فمع دويّ الرصاص هذا لا يمكن الوصول إلى الحمّام، فضلًا عن الاستحمام براحة وهدوء!". لكنّ "بابا" رفض: "لقد قطعنا كلّ هذه المسافة، لتقول لنعد أدراجنا، عمّا قريب تنتهي المسألة!". تابعنا مسيرنا، لكن، كلّما اقتربنا أكثر اشتدّ القصف أكثر! وصلنا إلى نقطة قريبة من دشمة عناصر الجيش، وفجأةً رأينا الدشمة تطير في الهواء جرّاء قذيفة مدفعيّة سقطت عليها مباشرة! واجهنا مشهدًا مريعًا. فالعناصر الخمسة أو الستّة الذين كانوا نائمين في الدشمة سقطوا شهداء بنحو مفجع! آلمنا ذلك المشهد جدًّا، فرجعنا من هناك منزعجين وغاضبين. لم ينتهِ ذلك اليوم بحادثة الدشمة. فعند الظهر، ذهب الأخ "علي شكوهي" السائق في تجهيزات الكتيبة، ليحضر الطعام إلى الإخوة. وهو أيضًا مسؤول التسليح في الكتيبة، ونشطٌ في قسم التجهيزات. ولأنّ أمّه طبيبة متخصّصة في طهران، تكفّل بحقن الإخوة عند الحاجة والمرض، والاهتمام بأمورهم من جميع النواحي، من دون أن يُقلّل ذلك من شأنه كشخص مرح ومصدر سعادة للإخوة. كان برفقة مونسي وأحد الإخوة الآخرين يسيرون مسرعين على الجادّة، فجأة سقطت قذيفة مدفعيّة أمام سيّارتهم. وصادف أنّ سيّارة أخرى كانت قادمة من الجهة المقابلة، ففقد السيطرة على السيّارة لتسقط في الماء مباشرة! بعد جهد جهيد، وكسر زجاج السيّارة تمكّنوا من الخروج

 

194


186

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

والوقوف على ظهر السيّارة، وراحت بما فيها من قدور الطعام تغرق في الماء! قالوا لنا فيما بعد: "بدأنا نصرخ ونصرخ إلّا أنّ أحدًا لم يسمع استغاثتنا، كنّا واقفين على ظهر السيّارة والماء قد وصل إلى ركبنا. من حسن الحظّ أنّ السيّارة توقّفت عن الغرق. صحنا كثيرًا إلى أن التفتت إلينا إحدى السيّارات التي كانت تعبر الجادّة...". في النهاية جاؤوا من الكتيبة برافعة وانتشلوا السيّارة من الماء، وانتهى اليوم بتسجيل مثل هذه الحوادث.

 

في الجزيرة أمضى الشباب أيّامًا صعبة بسبب شدّة الرطوبة وطبيعة المنطقة الجغرافيّة، لذا، وبعد قرابة الخمسين يومًا من استقرارنا في الـ"بد"، جاءت الأوامر لنا بترك المنطقة. مضينا حاملين معنا ذكرياتنا الحلوة والمرّة عنها، وسرنا بالحافلات الصغيرة إلى الخطوط الخلفيّة، لكنّ حادثةً أخرى وقعت في أثناء العودة. قبل وصولنا إلى تقاطع الإمام، شاهدنا طائرة عراقيّة، تحلّق وتجول وكأنّها تتحيّن الفرصة المناسبة لقصف الحافلة التي كنّا فيها. قلنا للسائق: "توقّف لنختبئ في مكان ما، وما إن تذهب الطائرة، نكمل طريقنا". قال: "اصبروا حتّى نصل إلى تقاطع الإمام وهناك نتوقّف!". وقبل أن نصل إليه ، مالت الطائرة نحونا بسرعة، وانخفضت على مقربة منّا، وفي تلك الأثناء، أُطلق صاروخ من مضادات الـ"x ـ1"[1]، التي كانت قد نصبت حديثًا في المنطقة. وقف شعر بدننا من الخوف، داس السائق على المكابح وترجّلنا جميعًا من السيّارة. لقد مرّ صاروخ الـ"x ـ1" فوق رؤوسنا على علوّ بضعة أمتار. دوّى صوته قويًا بحيث ظننّا بأنّه ارتطم بالحافلة! قلت لـ"بابا": "طوال هذه المدّة


 


[1] على الرغم من أنّ لدفاعات"x ـ1" الآليّة قائدًا، إلّا أنّها تعمل على الكهرباء بشكل آلي، وبمجرّد أن تصبح الطائرة في مرمى نيرانها، تطلق تلقائيًا صاروخًا نحوها. كانت مهمّة القائد تتمثّل فقط في توجيه الآلة نحو الطائرة، وليس له أيّ دور في الاستهداف والإطلاق.

 

195


187

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

التي قضيناها في الجزيرة لم يحصل لنا شيء، أخاف أن يصيبنا مكروه الآن ونحن خارجون منها!". لم تدعنا الطائرة وشأننا، وبقيت تحلّق فوق رؤوسنا، فهي إمّا قد جاءت للاستطلاع، أو لتغير علينا ولم تستطع. تابعنا مسيرنا، وتابعت الطائرة تحليقها فوق رؤوسنا من دون أن تأتي بأيّ فعل إلى أن خرجنا من الجزيرة.

 

انتقلنا من الجزيرة إلى ثكنة تقع بالقرب من مصفاة "الأهواز". بقينا هناك ثلاثة أيّام إلى أن جاءت الأوامر بذهاب القوّات في إجازة. غالبًا ما كانت القوّات في الجبهة تنقسم إلى ثلاث فئات. فئة تحضر فصليًّا كالمزارعين الذين يلتحقون في فصل الشتاء، وطلّاب المدارس والجامعات الذين تغصّ بهم الجبهات في فصل الصيف، وفئة تحضر في الجبهة صيفًا وشتاءً وقد أصبحت الجبهة شغلهم الشاغل وكلّ حياتهم. تأخّرت العملية، ولم يرق للعناصر الذين يحضرون في الجبهة فصليًّا الانسحاب إلى الخطوط الخلفيّة من دون أن يشاركوا فيها، فبقي بعضهم في الجبهة توقًا للمشاركة في العملية ولتُكتب لهم الشهادة. في ذلك الوقت، انتاب جميع الإخوة إحساس غير عاديّ. شهور مرّت على عملية خيبر، كُشِفَتْ خلالها ثلاث عمليات، وكانت دعايات العدوّ المغرضة وأخبار وسائل الإعلام الأجنبيّة ظالمة ومحبطة. لقد تحمّل المجاهدون ضغوطًا كبيرة، فقد بقوا في الجبهة لفترات ولم يتمّ تنفيذ أيّ عمليّة! ولهذا ومع كلّ هذه الأحداث التي وقعت في تلك الفترة، والأعمال التي قمنا بها، كنّا نظنّ، بأنّنا لم نفعل شيئًا، وذهبنا في إجازة بهذه الحال المعنوية.

 

ما إن تحرّك القطار حتّى بدأ المزاح والشغب. كانت الوجهة طهران،

 

196

 


188

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

ولكلٍّ منّا برنامجه فيها. أراد بعضٌ زيارة حرم المعصومة في قم، وبعضٌ آخر أراد زيارة الشاه عبد العظيم الحسني، فيما عزمتُ وآخرون على التوجّه إلى "بهشت زهراء" (روضة الشهداء). لدينا فرصة إلى العصر، موعد تحرّك القطار نحو تبريز، فأحببت في هذه الفترة أن أذهب لزيارة "بهشت زهراء" التي تمدّني بالمعنويّات كما لو أنّني شاركت في عدّة عمليات، قبر الشهيد بهشتي، الشهيد مصطفى شمران، آية الله طالقاني، والشهداء المجهولين و... حيث إلى جانب قبور أولئك الشهداء العظام يمكن استلهام الكثير من القوة والعزيمة والمعنويات للمضي قدمًا في الجهاد والمقاومة... ومع أنّ الشهداء كانوا يسقطون في الجبهة أمامنا، إلّا أنّني أعيش شعورًا من نوع آخر عند زيارة قبورهم في المدن، ورؤية ردود فعل أهاليهم الذين يجسّدون مشاهد رائعة هناك. طالما اعتبرت أنّ السنوات الطوال التي قضيناها في الجبهة والجهود التي بذلناها تصغر أمام صبر الأُسر والعوائل، وتضحيات الشهداء وعظمة الحرب. رأيت هناك والدة شهيد أعدّوا لها غرفة صغيرة وضعت فيها بعض الأغراض لتعيش إلى جانب قبر ولدها. كان عوائل الشهداء عندما يروننا ويدركون من ملابسنا وهيئاتنا أنّنا مجاهدون، يغمروننا بالمحبّة ويخجلوننا بكلامهم. يبحثون فينا عن ذكرى من أعزّائهم، فتقوى عزيمتنا برؤيتهم. من أجل كلّ هذه الأمور، عشقت زيارة قبور الشهداء دومًا.

 

كنت حينها برفقة "أيّوب ضربي"، "حسن باقران" وبعض الأصدقاء الآخرين، إضافة إلى شخص آخر تعرّفت إليه حديثًا، ولم أعلم وقتها إلى أين ستصل هذه الصداقة. يُدعى "أمير مارالباش".

 

بالنسبة إليّ ، لم تكن هذه إجازة بالمعنى الصحيح، فبالكاد ذهبت

 

 

197

 


189

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

حتّى أردت العودة. أكثر ما كان يدعوني للمجيء في إجازة هو رؤية العائلة والأصدقاء، رغم عدم امتلاكي الكثير لأخبره للإخوة في المقرّ (في المدينة)، فلم ننفّذ أيّ عملية في تلك الفترة، واعتقدتُ أنّنا لم نفعل شيئًا يستحق الذكر. أردت فقط التحدث إلى أولئك الذين التحقوا بالجبهة منذ ثلاثة أشهر ويريدون الآن إنهاء خدمتهم. قلت لهم إن قرّرتم العودة بعد ثلاثة أشهر إلى المدينة فستخلو الجبهة، شاركوا بالحدّ الأدنى في عمليّة من العمليات ثمّ عودوا إن أردتم. أحيانًا كنت أحدّث الإخوة عن ذكرياتنا في الجزيرة وعن معنويّات المجاهدين وشغبهم. هناك، بدأت ألتقي بأمير مارالباش أكثر من ذي قبل، وبدأت أكتشف معدنه. سبق ورأيته مرّة واحدة في صلاة الجمعة، بصحبة فرج قليزاده، وأراد أن نصبح أصدقاء، لكنّني لم أهتمّ لذلك. لم أعتد اتخاذ الأصدقاء بتلك البساطة، أمّا حين يصبح أحد ما صديقًا لي، أخلص له حتى النهاية. حينذاك لم أكن ودودًا مع أمير، لكنّنا تعرّفنا إلى بعضنا بعضًا أكثر في القطار أثناء العودة إلى تبريز، وبقينا على تواصل في المدينة. ذات يوم اصطحبني إلى منزلهم، وهناك أخبرني قصّة حياته. قال إنّ والديه تجمع بينهما صلة القرابة، وإنّ خاله كان من رجال السافاك (المخابرات الإيرانيّة زمن الشاه)، فاستغلّت أمّه موقعيّة أخيها، واستولت على أموال أبيه وممتلكاته كلّها ثم انفصلت عنه. أمير الذي كان يبلغ من العمر خمس سنوات يذكر جيّدًا الأيّام القاسية التي قضاها برفقة أبيه وأخيه، ويقول: "بعد تلك الحادثة، استأجرنا غرفة، وضعنا سريرًا في زاوية منها كنّا ننام نحن الثلاثة عليه. أمّا أبي، فأضحى يعمل في حياكة السجّاد لتحصيل لقمة العيش، ويتدبّر أمورنا بالأجرة الزهيدة التي كان يتقاضاها".

 

انقلبت أحوالي عند سماع ذكريات طفولة أمير، وقصة الهبوط من القمّة إلى درجة الحاجة للُقمة تسدّ الرمق. لكنّ الصبر والحياة العزيزة ليسا شأن الجميع. بكيت تلك الليلة وحدي.. ورحت أفكّر في أمير

 

 

198


190

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

الذي اسمه في الهوية "هوشنك"، وقد التحق بالجبهة منذ سنّ الرابعة عشرة، كم كان إنسانًا عظيمًا وجديرًا بالصداقة. لقد عانى كلّ صنوف الحرمان، ورغم ذلك عندما أصبح شابًّا يافعًا وقف نفسه للجبهة. ليس أمير وحده من عاش حياةً قاسية، فمعظم شباب الحرب القدامى، تدرك عندما تتحدّث إليهم أيّ حياة شديدة وصعبة أضنتهم. على كلّ حال، أصبح أمير وعائلته أصدقاء عزيزين عليّ، وتوطّدت علاقتي بهم أكثر مع مرور الأيام، وسرعان ما سرت هذه الصداقة إلى عائلتي، فصاروا كلّما رأوني يسألون عن أمير مباشرةً.

 

كنت في الفترات الفاصلة بين العمليات وفي الإجازات، أتابع علاج جراحاتي الحديثة والقديمة. فبعد إصابتي في عملية مسلم بن عقيل، حدثت لي مشاكل جمّة. إضافة إلى جراح بطني ورجلي العميقة، تغيرت تقاسيم وجهي، فشظية شوّهت أنفي، وأخرى سحقت عظام خدّي وفكّي الأيمن بالكامل، أمّا عيني اليمنى فقد ضعفت قدرتي على الإبصار بها بسبب الرضوض التي أثّرت على أعصابها. كان وجهي قد تشوّه، بفعل هذه الجراح، بنحو كان كلّ من يراني للمرّة الأولى يتسمّر في مكانه مدهوشًا! لم تكن القضيّة قضيّة جمال الوجه، بل ابتُليت بمشاكل أكثر أهمية، فقد تعطّل أنفي عن العمل، وصرت أعاني حتى من مشاكل في التنفّس. كما إنّ فكّي الأيمن راح يتورّم مع الوقت عندما كنت نحيلًا في البداية، وصرت أعاني عند التكلّم والأكل. وبالطبع، ومع استمرار الحرب، تغيّرت طبيعة هذه الأزمات، وسأتكلم عنها.

 

بعد إصابتي، أُجريت العمليّة الأولى في وجهي في مستشفى كرمانشاه، ولا أذكر شيئًا عنها. وفي مشهد أيضًا أُجريت عمليّة ثانية لوجهي، لم تأتِ بنتيجة، فبقيتُ كما كنت، أعاني مشاكل كثيرة بسبب فقدي لأنفي.

 

199


191

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

لم يكن ممكنًا أن أذهب في إجازة ولا أذهب إلى عيادة الطبيب أو إلى المستشفى. في تلك الفترة كنت قد تعرّفت حديثًا إلى أمير عندما أعطاني الأطباء في تبريز بطاقة لإجراء عملية جراحية لأنفي في طهران. كانت البطاقة باسمي، لكن من غير الممكن أن يبقى أمير في تبريز في تلك الظروف وأغادر إلى طهران وحدي.

 

ذهبنا معًا إلى طهران، وكان من المقرّر أن ننزل في فندق قريب من مؤسّسة الشهيد، لا يمكن الدخول إليه سوى من خلال البطاقة التي أعطوني إياها، فحاولت وأمير بكلّ الوسائل عبور مداخل الفندق. غالبًا ما كنت أصعد إلى غرفتي، وأرمي له البطاقة ليدخل بدوره بواسطتها. لم تكن تحدث أيّ مشكلة في ذلك بسبب عدم وجود صورة على البطاقة، فظلّ أمير برفقتي دومًا. احتوت الغرفة على سرير إضافيّ، ذلك أنّ معظم المجاهدين الذين يأتون إلى طهران للعلاج، كانوا ينزلون عند أقاربهم. المشكلة فقط في الطعام، حيث يقدّمون وجبةً واحدةً مقابل كلّ بطاقة، ثم يضعون علامةً عليها. أحيانًا كان السطو على الطعام غير ممكن، فصرنا نخرج ونشتري الطعام بأنفسنا. بعد عدّة أيّام من الذهاب والإياب والمعاينات الأوّليّة وإجراء التحاليل اللازمة، تقرّر إدخالي في جامعة طهران إلى مستشفى صغير متخصّص في عمليات الأنف والأذن والحنجرة. أخبروني هناك أنّهم سينزعون قطعة من عظم الرجل وقطعة من لحم الجبهة ليزرعوهما في أنفي المعطوب، فيرتفع قليلًا ويبرز.

 

عندما دخلت المستشفى، بطل مفعول العمل بالبطاقة تلقائيًا، فقصد أمير منزل أحد أقربائه ليبيت لياليه هناك، ويأتي في الصباح الباكر ينتظر أمام البوابة حتّى يحين موعد الزيارة، وذلك في تمام الثانية بعد الظهر. أصبح يشتري لي طعام الفطور ويعطيه للحارس ليسلّمه لي، وعند الثانية ظهرًا أراه على باب غرفتي حاملًا معه الطعام مجدّدًا.

 

200

 


192

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

اعتدت وجوده إلى درجة صرت أشرع بالتذمّر بمجرد أن يتأخّر لدقيقة أو دقيقتين عن الساعة الثانية، وأقول: "أمير! أين كنت إلى الآن؟!؟". لم أذق بعد تلك الأيام شيئًا من لحم الكبد والمرطبات ألذّ طعمًا من تلك التي كان يحضرها أمير.

 

أخيرًا أُجريت لي العمليّة لتبدأ مشاكل ما بعد العملية. الجزء الذي أُخذ منه العظم في رجلي، بدأ يؤلمني أكثر من أنفي وجبيني بأضعاف مضاعفة، وكان جرحي يُفتح وأتلوّى من شدّة الألم عندما أسعل، وقد أكّد عليّ الممرّضون بأن أتجنّب السعال، وألّا أتحرّك لعدّة أيّام. حاولت جاهدًا تحمّل كلّ شيء على أمل أن تؤتي العمليّة ثمارها، ويصبح لديّ أنف في وجهي. في اليوم الخامس أُذن لي بالخروج من المستشفى. كانت نتيجة العملية مرضية، وقد ظهر مكان الأنف في وجهي إلى حدٍّ ما. قام أمير بكلّ الترتيبات لنعود إلى تبريز. خرجنا من المستشفى المجاور لجامعة طهران، واتّجهنا نحو "ميدان انقلاب". لم تقدّم في ذلك الوقت أيّ تسهيلات للجرحى بعد خروجهم من المستشفى، فلزم أن نركب الحافلة أو أيّ وسيلة أخرى للعودة إلى مدينتنا. كان أنفي مضمّدًا، وبينما سرنا في "ميدان انقلاب" في طهران لنركب سيّارة أجرة تنقلنا إلى موقف الحافلات، لفتني شخص يركض نحونا بسرعة، لا أعلم لِمَ كان مسرعًا إلى هذا الحدّ، وفي ظرف ثوانٍ وصل إلينا، ومن دون أن يلتفت إلى أنفي المضمّد ضربني بمرفقه ضربة قويّة على وجهي! كدت أغيب عن الوعي. لم أعد أرى أمامي، وبدأت الدموع تنهمر من عيني، أمّا وجهي فشعرت وكأنّ نارًا هبّت فيه. أمسكت برأسي لدقائق وجلست على معبر المشاة. صفعني عديم المروءة بقوّة على أنفي المزروع فهشّمه من جديد وبدأ ينزف بشدّة. أعادني أمير إلى المستشفى وهو مضطرب وخائف، وذلك من دون أن يلتفت أحد في زحمة المستديرة إلى ما حدث لنا!

 

أخبرنا من في المستشفى بما حدث، فعاينوا جرحي لكنّهم لم يوافقوا

 

201

 


193

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

على دخولي من جديد. قطعت الأمل من كلامهم: "لقد تهشّم هذا العظم من جديد! ولا يمكن إجراء عمليّة ثانية لك قبل أن يتحسّن القطب ويتعافى جرحك قليلًا، بعدها نرى ما نفعل...".

 

انقبضت أحوالنا جرّاء الألم والتعب والإرهاق، إضافة إلى هذه الحادثة السيّئة. وعلى تلك الحال، عدنا أدراجنا لنركب سيّارة إلى موقف الحافلات. المسكين أمير بات من فرط محبّته وعاطفته أكثرَ قلقًا منّي. غادرنا طهران على وقع تلك الصدمة العنيفة.

 

وجهتنا الأولى في تبريز كانت المستشفى. لم يتمكّنوا من فعل شيء سوى تغيير الضماد. عدت إلى البيت وبقيت فيه عشرة أيّام بتمامها طريح الفراش. أجواء أواخر الخريف في تبريز باردة وقارسة فلم أبدِ استعدادًا حتّى للذهاب إلى الطبيب. وعند تغيير ضمادات جرحي كنت أرى ما حلّ بالعظم وكيف ظهر من تحت الجلد! غيّرتُ كلّ يوم ضمّادي بنفسي، وعاينتُ لون العظم وهو يتغيّر ويتآكل، إلى أن سحبته يومًا ورميته بعيدًا! قال الطبيب إنّه عليّ الانتظار خمسة أشهر لإجراء عمليّة أخرى. وتحرّرت من التفكير بأنفي لمدّة، وخطّطت وأمير للذهاب إلى الجبهة مجدّدًا.

 

عدت وأمير إلى الفرقة. قيل لنا إنّ العملية على الأبواب، وستُرسلون إلى منطقة ما من أجل التدريب، ومن هناك تذهبون مباشرة إلى منطقة العملية. لم يخبرنا أحد عن مكان التدريب.

 

فقد كُشفت عدة عمليات بعد عملية خيبر وإلى ذلك اليوم، لذا صار شباب الاستطلاع يعملون جاهدين وبجدّيّة على حفظ المعلومات، كما إنّنا بدورنا لم نكن نصرّ على

 

202

 


194

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

تقصّي مكان التدريب.

 

بعد يومين أو ثلاثة، ركبنا الحافلات في عتمة الليل. أُسدلت ستائر النوافذ، كما أُسدلت ستارة فيما بيننا وبين السائق وذلك حتّى لا نرى الطريق. كان الذهاب إلى التدريب أمرًا سارًّا ومفرحًا بعد انقطاع طويل عن العمليات.

 

مع طلوع الفجر ترجّلنا من الحافلات. قال صديقنا الحبيب علي أكبر مرتضوي مباشرة: "هنا الهور!"، كان محقًّا، فبعد قليل علمنا أنّنا في منطقة في هور الهويزة تُدعى "كَسور". على بعد خمسة عشر كيلومترًا من "بستان" هناك جادّة تؤدّي إلى منطقة بعيدة عن الاشتباكات، مغطّاة بالقصب والأشجار الصغيرة، يمرّ فيها نهر جارٍ. المنطقة واسعة وخالية من القوّات، وكان "بابا" واثقًا بأنّه يعرف المنطقة ولا أحد غيره يعلم أين نحن. لم يكن الصباح قد أسفر عن وجهه بالكامل، عندما بدأنا نتموضع في أماكننا، وإذا بنا نسمع صوتًا غريبًا.

- إنّها أصوات بنات آوى!

 

ومهما حاولنا العثور عليها بين الشجيرات لم نفلح. بعد قليل ظهر قطيع من الأبقار، يبدو أنّها كانت تخصّ مزارعي القرى المجاورة "لبستان"، وتركوها خلال الحرب فبدأت تصبح وحشية تدريجيًّا. الوقوف وجهًا لوجه أمام قطيع من البقر الوحشي بلا شك أمر خطر. فيما بعد طلب الإخوة إجازةً لقتل هذه الأبقار، فجاء الجواب: "لا تقتلوها، لكن يمكنكم الاستفادة من حليبها!"، لم يكن لذلك معنى، حيث لم نجرؤ على الاقتراب من تلك الأبقار، فكيف بنا نحلبها ونستفيد من حليبها!

 

بدأنا العمل منذ اليوم الأوّل. فقبل انتقال كتيبة الإمام الحسين عليه السلام إلى منطقة التدريب، جاء عدد من الإخوة لاستطلاع المكان وتحديد أماكن السرايا، ونُصبت الخيام بسرعة. وهناك علمنا أنّنا سنخضع

 

203


195

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

لدورة في التدريب على الغطس. عدد قليل من الإخوة بيننا يعلمون كيفيّة الغطس، وقد خضعوا سابقًا في عملية خيبر لدورة مختصرة فيه.

 

نحن في أواخر خريف1984وبداية فصل الشتاء، والجوّ بارد جدًّا إلى درجة أن طبقات من الجليد غطّت الأرض في ساعات الصباح الأولى. بدأت التدريبات. أرعبونا في البداية. قالوا سنذهب إلى داخل حقول القصب لنتعلّم السباحة، ومن ثمّ نتعلّم الغوص وقيادة الزوارق في مكان أوسع. من المقرّر أن يخضع كلّ عناصر الكتيبة لدورة في التدريب على الغطس، لكنّ مجموعة قليلة منهم فقط ستشارك في العملية كغوّاصين.

 

دخلنا الماء عن طريق رصيف الميناء الذي بني مع جسر خيبر. برودة الماء تنخر العظام. بدأت أسنان الجميع تصطكّ من شدّة البرد، أمّا أنا فشعرت بأنّني أُصبت بالشلل. بعد ساعة أو ساعتين كنّا نخرج من الماء، وندخل خيمة أعدّها شباب التجهيزات على رصيف الميناء نفسه، ودفّأوها بالمدافئ النفطيّة، ليباشر الإخوة في قسم التجهيزات العمل، حيث يستقبلوننا بالتمر المحشوّ بالجوز. كنا نبقى فترة على تلك الحالة حتّى نعود إلى حالتنا الطبيعيّة. خلال يوم أو يومين بدأت جراحي تؤلمني من جديد، تأذّيت، إلّا أنّني لم أكن لأتخلّى عن هذه الدورة. فقد كنت أجيد السباحة، إلا أنّها تختلف عن الغوص الذي أردت تعلّمه بإصرار. لم يتشدّد المدرّبون معي عند التفاتهم إلى وضعي الجسدي، أمّا أنا فقد نحّيت جراحي وآلامي جانبًا لأبقى مع الإخوة إلى آخر الدورة وأشارك في العملية.

 

خلال فترة التدريب اهتمّوا بنا جيّدًا من الناحية الغذائيّة. وفّروا كلّ شيء بكثرة، خاصّة الأغذية الغنية بالطاقة. فراح الإخوة يقولون مازحين: "إنّهم يهتمّون بنا جيّدًا ليستهلكونا جيّدًا!". تحت ذلك المطر الشديد، وفي ظلّ البرد القارس، والتدريب على الغوص، تلعب التغذية الجيّدة بلا شك

 

204

 


196

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

دورها، فتقوّي إلى حدٍّ ما أجساد الشباب، وإلّا فكلّنا يعرف بأنّه لا يمكن تحمّل تلك الظروف إلّا من خلال قوّة الإيمان وقوة الدافعية.

 

حينذاك كان البيض متوافرًا إلى درجة أنّ الإخوة صاروا لا يأكلون منه سوى الصفار. وقد علّمنا علي شكوهي كيف نخلط البيض بالسكّر ونأكله، وكان لذيذًا ومغذّيًا. أمّه طبيبة، فعرف هو أيضًا كيف يهتمّ بالوضع الصحّي للإخوة، فمن احتاج منهم إلى حقنةٍ أخذه إلى خيمة وُضع في وسطها حرام وحقنه هناك. كان إنسانًا ودودًا وأكنّ له المحبّة.

 

وكانت أُعدّت في المنطقة خيمة خاصة للطبابة، يوجد فيها طبيب يعالج عوارض الإخوة الصحّيّة، ويداوي من كان بحاجة منهم إلى التداوي، لكن أحيانًا كانت تسوء أحوال بعضهم من شدّة الصقيع، فيضطرون إلى إرسالهم مع حارس إلى الخطوط الخلفيّة، ليعودوا بعد أن يتلقوا العلاج اللازم. إلى ذلك اليوم لم أكن قد رأيت مثل تلك الدقّة والمراقبة من قبل معلومات المنطقة.

 

الشيء الوحيد الذي كان ينقصنا ونحتاجه بكثرة هو الحمّام. بدأ الإخوة العمل، فلحّموا بعض قطع الحديد وصنعوا منها موقدًا وضعوا فوقه برميلًا مكشوف السطح، وأوقدوا النار تحته. كما ابتكروا خرطومًا مدّوه إلى الحمّام، فأصبح بإمكاننا الاستفادة منه عند الضرورة، لكن بقيت مسألة تأمين الماء، إذا كان يجري بالقرب من تلك الناحية بشكل موحل وغير صالح للاستحمام، فكنّا غالبًا ما ننقل ماء المطر المتجمّع في حفرة ونفرغه في برميل، ونسدّ حاجتنا به.

 

انقضت خمسة عشر يومًا من التدريب هناك. ذات يوم استيقظنا من نومنا، فقيل لنا إنّ علينا الذهاب في إجازات لمدة أربعة أو خمسة أيّام. بدا الوجوم والقلق على الجميع: "لعلّ الأمر...!". بقينا حتى الليل حيث قالوا لنا إنّنا سننتقل بالطائرة. كان خبرًا سارًّا ومطمئنًا، فلم نعد

 

205


197

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

مجبرين على المكوث ثمانيَ وأربعين ساعةً في القطار! ركبنا الحافلات ليلًا، وخرجنا من المنطقة كما دخلناها، تحت إجراءات مشدّدة للمعلومات. طلبوا منّا أن لا نرفع ستائر النوافذ، وللإنصاف، فقد امتثل الإخوة لهذا الأمر. حتمًا، كنّا نسمع في المنطقة التي تدرّبنا فيها أصوات القذائف المدفعيّة العراقيّة التي تسقط على "بستان"، وعلمنا أنّنا على مقربة منها. كما استطعنا التخمين من نوعيّة التدريب بأنّ العملية الآتية ستكون برمائيّة، لكنّ احتمال القيام بتنفيذها قد ضعف بنظرنا بسبب مغادرتنا المنطقة.

 

توقفنا في ثكنة للفرقة[1] أنشئت حديثًا في دزفول، وأطلقوا عليها اسم "شهداء خيبر"، منتظرين تحرّكنا نحو المطار والسفر إلى تبريز. مكثنا هناك ليومين من دون أن نقوم بأيّ عمل محدّد، إلى أن أُبلغنا بوجوب التحرّك نحو مطار دزفول فهببنا جميعًا وانطلقنا. لم نعلم أيّ رفاهية تنتظرنا!

 

فوجئنا بزحمة المطار. فمعظم كتائب الفرقة سبقتنا إلى هناك، علي الأصغر، علي الأكبر، الإمام الحسين عليه السلام، الهندسة، التجهيزات العسكريّة و... وكانوا يقولون لنا باستمرار: "يُمنع حمل الرصاص والقنابل وكاميرات التصوير و..."، وقفنا في صفوف طويلة متعرّجة أحيانًا بغية التفتيش الجسدي، وحين رأيت ذلك الصفّ المتعرّج علت صرختي: "لا أستطيع الوقوف كلّ هذا الوقت في الصفّ!". فكنت في الأماكن التي تتعرّج فيها الصفوف وتقترب من بعضها، أندسّ في الصفّ الأمامي، ويتبعني بعض الأشخاص ويندسّون خلفي، ليعلو صراخ الإخوة: "يا سيّد! قف في الصفّ". ومع كلّ ذلك الاحتيال والغش، بقيت منتظرًا منذ وصولنا في الصباح، إلى قرابة الظهر! بدأ الإخوة بالاستهزاء

 


[1] لقد غُيّر اسم هذه الثكنة بعد شهادة قائد فرقة عاشوراء المحبوب في عملية بدر ليصبح "ثكنة الشهيد باكرى".

 

206


198

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

والسخرية خلال وقوفهم في الصف، وكانت سخريتهم ممتعة. أحدهم قال إنّه صفّ الحليب، آخر قال: "صفّ الخبز، و...". ضقنا ذرعًا من الزحام والحرّ. أخيرًا جاء دورنا للتفتيش، وحيث لم نكن نحمل أيًّا من الممنوعات، عبرنا بسرعة. دخلنا قاعة المطار، لنجد هناك صفًّا آخر بانتظارنا: "صفّ الدخول إلى الطائرة". لم أصدّق أنّ كلّ هذه الجموع ستنتقل إلى تبريز في طائرة واحدة، لكن القرار بأن يحشر الإخوة أنفسهم مهما أمكنهم على متنها. أخيرًا كُحّلت أعيننا برؤية جمال الطائرة. وأيّ طائرة! لم تكن تشبه من الداخل الطائرات في شيء. لم يكن فيها مقاعد ولا أيّ وسائل أخرى، لقد نُزع حتّى غلاف هيكلها الداخليّ. أمّا المسارب الهوائيّة التي تسرّب الهواء منها أحيانًا بشدّة، فمنحتنا انزعاجًا كافيًا! هذا مضافًا إلى الأرضية المليئة بالقضبان المعدنيّة، ولا يمكن الجلوس عليها.

بعد الأمطار التي انهمرت صباحًا في دزفول، ووقوفنا في المطار تحت أشعّة الشمس الحارقة، خلعنا جميعنا ملابسنا وبقينا في الفانيلات. لقد تعرّقنا من شدّة الزحام واقعًا. فيما كان قائد الطائرة يطلق نداءه دومًا: "لحفظ الإمام وسلامته، صلوات على محمّد وآل محمّد!".

 

207


199

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

- صلوات ليُفتح طريق للإخوة الذين لم يدخلوا بعد!

 

الوضع يشبه يوم القيامة. حُشرنا جنبًا إلى جنب بحيث يصعب علينا التنفّس، فكيف بالتحرّك من أماكننا وإطلاق الصلوات! وقائد الطائرة يقول: "أريد أن أوصلكم إلى تبريز في ظرف ساعة وأربعين دقيقة. زحزحوا الآن أنفسكم كيفما كان ليتّسع المكان للجميع!". صعد الإخوة بعضهم فوق أكتاف بعض، إلى أن أُقفلت الأبواب. كانت حركة الطائرة مثل شخص بدين يتأرجح مع كلّ خطوة إلى هذه الناحية وتلك، ما جعل ذلك سببًا لسخرية أكثر الإخوة: "لإقلاع الطائرة صلوات على محمّد وآل محمّد!". أقلع الطائر الحديدي فملنا جميعًا إلى الوراء، وعلا أنين الإخوة: "آخ لقد متُّ! انغرز القضيب في ظهري!... لا أستطيع التنفّس!...".

 

أحيانًا كان الإخوة يبالغون في الأمر، ضحكنا كثيرًا إلى حدّ آلمتنا خواصرنا. برأيي إنّها كانت طائرة خاصّة بشحن الذخائر ونقل الحمولات، وربّما تصلح لنقل الجرحى، أمّا أن يركب فيها عدّة كتائب بتلك الحال، فهي حادثة لن تتكرّر، لكنّها أصبحت لنا ذكرى، بقينا لفترة طويلة ما إن نتذكرها يُغشى علينا من الضحك! رافقتنا طوال فترة تحليقنا ثلاث أو أربع طائرات حربيّة، إلى أن دخلنا بالنهاية سماء تبريز سالمين. انخفضت الطائرة. ولكنّها لم تستطع الهبوط. كانت حالنا تشتدّ سوءًا مع كلّ حركة وتجنيح، الأجساد المبلّلة عرقًا، والمحشورة جنبًا إلى جنب، وأصوات الأنين أو الضحك... إلى أن حطّت الطائرة بعد دورة فوق سماء المدينة.

 

ما إن فُتح الباب حتّى جرى تيّار هوائي مثلج إلى داخل الطائرة. وراح كلّ من يخرج منها يجري بسرعة نحو الباب الخارجي للمدرج. وعلى ما يبدو، فقد أبلغوهم من دزفول بأيّ وضع أتينا، لذا، فقد هيّأوا الحافلات، لكن كان يفصلنا عنها حاجز حديديّ ذو قضبان كثيرة، لم يُفتح قبل مجيئنا. ركض الجميع نحو الحاجز، وكنت من أوائل الواصلين إليه، لكنّ الحارس لم يتمكّن من فتح قفله. تدريجيًّا ازدادت الجموع واحتشدت كلّ لحظة عند الحاجز لتشكّل ضغطًا كبيرًا عنده. تعرّضتُ لكبسة شديدة بجانب قضبان الحاجز بنحو أحسست بأنّ قفصي الصدريّ سينكسر! ودخل رأسي بين قضيبين من شبك الحاجز، نور على نور! وكانت المسافة بين هذه القضبان لا تتّسع لأعبر بجسدي من خلالها. علقت حقًا: "أكاد أموت! لا تدفعوني!.. أكاد أموت!". صرخت بقوة، لكن من كان ليصدّق كلام نور الدين عافي المشاغب؟ رحت أستنجد بالواقفين أمامي في الجهة المقابلة وراء الحاجز أن يدفعوا برأسي إلى الخلف لعلّي أتحرّر.

 

208

 


200

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

وبلطف الله وعنايته خرجت من تلك المعركة سالمًا. فُتحت الحواجز.. توجّهتُ نحو الحافلات وأنا أرتجف خوفًا من الاختناق ومن برد تبريز القارس. ركبت الحافلة العاملة على خطّ شارع بهار قاصدًا منزل أخي، ووصلت إليه بعد ساعة. وكنت عازمًا على المكوث هناك ساعةً أيضًا، ومن ثمّ أتوجّه إلى القرية، لكن، لحسن الحظّ، وجدتُ العائلة كلّها مجتمعة هناك، وفرحوا جدًّا لقدومي. بعد السلام وتقبيل الجباه، سألتني الوالدة قبل الجميع: "هل أتيت بهذه الطائرة؟".

- أجل!

- لاحظت أنّها غريبة، لقد استغرقت وقتًا حتّى حطّت!

 

وبحضور الوالد، قصصت على الجميع ما جرى معنا في الطائرة، فضحكوا وضحكوا. وحين أنهيت حديثي وانتهى الضحك، بدأوا بتأنيبي، كأنّ الكيل كان قد طفح منّي. تحدّثوا عن مشاكل البيت، وقال والدي لي: "بني! لا يصحّ أن تبقى في الجبهة إلى الأبد!".

- ما الذي حصل؟

- يا أخي ذهبت إلى هناك ولم ترجع. إنّ مدّة "خدمة العلم" أربعة وعشرون شهرًا، وقد قضيت إلى الآن هناك أربع سنوات!

- أجل! سأبقى ما دامت الحرب قائمة. لا تحدّثني في هذا الشأن أبدًا، وفيما عدا ذلك، فأنا حاضر لتنفيذ كلّ ما تطلبه... بالمناسبة، هذه ليست "خدمة"، إنّها شيء آخر!

 

بتنا في الفترات الأخيرة نخوض في مثل هذه الأحاديث في أيّام إجازتي، فصرت أحدّث نفسي حينذاك بأنّ حتّى عوائل المجاهدين لا يعلمون بما يدور في الجبهة. أمّا نحن الذين خُضنا في قلب الحدث، ووعينا وضع الجبهة بكلّ وجودنا، فلم نكن نستطيع نسيانها. وكلّما سرنا قدمًا وعرفنا المزيد من الأمور، كبرت مسؤوليّتنا وتضاعفت. أساسًا،

 

209


201

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

اعتبرنا أنفسنا مُلكًا للجبهة، بينما لم ينظر الناس في المدن إلى المسألة بهذا الشكل. لم تكن تلك الأسئلة والأجوبة جديدة، لكن أسلوب الكلام اختلف. ثم إنهم تكلّموا وتكلّموا إلى أن قالوا: "أنت لا تريد أن تتزوّج؟!".

- لِمَ لا، هذه فكرة جيّدة!

 

أذهل جوابي الجميع. كأنّهم كانوا يتوقّعون أنّني سأتهرّب من هذا الأمر. هذه المرّة، حين سمعوا ردّي الإيجابي، تصدّى والدي للحديث قائلًا: "إن أنت تزوّجت، ماذا تريد أن تفعل؟ وأين ستبقى؟...".

- يا أبي، الله كبير، أي ألا يمكنه تهيئة مكانٍ لي؟!

 

كنت أعلم جيّدًا، أنّهم أرادوا جميعًا من خلال زواجي أن يلزموني بالعيش في المدينة. ويبدو أنّهم قد تداولوا في المسألة، وكانوا فقط ينتظرون عودتي. عندما رأيتهم جادّين فيما يقولون، ذهبت إلى قائد كتيبتنا أصغر قصّاب، وأخبرته بأنّ أمرًا ما قد حدث، وعليّ أن أبقى في تبريز لخمسة أو ستّة أيّام إضافيّة. فقال الأخ أصغر: "لا إشكال في ذلك! عند عودتك، تعال إلى مقرّ الفرقة".

 

في البيت، وُضع الحديث عن شروط الزواج على نار حامية. لكنّني أيضًا لم أنثنِ، وقلت أنا من ينبغي أن يضع الشروط، لا أنتم ولا العروس. أنتم اسعوا أن تجدوا من توافق على شروطي.

 

يومها، أخبرت أمير مارالباش بما حدث. ورغم أنّه كان يصغرني سنًّا إلّا أنّه أصبح من أقرب المقرّبين إليّ، ولم نعد نحتمل الابتعاد أحدنا عن الآخر في أيّام الإجازة، فإمّا أن أكون في بيته أو يكون في بيتنا. قال أمير: "لا إشكال في ذلك، أعطني صورةً من صورك". كما أخبرت اثنين آخرين بالأمر، أحدهما صديقي "حسن خوشبو" الذي طلب أيضًا صورةً لي، وقال إنّه يعرف فتاةً قد تقبل بشروطي. انتقيت من بين صوري، الأسوأ

 

210


202

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

منها وأعطيتها له، الصورة التي تُظهر تمامًا وجهي المهشّم. فيما انتقت أمّي صورةً لي قبل الإصابة. أيّ قلب تمتلكه الأمّهات...! حقًّا، كيف كان وجهي، ولم أكن قد لحظت ذلك إلى حينها. تمنيت أن لا تقبل بي أيّ فتاة بتلك الهيئة. لقد خفت فعلًا من أن أنشغل في المدينة، ولا أدرك العملية التي تعبت لأجلها ستّة أو سبعة أشهر! ومع أنّني قبلت بأمر الزواج في الظاهر، إلا أنّني في قرارة نفسي كنتُ ما أزال متردّدًا وكنت واثقًا من أنّ الزواج سيضاعف من مسؤوليّتي. تذكّرت كلام أحد الإخوة الذي يقول: "هناك حالتان في الالتحاق بالجبهة لا ثالثة لهما، إمّا أن تعود أو تموت. وإن متَّ فهناك حالتان، إمّا أن يعود جسدك أو تصبح مفقود الأثر. وإن عدت فهناك حالتان، إمّا أن تعود سالمًا أو معطوبًا..."، وهكذا، كان هو يسترسل في الكلام ونحن نضحك. لكنّني بتّ الآن أفكّر في الأمر. عندما رأى حسن تردّدي قال: "أنت الذي تريد البقاء في الجبهة، إن استشهدت غدًا، فلن يكون هناك من يخلفك ويكمل طريقك..."، يا لها من ورطة! فأمّي والعائلة شرعوا بالتفتيش بشوق وحماسة عن الفتاة المناسبة لي، فيما أقنعت نفسي: "صحيح، أنّ الله لن يتركني وحيدًا، لكن لا بأس بوجود أحد يخلف الإنسان...".

 

عندما تحدّثتُ إلى أمّي وعلمتْ في أيّ عالم أنا، غضبتْ منّي. أحيانًا كنت أعاندها وأستفزّها إلى أن ننفجر أخيرًا بالضحك. الجميع يسعون في زواج السيّد نور الدين الذي لا يملك فلسًا واحدًا. فإلى ذلك الحين، لم أعمل سوى في الجبهة، والـ(2200) تومان التي أتقاضاها، أنفقها في التنقّلات أو في الإجازات على الطعام والمصاريف الضروريّة، ولا أدّخر منها شيئًا. كان أبي غارقًا في عمله ولم أتوقّع منه شيئًا. لكنّ أمّي بادرت بعملها بكلّ اندفاع. جاءني بعض الإخوة الذين عرفوا بالأمر وأخذوا صورًا لي ومشوا. بلغ الأمر حدًّا علت فيه صرختي: "إن كان من المفترض أن يأخذ كلّ واحد صورة لي، سأجد أمامي في النهاية كتيبة من الفتيات!".

 

211


203

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

والحال أنّ واقع الأمر لم يكن بهذا الشكل. ذات مرّة جاءت أمّي وقالت رأينا فتاةً جيّدة وأعجبتنا، لكنّك أنت لن تقبل. قلت: "وكيف ذلك؟". قالت: "بشرطك الذهاب إلى الجبهة فلن تسير الأمور كما ينبغي".

- إذًا، دعكِ من هذا الأمر. شرطي الأوّل هو: ما دامت الحرب قائمة، سأظلّ في الجبهة!

 

فكّرت يومها أكثر في تلك المسألة، سأجنّ فعلًا إن نُفّذت عملية وأنا في المدينة! فقد أصبحت قصّتنا مع الحرب كقصّة السمكة والبحر. لم أكن مستعدًّا لأستبدل مشقّات الجبهة كلّها، بجوعها، وقلّة نومها، وحزنها، بيوم واحد في المدينة أقضيه براحة بال.

 

لم تطل المدّة حتّى أخبروني بأنّ فتاةً قد قبلت بكلّ شروطي وتُدعى "معصومة أشرفي". جاءني حسن قائلًا: "تعالَ يا سيّد لقد قبلت بك!".

- قل لي من هي التي قبلت بي وأنا بهذا الوضع؟!

 

وجاء إليّ أحد شباب المعلومات وقال: "أرى أنّك ستصاهرنا!".

- إذًا، هي من عائلتك!

- أجل، إنّها ابنة عمّي... والآن، كيف تقيّم أنت نفسك؟

 

أخذتني الضحكة. عرفت أنّه جاء من أجل التحقيق. قلت: "كما ترى! بالمناسبة، صحيح أنّك من عناصر المعلومات، لكن، تفتقد إلى الخبرة قليلًا، حيث أتيت تسألني عن نفسي. اذهب واسأل الناس عني في القرية والمحلّة".

- لا، أريد أن أسألك أنت وأعرف كيف تعيش حياتك... وماذا تعمل؟

- حياتي في الجبهة، وكلّ عمل دونها غير مهم بالنسبة إلي. كما إنّني لا أملك شيئًا، حتّى قرشًا واحدًا. وما دامت الحرب قائمة هكذا سيكون وضعي!

 

212


204

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

بالنهاية، تقرّر أن أذهب شخصيًا لرؤية الفتاة التي قبلت بي بشروطي الصعبة. علّموني في البيت ماذا أفعل وأقول، لكن، ما إن وصلت إلى هناك حتّى نسيت كلّ شيء. ومع أنّني كنت في قلبي أثني عليها لكونها قبلت بالزواج من جريح مثلي، لكنّني لم أكن مستعدًّا لأعدها بشيء. وصادف أن ضخّمت لها مشاكلي شيئًا ما وقلت: "قد أبقى أحيانًا في الجبهة لستّة أشهر من دون أن آخذ إجازة، ولا أنسحب من العمليات إلا إذا أصبت، أو إذا غيروا مهمتي. لا أملك شيئًا في أرض الله الواسعة، لقد خرب بدني ، وسأبقى ـ وأنا على هذه الحال إن أمدّني الله بالعمر ـ حتّى النهاية في خدمة الجبهة. بعدها نفعل ما يقدّره الله لنا، ونهتمّ بحياتنا!".

 

للإنصاف، لقد قبلت بكل ما ذكرت. ومع أنّها كانت تبلغ من العمر ستّة عشر عامًا، إلّا أنّها كانت مستعدّة لأن تقِفَ نفسها وحياتها وأمانيها للجبهة. لم يبقَ من كلام يُقال، وفي ظرف ثلاثة أو أربعة أيّام تمّت مراسم الخطوبة ومقدّمات العقد، وذلك بمبلغ قدّره 4500 تومان استدنته من أمير، وتمّ العقد بتاريخ 31/12/1984م. وعلى الرغم من تأخّري أربعة أو خمسة أيّام على الإخوة، إلّا أنّني تقدّمت خطوة عندما وجدت شريكة حياتي.

 

عندما رآني والدي الذي كان يصرّ على زواجي أكثر من الجميع، أودّع خطيبتي وأذهب إلى الجبهة، وكان يظنّ أنّني بالزواج سأتمسّك بالحياة والعمل، لم يعد يتكلّم معي أبدًا بشأن البقاء في المدينة.

 

213


205

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الفصل التاسع:

كربلاء بدر

 

 

انطلقت إلى الجبهة وحيدًا. في دزفول اشتريت 3 كلغ الحلوى لأكشف لغزاً للإخوة الذين كانوا على علم بشأن خطبتي، ولأولئك الذين شاركوا بالموضوع عبر أخذهم صوري. استقبلني الإخوة في مخيّم شهداء خيبر في دزفول بالمزاح قائلين: "كهنه اِئولره قاريشدون آسيد..."[1].

- اعذروني! من الآن فصاعدًا سيتبيّن من الذي توازي قوّته قوّة عدّة رجال!

 

بعد حديث الإخوة ومزاحهم، أخذني أمير جانبًا وأصرّ عليّ لأخبره من هي خطيبتي. وعندما سمع باسمها انفرجت أساريره، وعرفت أنّ بينهما صلة قرابة، وها هي الآن العلاقة العائليّة تزيد صداقتنا العميقة قربًا وحميميّة.

 

في صباح اليوم التالي، هطلت أمطار غزيرة في المنطقة. وعلى الرغم من أنّنا اعتدنا على الأمطار الموسميّة الشتائيّة في منطقة خوزستان، إلّا أنّها جادت هذه المرة مصحوبة برياح وأعاصير قلبت المخيّم رأسًا على عقب. كانت سرعة الرياح شديدة بحيث قلعت الخيام وحملت معها كلّ ما بداخلها. ولكي لا تقلع خيمتنا فقد فتحنا جانبيها بالكامل وعلّقناهما بالعمود المنصوب في وسطها بنحو أفقي. وهنا فعلت الرياح فعلها! فحملت الحقائب والملابس والبطّانيّات وكلّ شيء، كبيرًا كان أم


 


[1] من الكنايات التركيّة، وتعني أنّك رتّبت أمورك وصرت في عداد المتأهّلين.

 

214


206

الفصل التاسع: كربلاء بدر

 صغيرًا، فيما أصررنا نحن وبكلّ صلابة على الحفاظ على خيمتنا حتّى لو خسرنا كلّ أغراضنا! في تلك الأثناء، جاء أخ وقال ما عدا خيمتنا، لم يبقَ من الخيام سالمًا سوى خيمة مصطفى بيش قدم، الذي أصبح بعد انتقال صمد زبردست إلى الوحدة البحريّة، مسؤول السريّة الثانية. تعجّبت لهذا الأمر، فقال الإخوة إنّ خيمته کوريّة الصنع![1]. ما إن سمعت هذا حتّى قلت: "اصبروا، ها أنا ذاهب الآن لأجعل خيمتهم تطير في الهواء أيضًا!". كان من المفترض أن تثمر مشاغباتنا في ظلّ هذا المطر والعواصف. ذهبت إليهم متحجّجًا بالتفتيش عن أعواد ثقاب. وقفت أمام باب الخيمة وناديتهم، إلى أن سمعوا صوتي وفتحوا السحّاب ليروا من أكون وماذا أريد، وما إن فُتح السحّاب حتّى طارت الخيمة. الآن وقد حصل ما أردته، لذت بالفرار قبل أن يروني. يعلم الله كم كنت سأتلقّى من الصفعات واللكمات فيما لو عرفوني. وهكذا، بقيت خيمتنا الخيمة الوحيدة السالمة في الفرقة. بالطبع، لقد اعوجّت عواميدها جرّاء تعلّق عشرين شخصًا بها، وحمل الهواء معه كلّ أمتعتنا.

 

بعد أن هدأت العاصفة، ركب الإخوة الحافلات متوجهين إلى مساجد دزفول. كانت ليلة صاخبة. استمرّت العاصفة قرابة الثماني ساعات، ضاعت فيها أغراض الجميع.

 

في هدأة صباح اليوم التالي، بدأ البحث عن الأغراض. طارت بعض الخيام والحقائب والشنط وقد حُملت إلى جانب الساتر الترابي، وبعض الملابس علقت بأجباب الشوك، ولكنّنا لم نجد الكثير من أمتعتنا. وحين لملمنا ما وجدنا من أغراضنا من بين الوحول، أرسلونا جميعًا في إجازة إلى دزفول لتنظيفها وغسلها وهندمة أنفسنا. بقينا هناك قرابة اليومين، ليأتي الأمر بالإستعداد للمسير. توجّهنا هذه المرّة نحو منطقة التدريب.


 


[1] لم يكن ممكنًا تسرّب الهواء إلى داخل الخيمة الكورية من أيّ منفذ كان في حال إغلاق سحابها.

 

215


207

الفصل التاسع: كربلاء بدر

تغيرت أحوال الإخوة مع احتمال تنفيذ العملية ودبّ في الجميع العزم والحماسة. ركبنا الحافلات وتوجّهنا إلى منطقة التدريب تحت حماية مشدّدة، وعرفنا لاحقًا أنّها منطقة "كسور".

 

نُصبت الخيام بالقرب من نهر متصل بالهور، يغطي ضفّتيه القصب والأشجار الصغيرة. كانت تلك هي المنطقة الأفضل التي تحمينا من عيون مروحيّات العدوّ واستطلاعاته الجويّة، وقد أصبحت مقصدًا لحيوانات أليفة تُركت في سنوات الحرب فاكتسبت طباعًا وحشيّة. لذا، وجدنا أنه لا بّد لنا من القيام بالحراسة الليليّة حول الخيام، خاصة مع تربّص بعض الحيوانات التي تُشكّل خطرًا حقيقيًّا كبنات آوى.

 

كان من المقرر أن تخضع كتيبتا الإمام الحسين عليه السلام وسيّد الشهداء عليه السلام لتدريبات على قيادة القوارب. وللذهاب إلى المكان المخصّص للتدريب، ركبنا الزوارق السريعة من أمام الخيام، وذهبنا مع اتّجاه الماء إلى الهور، حيث أُعدّت باحة في قسم منه موصولة بجانب من الجسر، نُصبت فيها الخيام. ما إن وصلنا حتّى رأينا القوارب. كانت تلك المرّة الأولى التي نرى فيها القوارب، والمرّة الأولى التي تخضع فيها القوّات لدورة في التدريب على قيادتها، وقد شكّل استخدامها بهدف كسر خطوط دفاع العدوّ طرحًا جريئًا. إنّها عبارة عن مراكب سريعة يتّسع كلّ منها لثلاثة إلى خمسة أشخاص، اثنين أو ثلاثة في الوسط حيث يبلغ عرض المركب المتر الواحد، فيما يجلس شخص في كلّ من المقدّمة والمؤخّرة وهما أقلّ عرضًا. أعطونا في الأيّام الأولى دروسًا نظرية حول قيادة القوارب. كان المدرّبون من شباب الكتيبة، وقد اختفوا عن الأنظار لمدّة قبل جمع الإخوة، وذهبوا لتعلّم قيادة القوارب. شرحوا الدروس النظريّة عن الجسر، فيما نحن نستمع إليهم غير مصدّقين: كيف يمكن

 

216


208

الفصل التاسع: كربلاء بدر

لنا ركوب القارب من دون أن يسقط أو يختلّ توازنه، كيف يمكن لنا التجديف والسيطرة عليه في آن واحد، ماذا ينبغي أن نفعل في حال اهتزازه... كلّ هذا كان مجرّد كلام، وما إن تقرّر أن نصعد القوارب، حتى صار كلّ من تطأ رجلاه أرضها، يسقط مباشرة في الماء! كنّا نسقط ونبدأ بالضحك. لم يستطع أحد منافسة القارب، وعدّة قليلة استطاعت السيطرة عليه للحظات! عجبًا يا لها من صعوبة في تعلّم قيادة القوارب! فالقارب خفيف إلى درجة أنّه ينقلب بمجرّد القيام بأيّ حركة إضافيّة، ليمتلئ سريعًا بمياه الهور الباردة ويغرق، فيضطّر راكبوه إلى السباحة! وعمق الهور متفاوت من مكان لآخر، لكن لم يكن في تلك البقعة يتجاوز المترين، فانتفت إمكانيّة الغرق، وكان بإمكان الإخوة الذين خضعوا قبل الإجازة لدورة تدريبيّة في السباحة، أن يسبحوا باتّجاه الجسر أو الزوارق السريعة الموجودة في المكان ويخرجوا من الماء، هذا إن لم تتجمّد أيديهم وأرجلهم من شدّة الصقيع. وقد أُعطيت لجميع العناصر سترات واقية تشكّل لهم حماية جيّدة من الهواء اللاذع ما لم يتبلّلوا، أمّا بعد التبلّل فصار الصقيع ينخر العظام. ولم يكن وقوعنا في الماء ليعفينا من الاستمرار في التدريب. استمرّ العمل بهذه الطريقة إلى أن أصبحنا ماهرين في قيادة القارب والحفاظ على توازننا داخل الماء.

 

كانت أيّام شتاء العام 1985م غير عاديّة. كلّ يوم بعد صلاة الصبح تُقام المراسم الصباحيّة، ثم نمارس الرياضة من أجل رفع مستوى اللياقة البدنيّة. وكان التدريب على قيادة القوارب أحيانًا يُجرى قبل الظهر، وأحيانًا أخرى بعد الظهر، وقد استغرق في الأيّام الأولى قرابة الأربع ساعات. شيئًا فشيئًا بدأت ساعات التدريب تزداد، فامتدت قبل الظهر وبعده. ونحن الذين كنّا نعدّ عدم انقلاب القارب في الماء عند ركوبه نجاحًا كبيرًا، بدأوا يضعوننا في أجواء التدريبات اللاحقة. فالتجديف والحفاظ على توازن حركة القارب في الماء له حكاية أخرى،

 

217

 


209

الفصل التاسع: كربلاء بدر

مصحوبة بمشاهد وقوعنا المتتالي.

 

عندما سمعنا بأنّه من المفترض بنا السيطرة على هذه القوارب، والتجديف بها مسافة كيلومترات في أرض العدو، واختراق خطوط دفاعه بها، وأنّنا قد نضطّر للاشتباك معه من على متنها، ضحكنا تعجّبًا: "وهل يمكن ذلك؟!"، أحيانًا كنت أفكّر شخصيًّا في هؤلاء المجاهدين، وهم في الأغلب شباب تتراوح أعمارهم ما بين الستة عشر والتسعة عشر عامًا، كم يمتلكون من الاستعداد والقدرة ليتدرّبوا تدريبً قاسيًا مثل هذا، ويبلغوا حدًّا من المهارة يمكّنهم في حال الضرورة من إطلاق النيران وصواريخ الـ(B7) من على متن القارب، وكم يستطيع المرء إذا ما سقط في مياه الهور الباردة، أن يتحمّل ذلك من دون أن تتخدّر أطرافه من البرد، فلا يستطيع تحريك أصابعه لمدّة من الزمن، هذا إضافة إلى عدم تمكّنه من أخذ قسط من الراحة والنوم. أَوَيمكن... كنت أفكّر في هذه الأمور، ولكنّني أنّبت نفسي عند رؤية أحوال الإخوة: "نعم يمكن. يستطيع هؤلاء التعبويّون ذلك!".

 

أحيانًا، استوجبت الضرورة استمرارنا في التدريب لثماني عشرة ساعة في اليوم. مع مضاعفة التمرينات، واشتداد برودة الطقس، تتغيّر أحوال الإخوة أيضًا، فعندما أستيقظ في منتصف الليل أحيانًا، أجد نفسي الوحيد النائم بينهم، وأراهم مع تلك الأوضاع والظروف يؤدّون صلاة الليل بعشق...

 

في تلك الأثناء، أيقنت أنّ حال بعض الإخوة الذين أصيبوا مثلي أكثر من مرّة هي أسوأ حتمًا. ولأنّ شرط الانضمام إلى الصفوف الأولى لقوّات الاقتحام هو المهارة في قيادة القوارب -ورغبت بأيّ ثمن أن أكون في عداد هذه القوّات - فقد حاولت تناسي آلامي وأوجاعي، وعدم التخلّف عن التدريبات. وقد حصل أن سبحت في مياه الهور الباردة، فلم

 

218


210

الفصل التاسع: كربلاء بدر

أعد أشعر سوى بوخز قاتل يلفّ كلّ أنحاء جسدي، وكنت عندما أخرج من الماء بجسدي المرهق والمبلّل، أشعر وكأنّه قد تيبّس، ويكاد الهواء البارد يكسره مع كلّ هبّة لاذعة من هبّاته. والأسوأ من هذا كلّه، تشنّج عضلات فكّي. فبعد الإصابة، تلك هي المرّة الأولى التي يحصل لي مثل هذا الأمر. أحيانًا أشعر أنّني نفسي لا أعلم ماذا يحصل لي؟ أسناني تصطك بعضها ببعض فأشعر بألم شديد في الفكّ، ما يتسبّب بخلل في قدرتي على تناولي الطعام، فأضطر إلى تناول الأطعمة السائلة. بعض الإخوة عندما رأوا وضعي ووضع المجاهدين الجرحى الآخرين الذين لم يفكروا بالتراجع أبدًا، استمدّوا منّا المعنويّات وازدادت قوّتهم على الصمود. كنّا نسعى جاهدين إلى عدم التخلّف عن ركب قوات الاقتحام السعيد، والمساهمة في إنجاح العملية القادمة، وراح صفاء الإخوة وإخلاصهم يزداد مع ازدياد المشقة والصعوبة. راجت في تلك الفترة مزاحات ومصطلحات جديدة بين الإخوة، من جملتها "جورهک سودان جيخئر!"[1]. اتّخذنا المزاح رفيقنا دائمًا، لتمضي الحياة في أيّام التدريب الباردة بحلوها ومرّها.

 

تقرّر تشكيل قوّات الاقتحام من سريّة من كتيبة الإمام الحسين عليه السلام وأخرى من كتيبة سيّد الشهداء عليه السلام. فانتُخب من السريّتين نخبة العناصر للتدرّب على الغوص، كانوا بمنزلة رأس الحربة في الهجوم، توجّب عليهم الخضوع لتدريبات قاسية في تلك الظروف.

 

في تلك الأيّام، تبدّى للمناجاة لون آخر أيضًا، فأحيانًا أدّينا صلاة الظهرين جماعة على جسر خيبر وسط الهور. وربما لا يتّسع الوقت

 


[1] ويوازيه في الفارسيّة "نان از آب در مى آيد!" أي "يخرج الخبز من الماء" وهو كناية عن صعوبة الحصول على لقمة العيش المتمثّلة في الخبز. وفي مراحل التدريب القاسية، غيّر الإخوة هذا المثل تغييرًا لطيفًا ليصبح "نان از سنگ درمى آيد"، أي "يخرج الخبز من الحجر". فكما أنّ الخبز من ضروريّات الحياة ولا يتأمّن إلّا بالكدّ والتعب، فقد قادتنا ضرورات العملية إلى الماء وتلك الأحداث التي وقعت معنا.

 

219


211

الفصل التاسع: كربلاء بدر

لتلاوة دعاء التوسّل ودعاء كميل بنحو جماعيّ أو لقراءة مجالس العزاء، لكن حين يشعر القادة بالحاجة إلى ذلك، لم يكونوا يتوانون عن إقامتها مختتمةً باللطم لترتفع معنويّات الإخوة. أمّا على مستوى الخيمة والفصيل، فكان الإخوة ينشغلون ببرامجهم الفرديّة أو الجماعيّة، ويقضون ساعات استراحتهم القليلة بالصلاة وقراءة القرآن، وأحيانًا بالخلوة ومحاسبة النفس.

 

مع تقدّم التدريبات والتمارين صار بإمكاننا السيطرة على القارب بسهولة. ثم بدأنا نتدرّب بحسب قول المدرّبين على القيادة والتجديف من دون إحداث أيّ صوت أو حركة حول القارب، ولا حتى صوت الماء أثناء التجديف...

 

ذهبنا مرات عدّة على شكل طابور، نتقدّم في المجاري المائيّة، وبمجرّد أن يصدر أدنى صوت عن قارب من القوارب، نعود ونبدأ من جديد. كان ينبغي للمجداف أن لا يصطدم بجسم القارب، وأن لا يصدر عنه صوت حين احتكاكه بالماء، كما ينبغي للمجدّفَين اللذين في مقدّمة القارب ومؤخّرته أن يحافظا على التناسق فيما بينهما، وينبغي الحفاظ على المسافة بين القوارب و... انتظمنا جدّيّين ودقيقين طوال مدّة التدرّب على هذه الأمور، لكن، عُدنا نشرع الأبواب للمزاح والشقاوات بمجرّد اكتساب المهارة في الموضوع الذي نتدرّب عليه، ونطمئنّ إلى قدرتنا على ممارسته بالنحو الأفضل. تارة نضرب القارب الأمامي بمجدافنا عمدًا ليرتفع صراخ المدرّب والآخرين، ونبدأ حركتنا من جديد! وطورًا نَرِدُ من المجرى الفرعي إلى مجرى القوارب التي تتمرّن بجدّيّة وتتقدّم، لتبدأ القوارب بالدوران في المجرى ونبدأ نحن بالضحك...

 

في الأسابيع الأخيرة، واظبنا على التمارين من الصباح إلى الظهر،

 

220


212

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وبعد الصلاة وتناول الغداء على منصّة نُصبت وسط الماء، نتابع تماريننا إلى الغروب. وبعد أداء صلاتي المغرب والعشاء وأخذ قسط قليل من الراحة، نعود إلى التمارين التي تستمر أحيانًا إلى الثانية بعد منتصف الليل. وإذا ما حسبنا أوقات الاستراحة والصلاة والطعام طوال اليوم والليلة، لم تكن تتجاوز الخمس أو الستّ ساعات.

 

مع تقدّم التدريبات والتمارين، كانوا أحيانًا يأتون من المقرّ لتفقّد حركة القوارب والاطمئنان إلى درجة جهوزية العناصر. ذات ليلة، جاء الأخ مهدي باكري بصحبة أصغر قصّاب وآخرين، ليشاهدوا عن قرب مناورات القوارب واشتباكها مع العدوّ الافتراضي. أثناء المناورات، وفيما كان أحد رماة الـ(B7) يتهيّأ لإطلاق قذيفته، تحرّك القارب فانحنت القذيفة نحو الماء، وما إن اصطدمت بسطح الماء حتّى استدارت وتوجّهت مباشرة إلى المكان الذي يقف فيه القادة. في لحظة واحدة، رمى كلٌ منهم بنفسه إلى ناحية. انفجرت القذيفة، إلّا أنّ أحدًا منهم لم يُصب بأذًى لقيامهم بردّ الفعل المناسب في الوقت المناسب. وقد رأيت قبل ذلك في جزيرة مجنون للمرّة الأولى، كيف تستدير الطلقة وترجع. فحيث كنّا هناك نقعد "عاطلين من العمل" لأيّام متوالية، كنّا نعلّم الإخوة الرماية، ونستخدم الرصاص الصدئ الذي نجمعه وننظّفه بزيت الكاز وبمواد أخرى. ذات يوم، وفيما كنت واقفًا أنظر إلى الإخوة وهم يرمون هدفًا على بعد خمسين مترًا على سطح الماء، لفتت نظري أجسام تمرّ بسرعة خاطفة بالقرب منّي مطلقةً أزيزًا، حرت في أمري: "ما هو هذا الشيء؟"، لم أكن أعلم أنّها رصاصات ترتطم بالماء على زاوية معيّنة، وتستدير لتعود في الجهة التي أُطلقت منها! بلطف الله وعنايته، مرّت كلّ تلك الرصاصات من جانبي ولم تصبني. وبعد تدقيق كبير فهمنا

 

221

 


213

الفصل التاسع: كربلاء بدر

القضيّة. ومن أجل التثبّت من هذه الواقعة، جرّبنا الأمر ثانية من داخل الدشمة، فأدركنا أنّ الرصاصة إذا ما ارتطمت بسطح الماء بانحراف معين، فإنّها ترجع وتعود.

 

كنّا في بعض الليالي عندما نستيقظ ليلًا من أجل القيام بالتمارين، نقف في صفوف منتظمة حوالي النصف ساعة، ونستمع إلى حديث المدرّبين والمسؤولين حول عملنا، ولا يصدر عنّا أدنى صوت في هذه النصف ساعة. راقب المسؤولون من خارج الماء طريقة تحرّكنا وعملنا، ولفتونا إلى نقاط ضعفنا وقوّتنا. وكنّا حينها قد اكتسبنا مهارةً عالية، إلى درجة أنّنا عندما ندخل الماء، نسير بهدوء تامّ، بحيث لا يمكن إطلاقًا إدراك أنّ أحدًا هناك. مع علوّ نقيق الضفادع وأصوات الكائنات المائيّة لا يصدر عن الإخوة ما ينمّ عن حضورهم ولو بهمسة.. لقد قلّ حتّى كلامنا، واعتدنا على التكلّم بهدوء وعند الضرورة فقط.

 

استغرقت التدريبات خمسة وأربعين يومًا. وفي هذه الأيّام الصعبة لم نتخلّ عن المزاح. ذات يوم جاء إليّ أمير مارالباش قائلًا: "تعالَ ليتلو علينا أحدهم صيغة التآخيّ"، ذهبنا إلى أحد العلماء، وكان رجلًا طويل القامة من أهل زنجان، فتلا علينا صيغة التآخي. بعدها توجّه إليّ قائلًا: "تعالَ لنتآخى معًا!"، قلت: "بالله عليك، إنّ التآخي مع المعمّمين أمر صعب جدًّا!". لم يكن أحد غيري هناك يشاكس الجميع ويمازحهم، فإضافة إلى شكلي المضحك، كنت أنا نفسي مرحًا!

 

كنّا في تلك الظروف نحافظ على معنويّاتنا أحيانًا بالمزاح، وأحيانًا عن طريق مجالس العزاء، ومرّات أخرى عن طريق الفطور الجماعي. فهمنا أنّ مشاغل الأخ مهدي في تلك الفترة كثيرة، وقد منعته من المجيء لتفقّدنا سوى مرّات معدودة مفاجئة، إذ يأتي بغتة، ويراقب سير التدريب

 

222


214

الفصل التاسع: كربلاء بدر

عن كثب، ويبدي رأيه حوله. لم يحدث يومًا أن قيل لنا إنّ الأخ مهدي أو أفرادًا آخرين سيأتون الليلة لمراقبة المناورات والتدريبات، لأنّه كان من الطبيعي حينها للجميع أن يتوّخوا الدقّة أكثر، وستختلّ عندئذ درجة انتباهنا وانتظامنا خلال فترة التدريب. فقط كانوا يقولون: "افرضوا أنّ الليلة هي ليلة العملية". أصبح الإخوة يقومون بعمل رائع، يجدّفون بنحو جيّد، ويتحرّكون بدقّة ومن دون إصدار أيّ صوت. قيل لنا عدّة مرّات: "لقد أتوا الليلة الماضية من المقرّ. سلمت أيديكم! فحيث كنتم تعبرون من ذلك المجرى المائي لم يكن يظهر أبدًا بأنّ هناك قاربًا أو عناصر. بوركت أيديكم!".

 

كانت القوارب مختلفة الأحجام. منها ما يتّسع لثلاثة أشخاص، ومنها لخمسة. ويستقرّ في بعضها حاملو الرشّاشات (BKC)، وفي بعضها الآخر رماة الـ(B7)، وحين تنصب الدوشكا فوق القوارب، تكون السيطرة عليها غاية في الصعوبة، والحفاظ على توازنها يتطلّب مهارة عالية.

 

في تلك المدّة التزم الجميع بمراعاة الإرشادات الوقائيّة. فلم يهرب أحد من المنطقة، حتّى أولئك الملتزمون بالاتّصال بعوائلهم، ويستطيعون الذهاب من هناك إلى سوسنكرد، لم يقوموا بهذا الأمر. وفي تلك الفترة، حيث أدركنا حساسيّة الوضع، لم نعد نفكّر في الهروب أبدًا. انحصرت صلة الوصل الوحيدة بيننا وبين العالم الخارجي، بأحد عناصر التجهيزات الذي يحضر الرسائل إلى الإخوة. ذات يوم، جاء وجلب معه رسالة إلى أحد الإخوة، تضمّنت خبر وفاة والده، لكنّه لم ينسحب في تلك الظروف حتّى لإجراء اتّصال هاتفي. إلى هذه الدرجة سعى الإخوة جهدهم للمحافظة على سرّيّة العملية.

 

وأخيرًا انقضت أيّام التدريبات، وتقرّر أن نطبّق ما تدرّبنا عليه

 

 

223


215

الفصل التاسع: كربلاء بدر

في مناورة. سعوا لإنشاء بيئة محاكية لبيئة عملية بدر، لكن بسبب إحساسهم بأنّ العراقيّين لاحظوا تحرّكاتنا، ونظرًا لضيق الوقت، لم يفلحوا في إنجاز إنشاء منطقة تحاكي منطقة العدوّ بنحو جيّد. فأُجريت حينها مناورة صغيرة وسهلة مقارنة بالمناورات السابقة.

 

بعد إنهاء التدريبات، وبسبب قلّة القوارب، نُقلت تلك التي استخدمناها في التدريب إلى جزيرة مجنون ليلًا، ليستفاد منها في العملية. وفي هذه المدّة تمّ شرح الخريطة وأطلعونا على وضعية المنطقة ومهامنا. كان علينا التحرك قرابة التسعة كيلومترات في منعطفات الممرّات المائيّة إلى أن نصل إلى المحور الذي سنهاجم منه الخطوط الأمامية للعدوّ. نصب العدوّ في تلك المنطقة ما بين 40 و50 كمينًا، تراقب قوّات الرصد البعثيّة من خلالها حركة الممرّات المائيّة في المنطقة ووضعيّتها. ومن هناك سرعان ما تُرى أدنى حركة في المياه بسهولة، مع تماوج الماء أو تحرّك القصب، لذا، قلّما كان عناصر المعلومات يذهبون إلى تلك المنطقة مراعاة للجوانب الوقائيّة. قيل لنا إنّ آخر استطلاع أُجرِي هناك قبل خمسة عشر يومًا، وإنّ الإخوة تقدّموا حتّى وصلوا إلى مقربة من محاور الاشتباكات. كان عددٌ من المسارات المحدّدة في تحركنا هو تلك الممرّات المائيّة نفسها التي بقيت من عملية خيبر، وقد مضى الآن أكثر من سنة على تلك العملية، مع اختلاف واحد وهو أنّ العراقيّين نصبوا الكمائن في بداية الممرّات. وقد جرى التأكيد علينا في المناورة وفي تعليمات العملية أن نسعى جهدنا للعبور من جانب الكمين بهدوء ومن دون اشتباك. ومع هذا كلّه، كانت مهمّة بعض الأشخاص إسكات الكمائن. لقد نُصبت هذه الكمائن قبل كيلومترين تقريبًا من خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ، وإذا ما جرت مواجهة هناك، سيصعب علينا بلوغ الخطّ أضعافًا مضاعفة.

 

224

 


216

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وقد طلبوا منّا حتى الدخول فورًا في حقول القصب، إذا ما لمحنا قوارب العدوّ، وقالوا إنّنا لا نملك الحقّ في الاشتباك قبل البدء بتنفيذ العملية.

 

بعد التذكير بكلّ هذه الأمور، أُعطينا مدّة 24 ساعة لمتابعة أمورنا الشخصيّة، آخر الأعمال قبل العملية. أراد بعضٌ الاغتسال، وراح آخرون يكتبون رسالة أو وصية، هؤلاء انهمكوا بتنظيف سلاحهم، وأولئك انشغلوا بالصلاة والدعاء والتوسّل بأهل البيت عليهم السلام. كنّا لا نزال في منطقة التدريبات في الهور بين بستان وسوسنكرد، وما زلت أذكر جيّدًا الوصيّة الوحيدة التي كتبتها طوال فترة الحرب، تلك التي كتبتها هناك. قال لي أمير الذي أصبحت صداقتي الحميمة به على كلّ لسان: "تعالَ لنكتب وصيّة واحدة لكلينا". كانت الساعة حوالي التاسعة صباحًا حين جلسنا إلى جانب الماء ورحنا نتبادل الرأي في شأن كتابة الوصيّة.

- يا عمّ، ماذا سنكتب! لا نملك شيئًا نورّثه لأحد، ولا طلب لنا لنطلبه من أحد...

 

أخيرًا، كتبنا رسالة، وأوصينا فيها الوالدين بالصبر، وعدم الحزن إذا ما استُشهدنا وأمثال هذه الأمور. ورحت أضحك.

- لِمَ تضحك يا سيّد؟!

- يا عمّ، أنا مطمئنّ أنّه لن يصيبني مكروه هذه المرّة، وسأعود.

- ومن أين تعلم ذلك؟

- أعلم فقط!

 

كان إحساسي الداخلي يقول لي إنّني سأعود هذه المرّة سالمًا، لكنّ وضع العملية الصعب يشكّكني قليلًا. كنت عندما أتذكّر خطّة العملية، أفكّر فيما بيني وبين نفسي بأنّ الوصول بسلامة إلى خطّ الدفاع الأوّل

 

225


217

الفصل التاسع: كربلاء بدر

للعدوّ هو معجزة من المعاجز! وما الذي يمكننا فعله في قلب الماء إذا لا قدّر الله ووقع اشتباك قبل 500 متر من خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ؟ لقد خضنا قبل ذلك مواجهات عدّة على اليابسة، وكان هناك حفرة، ساتر ترابي، منخفض أو مرتفع يمكن الاحتماء به، أمّا الآن ونحن في وسط الماء، في قوارب تحتاج إلى قوّة السواعد لتتحرّك، ماذا سنفعل إن اضطُررنا لإطلاق النار؟... ماذا سنفعل إن أُصيب أحد المجدّفين؟... إن تبلّلت أسلحتنا بالماء ولم تعد تعمل؟... إن... حينها سنصبح هدفًا ثابتًا للأعداء!

 

كلّ هذه الأسباب، ومئات الأسباب الأخرى المشابهة، جعلت من هذه العملية عملية غير عاديّة، آمنّا أيضًا بأنّ كلّ شيء بيد الله تعالى، وأنّه يفعل ما يشاء، وبتنا مسلّمين لأمره ومشيئته.

 

بدأت تهبّ نسائم العملية. وأُقيم مجلس عزاء رائع بمشاركة الحاج "صادق آهنكران". أقول رائع لأنّ مجالس العزاء تختلف فيما بينها. فمرّة تقيم مجلس عزاء عن روح شهيد، لكن مرّة أخرى تشارك في مجلس عزاء إلى جانب أشخاص لا تشكّ أبدًا بأنّ عددًا منهم سيُستشهدون بعد بضعة أيّام. أساسًا، كنّا عندما ننظر إلى وجوه بعضنا بعضًا تأخذنا العبرة. أحببت أن أحدّق كلّ تلك الساعة في وجوه الإخوة، وكان هذا شعور الجميع. فخلافًا للعملية السابقة لم نكن متكافئين مع العدوّ من حيث الوضعيّة، ومن المحتمل أن تُستشهد كلّ قوّات الاقتحام، فكنت أدعو كما سائر الشبان، إلهي لا تخيّبنا، أنت تعلم أنّنا نعمل من أجلك فقط، فأعنّا ليس للبقاء سالمين، بل لننجح في اقتحام خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ بأيّ ثمن كان، ونكمل العملية، فتتمكّن قوّات الدعم من التقدّم. في تلك

 

226


218

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الليلة، علمنا من خلال مرثيّة الأخ آهنكران بأنّ اسم العملية هو بدر.

 

هيّأ الإخوة الحنّاء، كما جرت العادة ليلة العمليات. وبينما كان من عادة أهل القرى وضع الحنّاء على أصابعهم ليلة العرس، راح الإخوة يحنّون رؤوس أصابعهم بشوق وفرح كبيرين ليلة الأنس. أنارت الدموع وجوه بعض، والضحكة أشرقت على وجوه بعض آخر. فكان الضحك والبكاء يبثّان المعنويات في نفوس الإخوة، كلّ وما يتناسب مع حاله.

تقرّر أن ننتقل بالشاحنات إلى منطقة العملية عند حلول الليل.

 

بعد الغروب أتت الشاحنات، وكان القرار بأن تحمل ما أمكن من العناصر تلافيًا للتردّد المتكرر إلى المنطقة. كان الزحام خانقًا حين رکب الإخوة في مؤخّرة الشاحنات، لدرجة أنّ سلاح الواحد منهم انغرز في جسد الآخر. علا صراخهم: "اختنقت!.. مُتّ!". وكان الجواب يأتي: "لو اضطُرّ الأمر بأن تجلسوا بعضكم فوق بعض، فافعلوا، وذلك حتّى يتّسع المكان للبقيّة". وُضع شادر على الشاحنة فكان تحمّل ذلك الضغط والزحام أمرًا صعبًا. طوال الطريق، كان بعض الإخوة من شدّة الخناق يرفعون طرف الشادر قليلًا لنتنشّق بعض الهواء. وعلى تلك الحال، وصلنا قرابة منتصف الليل إلى جزيرة مجنون الشماليّة، نقطة الافتراق الأولى. وكان علينا البقاء هناك إلى ظهر اليوم التالي.

 

والآن، يجب على كلّ واحد منّا إعادة توضيب أغراضه التي سيحملها معه للمرّة الأخيرة. فمن أجل الحفاظ على توازن القوارب، كان يجب تحديد عدد أفراد كلّ فريق وأوزانهم، إضافة إلى العتاد والأغراض التي سيحملونها. تمّ هذا الأمر، وقبل الانطلاق تفقّدنا عتادنا للمرّة الأخيرة. سرنا قرابة العاشرة والنصف صباحًا، على شكل طابور إلى الـ"بد" رقم (6)، ومن هناك ركبنا القوارب لتقلّنا إلى باحة أُنشئت على

 

227


219

الفصل التاسع: كربلاء بدر

بُعد مسافة من وسط الماء، بالاعتماد على الحلقتين السابعة والثامنة من جسر خيبر، ليتمّ إعطاء التعليمات للقوات لآخر مرّة، ثم يركبوا القوارب. وصلنا سريعًا إلى هناك، وكان لدينا متّسع من الوقت إلى حين حلول موعد الجلسة. ولمّا كان عدد من الإخوة لم يغتسلوا غسل الشهادة بعد، فقد ذهبوا إلى جانب القوارب واغتسلوا. ذهبت أنا معهم، فلم أشأ أن أرد هذا الطريق من دون غسل الشهادة. كان الماء باردًا جدًا، نويت نيّة الغسل وغطست. حين عدت إلى صفوف الإخوة كنت كما الكثير منهم، أرتجف من شدّة البرد، ولم أعد إلى حالي الطبيعيّة حتّى بعد ساعة.

 

نادوا علينا أن تجمّعوا سريّة سريّة في مكان واحد، نريد أن نتكلّم معكم. وقفنا بقيادة الأخ مصطفى بيش قدم إلى جانب سرايا كتيبة الإمام الحسين عليه السلام الأخرى. كان جسدي يرتعش من شدّة البرد، ولم تستطع شمس العاشر من آذار من العام 1985م الباهتة، أن تمدّني بالدفء. من ناحية أخرى كنت قلقًا على أمير الذي لم يستطع الالتحاق بالسريّة بسبب نقص في القوارب. بعد دقائق، شرع بالكلام قائد كتيبة الإمام الحسين عليه السلام أصغر قصّاب الذي سرى نبأ بطولاته في عملية خيبر ومواجهات جزر مجنون على كلّ لسان. تناول في حديثه وضع المنطقة وأهمّية المهام التي سنقوم بها. كانت الخريطة قد شُرحت سابقًا بما فيه الكفاية، فراح يوصينا بالمداومة على الذكر والدعاء من بداية تحرّكنا حتى الشروع بالمواجهات، ذلك أنّ الشيء الوحيد الذي يوصلكم سالمين إلى محاوركم هو الذكر والدعاء لا غير. وما لم تصلوا إلى تلك المحاور، لا يجب أن تتوقّعوا دعمًا من الخلف و... بعد ذلك خطب فينا علي تجلّايي. تغيّرت أحوال الجميع. إلهي! أيّ محشر هي بدر! أيّ قادة عظام جاؤوا إلى هناك، وأيّ معنويّات تحدّثوا بها في هذه الساعات بخطاباتهم الحماسيّة؟ تحدّث قادتنا الشجعان عن أهميّة اقتحام

 

228

 


220

الفصل التاسع: كربلاء بدر

خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ. وكان ينبغي علينا اقتحام سدّ (حاجز)[1] جُهّز بمختلف أنواع الأسلحة، وبعبارة أخرى، غير قابل للاختراق، بواسطة عدد من السرايا حيث ستهاجم الخطّ بالقوارب، ومن هناك يقوم كلّ شخص بالمهمة المنوطة به. كانت مهمّة ثمانية عناصر من بينهم أنا، الهجوم على المقرّ بعد اقتحام خطّ دفاع العدوّ. ولهذا الهجوم قصّة عجيبة. حين سألت عن عدد العناصر في المقرّ؟ جاءني الجواب إنّهم يقاربون الألف ونيّفًا! وبالطبع، ضحكت لهذه الظروف التي كانت مبكية من ناحية أخرى. فكّرت، ماذا يمكن لثمانية أشخاص أن يفعلوا مقابل مقرّ بهذا الحجم؟! أولئك الثمانية أشخاص أنفسهم الذين قادوا القوارب أيضًا مسافة كيلومترات، وبعد اجتياز الموانع هجموا على خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ. كنّا نعلم، أنّه وبسبب اتّساع رقعة منطقة العملية والنقص في عديد قوّات الاقتحام، أصبح تطهير كلّ قسم من المنطقة بعهدة بضعة أفراد، ثم يكملون مهمتهم، لكنّ احتلال مقرّ مجهّز بعدد من الشيلكا، من قبل عدّة أشخاص كان بالفعل أمرًا محيّرًا[2].

 

طوال هذه المدّة كان فكري مشغولًا بتخلّف أمير. فقد استبعد من سريّتنا أربعة أشخاص عن المشاركة في المرحلة الأولى من العملية بسبب نقص في القوارب، ومن بينهم صديقي الحميم أمير. كنت منزعجًا من الأمر تمامًا بقدر انزعاجه. لم أترك بابًا إلّا وطرقته. حتى لقد ذهبت

 


[1] الحاجز أو السدّ وهو يشبه الساتر الترابي، أنشئ في منطقة الهور من أجل الفصل بين اليابسة والماء. وكان العدوّ في عملية بدر قد أنشأ على ضفّته ساترًا ترابيًّا بارتفاع ثلاثة أمتار، امتدّت فوقه جادّة بعرض ستة أمتار.

[2] فيما بعد، حين ذهبت إلى المقرّ، رأيت عن كثب وبغضّ النظر عن أي شيء آخر، وحدتَي اتّصالات مجهّزتين بمختلف أنواع الرادارات. كان عناصر الاتصالات وحدهم في ذلك المقرّ يناهزون الـ200 عنصر. عندما رأى الخبراء تلك الرادارات الحسّاسة قالوا إنّها تلتقط أدنى الأصوات والحركات، ويمكنها التقاط حركة القوارب وحتّى الأصوات الخفيفة. بلطف الله وعنايته، لم تستطع تلك الرادارات الحسّاسة في عملية بدر الأسطوريّة أن تقدم أيّ مساعدة للعدوّ.

 

229


221

الفصل التاسع: كربلاء بدر

إلى مصطفى بيش قدم، الذي كان من المقرّر أن يجري قرعة على هؤلاء الأربعة حيث أصبح هناك مكان لواحد منهم فقط في أحد القوارب. أردت التلاعب بالقرعة لتأتي باسم أمير مارالباش، فلم تأتِ[1]. انتفت إمكانيّة مجيء أمير معنا ليكتمل انزعاجنا من الأمر.

 

ارتفع صوت المرثيّات الحسينيّة من الجهة الأخرى. جاء الأخ "منافي" من قبل إعلام الفرقة، للتوسّل بأهل البيت عليهم السلام قبل انطلاق القوارب. لقد أقيم مجلس غير عاديّ في تلك المنطقة المحدودة، على الجسر، وسط الماء وعلى مقربة من ضفّتنا. فطأطأ كلّ من كان حاضرًا هناك رأسه إلى الأرض وراح يبكي. قبل بدء المرثيّة، كانت دموع الكثيرين تجري من امتلاء القلوب أو من ليونتها. لحظات غير عاديّة مرّت. وتقرّر أن ننطلق بالقوارب بعد أداء صلاة الظهر.

 

بدأ تحرّكنا. وركب عناصر الاقتحام في فرقة عاشوراء القوارب واحدًا واحدًا. رفع الأخ "منافي" الأذان بنحو بثّ فينا حماسةً مختلفة. كان يرفع الأذان بحالة معنويّة لا توصف، ويشرح معاني عباراته. لا أظنّ أنّني سمعت طوال حياتي أذانًا أثّر في جسمي وروحي كذاك الذي سمعته ظهيرة يوم عملية بدر. لم يبقَ أحد إلّا وبكى[2]. ركب عناصر الاقتحام القوارب، وكانوا يرتدون سترات واقية من المطر، خضراء أو رماديّة اللون، فيما كان الأخ مهدي والقادة وقوّات الدعم يودّعوننا بأنظارهم. لم يكد يأتي دورنا للركوب حتّى سمعنا هدير الطائرات العراقيّة، بادرنا فورًا للاستتار منها بالطرق المتاحة. استترت القوارب التي بدأت تحرّكها بين حقول القصب، فقلت في نفسي: "لا تكفينا مشكلتنا، حتّى


 


[1] وقعت القرعة على عنصر آخر، استُشهد في تلك الليلة نفسها.

[2] لقد تمّ تصوير تلك اللحظات من قبل إعلام الفرقة، ولا أعلم إن كان الفيلم لا يزال موجودًا أم لا.

 

230


222

الفصل التاسع: كربلاء بدر

تأتي الطائرات أيضًا!". وشيئًا فشيئًا حان دورنا. جاء أمير إليّ: "سيّد! أأنت ذاهب؟".

- نعم.

- هل تظنّ أنّك ستستشهد أم ستعود؟

- لا، بل أظنّ أنّني سأعود!

- أنّى لك أن تعلم هذا؟!

- أعلم، سأعود!

- فلتحدّد لي موعدًا ألقاك فيه هناك!

- أنتظرك غدًا عند التاسعة صباحًا، على الطريق المؤدّية إلى المقرّ!

 

قلت ذلك باطمئنان. تعجّب أمير قائلًا: "سيّد! تتكلّم بثقة وكأنّك إلى الآن ذهبت ثلاثين مرّة إلى المقرّ، واستطلعته وعرفت الطريق المؤدّي إليه!". فقلت من جديد: "تعالَ غدًا، عند التاسعة صباحًا، إلى الطريق المؤدّي إلى المقرّ. وسأكون ما زلت سالمًا حتى تلك اللحظة!".

 

عندما انسللت من أحضان أمير لم أعد أفكّر سوى بالانطلاق. ابتعد قاربنا عن حلقات الجسر. كنت أنا وبابا وشخصان آخران في القارب نفسه. شيئًا فشيئًا بدأنا نبتعد عن صوت الأذان وهمهمة الإخوة، ولم نعد نسمع سوى همسات الأدعية المنبعثة من شفاه مرافقينا. ارتفعت معنويّات الإخوة عاليًا، فبعضهم راح يمزح ويمرح، وبعضهم راح يفكّر بهدوء. كنت بدوري من بين الذين يمزحون، فرحت أنثر الماء في وجوه الإخوة في القارب المجاور. لربّما وجدتُ هذا الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يخفّف في ذلك الزمان والمكان الغريبين من وطأة الجوّ. الطريق أمامنا طويل للوصول إلى مكان الاشتباك. وطبعًا لنا محطّات كثيرة خلاله. أحيانًا توقّفنا لنحصل على معلومات جديدة عن الكمائن الموجودة في طريقنا. عند الغروب، كانت تفصلنا عن خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ حوالي الأربعة كيلومترات، فقرّرنا التوقّف هناك لأداء صلاتي العشاءين.

 

231


223

الفصل التاسع: كربلاء بدر

لم يصاحب صلاتنا إلّا اهتزاز القارب الهادئ على وجه الماء. وبقلوب ملؤها الإخلاص أدّينا صلاتنا في القارب من جلوس. تناولنا وجباتنا الغذائيّة، وهي عبارة عن معلّبات التونة والقليل من البسكويت، أبعدت عنّا الجوع حتّى الصباح. في تلك العتمة كنت أختلس النظر أحيانًا إلى وجوه رفاقي وأفكر، ماذا قدّر الله سبحانه لنا في هذه الليلة!

 

كنّا من وقت لآخر نتبادل الأحاديث بهدوء، لكنّنا في كلّ الأحوال لم نغفل عن هذا الذكر، إلهي لا تخيّب أملنا، وساعدنا كي نخترق خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ بنجاح. إلى ذلك الموقع، ظل احتمال المواجهة مع دوريّات العدوّ أو كمائنه ضعيفًا، أمّا الآن فأصبح كلّ قارب يذكّر القارب الذي يليه بالخطر الذي صار يتهدّدنا مئة في المئة من الآن فصاعدًا. لقد نصب العراقيون ما يقارب العشرين كمينًا في طريقنا، ومواجهة أيّ واحد منها تعرّض العملية للخطر. سبق ونبّهونا إلى إطلاق النار العشوائي الذي يقوم به العدوّ في تلك المنطقة، وقيل لنا، من المحتمل أيضًا أن تطلق دوريّات القوارب النار بشكل عشوائي، وفي حال أُصيب أحدكم لا ينبغي أن يصدر عنه أيّ صوت[1]. مرّت لحظات مرعبة، لكنّ الهدوء علا وجوه أصدقائي بوضوح.

 

مرّت نصف ساعة تقريبًا على انطلاقنا، وإذ بأصوات القوارب العراقيّة تتعالى. كانت تسير في الممرّ المائي الأساسي، ومن حسن حظّنا أنّنا دلفنا حينها في ممرّ فرعي غطّت أطرافه حقول القصب. أردنا الدخول في الممرّ الأساسي، لنعبر منه إلى ممرّ فرعي آخر، لكن لم نكد نصل إلى هناك، حتّى ظهرت قوارب الدوريّة العراقيّة وهي تُعمل الكشّافات الضوئيّة. رأيناهم يكملون طريقهم ويمضون وقد خيّم الهدوء والسكون. كانت سائر القوارب في مكان آمن. دخلنا الممرّ الأساسي كما

 


[1] كان العدوّ يغطّي منطقة واسعة بنيرانه العشوائيّة المتفرّقة، وفي حال توجيهه الرماية إلى مكان خاصّ، فذلك يعني أنّه احتملَ وجودَ قوّاتٍ في تلك المنطقة، لذا لم يرمِ نيرانه بنحو عشوائيّ.

 

232


224

الفصل التاسع: كربلاء بدر

ورده عدد من القوارب. تبادلنا الأدوار عدّة مرّات مع المجدّفين خلال هذا المسير الطويل، حتّى لا يبطئ التعب حركتنا. وفي تلك اللحظات، انتبهنا مرّة ثانية إلى وجود قارب لدوريّة عراقيّة فدخلت كلّ القوارب في حقول القصب، لكن... فجأةً اضطرب مجدّفونا واختلّ التنسيق بينهم. وفي لحظة واحدة، بدأ القارب يدور حول نفسه وسط الممرّ. حُبست أنفاسنا! توجه القارب العراقي ناحيتنا بنوره الكاشف، فيما نحن حائرون وسط الممرّ لا ندري ما نفعل. فكّرت للحظة أنّ كلّ شيء قد انتهى. اختنقت بغصّتي. لم يكن أمامنا من مفرّ، القارب العراقي يقترب أكثر فأكثر، ونحن عاجزون. في اللحظة الأخيرة استطعنا نقل القارب من وسط الممرّ إلى ناحية ما، كانت حالًا غير عاديّة ولا مثيل لها. وكأنّ كلّ ذرّات وجودي بادرت تناجي الله تعالى: "إلهي، اعمِ هذا النور واعمِ أبصارهم عنّا!"، كنّا نسمع أصوات العراقيّين بوضوح. حين وصل القارب إلى محاذاتنا أحنيت رأسي، وأحسست مباشرة بنور الكشّاف يمرّ من فوق رأسي. حتّى لقد اصطدم قاربهم بزاوية قاربنا، إلّا أنّنا لم نبدِ أيّ ردّ فعل. سبحان الله! شيء لا يُصدّق، أن يمرّ القارب مع نور الكشّاف ولا يروننا. عندما رفعت رأسي ورأيتهم يبتعدون، كاد قلبي يطير من الفرح. رحت أنادي: "كم أنت عظيم يا رب، وكم أنت كريم!..". أحسست بكلّ وجودي بعظمة الله وقربه منّا، وكان ذلك الشعور معتمدنا الوحيد في تلك اللحظات، ولم نجد وسيلة لشكر هذه النعمة سوى متابعة الطريق وإخلاص النيّة. شعر رفاقنا في القوارب الأخرى الذين شاهدوا ما حدث بهذا الإمداد الغيبي أيضًا. وفيما بدأنا نعبر من هناك لندخل الممرّ المائيّ الفرعي تمنّيت من أعماق قلبي أن أقع في الأسر ـ كعنصر استطلاع ـ وأُعذّب وأُقتل، شرط أن يتمكن الإخوة من الهجوم في الوقت المناسب، وأن تؤتي العملية أُكلها. شقّ القارب طريقه في الممرّ المائي، ولم أرد أبدًا التخلّي عن الإحساس بالحماية الإلهيّة، وفكرت أنّنا لن نستطيع أداء حقّ تلك اللحظات مهما

 

233

 


225

الفصل التاسع: كربلاء بدر

فعلنا، خاصّة ذلك الهدوء الذي أبداه كلّ واحد منّا، فلم نقم في تلك اللحظات الحسّاسة بأيّ عمل، وبقينا منتظرين.

 

شيئًا فشيئًا وصلنا إلى النقطة التي ينبغي للقوارب أن تتفرق فيها بعضها عن بعض، ويتوجّه الإخوة كلٌّ إلى المكان الذي سينفذون فيه المهام الموكلة إليهم. وحيث إنّ الخريطة شُرحت لنا مرّات ومرّات، فقد استطعنا التكيّف مع المنطقة بسهولة. كانت القوارب تسير على شكل طابور، والإخوة في القوارب المتقدّمة يطلعون القوارب التي خلفهم على المنطقة التي وصلوا إليها. أمّا عناصر المعلومات الذين يسيرون في المقدّمة، فقد وضعوا في الاستطلاع الأخير للمنطقة قطعًا صغيرة من الكاوتشوك، كعلامات تُحدّد محور كلّ شخص. وعند الاقتراب من الكمائن كانوا يحذّرون الإخوة، ليراعوا جوانب الدقّة والحذر أكثر. أحيانًا صغرت المسافة بين القوارب والكمائن لدرجة أن نسمع أصوات العراقيّين الذين تابعوا أعمالهم من دون علم بما يجري حولهم. اطمئنّ قلبي للإحساس بالحماية الإلهيّة. فحيث كانت كلّ مخطّطاتنا عرضة للفشل لو أنّ صوت مجداف ارتفع أو عطس أحدهم عطسة، كان هذا الإيمان فقط ما يبعث فينا سكينة لا توصف.

 

تجاوزنا النقاط الحسّاسة واقتربنا من منطقة المهمّة الموكلة لسريّتنا. عند الحادية عشرة والنصف ليلًا، بدأت المواجهات في المحاور الأخرى. كنت بجانب قارب قائدنا فسألته: "سيّد أصغر! هل انكشف أمر العملية؟ وكأنّ الإخوة قد بدأوا بالمواجهة!". أجابني بكلّ طمأنينة: "لا! إنّهم يطلقون الرصاص العشوائي!". ظننت أنّ بعض عناصرنا بدأوا بالمواجهة حين سمعوا إطلاق النار العشوائي للعدوّ، لأنّ الأصوات كانت عالية. ومباشرة صدر الأمر: "تحرّكوا بسرعة".

 

أحسست براحة كبيرة كوننا اجتزنا أكثر المناطق حساسيّة، وحتّى لو كُشف أمر العملية الآن، فلن يشكّل ذلك مشكلة كبيرة. صدر نداء

 

234


226

الفصل التاسع: كربلاء بدر

العملية حين وصلنا إلى المكان المحدّد للكتيبة، وهناك أُبلغنا بوجوب افتراق الفصائل. ابتعدت القوارب بعضها عن بعض وانتشرت في الماء بموازاة سدّ العدوّ، ولم يكن العدو إلى حينها قد التفت إلى شيء بعد. وصلنا إلى موقعنا المقرّر في الوقت المحدّد، فيما لم يكن بعض العناصر من الجناحين قد وصلوا إلى أماكنهم بعد. الإخوة الذين تواصلوا مع المقرّ سمعوا باستمرار نداء: "لا تبدأوا بالمواجهة حتّى تصل القوّات الأخرى". في هذه الأثناء بدأ عمل غوّاصي قوّات الاقتحام الذين اقتربوا بقواربهم قرابة العشرين مترًا من السدّ ونزلوا هناك في الماء. كانت قد وُضعت عدّة صفوف من الأسلاك الشائكة والموانع الأخرى من داخل الماء إلى دشم العدوّ، ولزم على الغوّاصين قطع هذه الأسلاك وفتح الطريق لعبور الباقين. لم يُسمع في منطقتنا سوى أصوات الاشتباكات التي بدأت تشتدّ في المحاور الأخرى. تموضعنا تمامًا أمام الشيلكا التي ينبغي علينا تدميرها قبل أيّ شيء، وفيما تقدّمنا بهدوء أمامها نحو السدّ، اختلّ من جديد التنسيق بين المجدّفين، ليبدأ القارب بالدوران وسط الماء! وفي هذه الأثناء لفت انتباهي أكثر من أيّ شيء آخر حديث جنديين عراقيّين يقفان فوق السدّ، يبدو أنّهما من عناصر الشيلكا. في تلك الليلة كان القمر قد نثر نوره الفضّيّ فوق الهور، فيما راح قاربنا يدور وسط الماء ومقابل الأعداء. ولو لم نستطع قيادته إلى جهة معيّنة ورأونا تحت نور القمر، لقُضي علينا. ومع أنّ الإخوة في كلّ القوارب المستقرّة مقابل الضفّة ورماة الـ (B7) كانوا جميعًا مستعدّين للرمي، إلّا أنّ أعصابي ثارت في تلك الحال المقلقة. تسمّرت عيناي على الجنديّين العراقيّين اللذين أشعل أحدهما سيجارة، وما إن اشتعلت السيجارة حتّى علا صياحه. لقد رأونا! ركض مسرعًا نحو الشيلكا، لكنّ الفرصة لم تؤاته سوى لرمية واحدة، إذ إنّ قذيفة (B7) أُطلقت من أحد القوارب وأصابت دشمته إصابة مباشرة وأسكتتها. بدأت المواجهات رسميًّا.

 

235

 


227

الفصل التاسع: كربلاء بدر

أُصيب نتيجة الرمي بالشيلكا عنصران من قوّاتنا، إلّا أنّ نيران شبابنا الشديدة بدأت. أمّا قاربنا، فقد استطعنا السيطرة عليه بعد أربع أو خمس دورات. كان كلّ همّنا أن نرمي، وليجدّف العنصران الآخران مهما أمكنهما ثم يوصلاننا إلى الضفّة. سريعًا بلغنا الأسلاك الشائكة، لكنّها لم تكن قد أُزيلت في ذلك المكان. توقفنا ولم نعد نستطيع إكمال تحرّكنا. بقي أمامنا إلى الضفّة متران فُرشا بالأسلاك الشائكة، وكانت القضبان التي نُصبت في الماء لمدّ هذه الأسلاك عليها، تعلو نصف متر عن سطح الماء. نزلنا من القوارب في الماء وقفزنا من فوق الأسلاك الشائكة. انتبهتُ هناك إلى وجود ألغام لم ينفجر منها لحسن الحظّ سوى لغم واحد. توجّه كلّ همّنا في تلك اللحظة لاجتياز الأسلاك الشائكة وصعود السدّ. صعدنا من دون الاكتراث لتلك الأسلاك التي تجرح وتمزق كلّ ما يحتكّ بها. كانت المواجهات قوية، ولأننا قاب قوسين أو أدنى من الجنود العراقيّين، فقد حال ذلك دون استخدامهم لبعض أسلحتهم[1].

 

اشتدّت المواجهات فوق السدّ. عملنا ما في وسعنا لاتّخاذ موطئ قدم لنا وتطهير السدّ سريعًا. أردنا أن نستفيد بالكامل من ورقتنا الرابحة، ألا وهي مباغتة العدوّ، لأنّنا كنّا نعلم أنّ دشم الإسناد الموجودة خلف السدّ جاهزة، وستباشر العمل إن واتتها الفرصة. من ناحية أخرى، فإنّ المسافة بين السدّ والمقرّ حيث تتمركز معظم القوات، هي حوالي الـ(500) م، وقد جاء العدوّ إلى هناك بحوالي الـ(200) دبّابة، وحتمًا لم نرد لها أن تباشر العمل. لذا، فقد انصبّ كلّ جهدنا على التطهير قبل أن يستجمعوا قواهم ويباشروا العمل. إضافة إلى ذلك، علمنا بأنّ قوّاتنا قد وصلت في زوارق "الكوثر" و"عاشوراء" السريعة إلى مقربة من كمائن العدوّ حيث قادها المجدّفون إلى المكان بعد أن أطفأوا محرّكاتها، وبقوا


 

[1] إطلاق نيران من بعض الأسلحة كالدوشكا والشيلكا لا يأتي بنتيجة عن مسافة قريبة جدًا(بسبب الزاوية الدنيا).

 

236


228

الفصل التاسع: كربلاء بدر

منتظرين هناك، ليقوموا بدورهم ما إن تبدأ مواجهاتنا مع العدوّ. وصل الأمر إلى درجة، كانت المنطقة فيها تهتزّ من دويّ القذائف المدفعيّة وأزيز الرصاص وهدير محرّكات الزوارق. وفي تلك المعمعة، عدت من أعلى السدّ نحو الهور، إلى المسار الذي سلكناه الليلة الماضية. كان الهور غارقًا في النيران. ظننت أنّ قوّاتنا اشتبكت مع الكمائن. للحظات عزلت نفسي عن الدخان وأصوات الانفجارات والجلبة من حولي ودخلت في الاشتباك الدائر بين زوارقنا السريعة والكمائن. فجأةً صحت مؤنّبًا نفسي: "يا فتى! احتلّ أوّلًا المكان جيدًا وبشكل كامل، ومن ثمّ..!".

 

كانت المواجهة شديدة. لقد أصبح الاشتباك على التراب أمرًا سهلًا ونحن الذين خاطرنا مسافة كيلومترات وعبرنا بقواربنا إلى هنا من قلب حصون الأعداء، وراح الإخوة يقاتلون بشجاعة وجرأة عالية. أربكتنا إحدى الدوشكات التي كانت تقاوم بشدّة، فقال الإخوة، لا يمكن إسكاتها من بعيد، علينا أن نقترب أكثر ونرميها بقنبلة. سرعان ما تصدّى ثلاثة أشخاص للمسألة، فاقتربوا منها وأسكتوها برمي قنبلة عليها. فكّرت أنّه حان الوقت لأتوجّه نحو جادّة المقرّ. وفيما أنا ذاهب إلى هناك التقيت بمصطفى بيش قدم. ما إن رآني حتّى قال لي: "سيّد! لقد خرجت قوّات فرقة النجف[1] من الماء، ولكنّهم عالقون هناك ولا يستطيعون الصعود، اذهب بأقصى سرعة مع عدد من العناصر لمساعدتهم!". كان يوجد في المكان الذي أشار إليه الأخ مصطفى مبنى للعدو مؤلّف من طبقتين، يقاوم بشدّة، ويمنع تقدّم الإخوة وانتشارهم. لكنّني كنت منجذبًا أكثر إلى القيام بالمهمة التي أوكلتها لنفسي.

- لكن يا أخ مصطفى، أنا ذاهب إلى تلك الناحية...

- إلى أين؟!

- المقرّ!

 


[1] كانت فرقة النجف قد دخلت الاشتباك في الجناح الأيسر لفرقة عاشوراء.

 

237


229

الفصل التاسع: كربلاء بدر

- مع من؟

- حقيقة لا أحد، أنا ذاهب وحدي!

- سيّد! دع الآن فكرة الذهاب إلى المقرّ. علينا أوّلًا أن نطهّر هذا الخطّ، أمّا فيما يتعلّق بالمقرّ فستأتي قوّات من الخلف!

 

عدت أدراجي متوجّهًا إلى المكان الذي أشار إليه الأخ مصطفى. بلغت المنطقة التي ينبغي علينا تطهيرها هناك حوالي الـ500 متر. ركضنا بسرعة ورمينا القنابل داخل دشم العدوّ. أردنا عندما يصل الإخوة إلى الضفّة أن يتمكّنوا من الصعود سريعًا ويستكملوا العملية. بعد نصف ساعة من بدء المواجهات، أطلّت القوارب من كلّ حدب وصوب ورست على الضفّة. اجتاز الإخوة الأسلاك الشائكة وصعدوا. من الجهة الأخرى، كان قد تأكّد لخطّ الدفاع الثاني للعدوّ ـ قوّات الدعم وتلك الموجودة داخل المقرّ ـ بأنّه تمّ اختراق خطّ الدفاع الأوّل، وربّما التفتوا إلى وصول قوّات الدعم خاصّتنا. لذا، بدأوا يطلقون النار نحونا بكثافة. كانت نيرانًا ثقيلة تصعُب مواجهتُها بالسلاح الذي بين أيدينا.

 

في تلك اللحظات، وقعت عيني على ثنائي*[1] أسفل الجادّة موجّه نحو الماء. توجّهت فورًا نحوه. كان سالمًا وجعبة ذخائره جاهزة للإطلاق أيضًا. تساءلت في نفسي: "ماذا لو أمكننا سحبه إلى أعلى الجادّة وتوجيهه نحو المقر...". وخلال لحظات لحقني اثنان من الإخوة. دائمًا ما يحدث في العمليات أن يبذل المرء كلّ ما يستطيعه من دون الاكتراث لمؤازرة أحد إلى جانبه أم لا. كنّا ثلاثة أشخاص أردنا سحب الثنائي صعودًا قرابة الثلاثة أمتار وتركيزه فوق الجادّة. قلنا "يا علي" وسحبناه. لم أدرِ كيف أمكن لثلاثة أشخاص قادوا المراكب لساعات، واشتبكوا مع العدوّ حتّى أُجهدوا، أن يقوموا بهذا العمل الشاقّ. أدرنا فوّهة الثنائي نحو المقرّ وتجهّزنا للإطلاق، لكن المكان الذي تمركزنا فيه كان سيّئًا، فهو وسط


 


[1] * رشاش متوسط ذو فوهتين، يظهر أن العراقيين تركوه وانسحبوا أو قتلوا.

 

238


230

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الجادّة من دون أيّ تحصين أو دشمة، وتقريبًا في مرمى كلّ النيران التي يتمّ إطلاقها من المقرّ. لم أفكّر أساسًا في هذه الأمور. حقيقةً، لقد اجتزت المرحلة الأصعب من العملية: عند الانطلاق والوصول إلى خطّ الدفاع الأوّل واعتلاء السدّ. والآن أصبح كلّ عمل مهما صعبَ، سهلًا عليّ. جلستُ بنفسي خلف الثنائي، وأصبت المتراس الموجود أمام المقرّ من أوّل طلقة. لم يستطع أحدٌ أن يرفع رأسه في مواجهة تلك الطلقات.

 

شكّلت نيران الثنائي رادعًا كبيرًا لرمايات قوّات العدو الموجودة في المقرّ. شرعت أرميهم برصاصهم، وأشعر بحماسة كبيرة، ومع كلّ طلقة ثنائيّ نرى وبشكل ملحوظ أنّ رماياتهم تهدأ وتقلّ. في تلك الأثناء، أراد عناصر الكتائب الأخرى التي وصلت للتوّ، التقدّم نحو المقرّ. قلت لهم بكلّ ثقة: "تقدّموا!".

- قد يرموننا!

 

ومجدّدًا قلت: "لا تخافوا! سأرميهم من هنا! فقط عليكم التقدّم وأحنوا الظهور كي لا تصيبكم نيران الثنائي".

 

تقدّموا فيما واصلت رمي المقرّ بالثنائي. وسرعان ما طوى الإخوة مسافة 500 متر ودخلوا المقرّ. كنت أحيانًا عندما أسمع أزيز الرصاص يمرّ بالقرب منّي أفكر "إمّا أنّهم لا يستطيعون الرماية بشكل جيّد، أو ليس من المفترض لرصاصاتهم أن تصيبني!".

 

غمرتني الفرحة بسبب وجود ذلك الثنائي في تلك المنطقة. بعد دقائق عدّة، أرسل العراقيّون من ناحية دجلة لواءً قوّات الدعم المجهّزة إلى المنطقة. تقدّمت هذه القوّات بالآليّات، وكان يفصلنا عنها 700 متر. عرفنا أنّ وصولهم سالمين سيصعّب الأمر علينا. أدرت والإخوة الثنائيّ نحوهم هذه المرّة. توافرت لدينا ذخائر كافية، ويعلم الله أيّ نيران انبعثت من الشاحنات بفعل هذه الطلقات! كانت موقعيّة الثنائي بالنسبة إلى طابور الآليّات، بحيث تشملها كلّها زاوية رميه. كنت أرمي

 

239


231

الفصل التاسع: كربلاء بدر

فقط، ولا أرى أبدًا ما يحدث أمامي في عتمة الليل وبين كلّ هذا الدخان والغبار. عرفت أنّ ذلك اللواء يريد دخول منطقة فرقة النجف، وها هي الانفجارات المتتالية والنيران تتصاعد منه إلى السماء. احتشد عدد من الدبّابات التي تقاوم، فأراد الإخوة في فرقة النجف عبور المنطقة وتدميرها. لقد ارتفعت معنويّات الشباب وهم يرون احتراق الآليّات الآتية إلى تلك الناحية، الواحدة تلو الأخرى. يبدو أنّ تلك الشاحنات حملت الذخائر إضافة إلى العناصر، لأنّ نيرانًا غير عاديّة انبعثت منها. أعاق تدمير الآليّات المتقدّمة حركة الآليّات خلفها، فضمنّا هدفنا في هذه الحال، واستطعنا تطهير المنطقة في وقت سريع والوصول إلى مشارف دجلة. لقد أُسكت المقرّ مع وصول قوّاتنا، فاستطاع بعض العناصر التقدّم إلى ما بعد المقرّ والوصول إلى دجلة. أصبحت الساعة قرابة الثالثة بعد منصف الليل، وأنا لا أزال في الجادّة جالسًا خلف "الثنائي"، الذي كان وجوده في تلك الظروف بالفعل يبعث على التفكّر[1].

 

على كلّ حال، تم القضاء على لواء الدعم العراقي، ويبدو أنّ أفراده قُتلوا من دون أن يأتوا بأيّ فعل[2]. عرفنا أنّه من الطبيعي للعدوّ أن يفكّر بالاستفادة من قوّات الدعم المستقرّة على ضفاف نهر دجلة، حيث تموضعت على مقربة من المقرّ حوالي 25مدفعيّة فرنسيّة، ترمي طرقاتنا بنيرانها.

 

قرابة الفجر توقّفت الاشتباكات في المنطقة. فقد دُمّر عدد كبير من


 


[1] لاحقًا رحت أفكّر، لِمَ لمْ يرمِ شبابنا عند تطهير المنطقة بقنبلة على ذلك الثنائي؟ ففي ذلك الخطّ، كان الثنائي هو السلاح الوحيد الذي تغاضى عنه شبابنا، وصادف أنّه كان من الأسلحة التي لم يغتنم العراقيّون فرصة وجوده ويستخدموه ضدّنا. أساسًا، كان سحب الثنائي إلى أعلى الجادّه يحتاج إلى آليّة، فيما قام ثلاثة أشخاص برفعه. ورغم علمي بأنّ الأعمال الصعبة تتيسّر بفعل خلوص النيّة، إلّا أنّ فكرة استخدام الثنائي هناك كانت أيضًا عناية إلهيّة. لهذا السبب أقول إنّ وجوده هناك يبعث على التفكّر.

[2] كان لواءً مجهّزًا، ويمكنه تعقيد الأمور علينا في تلك الأوضاع، حيث لم نكن نسيطر سوى على ساتر ترابيّ والماء من خلفنا، ولم يكن لدينا حتى مكان ننسحب إليه ولم نكن نستطيع حتى تغيير مكاننا.

 

240


232

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الدبّابات، ولا يزال يقاوم عدد آخر في الخلف. توجّه الإخوة إلى مكان وجودها. مع انبلاج الصبح مضيتُ نحو المقرّ، وكنت أعلمّ أنّ الإخوة دخلوه بالأمس، وذهبوا بعد تطهيره نحو نهر دجلة الذي كان يجري خلف المقرّ، لذا، كنت أسير بطمأنينة. دخلت أوّلًا إلى دشمة القيادة. كانت عبارة عن بناء بمساحة (7*9)م، مجهّز بكنبات وتلفاز ملوّن وإمكانات كثيرة، إنّه أشبه بغرفة استقبال في بيت أكثر منه بدشمة في الخطوط الأماميّة للحرب. وحدها الخرائط التي نُصبت على الجدار أوحت بأجواء الحرب. أمّا قسم الاتصالات فكان لافتًا، دشمة بطول 20 مترًا مجهّزة بأجهزة اتّصالات شبيهة بقسم مراقبة في مصنع ضخم، إضافة إلى رادارات قيل إنّها تلتقط أدنى الأصوات والحركات. عندما سمعنا بأنّ200 عنصر يعملون في هذا القسم، تيقنّا أكثر من أنّ العناية الإلهيّة حلّت علينا ليلة بدر، وأوصلتنا إلى ضفّة العدوّ بقوة. غمرنا جميعًا الفرح بالنصر الكبير الذي أحسسنا به بكلّ وجودنا. مع طلوع الشمس قامت وحدة إعلاميّة تابعة لإحدى الفرق بفعل غريب، راحت تبثّ عبر مكبّرات الصوت نشيد "خجسته باد اين بيروزي" (مبارك هذا النصر). ومع أنّني لم أكن أحبّ الأناشيد، لكن، كان لهذا النشيد وقع كبير في قلبي![1]

 

في صباح اليوم الأوّل لعملية بدر، وبعد أن نجحنا باختراق خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ واحتلال المقرّ، ظل هذا النشيد يُبثّ في المنطقة وتمامًا عند ارتفاع الشمس في الأفق. وعند حوالي التاسعة صباحًا، سمعت إيقاعه وأنا أسير فوق ساتر ترابي. أحسست بشعور لا يوصف، كلّ فقرة منه كانت

 


[1] أدّى هذا النشيد محمّد رضا كلريز، وقد أحببته إلى درجة أن سجّلته على شريط تسجيل. ومن أجل هذا النشيد، حملت مسجّل الصوت من البيت إلى الجبهة، ليمكنني حينما أشاء سماع نشيد الانتصار هذا. حين كّنا متوجّهين بالحافلة إلى جزيرة مجنون، أدرت مسجّل الصوت خاصّتي ورحت أستمع إليه. وصادف بعدها، أن أصابت شظيّة مسجّل الصوت فتعطّل كليًّا. كان الصوت ينتشر في أرجاء الحافلة: "هذا النصر... مبارك هذا النصر خجسته باد اين بيروزي"، فيتساءل الإخوة ممازحين: "أيّ نصر يا أخي؟!"، فأجيبهم: "ذلك النصر الذي ينتظرنا!".

 

241


233

الفصل التاسع: كربلاء بدر

تتناغم وتنساب مع طلوع الشمس التي راحت تصعد في السماء لترى بوضوح مشهد نصرنا، آليّات العدوّ المحروقة وتلك الآخذة في الاحتراق من ناحية، ومجاهدو الإسلام من ناحية أخرى وهم يقومون بتطهير المنطقة. في ذلك الصباح، شاهدت أجمل مشاهد سنوات الحرب.

 

ضجّت المنطقة من جديد بأصداء القصف الشديد للطائرات العراقيّة. وعلى الرغم من استمرار المواجهات العنيفة في بعض المناطق، إلّا أنّ منطقة مهمّتنا كانت عرضة فقط للغارات الجويّة. في البدء، جاءت طائرات التوبولوف وقصفت المنطقة ثمّ ابتعدت. ويبدو أنّهم أدركوا أنّ القصف في هذه المنطقة المليئة بالمستنقعات، لن يجدي نفعًا. فسقطت فيها أغلب الصواريخ ولم تنفجر. عندما خرجتُ من المقرّ رأيت الأرض حوله أشبه بالمزرعة. لقد سقط خلال ساعة واحدة قرابة الألفي صاروخ في المستنقعات حول المقرّ ولم تنفجر. شابهت قواعد الصواريخ المغروسة بالأرض الألعاب الناريّة، بجوانبها البيضاء اللون، فبدت المنطقة من بعيد وكأنّها أرض مزروعة. فهم العراقيّون أيضًا أنّهم لن يحقّقوا أيّ نتيجة بهذا الأسلوب، لذا، أرسلوا هذه المرّة إلينا بطائرات أخرى، سمّيناها "تخته تاباق" (التابوت الضخم). كانت بطيئة الحركة، لكنّ هديرها كان عجيبًا، وصواريخها صغيرة إلّا أنّها تصيب الهدف بدقّة، ومهما رمينا عليها لم يكن ذلك ليؤثّر على عملها. بعد أن أفرغت الطائرات حمولتها من الصواريخ على المنطقة، عادت أدراجها لتتجهّز بالذخيرة وتحلّق مجدّدًا للإغارة. تسبّبت لنا غاراتهم الجوّيّة بخسائر كبيرة. وفي تلك الأثناء، ناداني أحدهم: "سيّد! أحدهم يبحث عنك".

- كم الساعة الآن؟

- التاسعة والنصف!

 

242


234

الفصل التاسع: كربلاء بدر

قفزت من مكاني! ركضت مسرعًا نحو جادّة المقرّ، وقلت في نفسي: "لقد مضى نصف ساعة على موعدي مع أمير، قد يظنّ الآن أنّ خطبًا ما حدث لي". وفيما كنت أركض رأيته. في تلك المعمعة اكتملت فرحتي برؤية أعزّ صديق على قلبي. لم يكن قد عرفني بعد. انتظرت ليقترب منّي أكثر. وحين صار على بعد أقدام منّي، عرفني. ارتمينا في أحضان بعضنا. راح يقبّلني ويسأل: "أأنت نور الدين حقًا؟"، فبقائي سالمًا في قلب تلك النيران التي رآها بالأمس من بعيد، جسّد بالنسبة له أمرًا عظيمًا. وأمير الذي يتمتّع بذكاء حادّ، كان يسأل دومًا عن موقعيّة المنطقة: "أين المقرّ؟"، دللته عليه. تعجّب وقال: "سيّد! بثمانية عناصر تقدّمتم الليلة الماضية إلى هناك؟!".

ــ لا يا عمّ! لا يمكن ذلك بثمانية عناصر! لقد أتى عناصر من السرايا الأخرى.

- وأين كان العراقيّون؟ هل بدأوا بالمواجهة؟

- لا، لم تكن قوّاتهم قد باشرت العمل بعد!

 

قلت ذلك عالمًا أنّه لو وصلتنا قوّات دعم، لكنّا تساوينا مع العراقيين من حيث العدد حين وصول قوّات الدعم إليهم. أراد أمير أن يستوضح عن كلّ شيء، وأخبرته بدوري كلّ ما أعلم. أريته منطقة فرقة النجف، الفرقة الوحيدة التي أعرف منطقة مسؤوليتها، ولم أعلم أيّ شيء عن الفرق الأخرى. لفتت نظر أمير الآليّات التي لا تزال تحترق. أخبرته بقصّة الثنائيّ، وما فعلناه به الليلة الماضية. كما أخبرني هو بما شاهده في الساعات نفسها من بعيد. قال: "حين بدأت المواجهات، كانت مدفعيّات الطرفين تعمل بشدّة. كما إنّ صواريخ الكاتيوشيا لم تهدأ للحظة. في تلك الأثناء لم تؤمّلني سوى كلماتك حيث قلت إنّك ستنتظرني في تمام التاسعة صباحًا. وفي كلّ لحظة كنت أقول في نفسي، من ذا الذي بقي

 

243


235

الفصل التاسع: كربلاء بدر

سالمًا إلى الآن تحت تلك النيران؟ ومن ذا الذي وصل؟ لم أكن حينها أعلم إن خرجتم من الماء أم لا. فيما بعد حين سمعنا عبر الجهاز أنّكم صعدتم فوق السدّ، شعرنا وكأنّنا ملكنا الدنيا. فرحت كثيرًا وقلت لا ضير إن استشهد السيّد إذا ما اختُرق خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ!".

 

أراد أمير أن نقوم معًا بجولة في المقرّ. ذهبنا، وأوّل ما وقع نظرنا على منظار ليليّ، كما لفت نظرنا جهاز لاسلكي صغير فأخذناه. كان مدى الجهاز يصل إلى 24 كلم، ويفوق مدى الأجهزة الكبيرة. ولم يحضر أحد بعد لاغتنام وسائل المقرّ. بعد أن جلنا لدقائق في دشمته، ذهبنا إلى المنطقة التي أقبل طابور الآليّات بالأمس منها. كان بعضها ما زال يحترق، سيّارتا الجيب الخاصّتان بالقيادة، تتقدّمان الطابور، ثمّ شاحنة الذخائر، التي تسبّب انفجارها بخسائر كبيرة في الآليّات التي تلتها. وفي آخر الطابور شاحنات أخرى محمّلة بالذخائر، انحرفت عن الطريق وسقطت في منحدر على انخفاض مترين تقريبًا، وانقلب بعضها رأسًا على عقب، لكنّ الذخائر بقيت سالمة، فاستخدمناها في المراحل التالية من العملية. لم يبقَ منهم عنصر حيّ وسقط قتلاهم هناك. بعد هذه الجولة في تلك الناحية، جاء دور أمير ليطلعني على بعض الأمور. فقال: "لقد رأيت مشهدًا في الخلف، هيّا بنا لأُرِيكَه". عدنا، وطوال مسيرنا طالعتني مشاهد مؤلمة لم أكن قد رأيتها في عتمة الليل، الإخوة الجرحى الذين أُصيبوا الليلة الماضية نتيجة القصف الشديد، ولم تتوافر حتى تلك اللحظة، أي العاشرة صباحًا، إمكانيّة نقلهم. وما إن اقتربنا من الهور حتّى لفتت نظري جثّة عائمة على وجه الماء. كانت جثّة شهيد تتحرك مع تموّج الماء.

- جسد من هذا يا أمير؟

 

قلب جواب أمير أحوالي: "همّت. همّت آقايي الذي اعتاد أن يصلّب

 

244


236

الفصل التاسع: كربلاء بدر

على صدره كما يفعل المسيحيّون، وقد أُصيب في المكان نفسه الذي كان يصلّب عليه، أي وسط صدره تمامًا". قال أمير: "عندما كنت آتيًا، رأيت جثّة حملها الماء إلى الضفّة، وتعرّفت إليها. كانت جثّة همّت، وعيناه ما تزالان مفتوحتين، فأغلقتهما". في لحظة واحدة، مرّ أمامي شريط ذكرياتي معه... سقط شهداء آخرون فوق السدّ أيضًا، وكان أحدهم قد غُطّي ببطّانيّة. سألت عن اسمه فقالوا: "محمّد زاهدي".

- أيّ محمّد زاهدي منهم؟

 

لم يكونوا يعلمون بأنّ هناك شخصين باسم "محّمد زاهدي". رفعت البطّانيّة عن وجه الشهيد فعرفته. إنّه نفسه ابن أحد علماء الدين. حالته لافتة، كان ممدّدًا بهدوء كمن يضع رجلًا فوق أخرى أثناء النوم. غطّيت وجهه مجدّدًا ونهضت. رأيت بين الجرحى "عباسقلي أحمدي زاد" أيضًا، وقد أُصيب برجليه، وكانت أجساد عدد من الشهداء طافية على وجه الماء. تفطّر قلبي لرؤيتهم. انشغل بعض الإخوة بجمع أجساد الشهداء ونقل الجرحى، فلم أقدر على المكوث هناك طويلًا.

 

توجّهت وأمير نحو دشم خطّ الدفاع الأوّل للعدوّ، وقصدنا مباشرة الصناديق التي نُقلت للتوّ إلى جانب الساتر. فتحنا الصندوق الأوّل فوجدنا فيه مدافع شيلكا ملفوفة بأكياس النايلون. ووجدنا في الصندوق الآخر قطعًا أخرى للشيلكا.

 

من الواضح أنّ العراقيّين توقّعوا قرب حدوث عملية لذا أحضروا إلى المنطقة عدّة قطع من الشيلكا والدوشكا والثنائي لزيادة عتادهم، لكن الوقت فاتهم لإخراجها من الصناديق وتركيبها. نادينا: "كلّ من يعرف كيفيّة تركيبها، فليأتِ وليقم بذلك".

 

طوال تلك الفترة، كانت قوّاتنا تتوافد إلى المنطقة من الخطوط الخلفية، إلّا أنّ الجسر لم يكن قد نُصب بعد، وتعذّر الاستمرار بالعملية نهارًا، لذا، بقينا عاطلين من العمل تقريبًا، بعكس الطائرات العراقيّة

 

245

 


237

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الصغيرة الشغّالة تمامًا، ومهما أطلق الإخوة نيرانهم نحوها، لم يحققوا نتيجة تُذكر، ولم يصيبوها في النقاط الحسّاسة لتسقط. في تلك الأثناء، لفت نظري "محمّد تجلّايي" الذي تقدّم نحونا وقد وضع صاروخ سهند[1] على أكتاف ثلاثة من الأسرى العراقييّن يبدو أنّه عثر عليهم خلف المقرّ. وصادف أن آتت خطّة محمّد أُكلها، فقد استهدف الصاروخ إحدى طائرات التوبولوف التي ظهرت في سماء المنطقة، ومع أنّه لم يصب الطائرة، إلّا أنّه جعل التوبولوف تبتعد عن سماء المنطقة لساعات.

 

كانت "تخته تاباق" لا تزال منهمكة بالقيام بعملها بكلّ راحة. فبنيت وأمير دشمة لأحد الرشاشات العراقية، وما عدا الستين طلقة، فقد خلّف العراقيّون وراءهم عدّة صناديق كبيرة من الرصاص. استخدمنا الرصاص الخطّاط أيضًا لنعلم المدى الذي تصل إليه طلقاتنا، وكنّا نقصد استهداف الطائرات. عكفت على المراقبة بالمنظار فيما راح أمير يطلق النيران. أقبلت هناك حوالي ثماني طائرات وجالت في سماء المنطقة، وكلّما اقتربت واحدة منّا أطلقنا عليها النار. بين زخّات الرصاص أصيح: "أمير... اضرب!..."، فيضع أمير الطائرة في دائرة محدّدة، ليحاصرها بالنيران ويصيبها بالحدّ الأدنى بعدة رصاصات. نالتها أحيانًا طلقة واحدة من بين ذلك الكمّ الهائل من الرصاص، من دون تأثير يذكر... إلى أن توجّهت إحدى الطائرات نحونا، فتمتمت قائلًا: "إلهي! ساعدنا لنسقط هذه الطائرة بالحدّ الأدنى". أخيرًا، وبعد إطلاق نار كثيف عليها، انبعث الدخان منها، فابتعدت عن المنطقة على تلك الحال. بعد هذه الحادثة، ارتحنا لمدّة معتبرة من تحليق الطائرات في أجواء المنطقة.


 


[1] صواريخ "سهند" سلاح خفيف كالبازوكا، يمكن إطلاقها عن الكتف نحو الهدف. ولهذه الصواريخ في مؤخرتها حبل طويل يستخدم لتوجيه الصاروخ نحو الهدف. وبالطبع، كانت تلك الصواريخ حسّاسة للصوت، فعلى سبيل المثال، إن أطلقت الصاروخ نحو طائرة ما، وكانت آلية تمرّ في المكان، فإنّ هذا الصاروخ سيغيّر مساره ويتجّه نحو الآليّة.

 

246


238

الفصل التاسع: كربلاء بدر

كانت الساعة قرابة الحادية عشرة صباحًا، عندما دخل عناصر التجهيزات إلينا. كلّ من وصل يسأل عن الموقع. تراءى شكلي غريبًا للناظر، ففي الليلة السابقة، وبينما كنت أعبر من فوق الأسلاك الشائكة، تمزّقت ثيابي وتلطّخت بالدم. أما حذائي فما عاد يوصف، وفوق تمزّقه تمرّغ ليلًا بالوحل والتراب ولم يعد صالحًا للاستعمال. لذا بدّلت ملابسي ببنطال وقميص خاصّين بالقوّات العراقيّة، وخلعت نعليّ وسرت حافي القدمين. صارت هيئتي أشبه بالأسير العراقي! كنت وأمير نجيب عن أسئلة الإخوة الوافدين ونحن نحمل جهاز اللاسلكي والمنظار الليلي، والرشّاشات. كلّ من يصل إلينا يسأل: "كيف هو حال الموقع؟ أين الإخوة؟ وكيف هي الأوضاع؟..".

 

كنّا نعلم بأنّ شباب الاقتحام تقدّموا مسافة 1500 متر تقريبًا، من خطّ الدفاع الأوّل إلى نهر دجلة حيث ثبّتوا خطّ دفاعهم هناك تقريبًا، وتلك هي المرحلة الأولى من العملية. ومع أنّ بعض الجنود العراقيّين المنتشرين في المنطقة كانوا يطلقون النار أحيانًا، إلّا أنّ معظمهم انسحب إلى ما وراء الساتر الترابيّ الكبير عند نهر دجلة. وقد اكتسب ذلك الساتر أهمّيّة كبرى بالنسبة إلينا، فهو فعلًا في ذلك الوضع شكّلَ الحاجب الأكبر لنا عن أعين العدوّ. وقد تمركزت خلفه قوّاته ولربّما استعدّت للهجوم. امتدّ الساتر الترابي إلى منطقة الدبّابات، حيث المعركة، وأوسع تجمّع للقوات. وكان الاشتباك في تلك المنطقة حيث محور فرقة النجف، بين العدو وعدد من عناصر كتيبة الإمام الحسين عليه السلام، فسقط من عموم الكتيبة ما يقارب الـ150 عنصرًا ما بين شهيد وجريح، من بينهم "داوود نظافت"، وقد رأيت فيما بعد صورته شهيدًا مظلومًا. أمّا من بقي من عناصر الكتيبة، فقد تقدّم بعضهم إلى الأمام، وعمل بعضهم الآخر على إسعاف الجرحى، فيما شرعت طائفة ثالثة أمثالنا بتطهير المنطقة وإرشاد الإخوة الواردين إليها للتوّ. فرحت كثيرًا عندما

 

247


239

الفصل التاسع: كربلاء بدر

رأيت السفن الكبيرة تعمل على نقل الجرّافات من الخطوط الخلفيّة إلى المنطقة، ما دلّ على تهيئة المقدّمات لنصب جسر شغل أحاديث الجميع، فالمتوقع أن يُمدّ فوق الهور ويصل ما بين الجزيرة والخطّ الأوّل للعدوّ. قلت لأمير: "هيّا بنا نذهب ونشاهد"[1].

 

كان بإمكاننا وضع دفاعات إلى جانب الجسر، فنسهّل بذلك أكثر عملية انتقال القوّات والتجهيزات. مضينا قرابة الظهر باتّجاه دجلة. طوال هذه المدة، لم أرَ الأخ مهدي باكري، وكنت أعلم فقط بأنّه تقدّم هو والأخ علي تجلّايي وعدد من القادة الكبار، وأنّهم يرتّبون مقدّمات المرحلة الثانية من العملية. عندما وصلنا إلى دجلة قيل لنا: "ابنوا دشمة هنا وابقوا فيها. سنتقدّم ليلًا بهدف استكمال العملية".

 

لقد تقرّر الذهاب ليلًا لاصطياد الدبّابات الجاهزة للبدء بالعملية عند أوّل فرصة، لذا، تقرّر أن يتقدّم الإخوة ليلًا لتدميرها.

 

وضعتُ وأمير رشّاشاتنا في الدشمة، وتمدّدنا داخلها. لقد مرّت أكثر من 24 ساعة لم أذق فيها طعم النوم. تعبتُ بالفعل، وتمنّيت لو أستطيع أخذ قسط من الراحة. لكن، كأنّ مدفعيّة العدوّ علمت بنيّتي، فراح قصفها يشتّد كلّ لحظة على المكان بمعدّل أكثر من مئة قذيفة في الدقيقة الواحدة! كان من الواضح أنّ العدوّ أدرك مرادنا، وعلم بتجمّع القوّات إلى جانب الجادّة وعلى ضفّة نهر دجلة. ولأنّ المنطقة ترابيّة ونظرًا لموقعيّة الدشم، فقد لحقت بنا بعض الخسائر جرّاء هذا القصف، لذا قرّرنا تغيير هذه المواقع. أضف إلى ذلك فقد قالوا إنّه من المحتمل أن يهاجمنا العراقيون بالزوارق من ناحية دجلة، لذا من الأفضل أن


 


[1] بني الجسر من قطع جسور خيبر التي وُصلت فيما بينها. رأينا فيما بعد أنّ هذه القطع قد صُمّمت ونُصبت بحيث إذا ما تعرّض جزء منها للقصف وتضرّر، يمكن ترميمه أو تبديله سريعًا.

 

248


240

الفصل التاسع: كربلاء بدر

تنتقلوا إلى الساتر الترابي الذي أنشئ إلى جانب نهر دجلة وتتموضعوا هناك[1]. أعرضنا عن فكرة الاستراحة وتركنا الدشمة. وبينما كنّا نسير على شكل طابور نحو الساتر الترابي، تذكّرت أنّني تركت المنظار وجهاز اللاسلكي اللذين غنمناهما من المقرّ داخل الدشمة. خرجت مسرعًا من الطابور، فسألني الإخوة: "سيّد! إلى أين أنت ذاهب؟".

- نسيت شيئًا داخل الدشمة، سأعود حالًا.

 

عندما خرجت من الطابور، أسرع من كان خلفي من العناصر ليأخذوا مكاني ولا ينقطع الطابور. ما إن ابتعدت قليلًا عنهم حتّى تسمّرت في أرضي لسماعي دويّ انفجار قذيفتي 120 ملم. لقد سقطت هاتان القذيفتان تمامًا في مكاني في الطابور، فتقطّعت أشلاء ثلاثة من الإخوة بنحو مرعب، ويبدو أنّ جسد أحد الشهداء شُقّ من الوسط. حزنت جدًا عندما رأيت مظلوميتهم وشهادتهم بهذه الطريقة المفجعة. وكأنّه قُدّر لي أن لا أُصاب بأيّ شظيّة أو جرح في عملية بدر! على كلّ حال، وعلى الرغم من ذلك المشهد المؤلم، تابع الإخوة طريقهم من دون توقّف. كانت المدفعيّة والقاذفات تعمل بشدّة، فسقط إلى حين وصولنا إلى الساتر الترابي ثمانية أو تسعة شهداء. حين وصلنا إلى الساتر الترابي، تحسّن الوضع قليلًا، لأنّهم على ما يبدو، لم يستطيعوا تحديد زاوية المكان هناك. وطوال تلك المدّة، كانت الدبّابات التي تُركت في المنطقة تقينا بشدّة من نيران مدفعيّاتهم.

- بالنهاية سيكون لنا الليلة حساب معهم.

 

عندما انتشرنا وراء الساتر الترابي، عاد النداء من جديد: "ابنوا دشمًا لأنفسكم!"، وتسمر الحرّاس فوق الساتر الترابي يراقبون المنطقة، حتّى إذا ما تحرّك الجنود العراقيّون أخبرونا بذلك. انشغلنا كما سائر الإخوة بالبناء، فأسرعنا نملأ الأكياس بالرمال، ونصفّها حولنا. عملت

 


[1] وهو الساتر الترابي نفسه الذي بُني بأمر قائد فرقتنا الشجاع الأخ مهدي باكري.

 

249


241

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وأمير بإتقان، وبنينا دشمة تتّسع لشخصين. أعددنا بجذوع الشجر مكانًا أسفل الساتر الترابي، بحيث إذا ما انهار ظلت جدران الدشمة قويّة كفاية وبقينا آمنين. علمت أنّه كلما صغرت الدشمة، أصبحت محكمة أكثر. عندما فرغنا من العمل وجدنا صندوقًا لحفظ المثلّجات وضعناه داخلها. ثم ذهبت وأمير إلى المقرّ وأحضرنا فانوسًا وبعض اللوازم القديمة. من حيث الطعام والتجهيزات، كان كلّ شيء مؤمّنًا وانشغل شباب التجهيزات بتوزيع العصائر ومعلّبات الفاكهة والتونة، والخبز، وأحضروا لنا أيضًا المرطّبات بعد الظهر. والآن أصبح من الممكن لنا أن نضع رجلًا فوق أخرى ونستريح قليلًا. بدأت جولة ثانية من إطلاق نار متبادل وراح يشتدّ. كنّا نتناول العصائر وننظر أمامنا من فوق الساتر الترابي، لنرى هل ينوي العراقيّون الهجوم أم لا. بقينا لساعات عاطلين من العمل في تلك الليلة العجيبة ولم نعلم شيئًا عمّا جرى!

 

تمدّدت قليلًا لكن لم أستطع النوم. توقّعت أن يكون لقيلولة صغيرة أثرٌ سحريٌّ يمدّنا في تلك الدقائق براحة الدنيا، ولم يحدث ذلك.

 

عصرًا، تمّ إعطاء التوجيهات المتعلّقة بمنطقة العملية، الموقع الذي توجد فيها الدبّابات، والمهمّة التي سيقوم بها الإخوة ليلًا. جاؤوا إليّ أيضًا وقالوا: "سيّد! أنت أيضًا ستذهب معنا!".

- لا، أنا تعب، أريد الليلة أن أنام، غدًا آتي معكم!

 

كان من المفترض أن تذهب من كتيبة الإمام الحسين عليه السلام سريّة مصطفى بيش قدم لصيد الدبّابات. كنت منهكًا وأردت أن أنام تلك الليلة لعلّ جسدي يرتاح قليلًا، لكنّ مصطفى بيش قدم قال لي: "لا! تعالَ الليلة، وغدًا تستريح!".

 

250


242

الفصل التاسع: كربلاء بدر

- عندما يأتي الغد تقول أيضًا، تعالَ الآن وغدًا تستريح، لو تعفيني...

 

بالنهاية، غلب إصرارهم رفضي. والحقيقة أنّ معظم الإخوة أصابهم النعاس مثلي، واحمرّت عيونهم من شدّة الإرهاق وعدم النوم، وجاهدنا كي نبقيها مفتوحة.

 

عند الغروب، جهّزنا أغراضنا، فحملت رشاشًا، كلاشنكوف، وحقيبة ظهر مملوءة بالرصاص. وحمل أمير معه قاذف (B7)، مع أربع قذائف إضافيّة. طوال تلك الفترة، وإضافة إلى تعبي الجسدي، كنت أفكّر كيف سنقف بهذا العتاد القليل أمام مئتي دبّابة، لم ندمّر طوال النهار سوى القليل منها؟!

 

عند حوالي الواحدة بعد منتصف الليل، صدرت الأوامر بالتحرّك فانطلقنا. شرعت الدبّابات تقصف المنطقة بشدّة، فتهتزّ من دويّ الانفجارات. وقد أضاءت مصابيحها المكان وبدّلت ليلها إلى نهار. تحوّلت المسألة إلى شيء من السخرية، وراح الإخوة يسألون ممازحين: "إلى أين أنتم ذاهبون يا شباب؟!

- ليس إلى مكان! هناك دبّابات تزعجنا، ونحن ذاهبون لتصفية حسابنا معها!

 

تقدّمنا إلى أن وصلنا إلى مكان يشبه القناة. ومن هناك استلزم الأمر عبور القناة والساتر الترابي القريب منها، لنصل بعدها إلى أرض سهلة مواجهة للدبّابات. كنّا قرابة الخمسين عنصرًا، وبحوزتنا سبع أو ثماني قاذفات (B7)، وكان يجب على الباقين التقدّم بالقنابل إلى مقربة من الدبّابات.

- استعدّوا جميعًا! ثبّتوا أقدامكم في الأرض بقوّة. سأطلق زخّة من 

 

251


243

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الرصاص، نتقدّم بعدها جميعًا وبسرعة نحو العدوّ!

 

قال مصطفى بيش قدم هذه الكلمات. ضحكت لا شعوريًّا. وكأنّنا لسنا في حرب حقيقيّة قاسية، إنمّا أمام لعبة صبيانيّة. وربّما صغر "الموت" في أعيننا بحيث لم نعد نخشى اقتحامه.

 

تسمّرت أعيننا على سلاح قائدنا، وتجهّزنا. ما إن أطلق زخّة حتى قفزنا من أماكننا. ركضنا من القناة... ومع أصداء التكبيرات، انتشر الإخوة على امتداد السهل، وراحوا يركضون باتّجاه الدبّابات، وكان علينا الاقتراب منها إلى أن نطمئنّ بأنّ قذيفة الـ(B7) ستصيبها. أحاطت بنا أَنوار كشّافات العدو، وبدأوا يطلقون الرصاص الخطّاط علينا من كلّ ناحية. في منتصف ذلك الليل الملتهب، تلاشى الخوف والعتمة قبل أيّ شيء! المسافة بيننا وبين الدبّابات تقلّ عن الألف متر، وهي مسافة لا تُقطع ركضًا، مع حقيبة الظهر المملوءة بالذخيرة، وبأقدامنا المتعبة. الأرض كأنّها حُرثت بالجرّار الزراعي، والدبّابات كأنّها ستظل حاضرة لاستقبالنا لنشرع بتدميرها! في تلك الأوضاع لم يفكّر أحد بنفسه، بل انصبّ كلّ تفكيرنا بأنّنا الآن إذا ما دخلنا في قلب النيران، فإنّنا سننجز مهمّتنا، حتمًا! إضافة إلى سريّة مصطفى بيش قدم، كان هناك علي تجلّايي، وقائد كتيبتنا أصغر قصّاب، وعدد قليل من عناصر السرايا الآخرين. وكلّ منّا يسعى بكلّ ما أمكنه من طاقة وسرعة لأن يقطع هذه المسافة المجهدة، والوصول إلى الدبّابات. كانت حقيبة ظهري ملأى بالرصاص، وكلّ همّي محصورًا في العبور من هذه الأرض الصعبة بسرعة. فجأة علقت رجلي في مدرة فتعثّرت. لم أستطع السيطرة على نفسي مع تلك السرعة التي كنت أعدو بها ووقعت أرضًا. ويا له من سقوط! طار الكلاشنكوف في ناحية وأنا في ناحية أخرى. تكرّر وقوعي مرّتين أخريين. هذه المشاكل من جهة، وصوت أمير الذي يناديني باستمرار من جهة أخرى! كان يتقدّم حاملًا الـ(B7) مع أربع قذائف

 

252

 


244

الفصل التاسع: كربلاء بدر

إضافية، فثقل عليه أن يجارينا في العدْو، وهو الفتى الغضّ ذو البنية الجسديّة العاديّة والذي لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر. كنت كلّما ابتعدت عنه أسمع صوته يناديني: "سيّد! تروَّ! تروَّ ريثما آتي!"، آنسني سماع صوته المحبوب، وحاولت التمهّل قليلًا حتّى يصل إليّ، لكنّه بحالته هذه، صعّب عليّ الأمور. إلى أن علت صرختي: "أخي! أنت هنا تتودّد إلي! من الآن سنفترق! اذهب باتّجاه دبّابة أخرى... أنا ذاهب..."[1].

 

ناديت يا عليّ ونهضت من جانب أمير. عندما سمعت أصوات تكبير الإخوة علمت أنّهم وصلوا إلى الدبّابات. وأثناء هذه الجلبة، لم ألتفت إلى أنّ دبّابتين تصوّبان عليّ، فما إن قمت من مكاني حتّى سلّطتا عليّ كشّافات النور! كان مشهدًا عجيبًا، فهدير الدبّابات المرعب، وحمم مدافعها التي استمرّت تنهمر علينا من كلّ صوب، والآن، هاتان الدبّابتان اللتان جعلتاني هدفًا مشتركًا لهما. لم أكن أرى سوى الرصاص الخطّاط ينهمر عليّ من كلّ ناحية ويمرّ من جانبي[2]. كانت كمّيّة الرصاص كبيرة جدًا، بحيث كنت مع كلّ خفقة قلب أقول: "لن أبقى سالمًا!". مع كلّ هذا، ومن دون أيّ تأخير، زدت من سرعتي بقدر ما استطعت ورحت أجري. ابتعدت قرابة الـ 60 مترًا عن أمير، فأجبرني صراخه ونداؤه لي بـ"أخي" على التوقّف. كان يناديني باستمرار: "سيّد... سيّد... بالله عليك..."، وقفت: "يا عمّ! لا تنادِني كثيرًا!".

- سيّد! هل أُصبت؟!

- لا! لم أُصب!

- لا أصدّق!

 


[1] دائمًا ما كنت في الاشتباكات أتجنّب أن أكون إلى جانب عزيز لأنّه سيشغل تفكيري دومًا، ولن أستطيع التركيز. فلم أكن أرضى حتّى بكون أخي صادق رحمه الله إلى جانبي.

[2] عادة ما كانت تُرمى رصاصة خطّاطة واحدة من بين كلّ خمس رصاصات، ومن خلالها كان يمكن تقدير عدد الرصاصات التي أُطلقت نحونا.

 

253


245

الفصل التاسع: كربلاء بدر

حينما وصل إليّ، راح يحملق بي مذهولًا: "من كلّ تلك الرصاصات، لم تصبك أيّ واحدة؟! أنت لا تعلم أيّ مشهد كان، لقد دخلت في أتون النار..."[1].

 

قلت: "رأيت؟ إنّ خطبًا لم يصبني؟! والآن هل ستفارقني أم لا؟ اذهب ودعني أتابع عملي...".

 

أصرّ أمير على ذهابنا معًا نحو الدبّابات. اشتدّت المواجهات، وكان أوّل من رمى دبّابة هو "بابا". سمعت صراخ الإخوة: "هذه هي، اضربها...".

- يا رامي الـ(B7)! اضرب تلك!

 

بشجاعة قلّ نظيرها، أحرق "بابا" الدبّابة الأولى. لكن حين أراد التوجّه إلى دبّابة أخرى ورميها بقنبلة، أُصيب بقذيفة من دبّابة أخرى فسقط شهيدًا[2]. حقًّا ما انفكّ الإخوة يقاتلون بعشق ويستشهدون حاملين معهم مظلوميتهم. الجميع انبرى للقتال، وقد نفعتني رصاصات الرشّاش هناك. ظلّت الدبّابات تناور في منطقة العملية، وأضيف هديرها الكبير والغبار الذي تثيره، إلى أزيز الرصاص ودويّ القذائف المدفعيّة التي تنهمر علينا من كلّ صوب. انتشر الإخوة في السهل، وانقطع التواصل فيما بيننا تقريبًا. كان يلفت انتباهي أحيانًا تدمير دبّابة أو سقوط شهيد. وقد دُمّر إلى تلك اللحظة ما يقرب من 20 دبّابة، في واقعة مثيرة للعجب، حيث بتنا تحت نظر الدبّابات قبل أن نصل إليها بكيلومتر تقريبًا... لم أرَ في تلك المعركة شخصًا ضعف بسبب شدّة النيران، واستطعنا ببسالة الإخوة إرباكهم، وحققنا هدفنا بتدمير جزء من دبّاباتهم، وجاء القرار

 


[1] كان أمير يتكلّم باستمرار عن ذلك المشهد ويقول: "عندما نهضت أنت، رأتك الدبّابات". كان يقسم ويقول: "لقد كنت تحترق بالرصاص والنيران!". كان مذهولًا كيف خرجت من تلك المعركة سالمًا.

[2] بقي جسد الشهيد علي أكبر مرتضوي هناك. بعد سنوات من انتهاء الحرب جاءت عائلته إليّ، كانوا يظنّون أنّه أُسر، بينما كنت متيقّنًا بأنّه فارق الحياة على ضفاف نهر دجلة، وأكّدت لهم ذلك.

 

254


246

الفصل التاسع: كربلاء بدر

أن ندمّر أكبر عدد ممكن منها[1]. قرابة الفجر بدأوا هجومًا مضادًّا برتل الدبّابات. كنّا قد هاجمنا ليلًا تجمعها من القلب، وقد انفصل الآن بعضها بهدف التقدّم نحو خطّ دفاع كتيبتنا الذي هو في الواقع خطّ فرقة النجف. وهدفت مجموعة أخرى إلى الانقضاض علينا من الخلف. وحيث رأينا تحرّكاتهم بوضوح، فقد علمنا مرادهم. سقط عدد من الإخوة شهداء وجرحى، ولم يتمكّن أحد في مثل تلك الظروف أن يسعف الجرحى فبقوا في أرضهم. كما تقدّم بعض الإخوة كثيرًا فوقعوا أسرى بأيدي الجنود العراقيّين. لم نكن نعلم بعدُ بأنّ "مصطفى بيش قدم" وعددًا آخر من الإخوة قد رجعوا فور تدمير عدد من الدبّابات إلى الساتر الترابي الذي انطلقنا منه. انتشر الإخوة في المنطقة من دون إمكانية تواصل بيننا. كنت أنا واثنا عشر عنصرًا تقريبًا جنبًا إلى جنب في تلك الأوضاع، وأذكر منهم جيّدًا "علي أكبر بافنده" و"أمير مارالباش". اجتمعنا في مكان بعمق متر تقريبًا، شبيه بقناة الريّ، وأرضه شبيهة بساقية جافّة ومتشقّقة، وبحوزتنا ثلاثة قواذف (B7) مع قذيفة لكلّ واحد منها، ورشاش، وعدة قطع كلاشنكوف.

 

في تلك اللحظات الحسّاسة التفتنا إلى تحرّك قوّات المشاة العراقيّة قلت للإخوة: "شباب! إن كنتم تريدون المواجهة فلنبدأ على اسم الله، لكن إن توجّهنا نحو الدبّابات فلن نستطيع أن نفعل شيئًا. وإضافة إلى ذلك، سندمّر ثلاث أو أربع دبّابات ومن ثمّ يرموننا. أمّا إن أردتم العودة إلى ساترنا الترابي فهذا هو الوقت المناسب". توجّب علينا الإسراع في


 


[1] لأنّ الدبّابات كانت على جسر يربط ضفّتي دجلة ببعضها البعض. كان طريق عام البصرة ـ العمارة لا يزال بأيدي العراقيين، وكانت وحدة المدفعيّة تتّصل عبر هذا الجسر بالطريق العام وبالعراقيين. وعدا عن هذا الجسر كان هناك جسر آخر على نهر دجلة، بحيث إذا ما دُمّر هذان الجسران، فإنّ العدوّ سيُحاصَر من جهة البصرة والعمارة. وإذا ما قُطعت الطريق ستنتفي إمكانيّة نفوذ القوّات من ذلك الجانب بالكامل. لأنّ أحد جانبي الطريق كان أرض مستنقعات لا يمكن النفوذ من خلالها، والجانب الآخر كان بيد شبابنا. كما سقط مدرج الطائرات المروحيّة الذي كان في المنطقة، فانتهى أمر العراقيّين تمامًا في تلك المنطقة. كان العراقيّون يعلمون هذا، لذا، كانوا يقاتلون بشراسة.

 

255


247

الفصل التاسع: كربلاء بدر

اتّخاذ القرار. أوّل من تكلّم أمير فقال: "لا! عودوا أنتم، أمّا أنا فأريد التوجّه نحو الدبّابات!".

- أمير! لا مكان هنا للقول أنا سأبقى واذهبوا أنتم! البقاء هنا يعني إما أن نقع في الأسر بعد نصف ساعة، وإما أن نقاتل ونستشهد! لكن يمكننا من الآن أن نقوم بعمل يحول دون محاصرتهم لنا!

 

رأينا قوّات المشاة العراقيّة تركض مسرعة نحو القناة التي اجتمعنا فيها. وبدا أنّ سبيلنا الوحيد للخروج من ذلك المكان جادّة تقوم الدبّابات بالمناورة فيها. ولو أنّ رتلها أغلق تلك الطريق، لتمّت محاصرتنا من جميع الجهات. حسنًا، لا بدّ أن نخرج من القناة، ونعبر الجادّة لنسير من ثمّ في الجانب الآخر منها في قناةٍ دخَلَ العدو منها إلى المعركة! صرنا أينما توجّهنا رأينا الدبّابات وقوّات العدوّ. صاح بعض الإخوة: "يا عمّ! كيف سنتمكّن من عبور هذه الجادّة؟".

- إن استهدفنا دبّابتين، فإنّ الدبّابات الأخرى لن تتقدّم. سيحاولون التصويب علينا من بعيد، ثم يرسلون قوّات المشاة إلينا. ألا نستطيع مواجهة قوّات المشاة ودحرهم؟!

 

استمدّ الإخوة المعنويّات من كلامي. لم يكن من سبيل آخر أمامنا. استعدّ اثنان من رماة الـ(B7)، وأطلقا في وقت واحد وأصابا دبّابة ودمّراها، فتوقّفت الدبّابات الأخرى، لتبدأ نيران مدفعيّاتهم بالانهمار علينا. في تلك الأثناء، انبرت قوّات المشاة العراقيّة إلى القناة التي كنّا فيها واتّجهت نحونا مسرعة. لم يكن أمامنا وقت. قلت: "سأذهب أنا أوّلًا. وابدأوا أنتم بالرمي، وعندما أصل إلى الناحية الأخرى من الجادّة، أبدأ أنا بالرمي لتعبروا أنتم". وخلال لحظة، قمت مسرعًا وعدوت نحو ثلاثين مترًا في ظلّ رماية الإخوة المتزامنة بعضها مع بعض، 

 

256


248

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وعبرت الجادّة، ورحت أرمي من تلك الناحية نحو جنود العدوّ. صرنا الآن نرميه من الجانبين، وفي ظرف دقائق معدودة عبرنا نحن الاثنا عشر عنصرًا الجادّة بسلام. في ظل الظروف المعقّدة، كنّا في مقابل قوّات مشاة العدوّ ونسير باتّجاه بعضنا البعض. في تلك الأثناء شملنا لطف الله وعنايته، إذ سقطت ثلاث قذائف مدفعيّة للجيش العراقي داخل تلك القناة نفسها وسط جنوده! فاضطربوا وتشوّشوا جرّاء انفجار القذائف وإصابتهم بخسائر في الأرواح. اشتبكنا نحن أيضًا معهم وأجبرناهم على الفرار من تلك الناحية. كانت القناة تؤدي إلى ساترنا الترابي، وليس لنا إلا الجري للوصول إليه. وتوجد هناك القناة نفسها التي انطلقنا منها الليلة الماضية باتّجاه الدبّابات، والوصول إليها يعني ابتعادنا عن مركز الخطر. وصلنا إلى ساترنا لاهثين، شعثًا غبرًا، فيما كانت ثيابنا ملطّخة بالدماء ومبلّلة بالعرق. رأيت هناك أصغر قصّاب يراقبنا بنظره. كان نور الصباح يشقّ وجه الأفق، ولم أكن قد أدّيت صلاة الصبح بعد. وما إن وصلت إليه حتّى قال: "سيّد! خذ خمسة أو ستّة عناصر وتقدّموا باتّجاه الدبّابات...".

- يا عمّ! لم أؤدِّ صلاتي بعد! بالمناسبة، عن أيّ تقدّم تتكلّم؟ لقد وصلت الدبّابات إلى خلف الساتر. وهذا هو الوقت المناسب لنشتبك معها من هنا، لا أن ترسل عدّة عناصر إليهم...

 

مضى أقلّ من ساعة على خروجنا من حصار الدبّابات، ومن لطف الله وعنايته أنّني لم أسقط أرضًا حتى تلك اللحظة مع كلّ تعب الليلة الماضية. كانت قوّات المشاة العراقيّة تتقدّم.

 

فضربت بكفّي على التراب وتيمّمت. لم أعرف اتّجاه القبلة، والعدوّ يكاد يصل فيما قصف الدبّابات العشوائي يشتدّ كلّ لحظة. أدّيت صلاتي بسرعة بما أحمل في حقيبة الظهر، لقد كنت مع ربّ لُذتُ بحماه.

 

257


249

الفصل التاسع: كربلاء بدر

في الصباح، بدأ أقوى هجوم للقوّات العراقيّة. وكأنّ كلّ الدبّابات في تلك المنطقة هجمت بكلّ قوّتها لتخترق ذلك الساتر. اشتدّت النيران بحيث ضاع الجميع في الغبار الناجم عن انفجار القذائف، ومدفعيّات العدو تدكّ ساترنا بدقّة وقوّة شديدتين، بمعدل عشرات القذائف في آن معًا! لم يكن بالإمكان رؤية أحد في ذلك الدخان والغبار. وقد تجرأت بعض الدبّابات واقتربت بالكامل من الساتر. الشيء الوحيد الذي لم نكن نفكّر فيه هو التراجع إلى الوراء. استشرس الإخوة بقتالهم. فجأة صاح أحدهم: "لا تسمحوا لتلك الدبابة بالتقدّم، ارموها...".

 

فقام أحدهم ورماها بقذيفة (B7)، مع احتراق كلّ دبّابة حاولت الاقتراب، كان الرتل الآخر يُصاب بالذعر فيتوقّف عن التقدّم لدقائق. أرادوا إرهاقنا من خلال قصفهم الكثيف بالقذائف المدفعية، لكنّنا كنّا عازمين على الحفاظ على الساتر حتى آخر نفس. علمنا فيما بعد أنّ "الفرقة 27" التي كانت على ميسرة "فرقة النجف" لم تُوفّق بشكل كامل، لذا أصبحت فرقة النجف بنفسها في المقدّمة وفي الجناح الأيسر، تقاتل العدوّ، وقد ركّز كلّ ضغطه على تلك المنطقة. وفي شمال منطقة العملية أيضًا، أخفقت بعض الوحدات في الوصول إلى دجلة، وبقيت في جادّة الخندق. لذا، سعى العدوّ بكلّ طاقته إلى اختراق خطّ دفاع فرقة النجف بالقرب من قرية "همايون"، كي ينتهي أمر معركة بدر بالنسبة لنا من الأيّام الأولى. هكذا، قاتلنا نحن بأسناننا وأظفارنا كي لا نسمح لقوّات العدوّ بالنفوذ من هناك. كانت النيران تنهمر علينا من الأرض والسماء. وفي تلك الأثناء، بتّ أركض على امتداد الساتر وأوصل الذخائر للدشم، فأعطي أحدهم الـ(B7)، وآخر الشرشور و... وصل الأمر إلى درجة أنّه لم يعد الواحد منّا يفكّر بالسير منحني الظهر أو الاحتماء عند سماع صفير قذيفة مدفعيّة وغيرها من القذائف، بمعنى، إذا ما أراد

 

258


250

الفصل التاسع: كربلاء بدر

ترتفع في الأفق لعلّها تخفّف قليلًا من برودة الجوّ. وسرعان ما صدرت الأوامر بالاستعداد للتحرّك. طلب إليّ قائد كتيبة الإمام الحسين عليه السلام أصغر قصّاب بأن أقف في مقدّمة الطابور وأعيد القوّات إلى منطقة وجودها سابقًا. طوال تلك الأحداث غالبًا ما رأيت الأخ أصغر الأقرب إلينا من باقي القادة. هنا يطلق قذيفة (B7)، وهناك يرمي برشّاشه. كلامه وحديثه يمدّان الإخوة بالمعنويّات دومًا، وفي ظلّ النيران الكثيفة، كان يعتلي الساتر الترابي ويخاطبهم قائلًا: "أيّها الإخوة لا تبقوا طويلًا أسفل الساتر! تعالوا إلى الأعلى!". كنّا نشعر بأنّنا نحيا من جديد عندما نراه. لقد أضرم العراقيّون طوال تلك الليلة نارًا قلّما شهدنا لها نظيرًا... وكان ميدان القتال خطيرًا إلى درجة، تطّلب الوقوف هناك قلبًا شجاعًا. والحقّ يُقال: "إنّ وجود قادة كعلي تجلّايي وأصغر قصّاب في تلك المنطقة جسّد المشجّع الأكبر لنا". فيما يتعلّق بالأخ مهدي، فلم أره، لكنّني سمعت أنّه في خطوط المعركة الأمامية، وكنت متيقّنًا من ذلك من خلال معرفتي به.

 

تحرّكنا بناءً لأمر قائد الكتيبة. سرت في مقدّمة الطابور نحو الساتر الترابي القريب من نهر دجلة، ومن دون أن ألتفت إلى الوراء. بدأت مدفعيّة القوّات العراقيّة العمل من جديد، وراحت تقصف المكان بشدّة. كنت أريد إيصال الإخوة إلى الساتر السابق بأسرع ما يمكن.

 

عندما قطعنا نصف المسافة، ألقيت نظرةً إلى الخلف وتعجبت إذ لم أجد سوى بعض العناصر خلفي وتفصلنا عن الباقين مسافة مئة متر تقريبًا. لقد سقط عدد من الإخوة شهداء وجرحى بفعل القصف العنيف، وبقي كلّ واحد منهم حيث سقط. قلت في نفسي: "لقد تفرّق الجيش!". انتظرنا قليلًا إلى أن وصل الإخوة وأكملنا طريقنا. بعد دقائق وصلنا إلى مكان ظننت أنّ العدوّ استهدفه بالأسلحة الكيميائيّة. رحت أبحث مسرعًا هنا وهناك عن القناع الواقي وأصرخ: "القناع... القناع".

 

260

 


251

الفصل التاسع: كربلاء بدر

قال لي أمير، وكان أقربهم إليّ: "ماذا تريد بالقناع؟".

- يبدو أنّهم قصفوا بالكيميائي!

- سيّد! هو الوحل الذي تناثر عليك!

 

عندها التفتّ إلى أنّ قذيفةً مدفعيّة سقطت في المستنقع فتناثر الطين والوحل علينا بحيث أحسست وكأنّهم فعلًا قصفونا بالكيميائي! وصلنا إلى مقصدنا متفرّقين بعضنا عن بعض ومنهكين.

 

وهناك أيضًا لم نسلم من نيران مدفعيّة العدوّ التي راحت تقصف بنحو جنوني. والآن، لم يبق من كتيبة الإمام الحسين عليه السلام واقفًا على قدميه أكثر من 40 نفرًا. هناك تعجّب الإخوة الذين رأوني للمرّة الأولى وقالوا: "سيّد! حاذر، قد يرمونك! لقد أصبحت تشبه العراقيّين إلى حدّ كبير...". كنت لا أزال أرتدي البزّة العراقيّة، وبالطبع لم أبقَ حافي القدمين، فقد أمّن لي الإخوة عصر الأمس حذاءً من الكتان، وكان بالنسبة لي أفضل من الحذاء العسكري. معظم الإخوة هناك، لم تصلهم أخبار معركة الأمس ومواجهتنا للدبّابات ولنيران مدفعيّاتها. قلت: "إن أرادوا الآن أن يقصفوا، فليقصفوا!"، لقد أنجزت المهمّة التي أوكلها إليّ الأخ أصغر، ولم أعد أريد البقاء هناك. قلت لأمير: "دع الإخوة يذهبوا، ولنعد نحن إلى الخلف لنرى ماذا يحدث هناك!".

- من أين يجب أن نذهب لنختصر الطريق؟

- من المقرّ! فالطريق من هناك أكثر أمنًا، وأقصر!

 

صحيح أنّ المنطقة مزروعة بالألغام، لكنّني كنت واثقًا من نزعها في الطريق المؤدي إلى المقرّ، وحين وصلنا إليه، رأينا عناصر الفرقة سبقونا وبدأوا بإخلائه، قلت لاثنين منهم كانا يخليان الأجهزة اللاسلكيّة ممازحًا: "نعم، اخلوها! نحن نعلم بأيّ ثمن أُخذت!". فراحوا يشكروننا، ويثنون علينا. كانت المرّة الأولى التي أرى فيها مثل هذه الأجهزة

 

261


252

الفصل التاسع: كربلاء بدر

اللاسلكيّة الغريبة العجيبة، وها هي الآن قد أصبحت بين أيدينا. عندما خرجنا من المقرّ رأيتهم قد ربّضوا المدفعيات في المنطقة للتوّ. وفيما كنت متّجهًا نحوها، لفت نظري أحدهم وهو يراقبني بدقّة. يبدو أنّ لباسي وهيئتي العجيبة جعلته يشكّ بي. توجّهت نحوه: "نعم؟!". حدّق بي مجدّدًا وسألني: "من عناصر أيّ كتيبة أنت؟".

- من كتيبة الإمام الحسين عليه السلام، هل من إشكال؟

- يا عمّ، أنت تشبه العراقيّين كثيرًا!

- لا إشكال في ذلك!

- حاذر على كلّ حال! فخلفنا توجد قوّات من الجيش، قد يطلقون النار عليك إن لم يعرفوك!

- لا يا عمّ! أَوَلا يرون أين هو خطّ دفاعنا؟

 

تركته غير مكترث لتحذيراته، ولكن لاح لي من بعيد شخص يطلّ برأسه ويختبئ. واقعًا أثار شكّنا. اقتربت، فرأيت عددًا من عناصر الجيش موجودين هناك. كنت وأمير نسير على الجادّة، وإلى جانب الجادّة توجد قناة أنشئت حديثًا قد استقرّوا فيها. حين دنوت منهم صحت فيهم: "حسنًا لِمَ أنتم مختبئون؟ لا يوجد شيء هنا!". سأل أحدهم وقد علمنا فيما بعد أنّه قائد سريّة: "هل تعلم أين يتواجد العراقيّون الآن؟".

- العراقيّون بعيدون جدًا من هنا!

 

أراحه جوابي نوعًا ما. قلت له من جديد: "لدينا في مكان متقدم أكثر عن مركزكم ساتران ترابيّان مليئان بالعناصر. لماذا تصدر منكم مثل هذه الأعمال وأنتم هنا؟!".

 

عند ذاك بدأوا يصولون ويجولون، وأحاط بي بعضهم وراحوا يسألون من نحن؟ وما الذي حصل؟ حدّثتهم باختصار عن الليلة الأولى للعملية وعن القوارب، وهم ينظرون إلينا غير مصدّقين. أخذني قائدهم جانبًا

 

262


253

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وسألني: "بالله عليك قل لي ماذا يحدث في الخطوط الأماميّة؟!".

- والله، ليس من أخبار الآن...

 

رأيته مصرًّا جدًا ليعلم ماذا حدث. أخبرته قليلًا عمّا جرى الليلة الماضية وتدمير الدبّابات. فقال: "كيف ذهبتم لمواجهتهم. وبأيّ قلب وأيّ جرّأة!".

- بنفس القلب والجرأة اللذين أتينا بهما في الليلة الأولى لتنفيذ العملية، وهاجمنا خطّ دفاع العدوّ في تلك الظروف!

 

أخبرته عن قصف العدوّ الشديد وتفاني الإخوة[1]. بعد الحديث شعرت بالارتياح تجاهه. سألني: "ماذا سيحصل في الخطوط الأماميّة؟ ماذا قرروا؟ من الذي سيذهب إلى الجهة الأخرى من دجلة؟!".

- الأمر بسيط! اليوم لدينا عملية أيضًا. وإن شاء الله نحن سنعبر دجلة ونذهب إلى الجهة الأخرى!

- أنتم؟ يا عمّ! بأيّ قوّات؟

- إن لم تأتِ قوّات جديدة سنذهب بأولئك الثلاثين أو الأربعين عنصرًا الباقين!

ثمّ أحضروا لنا الطعام والفواكه المعلبة، وأصبحت وقائدهم أصدقاء حميمين. وبعد أن أخبرته عن أوضاع الجبهة، عاد ورمقني من رأسي إلى أسفل قدمي وقال: "ما هذه الهيئة؟ اذهب بالحدّ الأدنى وجِد لك سروالًا آخر ترتديه!". كان محقًّا، فقد كان شكل ملابسي الخاصّة بالجنود العراقيّين مضلِّلًا. فبدل الحذاء العسكري، انتعلت حذاءً من الكتان، وقد ارتفع قميصي من فوق السروال، وتركت سلاحي في الخطّ


 


[1] أخبرني لاحقًا أحد الإخوة المجاهدين في الفرقة ويُدعى كريم محمّديان بأنّه رأى فيلمًا للأخ منافي صُوّر أثناء الاشتباكات في عملية بدر. كان يقول: "كنتَ آتيًا من دون أن تكترث لانفجار القذائف المدفعيّة التي كانت تتساقط على جانبيك الواحدة تلو الأخرى".

فيما بعد، حاولت العثور على الفيلم ولكنّي لم أجده.

 

263


254

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الأمامي، ولم أكن أحمل سوى قنبلتين. برّرت للمسكين، فله كلّ الحقّ ليتعجّب من مظهري. وحيث أصبحنا الآن أكثر حميميّة جاء دوري لنصيحته: "لا تُضعِف معنويّات عناصرك!... وبما أنّكم بقيتم هنا في هذا الوضع، فاطلب منهم على الأقلّ أن يتقدّموا وينتشروا في المنطقة... فالمسافة بيننا وبين العراقيّين كبيرة. يجب أن نموت قبل ان يتمكّن العدوّ من العودة إلى هنا مجدّدًا. وما دمنا أحياءً، لن يملكوا الحقّ بالنظر إلى هذه المنطقة!... كما إنّ قوات الدعم تكاد تصل من الخطوط الخلفية...". وبالمحصّلة، فقد شجّعتهم قليلًا بهذه الكلمات. بعد تناول الطعام والفاكهة المعلّبة التي قدّموها لنا، قمت وأمير بتوديعهم وتابعنا طريقنا. حين كنّا عند عناصر الجيش وصلنا خبر استشهاد محمّد زاهدي. هذا هو "محمّد زاهدي" الثاني الذي فارقنا في عملية بدر. سمعت بأنّه استُشهد في الليلة الأولى من العملية في ذلك المقرّ، ولم أعرف بذلك قبل تلك اللحظة. أحزنني الخبر. كان رجلًا غير عاديّ، مؤمنًا، خلوقًا وعاملًا. من مميّزات الشهيدين "زاهدي" خبرتهما وتجربتهما، فتركت شهادتهما في الحرب ثغرة كبيرة لن تُسدّ بسهولة. كانت دماء الشهداء الذين سقطوا في الليلتين السابقتين غضّة طريّة على الأرض في كلّ ناحية. عجيبة هي لحظات تأملنا لأشلاء شهيد أو لدمائه المتجمدة على الأرض... كنّا نحزن لعلمنا بأنّ هؤلاء الإخوة المؤمنين والمخلصين رحلوا عنّا إلى الأبد، ونُسرّ لكوننا ما زلنا إلى تلك اللحظة ثابتين، ولم نترك جهودهم وتضحياتهم تذهب هدرًا، ولأنّ العملية لم تكن لتسير قُدمًا من دون إيثارهم وتضحياتهم. كان الزحام يشتدّ كلّما اقتربنا من ضفّة الهور. فقد وصل إلى المنطقة بعد اختراق خطّ الدفاع ما يقارب الثلاث عشرة أو الأربع عشرة كتيبةً من فرقة عاشوراء. لكن يبدو أنّه لم يكن قد أوعز إليهم بعد التقدّم إلى الخطوط الأماميّة والمشاركة في المراحل المتبقية من العملية. استقرّ معظمهم هنا وراء السواتر الترابيّة.

 

264

 


255

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وصلنا في مسيرنا إلى النقطة التي خرجت فيها بالأمس من الطابور، واستُشهد اثنان أو ثلاثة من الإخوة جرّاء سقوط قذيفة 120 ملم. كانت أشلاؤهم لا تزال ملقاةً على الأرض حتى قدما أحد الشهداء. تألّمت أكثر لرؤيتهم. بعض أنواع الشهادات تقلب أحوال المرء. فشهادة شخصين بعد ثوانٍ من خروجك، وفي المكان نفسه الذي كنت واقفًا فيه وبالوضعيّة ذاتها... قلت في نفسي: "نور الدين! اُنظر ماذا يريد الله منك فما زال يمهلك إلى الآن!".

 

تابعنا مسيرنا، وإلى الأمام قليلًا شاهدنا عناصر التجهيزات، وقد حملوا إلى المنطقة قطعًا كثيرةً من آليات الشيلكا، ورشّاشات الدوشكا وقذائف الـ 120 و 60 و81 ملم، والكاتيوشا و... واستقرّوا هناك. استخدموا أيضًا المدافع التي غنمناها من العراقيّين، وقد انهمكوا بشدّة في تحديد زاوية الرمي، وكان من الواضح أنّ أمامهم ليلة صعبة ومجهدة. تابعنا مسيرنا من جديد. أردت الذهاب إلى دشمتنا، تلك التي بنيناها أنا وأمير. وقبل أن نصل إليها التقينا بعالم الدين ذاك الذي تلا علينا صيغة التآخي، وقد جاء بلباس رجل الدين إلى المنطقة، وراح يوزّع العصير على الإخوة. كان حضوره يمدّهم بالمعنويّات. وما إن رآني حتّى سألني بكلّ لطف ومحبّة: ماذا أعطيك؟

- أقبل بكلّ ما تقدّمه لي!

 

وهناك وقع نظري على محمّد، ذاك الذي ارتكب تلك الغلطة بالجرّافة أثناء حفر الدشم في مخيّم شهداء خيبر. كان يوزّع الطعام والفاكهة على الإخوة، لكنّنا تلك الثلّة التي عادت من المعركة، لم نكن نرغب بهذه الأمور، فقد سقط الكثير من شباب الكتيبة ومن أصدقائنا شهداء، وانقلبت أحوالنا لذلك.

 

وصلنا إلى ما وراء الساتر، وإذ ما يقارب العشر طائرات توبولوف

 

265


256

الفصل التاسع: كربلاء بدر

جاءت لتقصف المنطقة. ما إن رفعت رأسي حتّى رأيتها ترمي عدّة صواريخ فوق رؤوسنا! صاح أمير: "انبطح أرضًا!".

- دعك منها!

- لِمَ؟

- إن كان من المقدّر لهذه الصواريخ أن تنفجر، فسنموت سواء انبطحنا أم لا. هيّا بنا نذهب!

 

بالفعل كنّا قد رأينا سابقًا بأنّ الصواريخ لا تنفجر في المستنقعات، فارتاح بالي نوعًا ما. وهذه المرّة أيضًا، لم ينفجر منها سوى ثلاثة، فيما غرقت البقية في المستنقع. على امتداد البصر،(كما في مشهد سابق) استقرّت الصواريخ في الأرض بحيث يُخيّل للرائي من قواعدها الخلفيّة البيضاء اللون بأنّ نباتًا ما مزروعًا هناك!

 

أخيرًا وصلنا متعبين ومنهكين إلى دشمتنا لنرتاح قليلًا، فصُدمنا بأنّ أحدهم قد عبث فيها. كنّا بالأمس قد ملأنا صندوق حفظ المثلّجات بعلب العصير ومعلّبات التونة، وتركنا البطانيات وأغراضًا أخرى، لكن يبدو أنّ الدشمة تعرّضت لسطو من جانب قوّاتنا، وأُخليت من محتوياتها! وقفت مذهولًا. ثم خرجت معترضًا: "أيّها الإخوة! من الذي أخذ أغراضنا؟".

 

أحدهم قال: حسنًا! لا بدّ أنّها كانت تلزمهم حتّى أخذوها، والآن، قل ماذا تريد لنعطيك إيّاه!". بالطبع، كان هذا الأمر عاديًّا في مثل تلك الظروف، وأيّ شيء في خضمّ العملية أفضل من دشمة مجهّزة بالطعام والشراب والوسائل الأخرى! ومجدّدًا، رحنا نبحث عن بطانيات وعن وسائل أخرى لنستخدمها في الليل. كان مصباحنا لا يزال في مكانه، فرحنا نبحث عن البطانيات والطعام والمتوافرين بكثرة في ناحية ما. كان عدد العناصر مقارنةً بالتجهيزات قليلًا، وعلاوةً على هذا، لم يكن أحد يفكّر بالاستزادة من الطعام، انصب كلّ همّنا في المواجهات

 

266

 


257

الفصل التاسع: كربلاء بدر

والعملية التي سنستكملها في الليل.

 

استمرّت المعارك العنيفة في محور فرقة النجف لليلتين أو ثلاث. وساعدتها من فرقتنا كتيبتا "الإمام الحسين وعلي الأكبر عليهما السلام"، فكانوا كلّ ليلة يعملون على إرباك عمل دبّابات العدوّ. إلى أن قرّر القادة أخيرًا عبور دجلة من أحد الجيوب وتفجير الجسر العراقي هناك، وبذلك نتمكّن من كسر صمود العدوّ في تلك المنطقة.

 

عصرًا، عاشت المنطقة أكثر لحظاتها هدوءًا في تلك الأيّام. فمن ناحية، كان العدوّ يستعدّ للهجوم، ومن ناحية أخرى، كانت قوّاتنا تستعدّ لعبور دجلة ودخول الجيب، حيث تعرّج نهر دجلة في منطقة مأموريّة فرقة عاشوراء، واتّخذ شكل جيب. امتدّ في تلك المنطقة بستان نخيل دَخَلَتْهُ منذ اليوم الأوّل، بعد عبورها دجلة، كتيبة سيّد الشهداء عليه السلام بقيادة "جمشيد نظمي"، ونعموا حينها بالهدوء الكامل، بينما خضنا نحن معارك شديدة في محور فرقة النجف. وقد تقرّر الآن أن يدخل من تبقّى من كتيبة الإمام الحسين عليه السلاموعناصر آخرون الجيب ويستكملوا مهمّتهم...

 

قبيل الغروب، كنّا عندما نصعد أحيانًا فوق الساتر، نسمع أصوات "السيمينوف" التي يطلقها العراقيّون من الضفة الأخرى لدجلة. فهمنا تلك الأصوات بمنزلة تحذير لنا بأنّ القنّاص العراقي يرى كلّ شيء. وخاصة أنّ المسافة التي تفصلنا عن الجسر تقارب الـ(1500م)[1]. دلّت القرائن مجتمعة على أنّهم بذلوا كلّ طاقتهم ليحافظوا على الجسر، الذي يقع إلى الجنوب من منطقة العملية ويمرّ فوقه "أوتوستراد".

 

 


[1] لم يكن للعراقيّين في الجانب الآخر من نهر دجلة خطّ دفاع خاصّ، ذلك أنّهم قد تفاجأوا بهذه العملية، ولم تؤاتهم الفرصة لإحداث خطّ دفاع قويّ في تلك الناحية من النهر، لكن، كان لهم ساتر ترابيّ هناك يطلقون منه النار علينا.

 

267


258

الفصل الثامن: الحياة في الحرب

أمّا نحن فقد قرّرنا هدمه، لأنّنا علمنا بأنّنا في حال عدم تفجيره، لن نستطيع الصمود هناك كثيرًا، وسنُجبر على الانسحاب.

 

كان غروب العشرين من آذار العام 1985م غروبًا مقلقًا. أدّينا الصلاة، وبعد تناول كميّة قليلة من الطعام، أردت أن أنام. وفيما رحت أتقلّب داخل الدشمة ولم أغطّ في النوم بعد، جاء خليل نوبري إليّ وقال: "الليلة قرابة الحادية عشرة سنتحرّك من أجل القيام بالعملية".

- لن آتيَ، أنا تعب!

 

وصل إرهاقي إلى درجة ظننت فيها أنّني لن أستطيع الوقوف على قدميّ، فكيف بي بالذهاب والمشاركة في العملية. جعل جوابي المختصر "خليل" يعود من حيث أتى. وضعت رأسي على الأرض ولم أعلم متى استسلمت للنوم.

 

عندما أيقظوني، كنت مشتّت التفكير. إنّه "خليل نوبري"، جاء مجدّدًا وناداني. تكلّم كثيرًا، ولم أجبه سوى: "أنا تعب". لم ألتفت إلى شيء من كلامه، ولم أرى سوى حالي المزرية، حيث لم أكن أقوى على الوقوف على قدميّ والمشي: "إن أنا أتيت معكم على هذه الحال، فلن أستطيع أن أخدمكم كفاية. أنا لا أعي شيئًا عن نفسي من شدّة التعب، فكيف بأن أشارك بالعملية. اسمح لي بالبقاء هنا، وسأكون مستعدًّا في الصباح لتنفيذ كلّ ما تأمر به".

 

قلت لأمير الذي كان يراقبني بنظراته: "اذهب أنت معهم، أمّا أنا فسأبقى هنا!". فقال أمير بفرح وسرور: "حسنًا أنا سأذهب!".

 

ومجدّدًا، وفي حالة تشوّش بين النوم واليقظة تركتهم، لكنّهم عادوا وجاؤوا يطلبونني. وهذه المرّة جاء خليل نوبري بنفسه أيضًا، ليدلي بآخر

 

268


259

الفصل التاسع: كربلاء بدر

ما عنده من كلام: "أتعلم يا سيّد؟! هذه الليلة تشبه ليلة عاشوراء! نفس الحكاية، الليلة التي قلّ فيها الناصر، والآن عددنا قليل أيضًا. قليل إلى درجة جعلت حتّى القادة يحملون سلاحهم ويلتحقون بالعملية... الجميع تعب، ولكنّهم الليلة استعدّوا للعملية...". بهذه الكلمات جعلني هذه الليلة ألتحق بمن بقي من الرفاق.

 

خرجت من الدشمة. والتحقت بجمع الإخوة الذين تهيّأوا لتنفيذ أقسى مراحل العملية وأهمّها، ويا له من جمع! عظماء فرقة عاشوراء كانوا في ذلك الجمع الذي لا يتجاوز الأربعين نفرًا، علي تجلّايي، محمّد تجلّايي، أصغر قصّاب، محمّد رضا باصر، قاسم هريسي، علي أكبر بافنده، محمود دولتي، علي بهلولي الذي كان عنصر الإشارة في الكتيبة و... أي وصل الأمر "بفرقة عاشوراء" في عملية بدر إلى مرحلة، اجتمع فيها كلّ العناصر، بدءًا من مسؤولي الفصائل والسرايا إلى قادة الكتائب، ومن هم أعلى مستوى، وذلك لينهوا كلّ شيء بالسيطرة على "أوتوستراد" البصرة ـ العمارة وهدم الجسر الصغير الذي يمرّ الأوتوستراد من فوقه. بالطبع، كانت مهمّة بعض العناصر بقيادة محمود دولتي الذي قاد إحدى سرايا كتيبة سيّد الشهداء، تختلف عن مهمّتنا. فهؤلاء قد ذهبوا من قبل إلى قرية "الحريبة" الواقعة في الجانب الآخر من دجلة واشتبكوا مع القوّات العراقيّة، لكنّ القرية لم تكن قد سقطت بعد. وفي تلك الساعات كان العراقيّون في بعض بيوت وأزقّة القرية، وقوّاتنا في بيوت وأزقة أخرى. والتهبت المواجهات هناك عنيفة ومهمّة، فإن لم تسقط المنطقة هناك بيد قوّاتنا، لسوف يمنعنا العراقيون من تدمير الجسر والسيطرة على الأوتوستراد. لذا كانت مهمّتهم، بالتزامن مع تحرّكنا، التوجه إلى قرية الحريبة والسيطرة عليها.

 

ما أعجب تلك الليلة! لم يتجاوز عددنا عدد عناصر القنّاصة في كتيبة ما، لكنّنا عزمنا بذلك العدد القليل من العناصر على كسر ظهر العدوّ.

 

269

 


260

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وعلى ما أظنّ، لم يكن لدينا معلومات كثيرة عن خطّ دفاعه، وجلّ ما كنّا نعلمه هو أنّ العدوّ يتموضع أمام الأوتوستراد. تقرر لقوّات من الجيش أن تتقدّم بالتزامن مع تحرّكنا[1]، ومن ناحية أخرى، أن ترد فرقة النجف الميدان عن يسارنا. واقتضت الخطّة أن يتمّ التنسيق فيما بيننا وبين سريّة من عناصر الهندسة، لتقوم بتدمير الجسر بعد تثبيت أقدامنا في الأوتوستراد. يومذاك حضرت سريّة الهندسة إلى المكان، لكنّ الطائرات التي حامت في سماء المنطقة إلى الظهر، قصفت الشاحنة الحاملة للمواد المتفجّرة[2]. بعد تلك الحادثة طلب عناصر الهندسة مجدّدًا الموادّ المتفجّرة، واستغرق الأمر مدّة لتصل إليهم الذخائر التي يحتاجونها. في النهاية، تبدّلت الكتيبة من عناصر هندسة يباشرون عملهم بالتزامن معنا، إلى سرية تباشر عملها بعد احتلالنا للأوتوستراد.

 

ذُكّرنا بسرعة بمهمّتنا، واستعددنا للانطلاق. طلبت من أمير بأن يضع مقدارًا من الفاكهة المعلّبة والعصير في برّادنا البلاستيكي المملوء ثلجًا. راح أمير يحدّق بي. فقلت له مجدّدًا: "إذا بقيت الأمور كما هي، سنحتاج الطعام في الغد! ضع هذه في الدشمة، فعندما نعود غدًا سنكون عطاشى وجوعى!".

ــ انظروا هذا! ترك كلّ شيء ولم يفكّر إلا في بطنه!

 

وعلا صراخه قائلًا: "يا عمّ! أنّى لك أن تعلم أنّك ستعود غدًا صباحًا؟...".


 


[1] سيطرنا حينها على مدرج للطائرات المروحيّة، فأوكلت مهمّة المحافظة عليه إلى قوّات الجيش، لكنهم للأسف لم يستطيعوا الحفاظ عليه، وانسحبوا في اليوم التالي ليشكل ذلك ضربة كبيرة لنا.

[2] سقط في هذا الانفجار أحد عناصرنا، الذي كان قد بقي في ذلك القسم من الساتر الترابي. وقد قال الليلة الماضية كما قلت، إنّه تعب ولن يشارك في هذه المرحلة، وإنّه سيلتحق غدًا بالقوّات. لكنّه استُشهد في ذلك الانفجار المهيب هو وبعض الإخوة الذين كانوا في الشاحنة. في اليوم التالي حين عاينت المكان، التفت إلى شدّة الانفجار. لقد كان ارتفاع الساتر الترابي في ذلك المكان قرابة الثلاثة أمتار، وفوقه تمتدّ طريق بعرض ستّة أمتار. فنُسف ذلك القسم من الساتر والطريق كلّيًّا، وسقطت بقايا الشاحنة في حفرة بعمق مترين!

 

270


261

الفصل التاسع: كربلاء بدر

ــ إن شاء الله نعود، ضع هذه في الثلّاجة، ستلزمنا في الصباح!

 

كنت أشعر بأنّنّي سأعود وحسب!

 

جهّزنا أمتعتنا وانطلقنا. توجّه محمود دولتي وعناصره نحو قرية الحريبة. لم أعلم شيئًا عن الباقين، لكنّ أكثر من التقيتهم، كانوا من الذين قاتلوا في الليلة الأولى من العملية في ميادين مختلفة. لفتت حالي الأنظار، فمن شدّة التعب وقلّة النوم، ثقل الحمل الذي على ظهري عدّة أضعاف، ولم يعمل ذهني بنحو جيّد، وكلّ ما علمته هو أنّني سأسير في هذا الطابور وهذا ما حدث، إلى أن وصلنا إلى ضفّة نهر دجلة. والآن جاء دور العبور فوق جسر رفعه عناصرنا فوق النهر[1]. وكان عبارة عن جسر "نفررو"[2] طويل، اتصل طرفاه بضفّتي النهر، يهتزّ بمجرّد أن تسير عليه. مشينا عليه باسم الله. أحيانًا صار يهتزّ إلى درجة أخال أنّني سأقع حتمًا في النهر. كنّا لا نزال فوق الجسر حين قال علي تجلّايي: "لقد وجّه الإمام بيانًا إلى كلّ المقرّات يطلب فيه من الجميع التقدّم والسيطرة على المكان بأيّ نحو كان"[3]. وكأنّ هذه العبارة بثّت فيّ طاقة جديدة بكلّ كلمة من كلماتها. تغيّرت أحوالي! ولم أعد أشعر بالتعب، أو حتّى أفكّر بأنّني لم آخذ قسطًا من الراحة منذ ثلاثة أيّام بلياليها. أنا نفسي لم أصدّق كيف تغيّرت أحوالي دفعةً واحدةً. رحت أعبر الجسر مسرورًا وبمعنويّات عالية، وكأنّني أشارك للمرّة الأولى في عملية. كما زاد من شجاعتنا حضور القادة. وإضافة إلى كلّ ذلك، استحقّت الثناء الميني كاتيوشا التي قصفت منطقة العدوّ بدقّة فائقة. ومن المحتمل أن تلك المجموعة التي رأيناها في النهار كانت تحاول تحديد زاوية المنطقة.

 


[1] وقد نصب هذا الجسر صمد زبردست وعناصره، وكان حينها في الوحدة البحريّة.

[2] نفررو اسم الماركة.

[3] لا أعلم إن كان هذا الأمر صحيحًا أم لا، لكن كلّ ما أذكره تلك الطاقة المضاعفة التي سرت في روحي إثر السماع بأمر هذا البيان.

 

271


262

الفصل التاسع: كربلاء بدر

استهدفت الميني كاتيوشا خطّ الدفاع العراقي، الدشم والمناطق التي يُحتمل وجود الكمائن فيها ويمكن أن تشكّل مانعًا أمام تقدّمنا. تساقطت الصواريخ أحيانًا بالقرب منّا وتطايرت الشظايا من جوانبنا. قلت أكثر من مرّة للأخ أصغر: "أخ أصغر! ستقتلنا هذه الميني كاتيوشا!". أجاب بكلّ ثقة: "لا! لقد تمّ التنسيق فيما بيننا من قبل. وهي تحاول أن تقصف الطريق أمامنا بالتزامن مع تقدّمنا، لنفاجئ العدوّ!". أسكتني جوابه، لكن لتلك الميني كاتيوشا وقع عجيب، وقلّما رأيت مثل هذه الدقّة في الرماية طوال سنيّ الحرب. ورسمت النيران المتعالية من دشم العدو حين إصابتها بالصواريخ مشهدًا لا ينسى في عتمة الليل.

 

قطعنا دجلة وباشرت الطائرات العراقيّة العمل فورًا، وخلال لحظات ألقت عددا هائلًا من القنابل المضيئة، بحيث يُخيّل إليك بأنّ السماء تشتعل! ولأسباب عديدة، من بينها قلّة العدد، كان علينا الانتظار لتنطفئ القنابل المضيئة. لقد أربكتنا قوّات العدوّ بالكاتيوشا بحيث أصبحوا وكأنّهم لا يفكّرون سوى بالحفاظ على أرواحهم. بلطف الله، لم يحدث لنا أيّ شيء في ظلّ كلّ تلك القنابل المضيئة، وكنّا على يقين بأنّهم لا ينظرون إلى منطقة العملية أبدًا. تابعنا طريقنا داخل الجيب. كنّا أحيانًا نتوقّف ثمّ نتابع حركتنا من جديد، حتى لم تعد المسافة التي تفصلنا عن الأوتوستراد تزيد عن الكيلومتر الواحد تقريبًا. وجدنا العراقيين تموضعوا عليه وفي قرية قسموها نصفين وذلك لتثبيت سيطرتهم. ما إن تقدّمنا أكثر باتجاه الأوتوستراد، حتّى توجّه أصغر قصّاب وعلي تجلّايي وبعض العناصر الأخرى نحو القرية. من المقرّر أن يأتي عناصر الهندسة بعد أن نهيّئ نحن المكان. و قاسم هريسي هو المسؤول عن بقية العناصر الذين يُفترض أن يواصلوا تقدّمهم. تابعنا مسيرنا، وبعد دقائق مررنا من جانب الأوتوستراد، ولم يعد يفصلنا عن هدف مهمّتنا الأساسي سوى خمسين مترًا.

 

272

 


263

الفصل التاسع: كربلاء بدر

صاح بنا قاسم: انتظموا... وتعالت أصوات الإخوة كأنها صدًى لصوته: "انتظموا... انتظموا...". ضحكت لا إراديًّا: "ما به هذا؟! وكيف للعراقيّين أن لا يسمعوا أصواتنا!". انتظمنا كما يُقال وتقدّمنا قليلًا، فصاح قاسم هذه المرّة: "لقد اشتبهنا في الأمر! فلنعد إلى هذه الناحية!". يبدو أنّنا وبدل أن نتّوجه نحو الأوتوستراد، عدنا باتّجاه القرية. مرّت لحظات ملؤها الاضطراب. وإضافة إلينا، فقد سمع العراقيّون صوت قاسم وعلا صراخهم: "قف! قف!"، وفتحوا النار. رميت بنفسي إلى الأرض فورًا. لم نكن مستعدّين بعد للقتال، قبل أن ننتظم ثمّ نبدأ بالمواجهة. وها هي الآن النيران الشديدة وصواريخ الـ (B7) تنهمر فوق رؤوسنا. واضح أنّهم لم يُتمّوا نصب الأسلحة الثقيلة كالدوشكا والشيلكا هناك، فراحوا يرموننا بكلّ ما في أيديهم من سلاح. عندما رميت بنفسي إلى الأرض، ارتطم رأسي بشيء، أمعنت النظر فإذا به كومة تراب ناعم. فهمت القضيّة. كنّا نظنّ أنّنا نبعد مسافة 50 أو 60 مترًا من نقطة المواجهة الأساسية، والواقع أننّا أصبحنا إلى جانب الأوتوستراد تمامًا. وهم حفروا حديثًا قناةً أمام الأوتوستراد، فقد كان التراب ناعمًا وجديدًا والقناة قليلة العمق. وربما لم تتسنَّ لهم الفرصة الكافية للعمل أكثر. رفعت رأسي لأرى أين يتموضع العدوّ. فوجدت أنّ كلّ النيران تنطلق من مكان واحد، نيراننا ونيران القوّات العراقيّة! نظرت ودقّقت من جديد فالتفتّ إلى الوضع أكثر، كنّا على مقربة نصف متر من الجنود العراقيّينّ! وعندما اهتزّ جبّ الشوك القريب منّي تمامًا، رأيت فوّهة بندقيّة مركزة عليه وجاهزة للإطلاق. تراجعت فورًا إلى الوراء. لم أكن من قبل قد اقتربت من العدوّ إلى ذلك الحدّ! كان بإمكاني أحيانًا رؤية وجوههم أثناء المواجهات، والعجيب أنّني وجدتهم مسنّين وتفوق أعمارهم الأربعين عامًا! والتعب بادٍ على وجوههم، إلّا أنّهم يقاتلون بشراسة. تراجعت مترين، وإذ بي أسمع صوت جهاز اللاسلكيّ، يبدو

 

273


264

الفصل التاسع: كربلاء بدر

أنّه كان خليل نوبري: "اخترقوا الخطّ! اخترقوه لتباشر فرقة الهندسة عملها". لكن، بأيّ قوّات؟! لقد انتشرنا على الخطّ وعددنا محدود، وكلّ منّا الآن يخوض معركةً في مكانه. الوضع لا يسمح لنا بالمبادرة بأيّ عمل. مرّت عدّة دقائق على المواجهات. فكّرت أنّه لا بأس برمي بعض القنابل، لأفتح الطريق أمامي بالحدّ الأدنى. كان بحوزتي أربع قنابل، رميت بالأولى وفورًا رميت بالثانية فيما كنت خائفًا من وصول شظاياها إليّ. مع انفجار القنبلتين، ارتفع صوت من تلك الناحية، وفهمت بأنّ بعض الأمتار أمامي قد تمّ تطهيرها. لكنّني لم أجرؤ على دخول القناة، لأنّ ذلك كان يعني الالتحام مباشرةً مع العدوّ المتموضع في جانبيها. وبالتالي فمن الضروري وجود الحراب بحوزتنا لكنّنا لم نكن نملكها للأسف. وهنا أسكت انفجار القنابل المتتالية في القناة نيران العدوّ إلى حدّ ما، من دون أن يتراجعوا، ولم يفصل بيننا وبينهم سوى كومات من التراب. كان العراقيّون قد بنوا لأنفسهم دشمًا صغيرة داخل القناة منحتهم وضعيّة جيّدة. أينما جلت بنظري كانت قلّة العناصر بالمعنى الحقيقي للكلمة تؤلمني، وقد كلّفتنا هذه المسألة هناك غاليًا.

 

كان أحد شباب المعلومات ويدعى مهدي، بالقرب منّي. سحب أمّان قنبلته وصاح بي: "اذهب إلى تلك الناحية!".

- أيّ ناحية؟

- تدحرج على التراب هناك!

ثارت أعصابي. فصحت به والقنبلة لا تزال بين يديه: "والآن، لِمَ تحتفظ بالقنبلة في يدك؟ ارمها!". هدّأ انفجار القنبلة المكان لعدّة ثوانٍ فقط. كان العراقيّون يحاربون بشدّة، وليس من سبيل أمامهم للفرار. فإن تراجعوا إلى الخلف وصلوا إلى جهة الأوتوستراد التي يقع خلفها المستنقع، لذا فقد استماتوا في القتال. في تلك الأثناء، جاءنا شخص

 

274

 


265

الفصل التاسع: كربلاء بدر

يمشي القرفصاء، كان محمّد رضا باصر. أصبحنا الآن في تلك النقطة أنا وحسن نوبري أخو خليل، وباصر. لم يكن باصر قد شارك من قبل في مثل هذه المواجهات العنيفة، لكنّ إيمانه وشجاعته قاداه إلى هناك. قال: "سأعدّ إلى الثلاثة، وندخل بعدها القناة بنداء الله أكبر!".

- الأفضل أن نرمي أوّلًا ما تبقّى معنا من القنابل، ثمّ ندخل القناة!

 

اتّخذنا قرارنا: واحد، اثنان، ثلاثة، رمينا القنابل وبعد ذلك... كان باصر الوحيد الذي وقف وما لبث أن سقط! كان الجنديّ العراقي مجهّزًا سلاحه، فأطلق أربع رصاصات متتالية نحوه. مزّقت الرصاصات نحر صديقنا فسمعت خرير الدماء التي فارت منه. لم نستطع القيام بشيء من أجله. الأوضاع معقّدة. والنداء من الخلف دومًا: "اخترقوا الخطّ... أسرعوا"، أمّا نحن الذين لم يتجاوز عددنا عدد أصابع اليد الواحدة، فقد حرنا في أمرنا كوننا رمينا كلّ ما بأيدينا من قنابل في القناة المشؤومة. ولا نعلم عدد الجنود المتموضعين فيها. وها هو أمير الآن قد عاد إلينا بعد أن سار على امتداد الساتر الترابي[1]. ومعي أيضًا حسن نوبري ومهدي، فاتّخذنا قرارنا: "ليحصل ما يحصل، فلنتوكّل على الله وندخل القناة!".

 

الخرير لا يزال يُسمع من نحر محمّد رضا باصر المضرج إلى جانب الساتر الترابي على هيئة القرفصاء[2]. دخلنا القناة معًا، بعد أن خفّت حدّة النيران لثوانٍ في تلك الناحية. طالعنا منظر القناة المحيّر، فجثث القتلى مكدّسة بعضها فوق بعض، أمّا من بقي من الجنود العراقيّين فراحوا يلوذون بالفرار من تلك الناحية. توزّعنا نحن الأربعة على جانبي القناة ومشينا فوق أجساد القتلى. وسرعان ما عادت المواجهات لتبدأ


 


[1] فيما بعد حدّثنا أمير مارالياش عمّا جرى معه تلك الليلة وقال: "لقد خضت مواجهة شديدة تلك الليلة، فألقيت قنبلة على أحدهم، وأطلقت النار على آخر". حتّى إنّه رأى جنديًّا عراقيًّا شاهرًا سلاحه نحوه على بعد سنتيمترات منه، يريد رميه، فأمسك بالسلاح من فوهته وأخذه من قبضة الجندي العراقي!

[2] بقيت أسمع هذا الصوت كلّما مررت بجانب باصر، إلى أن خمدت أنفاسه مع طلوع الصباح.

 

275


266

الفصل التاسع: كربلاء بدر

من جديد. حينذاك، بدأنا الرمي عليهم بقذائف الـ(B7) خاصّتهم التي أعدوها للإطلاق، من على بعد ثلاثين مترًا تقريبًا! تبدّلت القناة إلى جحيم جرّاء ازدحام الجثث وصوت السلاح المصمّ للآذان. واصلنا الرد باستهداف كلّ مكان تطلق النيران منه علينا. أساسًا لم يكن الوقت يسمح للتفكير باحتمال أنّ عناصرنا هم من يوجدون في القناة... أردنا أن نفتح الطريق لعبور عناصر الهندسة بأيّ ثمن. وها قد حان الوقت.

 

صرخ خليل نوبري: "أخ أصغر، ائتونا بعناصر الهندسة... فليأتوا...". كانت المسافة بين الأوتوستراد والنقطة التي تمركزنا فيها من القناة تبلغ قرابة الثمانية أمتار، والمسافة بين الأوتوستراد والجسر الذي نقصد تدميره تتراوح بين الـ40 والـ50 مترًا. إلّا أنّ هذا الطريق المختصر تحوّل تلك الليلة إلى جحيم لا يمكن عبوره! لم يعد من الممكن الذهاب إلى الجسر عن طريق الأوتوستراد. وقد أدرك العراقيّون جيّدًا مثلنا تمامًا خطورة الموقف، ففتحوا النار على كلّ من يأتي بحركة في نواحي الجسر. والمحصّلة: الجسر لا يزال تحت سيطرة العدو. من الناحية الأخرى للجسر تقع قرية، يطلق العراقيّون منها نيرانهم الكثيفة على منطقتنا. في تلك المعمعة كنّا قد حرّرنا فقط منطقة بطول 30 مترًا، ستكون محلًّا لعبور عناصر الهندسة. لم يستغرق الأمر طويلًا حتّى وصل أصغر قصّاب إلينا مع عناصر الهندسة. توجّهت إلى الأخ أصغر قائلًا: "يا أخي! لم يبقَ شيء من القنابل، قل لهؤلاء أن يعطونا قنابلهم". وكانت القنابل هي السلاح الأمضى لتطهير القناة. في ظرف عدّة ثوانٍ، ترك لنا عناصر الهندسة ما يقارب الثلاثين قنبلة وهم يمرّون من جانبنا. مرّوا بسرعة وتقدّموا حاملين معهم مادّة الـ"TNT." عندما عبروا من جانبنا ومددت يدي لألتقط قنبلة، شعرت بأحدهم يقف خلفي! وفيما تركزت كلّ حواسي إلى الأمام، شعرت وكأنّني صُعقت بالكهرباء! استدرت بسرعة وشهرت سلاحي نحوه. كان فتىً داكن البشرة يتكلّم الفارسيّة!

 

276


267

الفصل التاسع: كربلاء بدر

- من تكون!

- لا تطلق! أنا من عناصر الجيش... لا تطلق!

 

أدخلته بسرعة داخل القناة، إلى المكان الذي كان حينها تحت سيطرتنا. قال إنّ عناصر الجيش قاموا بعملية في منطقة الدبّابات ومدرج المروحيّات، لكنّهم اضطُرّوا للانسحاب. سقط عدد منهم شهداء، وهرب ذلك الشابّ في تلك المعمعة باتّجاهنا، ووصل إلى مقربة من القناة، وها هو الآن يسأل: "أين يقع هذا المكان؟!"، قلت: "جيّد أنّك أتيت! تعالَ إلى هنا!". لم يكن يجيد التكلّم بالتركيّة، وأنا أيضًا لم يكن بي حيل ولا طاقة للتكّلم بالفارسيّة. وبخليط من التركيّة والفارسيّة أفهمته بأنّنا في قلب منطقة العدوّ. قلت: "تعالَ وخرّب دشم العراقيّين، وابنِ لي بتلك الأكياس دشمة مؤلّفة من ثلاث طبقات في المنحدر الواقع إلى جانب الأوتوستراد". فهم أنّني أريد دشمةً تحيط ثلاثة أكياس رمليّة بها من جميع الجوانب. كنت أعلم أيّ قيامة ستقوم في الصباح. وفي اللحظات هذه، وصل هذا العنصر الأفضل لبناء دشمة معتبرة لي. باشر هو بعمله، وذهبت أنا لتطهير القناة.

 

عندما رأى العراقيّون بأنّنا بدأنا بتطهير المنطقة، وأنّنا نفجّر كلّ شيء، حاولوا التذاكي، فوضعوا فيلداتهم العسكريّة فوق وجوههم وتظاهروا بالموت! بعضهم كان قد ذهب إلى الجحيم فعلًا. تحرّكنا بصعوبة من كثرة القتلى، لنطهّر المكان الذي يُرمى علينا منه فقط، وذلك بسبب قلّة عتادنا وعديدنا. عند طلوع الفجر وصل إلينا خبر محاصرة الجنود العراقيّين للأخ أصغر وعناصر الهندسة! كانت الأمور تتعقّد وتزداد صعوبة مع مرور الوقت[1]. ارتفعت إلى جانب الأوتوستراد والجسر سحب من النار والدخان. عناصر الهندسة عرضة لنيران العدوّ، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم لأنّهم لا يحملون السلاح


 


[1] بالمناسبة، تذكّرت الآن وأنا أسرد ذكريات تلك الليلة، بأنّني لم أؤدِّ صلاة الصبح يومذاك.

 

277


268

الفصل التاسع: كربلاء بدر

اللازم. توجّه محمّد تجلّايي وحسن نوبري برفقة خمسة أو ستّه عناصر نحوهم، وبعد مواجهات عنيفة استطاعوا فكّ الحصار عنهم، ليصل من بقي منهم حيًّا إلينا. سقط عدد من عناصر الهندسة شهداء، وأسر بعض آخر لم يتمكّنوا من الخروج من الحصار، فيما عاد عدد منهم برفقة أصغر قصّاب. كما أصيب علي بهلولي برصاصة في البطن وهو في طريق العودة، لكنّه استطاع الوصول إلينا بطريقة وبأخرى.

 

عند شروق الشمس، وصل إلينا خبر محاصرة الأخوين مهدي باكري، محمود دولتي وعدد آخر من العناصر في قرية الحريبة. القرية التي كان علينا السيطرة عليها لتستمرّ العملية وتحقق أهدافها، وهذا ما كان يعلمه الأخ باكري أكثر من الجميع. فورًا، توجّه الأخ أصغر وعدد من الإخوة نحو الحريبة. وهناك، رأيت علي تجلّايي لآخر مرة، وفي طريقه نحو القرية قال: "إن كنتم تريدون البقاء فابقوا، لكن من الأفضل أن لا تطيلوا المكوث هنا، وأن تسحبوا الجرحى إلى ضفّة دجلة، وتقهقروا، فسرعان ما سيصل العراقيّون إلى هنا!". توالت الأحداث. ونفد الرصاص منّي. تذكّرت أنّ باصر كان الليلة الماضية يلفّ حول صدره شرشورًا من الرصاص. ذهبت إليه، وإذ به قد خمدت أنفاسه. مددت يدي لأفكّ الشرشور من حول جسده، فهوى جسده الذي كان على هيئة القرفصاء، إلى الأرض بمجرّد أن لمسته. تأثّرت كثيرًا. لا أعلم لِمَ يبس جسده بهذا النحو. ومهما فعلت لم أستطع فكّ الشرشور من حول جسده. عدت إلى الإخوة خالي الوفاض وخائبًا.

 

كانت المروحيّات العراقيّة الواحدة تلو الأخرى، تنزل الجنود في المنطقة، ووضعنا يشتدّ سوءًا لحظة بعد أخرى. والآن جاء دور محمّد تجلّايي ليخبرنا بأنّ بعض الجنود بقوا سالمين وأخفوا أنفسهم بين جثث القتلى للنجاة بأرواحهم. فإذا ما باشر الجنود العراقيّون الجدد العمل، نهضوا وبثّوا سمومهم. عندما اطمأننّا نوعًا ما إلى أنّ المنطقة قد

 

278

 


269

الفصل التاسع: كربلاء بدر

طهّرت، اجتمعنا حول رفاقنا الجرحى، قاسم هريسي، صمد قنبري، علي بهلولي، حسن نوبري الذي أُصيبت يده، والشهداء الذين سقطوا للتوّ في تلك الناحية من دجلة. على امتداد تلك المنطقة الواسعة، كنّا فقط ثمانية أو تسعة أشخاص نقف على أقدامنا وحائرين!

- أنرجع؟! كيف؟

- أنبقى؟! كيف ذلك؟! وبأيّ عدّة وعتاد؟

 

العقل يقضي بإرسال الجرحى الذين يستطيعون المشي إلى الخلف ما دام هناك فرصة لذلك. ساعدناهم على النهوض وأرسلناهم إلى الخطوط الخلفيّة، فيما بقي بعض الجرحى الذين لا يستطيعون المشي عندنا. وحيث لم يتخطّ عددنا أصابع اليدين، أصبحنا عرضة لمختلف أنواع النيران، والتفت العراقيّون إلى قلّتنا أيضًا. حامت الطائرات المروحيّة فوق سماء المنطقة، ووصل الأمر لدرجة أن يستهدفوا كلّ شخص بصاروخ! لكنّنا لم نكن في وضع يسمح لنا بالاكتراث للمروحيّات وصواريخها. أصبحت الدشمة التي بناها لي عنصر الجيش جاهزة. أدخلت قاذفي (B7)، وقطعتي رشاش، وقطعتي كلاشينكوف إلى الدشمة، وأذنت للفتى بالانصراف: "إن سرت في هذا الاتّجاه بنحو مستقيم ستصل إلى خطوطنا الخلفيّة".

 

حقيقةً، كان بقاؤنا متحيّرين في مثل تلك الظروف أصعب من أيّ شيء، فتوجب علينا اتّخاذ القرار والاختيار، أنبقى؟ وربّما تصل قوّات الدعم إلينا ونستطيع الحفاظ على المنطقة... لكن مع هذه الأوضاع، حتّى الجسر الذي نُصب فوق نهر دجلة لعبور الإخوة ـ وعبرناه الليلة الماضية ـ تلاشى بفعل نيران الأعداء الغزيرة. في المقابل، أصبح الجسر الذي خاطرنا الليلة الماضية بحياتنا واستبسلنا في القتال من أجل تدميره معبرًا للدبّابات العراقيّة القادمة من جهة القرية، لتدخل الأوتوستراد وتتقدّم نحونا. في تلك اللحظات من الصباح، كنت كلّما نظرت إلى

 

279


270

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الأوتوستراد، تتسمّر عيناي على جريحين من عناصرنا أصيبا هناك. لم أكن أعلم أهما من عناصر الهندسة أم لا، لكنّني واثق أنّهما من شبابنا، وأعلم أنّهما ما زالا حيّين لكن لا يستطيعان الانتقال. ولم يكن الاقتراب منهما ممكنًا في تلك الظروف أبدًا.

 

جاء إليّ أمير: "سيّد! ما رأيك؟ ما الذي يجب علينا فعله؟!".

- لا أعلم! لقد بقينا الآن هنا من دون ناصر! قيل لنا أن ننتظر قليلًا ثم ننسحب!

 

كنت أتذكّر كلمات علي تجلّايي الذي ذهب لمساندة الأخ مهدي والإخوة المحاصرين. في اللحظة عينها، وقع نظري على ثلاث دبّابات للعدوّ تناور لعبور الأوتوستراد. ولو نجحوا في ذلك لانتهى أمرنا، ولَوصلوا إلينا بسهولة. وصلت إحدى الدبّابات إلى الأوتوستراد وراحت تتحرك بسرعة، فلم نستطع ضربها. كانت عيناي تتنقّلان بين الجريحين المرميّين على الأوتوستراد، وقلبي يكاد ينقلع من مكانه. فالدخان والغبار والتراب المنبعث جرّاء حركة الدبّابة، وصوت مدفعها المتكرر وحركتها السريعة على الأوتوستراد، كلّها أحداث تتالت أمام ناظري. تقدّمت وتقدّمت... ومرّت على جسدي جريحينا! علت الآه من أعماق قلبي. أحسست وكأنّني وحيد مقابل تلك الدبّابة اللعينة التي تقصف كلّ كائن حيّ تراه. ركضت نحو الدشمة. شاهدتني الدبّابة، فراحت ترمي عليّ من رشاشها المتوسط بنحو متواصل. كنت أرتجف من الغضب والقلق، وأقسمت أن أصيب تلك الدبّابة. ثبّتُّ الصاروخ في قاذف الـ (B7) ، وتهيّأت داخل الدشمة ورحت أنتظر. انحرفت الدبّابة عن الأوتوستراد قليلًا لتدكّ الدشمة فوق رأسي. كانت زمجرة الدبّابة من جهة، وكان صراخ أمير والإخوة الآخرين الذين كانوا من بعيد يراقبون المناكفة بيني وبينها من جهة أخرى. كاد أمير يقتل نفسه. راح يصيح: " سيّد! اتجهت نحوك... حاذر... لقد جاءت!".

 

280


271

الفصل التاسع: كربلاء بدر

كنت ألهث. ضغطت قاذف الـ (B7) على صدري. لم تستطع الدبّابة أن تتقدّم من جانب الأوتوستراد وإلّا انقلبت. عادت إلى الجادّة وهي ترمي نحوي برشاشاتها. هنا أحسست بلذّة أن يكون حول الدشمة ثلاث طبقات. فلو أنّها دشمة عاديّة، بطبقة واحدة، لنُسفت من الزخّة الأولى. وها أنا الآن أنتظر مركزًا كلّ حواسي على تلك الدبابة، وأعلم أنّه عليّ الصعود في اللحظة المناسبة فوق الدشمة ورميها، وإلّا فمن المحال أن أبقى سالمًا من نيران مدفعيّتها. كانت الدبّابة تزمجر على الأوتوستراد وتتقدّم نحوي. تقدّمت ورأيتها تعبر من جانب إحدى الدشم. وفي لحظة، أراد رامي الرشاش توجيه فوّهة سلاحه نحوي فنهضت وأطلقت صاروخ الـ (B7) نحوه، لكن من سوء الحظّ، مرّ الصاروخ من جانب الدبّابة. تأوّهت، لقد عبر الصاروخ من جانب الدبّابة وأصاب دشمة في الجانب الآخر من الأوتوستراد، وفي لحظة واحدة هزّ انفجار مهيب الأرض من حولنا.

 

حيّر الانفجار طاقم الدبّابة. لم نكن نعلم حتى تلك اللحظة بوجود مخزن للأسلحة في الجهة الأخرى من الأوتوستراد، لكن شاء الله أن تصيب القذيفة ذلك المخزن، لتتفجر الذخائر خلال ثوان معدودة مصدرة أصواتًا مهولة. في تلك الأوضاع الحرجة، دبّت هذه الحادثة فينا الحياة من جديد. عدت من جديد لصيد الدبّابة. كنت على عجلة من أمري، ولم أستطع التهديف جيّدًا. أطلقت الصاروخ، فأصاب هذه المرّة العادم وانفجر. توقّفت الدبّابة عن الزمجرة، فصعد طاقمها من البرج محاولين الفرار. لم أشأ أن أدعهم يخرجون من الدبّابة وقد مرّوا لتوّهم بدبّابتهم فوق جسدي جريحينا. رميتهم جميعًا بالكلاشينكوف ولجأت مجدّدًا إلى الدشمة. وهنا هدأ صوت أمير. وضعت صاروخًا آخر في القاذف ورحت أفكّر أين أطلقه. فتّشت من حولي، وإذا بنظري يقع على خزّان للمياه قد نُصب فوق عدد من القضبان على مسافة عالية عن الأرض. يقع ذلك الخزّان على مقربة من قرية الحريبة، وكان يتجمّع

 

281


272

الفصل التاسع: كربلاء بدر

تحته عدد من الدبّابات والجنود لإجراء تبديل. أمّا طائرات العدوّ المروحيّة فما خفت قوتها وهي تمطرنا بالصواريخ والرصاص من كلّ حدب وصوب. استدرت نحو القرية، نقلت الـ (B7) من كتف إلى آخر، وهدّفت بعيني السليمة وأطلقت. انطلق الصاروخ مباشرة واستقرّ في الخزّان تمامًا! تلاشى خزّان المياه ورأينا من بعيد انهمار قدر كبير من المياه إلى الأسفل. بهذه الحادثة، تحسّنت معنويّات شبابنا خاصّة الجرحى إلى جانبنا. تركت دشمتي وتوجّهت نحو الإخوة.

 

أربكتنا المروحيّات العراقيّة، إذ كانت ترمي علينا بالصواريخ والأسلحة الرشّاشة وبكلّ ما بحوزتها من أسلحة. في النهاية، اتخذنا قرارًا حاسمًا بالانسحاب، فالبقاء هناك بمنزلة الانتحار.

 

كان على كلّ عنصر سليم سحب واحدٍ من الجرحى معه. هذا ما علّمتنا إيّاه الحرب، ما أصعبها من لحظات. رحت أنظر إلى الجرحى: "إلهي أيًّا من هؤلاء أنقل؟ صمد قنبري، علي بهلولي، قاسم هريسي أو..."، كلّما مررت من جانب جريح أرغب بأن أحمله معي. حيرة قاسية.

 

بقينا ستّة أشخاص والنيران تنهمر علينا من كلّ صوب، فيما نحن نتجمّع استعدادًا للعودة. كنّا المجموعة الأخيرة التي لم تنسحب بعد من المنطقة. فكّرت أن أحمل معي صمد قنبري. توجّهت نحوه، وكأنّه فهم قصدي، فلاحت على محيّاه المتألّم ابتسامة. إلى جانبه كان قاسم هريسي، فلم أرضَ بأن أنقل أحدًا غيره للحال التي كان عليها. حملت قاسمًا على ظهري وقلت لصمد: "سأعود إليك مجدّدًا!"، وكانت تلك الكذبة الأكثر مرارة التي يمكن أن تُقال في الحرب! ففي تلك الدوّامة، لم أستطع سحب سوى شخص واحد، وكان ذاك قاسم هريسي![1].

 

نقلت قاسمًا من كتف إلى كتف وانطلقت. لم يكن أمير بذلك الجسد

 


[1] بقي صمد قنبري هناك، واستُشهد بعد أن وقع أسيرًا بيد العدوّ، ليُسجّل اسمه الطاهر في عداد قافلة شهداء بدر.

 

282


273

الفصل التاسع: كربلاء بدر

ليستطيع أن يكون مساعدًا جيّدًا في حمل جريح، لكنّه وقف إلى جانبي وحمى ظهري برماياته. بدأنا الجري بسرعة. إلى أن وصلنا إلى المكان الذي بدا وكأنّه أرض محروثة، يصعب المشي عليها، فكيف بالركض وبتلك الحال أيضًا. عمل أمير على تشتيت انتباه العراقيّين، لأتمكّن أنا من الجري براحة. كنّا في دائرة نظر الرشّاش الهادف إلى قتلنا، والنيران تنهمر علينا بشكل متواصل من جهة القرية ومن المروحيّة. ركضت بما تبقّى فيّ من قوّة بعد كلّ تلك الأحداث. تارةً كنت أنظر إلى الأرض، وأخرى أمامي. رأيت القمح قد نبت من قلب التراب، ووصل ارتفاع السنبلة إلى مفصل القدم أحيانًا في بعض الأماكن. تذكّرت قريتنا! خفّفت رمايات أمير إلى حدّ ما من رمايات العدوّ الأرضيّة نحونا، لكنّها لم تستطع منافسة المروحيّة التي استمرّت بالتهديف علينا. كانت تحوم فوق رؤوسنا وزخّات نيرانها المتواصلة تفلح الأرض في قطر سنتيمترات حولنا، والصواريخ تتساقط من وقت لآخر على بعد عدّة أمتار منّا. كنت متيقّنًا أنّ الله سبحانه لم يشأ أن أُصاب بشظيّة أو رصاصة. أمّا طلقات السيمينوف الآتية من جهة قرية الحريبة، فقد زادت الطين بلّة، وأصابني طرق رصاصها بالتوتر. المسكين أمير، تبلّل عرقًا وتلطّخ بالتراب، إذ راح يجري ويطلق النار كي أسير في ظلّ رماياته براحة بال. جرينا من دون توقّف إلى أن وصلنا إلى جانب لوحة. وهناك أحسست بالعجز! كأنّ عضلاتي اشتعلت بأكملها، ولساني قد يبس، وكاد نفسي ينقطع. كانت لوحة عراقيّة كُتبت عليها كلمات باللغة العربيّة. ناديت أميرًا: "أمير! أسرع، علينا أن ننزع هذه اللوحة". وفورًا كسرنا رجلي اللوحة ومدّدنا قاسمًا عليها وقد شحب وجهه. حملت اللوحة من جانب وحملها أمير من الجانب الآخر. أصبح كلّ همنا الآن الوصول إلى ضفّة دجلة. ركضنا بما تبقّى فينا من قوّة، وإذ برصاصة قنّاصة تصيب قاسمًا في ضلعه. علا أنينه: "آخ يا أمّي! لقد متّ!".

 

283

 


274

الفصل التاسع: كربلاء بدر

- لا تخف! لا زال هناك وقت طويل لتموت!".

 

كنّا نجري من دون توقّف، وعندما تطلق المروحيّات صاروخًا باتّجاهنا، ننبطح ونضع قاسمًا على الأرض. يعلم الله كم عذّبَنا أن نلملم أنفسنا في تلك الظروف وننهض من جديد. اقتربنا من خطّ دفاعنا ولم يكد يبقى فينا رمق، وارتحنا من صلافة المروحيّة العراقيّة. أثار دهشتي عند ضفّة دجلة ازدحام قوّات الجيش وعدد من عناصر فرقة النجف. لقد تلاشى الجسر الذي نصبناه فوق دجلة لعبور الأفراد، بفعل الشظايا والقصف المتكرر له. وكانت القوارب الوسيلة الوحيدة المتاحة لنقل العناصر إلى الجانب الآخر من دجلة، جماعات جماعات. تحرّك القارب الأوّل من دون أن يسمع أحدٌ صوتنا وصوت جريحنا. أصابني الذهول، فهنا لا يعرف أحد أحدًا. توجّهت إلى أمير قائلًا: "أمير! اذهب وفتّش لنا عن قارب!". أردت أن أعبر بقاسم من دجلة بأيّ ثمن. كان بإمكاني وأمير عبور دجلة سباحةً، لكن ليس من اللائق إيداع جريحنا الذي كابدنا كلّ هذا العناء لإيصاله، لدى الغير.

- سيّد! يوجد هناك قارب، لكن كأنّه متروك منذ وقت طويل!

 

ذهبنا في الاتّجاه الذي أشار إليه أمير. كان محقًّا، فقد تُرك القارب منذ عملية خيبر واهترأ. مددنا أيدينا لنسحبه، فتلاشى بينها! أكثر ما آلمني حينها كان أنين قاسم. بقينا هناك قرابة الخمس أو الستّ دقائق، ولم يُسمح لنا بالاقتراب من القارب الثاني الذي يُملأ بالعناصر.

- لقد أتيتم بعدنا، لذا ستركبون بعدنا!

 

استشطتّ غضبًا. ومهما قلت لم يسمعني أحد. من شدّة الانزعاج والتعب لم أعد أستطيع الكلام، فكيف بالبحث والجدل. اضطُررت لأن أشهر سلاحي في وجوههم: "هذا جريح! ينبغي لنا العبور بأسرع ما أمكن!".

 

ألقوا نظرةً علينا، وتنحّوا جانبًا عند رؤيتهم لحالنا. وضعت وأمير

 

284


275

الفصل التاسع: كربلاء بدر

قاسم في القارب وانطلقنا. المسكين قاسم علت صرخته، لكنّه كان يعلم هو نفسه أيضًا أيّ حالة نعانيها. لم يفكّر أحد بالاحتياط ومراعاة حال الجريح. لم أستطع تحريك لساني في فمي من شدّة العطش. وكلّما أردت الماء من أحد أجابني: "لا تشرب من ماء دجلة، فقد سمّموه!". لم أشرب وعبرت النهر عطشان وتعبًا. ما إن وطِئَتْ أقدامنا الضفّة، حتّى مزّقنا لباس قاسم. كان المسعفون هناك منهمكين جدًا في عملهم في تلك الزحمة. توجه نحونا شخصان، وفورًا قاما بتضميد جراحه ووضعوه في سيّارة الإسعاف إلى جانب بعض الجرحى. شعرت بالراحة عندما انطلقت سيّارة الإسعاف لإنجاز نقلنا جريحًا من أرض المعركة. وما علمنا في تلك الأثناء أنّ الشهادة قد كُتبت لقاسم هريسي في عملية بدر.

 

أخبرني الإخوة بعد ساعة، أنّه لم تكد سيّارة الإسعاف تبتعد قليلًا، حتّى قُصفت بصاروخ من مروحيّة عراقيّة، فاشتعلت النيران بها واستُشهد كلّ من بداخلها...

 

اتّجهنا نحو دشمتنا متعبين، شعثًا غُبْرًا، ملطّخين بالدماء من رأسنا إلى أخمص قدمينا. كنت فرحًا لكوني تركت الليلة الماضية بعض العصير ومعلّبات التونة في الدشمة، وهي الآن تنتظرنا لنتناولها. لكن تراءت ليَ الدشمة من البعيد بشكل آخر. لقد تدلّت منها جثة شخص ضخمة. ومن شدّة ضخامة ذاك الشخص، فإنّه لم يستطع دخول الدشمة، بل مدّ رأسه داخلها فقط وأكل منها كلّ ما أراد أكله. بلغ غضبي مداه. أردنا أن نزيل التعب والعناء عن أنفسنا، ونستردّ طاقتنا المتلاشية إلى حدّ ما. قبل كلّ شيء ركلته ركلتين على ظهره. فراح يتكلّم بصوت غليظ وهو نصف نائم!

- لا! لن أخرج!

 

285


276

الفصل التاسع: كربلاء بدر

وهنا وجّهت سلاحي نحوه، وأطلقت زخّة من الرصاص بين قدميه. أراد الخروج من الدشمة بسرعة، فإذا برأسه يرتطم بسقفها. كان يسأل خائفًا: "ماذا؟! ماذا حصل؟!...".

- من أذن لك بالدخول إلى هنا؟

- وما الذي حصل الآن؟!

 

ألقيت نظرةً إلى داخل الدشمة، فرأيته قد أكل كلّ شيء، ورمى بالعلب داخل الدشمة. اشتدّ غضبي أكثر. نظرت إليه ثانيةً. لم أعرف اسمه، لكنّه من شباب كتيبتنا الذين تخلّفوا الليلة الماضية عن العملية وبقوا هناك. ضغطت فوّهة بندقيّتي في صدره وقلت له: "لديك خمس دقائق لتنظّف المكان ولتأتي بمثل ما أكلت وتضعه في مكانه!". أشفقت عليه لقلّة تفكيره: "يا عمّ! اصبر لأذهب وسأحضر لك كلّ ما تطلبه".

- انظر! إن هربت، سأجدك وأقتلك! أكاد أسقط من شدّة التعب والجوع. اذهب بسرعة و...

 

أدرك كم أنا جدّي. وفورًا، أخرج كلّ النفايات من الدشمة، وفي ظرف عدّة دقائق، أحضر لي كيسًا مليئًا بالخبز وعلب التونة والمرطّبات و... وضعه أمامي وقال: "تعال يا سيّد! كلّ ما تريد!". انهمكت وأمير بتناول الطعام، فيما هو جالس إلى جانبنا. وهذه المرّة جرّنا هو إلى الكلام وأصبحنا أصدقاء: "ماذا هناك من أخبار عن الخطوط الأماميّة يا سيّد؟".

- إن أردتَ، اذهبْ بنفسك واكتشف!

 

أمضيتُ أوقاتًا مريرة. فمنذ أن عدنا التقيت بشخصين أو ثلاثة ممن قد تخلّفوا عن الالتحاق بنا ولا زالوا هناك. عاتبتهم بغضب: "إذا لم تأتوا معنا، فاذهبوا بالحدّ الأدنى وأحضروا الجرحى". لكن لو كانت القضيّة قضيّة كلام، لسمعوا كلام قائدنا أصغر قصّاب الذي ألقى عليهم الحجّة بالأمس. فمع أنّنا جميعًا عانينا التعب، إلّا أنّ البعض

 

286


277

الفصل التاسع: كربلاء بدر

تخاذل واعتبر أنّه أدّى واجبه، وها أنا الآن أتأذّى بشدّة حين أراهم. استعدتُ شيئًا من قوّتي بتناول القليل من الطعام والشراب. بقيت أفكّر فيما حصل معنا: "إلهي! ما الذي حصل للأخ مهدي، والأخ علي، والأخ أصغر؟ وماذا يجري الآن في الجانب الآخر من دجلة؟!".

 

وبالرغم من أنّني لم أُصب في كلّ تلك الأحداث بأيّ جرح، لكنّني أشعر وكأنّ رصاصة حامية تشتعل في حنجرتي وقلبي. قلقتُ وأحسست بأنّ أحدًا لن يراهم ثانيةً.

 

صار لدينا إلمام بوضع المنطقة الأماميّة، لكنّ الكثير من العناصر لم يعرفوا شيئًا عن الأوضاع هناك وما حصل معنا. لقد قصف العراقيّون المنطقة بشدّة، ووثقنا بأنّهم أصبحوا أكثر جرأةً وسيتقدّمون. لم أستطع أن أفهم، لماذا بقينا وحدنا الليلة الماضية والعمل كان يحتاج لسريّة أو حتّى لفصيل ليُنجز؟! فكّرتُ فيما بيني وبين نفسي، فقط لو تقدّم عناصر التجهيزات هؤلاء للقنص، لاستمدّينا القليل من القوّة، ولو دُمّر الجسر لقضي الأمر، ولأمكن حينها لعشرة أشخاص أن يقفوا بوجه العدوّ، بسبب قطع الاتّصال فيما بين القوّات العراقيّة، وطبيعة المنطقة المليئة بالمستنقعات...

 

شرع العدوّ يقصف خطوطنا الخلفيّة بشدّة. اختلّ التنسيق بيننا، ولم يعد واضحًا من هو المسؤول ومن هو غير المسؤول؟ تقدّمت القوّات العراقيّة ووصلت إلى الساتر الترابي الذي انطلقنا منه لتدمير الجسر. اشتدّ الوضع سوءًا كلّ لحظة. فالكتائب التي كانت في الخطوط الخلفيّة قُصفت. وما صبّ الزيت على النار أنّ العدوّ العديم المروءة استخدم الأسلحة الكيميائيّة، فاستُشهد جمع كبير من الإخوة. اضطّرت القوّات الموجودة في الخطوط الخلفيّة إلى استعمال الأقنعة الواقية فيما لم نكن نحن الموجودين في الخطوط الأماميّة نعلم شيئًا أبدًا.

 

287


278

الفصل التاسع: كربلاء بدر

كنت وأميرًا إلى جانب دشمتنا مع ما يقارب الثلاثين شخصًا من عناصر التجهيزات. غاب عنهم قبل عودتنا كلّ ما يحدث في الخطوط الأماميّة، ويظنّون بأنّنا سيطرنا على المنطقة، وكأنّه من المفترض أن ننتصر في كلّ مكان نتوجّه إليه مع قادتنا! تحدّثت إليهم فقط عن جرح الإخوة، ومحاصرة الأخ مهدي وعلي تجلّايي وعدد آخر من مقاتلينا. كدت أُجنّ من مجرّد التفكير بأنهم ربّما استشهدوا! ما أثقل انتظار أيّ خبر قطعي! حثثت قدر الإمكان الشباب، وقلت لهم إنّه لا ضير من التقدّم ومساعدتهم، ويمكننا بالحدّ الأدنى نقل الجرحى إلى الخلف، لكنّني أحسست بأنّ لا كلام مثل الرؤية بأمّ العين، لن يدرك الإخوة هنا فحوى كلامي، حتى يتلمّسوا حساسيّة الوضع.

 

لقد فقدنا للتوّ سيطرتنا على الأوتوستراد، ولم تكن القوّات العراقيّة قد استقرّت فيه بشكل تامّ. بل تشتّتت وكذا قوّاتنا، والرابح في هذه الأثناء هو من يتّخذ زمام المبادرة بنحو أسرع. لقد شاهدنا قلّة العناصر في الخطوط الأماميّة، وها نحن الآن نشاهد كثرة القوّات في الخطوط الخلفيّة، والذين لم يكن لديهم إلى الآن تصوّر واضح عن مشهد المواجهة. كان العراقيّون يُنْزِلون قوّاتهم إلى أرض المعركة بنحو قتالي، أمّا من جانبنا فلم يُرى أيّ تحرّك جدّي لنقل العناصر إلى الميدان. لا شك وجدت عوائق لوصول الإمدادات كما توقع سابقًا أحد القادة حين هيأنا للمعركة. ونظرًا لبعد المنطقة، لم تكن رمايات مدفعيّتنا فعّالة كفاية، فيما لم تكفّ المدفعيّة العراقيّة عن قصف المنطقة بشدّة بغطاء من الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتغير علينا. ما إن يدمّر عناصرنا ناقلة جند، حتى تأتي مروحيّة أخرى على الفور وتنزل مجموعة أخرى من الجنود. لقد باشر العدوّ العمل بجرأة وتنسيق غريبين، وأنا أتآكل من الداخل وأتساءل لِمَ لا تُرسَل قوّات الدعم إلينا؟! على كلّ حال، لم تنفع الحسرة، لقد خسرنا المنطقة الحسّاسة، التي ثبت أنّ الحفاظ عليها صعب، ولم يكن خطّ دفاعنا في هذه الجهة

 

288

 


279

الفصل التاسع: كربلاء بدر

من دجلة مهمًّا كثيرًا، حيث سيلزم القوات العراقية بعض الوقت لعبور النهر إذا ما أرادت التقدّم، وفي هذه الأثناء نكون قد تهيّأنا للمواجهة... بالطبع، هذه الأمور كلّها عبارة عن تقديري وانطباعاتي عن أوضاع المنطقة كجنديّ مقاتل، ولربّما كان لدى القادة في الإدارة العليا محاذير تمنع نقل القوّات، وربّما عشرات الاحتمالات والأسباب الأخرى...

 

توجّهت وأمير إلى الخطوط الخلفيّة متعبًا وخائبًا. لا زال الجسر الذي نُصب من جزيرة مجنون إلى اليابسة مرفوعًا، والآليّات لا زالت تتردّد عليه. توجّهنا نحو الجسر، والقصف المدفعي والجوّيّ لا يزال مستمرًّا. لقد قُصف المكان هناك بشدّة حتى تداخلت الدشم بعضها ببعض. استأت بشدة عندما رأيت منظر الدبّابات المحمّلة بالجنود وهم في حالة جهوزيّة، لدينا كلّ هذه الدبّابات والقوّات ولا يرسلونها إلى الخطوط الأماميّة! تحدّثت إلى شخص أو شخصين من عناصر الجيش، وسألتهما: "لِمَ أنتم هنا؟!".

- طُلب منّا أن نبقى هنا! كيف هو الوضع في الخطوط الأمامية؟

- ليس لدينا قوّات هناك! هذا كلّ شيء!

 

لم أستطع أن أصف بلغة أخرى ما شاهدته. أردت وأمير العودة مجدّدًا إلى منطقتنا في الخطوط الأمامية، لكن، لم نكد نبتعد عن الجسر قليلًا، حتّى ظهرت الطائرات العراقيّة وقصفت المكان، وبالسلاح الكيميائي هذه المرّة. لم يكن لديّ أنا وأمير قناع. فتّشتُ حولي عن قناع فلم أجد. كلّ ما فعلته هو أن بلّلت سجّادة صلاتي بماء القناة ووضعتها على وجهي. مع ذلك، استنشقت كمّيّة من الغاز السامّ. بدأت حالي تسوء، فركضت هذه المرّة وأمير إلى الخلف إلى أن وصلنا إلى سيّارة إسعاف وركبناها لتأخذنا إلى إحدى غرف الطوارئ. وعلى الفور، أعطونا حقنة، ثم نقلونا إلى الأهواز. وبهذا، خرجنا من منطقة عملية بدر وجزيرة مجنون.

 

289


280

الفصل التاسع: كربلاء بدر

أُجريت الإسعافات اللازمة للمصابين بالسلاح الكيميائي في مستشفى يقع على جادّة خرّمشهر ـ الأهواز. جُرّدنا هناك من ثيابنا، وبعد الاستحمام، أعطونا محلولًا لنغسل به بدننا، ثمّ ألبسونا ملابس جديدة. من هناك أرادوا ترحيلنا إلى طهران عبر الطائرة، فلم نذهب. رأينا أنّ إصابتنا ليست سيّئة لهذه الدرجة، ولأنّ قاعة المستشفى غصّت بالجرحى أيضًا، قرّرنا من تلقاء أنفسنا تركها والفرار إلى قيادة الفرقة في قاعدة الدفاع الجوّي في الأهواز. هناك وضع تحت تصرّف فرقة عاشوراء عدد من الوحدات السكنيّة من مبانٍ جاهزة كانت مقرًا للجيش، وكان فيها عدد من عناصرنا، وقد اصطحبَنا بعضُ معارفنا الذين التقيناهم هناك إلى غرفهم.

 

في المستشفى، ظننّا أنّنا بخير حين شاهدنا حال الإخوة الذين أُصيبوا إصابات بالغة جرّاء القصف الكيميائي. لم أصدّق بأنّ استنشاق كميّة قليلة من المواد الكيمائيّة يؤثّر في الإنسان إلى هذه الدرجة. فقد بقينا لأيّام نتقيّأ كلّ ما نأكله، ولم يدعنا الدوار نتحرك من مكاننا، ولم توصف حالتنا بغير جيّدة بالمطلق. كلّ من سمع بقصّتي من الإخوة كان يأتي لزيارتي، ويصرّ عليّ لأذهب إلى المستشفى. قلت لهم إذا أردتم إرسالي إلى الخطوط الخلفيّة، فخذوني إلى تبريز، فهناك يوجد مستشفيات سأتعالج فيها. لو وضعت هذه الإصابة في كفّة، وغمّ بدر وغصّتها في كفّة أخرى لرجحت الثانية. وقد حوّل خبر شهادة قادة فرقة عاشوراء، الأخ مهدي باكري، علي تجلّايي، أصغر قصّاب، محمود دولتي، أكبر جوادي و... في أواسط آذار من العام 1985م، أيّامنا جميعًا إلى مأتم وعزاء[1].

 

فيما بعد سمعنا بأنّهم تمكّنوا من الحفاظ على منطقة فرقة الإمام

 


[1] عاد جسدا الشهيدين أصغر قصّاب ومحمود دولتي إلى أحضان الوطن بعد سنوات من الغربة، ودُفنا في وادي الرحمة. أمّا الجسد المطهّر للشهيد مهدي باكري فقد دُفن للأبد في مياه دجلة، فيما بقي الجسد الطاهر لعلي تجلّايي مجهولًا إلى الأبد. دامت ذكراهم منارة في حياتنا.

 

290


281

الفصل التاسع: كربلاء بدر

الحسين عليه السلام إلى حدّ ما، فيما انسحبوا من باقي المناطق[1]. وسط هذه الظروف، كانت هناك حافلة متوجّهة إلى تبريز، فطلبوا منا أن نركبها ونترك المنطقة. بكلّ ما حملناه عدنا إلى المدينة وانفصلنا عن عملية بدر. العملية التي كانت بمنزلة عاشوراء ثانية لفرقة عاشوراء!

 

عندما وصلنا إلى تبريز، بقينا أربعة أيّام في المستشفى، وتحسّنت أحوالنا إلى حدّ ما[2]. لكن، أَوَ هَل يمكن للوعة شهداء بدر أن تتحسّن؟ شهادة "علي أكبر مرتضوي" الذي يناديه الصغير والكبير "بابا"، في تلك الليلة التي وقفنا فيها وجهًا لوجه أمام الدبّابات، وشهادة "باصر" والحنجرة التي كانت تقرأ مجالس عزاء أهل البيت (عليهم السلام)، شهادة "أصغر قصّاب"، شهادة "قاسم هريسي"، "خليل نوبري"، "علي تجلّايي" الذي كان من أدمغة الحرب وأدمغة مقرّ الخاتم (خاتم الأنبياء)، وحضر بيننا في عملية بدر كتعبويّ مجهول، وشهادة قائد فرقة عاشوراء الباسل الأخ "مهدي باكري" و... أَوَيمكن لأحد أن يسدّ مكانهم في الفرقة؟

 

 


[1] علمنا فيما بعد أنّهم أحدثوا طريقًا ترابيّة فوق الماء، بواسطة الجرافات التي نقلت الرمال والتراب من جانبي النهر وردموا فيها جزءًا من المياه ليصبح طريقًا. وبذلك تأمّنت تلك الناحية من الجزيرة التي كانت بأيدينا بشكل أفضل.

[2] ما زلت إلى الآن أعاني من آثار الإصابة بالسلاح الكيميائي. فعندما أسعل يصيبني الغثيان ويزعجني كثيرًا. أحيانًا يصل الأمر إلى درجة أن تلتهب حنجرتي وتؤلمني بشدّة، لكنّني كنت غالبًا ما أنشغل بجراحاتي الأخرى التي كانت أشدّ بمرّات من عوارض الإصابة بالكيميائي.

 

291


282

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

الفصل العاشر:

كتيبة "أبو الفضل"

 

 

كان "وادي الرحمة" المكان الوحيد في المدينة الذي يسكِّنني ويهدّئ خاطري. لم أنجذب إلى هناك للبكاء، ولم أرده أساسًا. أكثر ما كان يدفعني للذهاب هو رؤية صور الإخوة، واستذكار العهود السابقة برؤية صورهم. أردت عند زيارتهم أن أتذكّر من رافقتهم ذات يوم، وهنا في محضر أصدقائي الشهداء، أتذكّر أيام الجبهة التي قضيناها معًا، الأحاديث، المزاح، مجالس العزاء والعمليات...

 

بدأت ترِد أخبار عن عودة الأصحاب. لقد أُدخل أغلب الجرحى إلى مستشفيات المدن الأخرى، وحان الآن موعد عودة الشهداء[1]. ويا لها من عودة لشباب الكتيبة! كنّا نشيّع يوميًّا ما بين الـ40 والـ50 شهيدًا، دُفن أغلبهم في وادي الرحمة. حزينة هي آخر أيام آذار عام 1985م*[2]. كنت وأمير نشارك يوميًّا في مراسم تشييع الشهداء. الشهداء الذين تدرّبنا وإيّاهم جنبًا إلى جنب، وضربنا معًا العدو في قلبه، وتشاركنا معًا أكثر التفاصيل خصوصية و... وها نحن الآن نودّعهم إلى قلب التراب. في كلّ مرّة أذهب فيها إلى وادي الرحمة، أزداد خجلًا من بقائي. أشعر كأنّني لا أملك شيئًا أقدّمه لله، وأنّ الله لم يعتبرني أهلًا للشهادة، ولكن ما أسعدني هو بقاء "أمير" سالمًا، فبالرغم من أنّ الكثيرين ذهبوا، إلا أنّ

 


[1] تم تشييع شهداء عملية بدر شيئًا فشيئًا، عدا أولئك الذين استشهدوا في المرحلة الأخيرة من العملية شرق نهر دجلة قرب الأوتستراد أو في القرية، وبقيت أجسادهم الطاهرة هناك.

[2] إيام بداية السنة الإيرانية الجديدة (فرفردين 1366).

 

292


283

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

وجود "أمير" لا يزال مؤنسًا. سنعود إلى الجبهة، ونكون معًا. لقد عشتُ هذه الحال مرّات عدة خلال سنوات مشاركتي في ساحات الحرب، وكنت أعلم أنّ الهمّ والحزن الذي ينتابني خلال تشييع الشهداء ودفنهم، لا يساوي شيئًا أمام ما نقاسيه عند العودة إلى منطقة العمليات، حيث نجد خيام الكتيبة خالية من الأحبة ومحيطها ساكنًا! خصوصًا بعد عملية بدر. كيف يمكن البقاء في كتيبة الإمام الحسين عليه السلام؟ كيف يمكن البقاء، والتحدّث إلى القادمين الجدد عن شجاعة وغيرة الأصدقاء الذين كانوا بحسب قول قادتهم يقتحمون قلب النار. كيف يمكن البقاء، وانتظار أن يأتي عناصر جدد ويأخذوا مكان الأصحاب الذين رحلوا، ويصبحوا معارف لنا. كانت سعادتي الوحيدة في بقاء "أمير" سالمًا وإلى جانبي.

 

تكاد المساحة المخصّصة لدفن الشهداء في القسم السفلي من وادي الرحمة تمتلئ. فجأة التفت إليّ "أمير" وسألني: "هل يمكن من الآن شراء قبر في هذا المكان؟".

- كلا! القبر هو قبر. لا فرق، سواءٌ كان في الأعلى أو في الأسفل!

 

قلت هذا مع علمي أنّه ثمّة فرق بالنسبة إلى أمير. فغاية مناه أن يدفن - بعد شهادته - بين صفوف الضرائح في القسم السفلي من وادي الرحمة ليكون إلى جانب أصدقائنا، وقد صرّح بهذا مرارًا. ومع أنّ كلام "أمير" لم يأتِ بجديد بالنسبة إليّ، إلا أنّ فؤادي أصبح فارغًا لسماعه، فحتى ذلك الحين لم يستوطن أحدٌ قلبي كما فعل هو. كنّا قد جلسنا في خلوة إلى جانب مزار أحد الشهداء عندما قال ثانية: "سيّد! عليك أن تؤكّد في وصيتك بأن أدفن إلى جانبك إن استشهدت قبلي!". قاطعته قائلًا: "هيا بنا يا أمير!... إن أنا استشهدت، فأملي ألّا يبقى منّي شيء ليُوارى في الثرى! أضف إلى هذا... أنا أعرف نفسي، وآسِفٌ لأنّني لست من أهل الشهادة". بهذه الكلمات غادرنا وادي الرحمة. ولكن أنّى لي أن أعلم أنّ "أمير" سيحقّق مراده قبل نهاية العام الجديد!

 

293


284

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

باكيًا: "إلهي، أنا راضٍ بقضائك، وأبذل روحي في سبيلك، لكن لا تتركني وحيدًا... والطف بي في جميع الأمور...".

 

بعد أن فرغت من صلاتي، شعرت بالخفّة (الراحة) لفرط ما بكيت. عدت إلى الدشمة. لم يكن قد طلع الصبح بعد، لكن كان عدد من الإخوة لا يزالون مستيقظين، وقد رأوا حالي ومآلي: "أجل، سيّد، تقبّل الله أعمالك، نراك عائدًا من صلاة الليل؟".

- كلا! فأنا لست من أهل صلاة الليل.

- إذًا أين كنت وقد بكيت كلّ هذا البكاء؟!

- لا شيء! إنّني لم أطلب من الله حتى الآن شيئًا ماديًّا. ذهبت الليلة لأطلب منه أن يعطيني شيئًا... منزلًا...معيشة!...

 

أصبحت موضع جدل بين الأصدقاء: "اُنظر يا هذا! الجميع يفكّرون بالعملية وبالشهادة! والسيّد يفكر بقطعة الأرض والمنزل!".

- إنّ طَلبَ المنزل والأرض هذا ليس بدون سبب!

 

نظرًا إلى حالي الجسدية حيث عانيت منذ العام 1982م من جراح بنسبة 70%، فقد أخبروني في قسم الإسكان في مؤسسة الشهيد أنّه يجب أن أتمّ الـ25 سنة من عمري، أو أكون متزوّجًا كي يعطوني قطعة أرض. قلتُ: "دعك من الزواج! افرض أنّ عمري25 سنة!".

- لا! هذا قانون.

 

كان عمري آنذاك 20 سنة. قلت لهم إنّني سأعمل على استصدار هوية جديدة أغيّر فيها تاريخ ميلادي!

- هذا لا يمكن! اذهب وتزوّج، وأعدك أنّه في اليوم الذي تُحضر فيه وثيقة زواجك، سأُرسل كتابًا بشأنك إلى الدائرة العقارية.

- كأنّ الزواج بهذه السهولة! أنا لا أملك مالًا ولا عملًا! من سيزوّجني ابنته والحال هذه؟ كما إنّني أقضي معظم أيامي في الجبهة.

 

295

 


285

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

في ذلك اليوم، أكّد لي مهندس قسم الإسكان أنّه بمجرد تقديم وثيقة الزواج سييسّر أمري[1]. مضت أشهر عدّة حتى ركبت الطائرة المعهودة متوجّهًا إلى تبريز، وطُرح هناك موضوع الزواج، وتذكّرت كلام ذلك المهندس في مؤسسة الشهيد. عندما قدّمت له وثيقة زواجي عرّفني إلى الدائرة العقارية بكلّ محبّة وسرور. رافقني "أمير" في هذه المراحل أيضًا، وقد أمنّا المستندات والوثائق معًا، وقدّمناها إلى الدائرة العقارية. كان أحد المهندسين في غاية اللطف معنا، وقال إنّه سيعطينا قطعة أرض في أيّ مكان نطلبه. وبما أنه نشأنا وعشنا بالقرب من محطة القطار، فقد اقترحت مكانًا قريبًا من هناك.

 

عدت وأمير إلى الجبهة. في الإجازة التالية، تلقّينا كتابًا من الدائرة العقارية مفاده إنّ قطعة الأرض جاهزة، وعلينا استكمال الإجراءات اللازمة. ذهبنا إلى الأرض وتفقّدناها. وبالفعل فبعد مضيّ 45 يومًا تمامًا على طلبي من الله تعالى في مصلى الكتيبة، كنت قد تزوّجت، وحصلت على قطعة أرض أيضًا! ذهبت وأمير لاستلام الأرض. كان سعر المتر الواحد 70 تومانًا، وقد حصلت على حسم بسبب إصابتي، وحصلت على الأرض بمبلغ 5 آلاف تومان، اقترضتها من أمير، واتفقت معه على أداء الدَّين في الموعد المحدّد. عندما رأى أخي قطعة الأرض قال: "أنا أعطيك منزلي في مقابل هذه الأرض!". لم أقبل. بعد أشهر عدّة، أصبحت المنطقة أكثر عمرانًا. اقترح أخي أن أتنازل عن الأرض في مقابل بيته وسيارته، فلم أقبل بهذا الاقتراح أيضًا. تدريجيًّا، بسعي والدي وهمّته، بدأت أعمال البناء. مرّة أخرى تحدّث إليّ أخي وقال: "سأعطيك منزلي وسيارتي في مقابل طابق واحد من هذا المبنى". أجبته هذه المرّة قائلًا: "حان الوقت الآن كي نتحدّث قليلًا. هل تذكر عندما قلت لي - قبل أشهر عدة - إنّه من غير المعلوم كيف سيكون وضعي بعد

 


[1] لقد وفى بوعده. وقد استشهد في الجبهة لاحقًا، رحمه الله.

 

296


286

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

الحرب. أنا الذي لم أكن أملك 5 آلاف تومان لأدفعها للدائرة العقارية، رزقني الله منزلًا كهذا. أريد أن تعلم أنّ الله الذي جاهدتُ في سبيله، لم ولن يتركني لحظة واحدة ويذلّني بين خلقه". بالطبع أكّد لي أخي أنّه إنّما قال ما قال محبة لي وقلَقًا عليّ... لقد ثبت لي مرات عدّة أنّ رحمة الله ولطفه أكثر ممّا نتصور.

 

كان الكفاح في بناء المنزل على عاتق والدي. لقد جهد كلّ سعيه لأحصل على الراحة والطمأنينة، الشيء الذي لم أكن أفكّر به أساسًا. لقد أخجلتني جهود والدي، سواء في الأيام التي كنت أتعالج فيها من إصاباتي، حيث زادت متاعب عائلتي أضعافًا مضاعفة، أو في أيام إجازتي حيث كنت أفكّر في العودة إلى الجبهة قبل أن أصل إلى المنزل، ليعلّق والدي قائلًا: "لقد تربّيتَ في الجبال، وستعيش هناك أيضًا. إنّ طبيعتك تتأقلم مع الجبال!", وأُكمل أنا مزاحه هذا فأقول: "والدي! أسأل الله أن لا يُبدّلني هذه المدينة بتلك الجبال. إنّ تلك الجبال وتلك الصحراء، تعادل عندي ألفًا من هذه المدن!". كانت جراحاتي الدائمة التي أُصاب بها في كلّ سنة في الجبهة، تشكّل القلق الأساسي له! وكان محقًّا. لقد تعب من أجلنا لسنوات في ظروف الحياة الصعبة والزمن الصعب، لكي يأتي يوم نكون فيه عونًا له في حياته. لكنّ الحرب خلطت جميع الأوراق. لم يقتصر الأمر على بُعْدِي عنه وحسب، بل إنّهم بذلوا كلّ ما يملكون من أجلي، وانشغلوا دومًا بمشاكلي وجراحاتي.

 

أحيانًا، كان بعض أفراد العائلة والأقرباء يسألونني عن الأعمال التي نقوم بها في الجبهة، وينظرون إليَّ بدهشة واستغراب عندما أحدّثهم عن العمليات وتفاصيلها. على سبيل المثال، عندما أخبرتهم عن الليلة الثانية من عملية بدر، وعن غزارة نيران العدو آنذاك، سألوني بحيرة

 

297


287

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

وريبة: "إذًا، لمَ لم تُصب بسوء؟". عندما نتحدّث بتلك الأمور كان قلبي يخفق شوقًا إلى الجبهة، المكان الذي كنّا فيه قريبين من الله سبحانه، إلى درجة أن صرنا ندرك بكلّ وجودنا، بأنّه إن شاء، سينقذنا من النار كما أنقذ إبراهيم الخليل عليه السلام!

 

كنت كلّما تداولنا مثل هذه الأمور، أشعر بغربة عجيبة، وأعلم أنّ الناس في المدينة لا يعون بشكل جيد ما يجري في الجبهة. كانوا يعتقدون أنّنا لا نعرف لذة الحياة، والعائلة الهانئة والهادئة والسعيدة، والجسم السليم والرفاهية، ولا نعرف أنّه يمكن البقاء في المنزل، والنوم على الفراش والسجّاد، بعيدًا عن أصوات الانفجارات. لم يدركوا أنّ للحياة في الجبهة نكهة أخرى، وأنّ في الجبهة إخوانًا، يمكن أن ننال الشفاعة في الآخرة بسبب محبتنا الخالصة لهم في هذه الدنيا!...

 

تعدّدت مثل هذه الأحداث والحوارات عندما كنّا نأتي إلى المدينة أثناء الإجازة، في ظروف ومواقع مختلفة. غالبًا ما كنت بعد مضيّ أيام عدّة من الإجازة، أحضّر نفسي إما للعودة إلى منطقة العمليات، أو لأتابع علاج جراحاتي، فأتوجّه إلى عيادات الأطباء، ونتبادل أحاديث أكثر جاذبية. كنتُ عندما أقصدهم لعارضٍ ما، وما إن أنزع ثوبي للمعاينة، حتى يقول أغلبهم على سبيل المزاح أو الجدّ: "إنّ مشكلتك هذه لا تذكر مقابل هذا الجسم المشظّى!", حتى قال لي أحد الأطباء يومًا في مستشفى الإمام في تبريز عندما رأى حالي: "هل تعلم أنّ أعضاء الجسم تتكلم يوم القيامة وتشتكي، ويجب أن نعطي جوابًا لها؟".

- أجل، أنا أعلم! ولكنّني لا أظنّ أنّ هذا الجسم سيشكوني. لأنّني لم أوصله إلى ما وصل إليه باللعب واللهو. يعلم الله قصة كلّ جرح في جسمي. أين جُرحت، وماذا كنت أفعل حين جُرحت. إذًا فهذا الجسم لن يمتنع عن الشكوى وحسب، بل يجب أن يشكرني كثيرًا.

 

298

 


288

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

مضت أشهر عدّة على الحادثة التي تسبّبت بفشل العملية الجراحية لأنفي. وقد سعيت لإجراء عملية جراحية جديدة، على أمل أن تُحلّ مشكلة التنفّس عندي إلى حدٍّ ما. بعد انتظار طال خمسة أشهر مضت في التدريب لعملية بدر وفي تنفيذها، توجّهت وأمير إلى طهران، ووصلنا إلى هناك في الصباح الباكر. ذهبنا مباشرة إلى المستشفى. عاملنا الطبيب بلطف، وكتب لي تقريرًا لإدخالي إلى المستشفى. لم نكن أنا وأمير مستعدّين لأن يبتعد أحدنا عن الآخر، فقرّرنا أن يبقى معي في طهران ما دمت هنا. لا تزال هذه الصورة -عند ذهابنا إلى مستشفى فاطمة الزهراء عليها السلام - عالقة في ذاكرتي دائمًا. كان هناك شارع خلف المستشفى قليلًا ما يسلكه الناس، يبعد حوالي 200 إلى 300م عن بوابته الرئيسة، وكان أمامه حديقة تزهو بطلّتها الجميلة. في تلك الأيام، كان منظر الشباب الذين يلبسون لباسًا غير تقليدي يطلق عليه اسم بانكى، لافتًا وغريبًا. في ذلك الشارع بالتحديد، وجّه أحد الشبان كلامًا مشينًا لإحدى الفتيات. لم نستطع أنا وأمير أن نتغاضى عن الموضوع. وقفنا بوجهه: "ماذا قلت؟", شحب لونه! وعندما عرفت أنّ عمره 20 عامًا وفي مثل سنّي، نصحته قائلًا: "أمثالك في الجبهة الآن يديرون عشرات الأفراد من العناصر! بينما تقوم أنت بمثل هذه الأعمال المشينة!؟", وأمير يقول لي: "دعه وشأنه، فهو لا يدرك شيئًا!".

 

اتفقت وأمير أن يأتي كلّ يوم إلى المستشفى في موعد الزيارات، عند تمام الثانية ظهرًا. ووعدني المسكين قبل العملية أن يشتري لي طعام الفطور يوميًّا. وكما في المرّات السابقة، صار يبيت ليله في منزل أحد أقاربه.

 

دخلت المستشفى، وكان لي يوميًّا برنامج مع أمير. ففي الصباح نمدّ سفرة طعام الفطور في الفناء، وسريعًا أصبحنا أصدقاء مع الحرّاس. قضيت ثلاثة إلى أربعة أيام قبل العملية في إجراء التحاليل المخبرية والصور المختلفة. كان للغرفة التي أقمتُ بها وضعها الخاصّ، فهناك

 

299

 


289

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

أربعة مرضى غيري. أحدهم من "زنجان", وقد أصيب بشظيّة في كتفه، وآخر طالب علوم دينية من قم، وشخصان آخران من مدينة "كرج", وقد أدركنا لاحقًا ما الذي كانوا يخفونه!

 

أخيرًا، حان الوقت، وذهبت إلى غرفة العمليات. عادة ما أشعر بالبرد هناك، لكنّها كانت المرّة الأولى التي شعرت فيها أنّ الغرفة دافئة. ذهبت مشيًا إلى غرفة العمليات، ورأيتهم يقطّبون وجه أحد الأشخاص هناك. بالرغم من أنّ الذهاب إلى تلك الغرفة أصبح أمرًا عاديًّا بالنسبة إليّ، إلا أنّني شعرت بالقلق هذه المرّة. كنت أعلم أنّه ينتظرني عملية جراحية صعبة جدًا لترميم أنفي ووجهي، وهذا ما حصل فعلًا. ولا تسأل عن الآلام التي عانيتها في تلك العملية. غدا جسمي حسّاسًا لأدوية التخدير، فتعسّر غيابي عن الوعي. وللأسف فقد أفقت من التخدير أثناء العملية الجراحية، ومهما حاولوا - بعد ذلك - تخديري لم يفلحوا! فوضعوا منديلًا على عينيّ واستمروا في عملهم مجبرين. كنت أسمع صوت أدوات الجراحة، صوت الطبيب، وصوت فريق غرفة العمليات، وهم يقولون لي: "أنت إنسان صبور جدًّا...". لم أتحرّك أساسًا. فقط كنت أعدّ الثواني حتى تنتهي هذه العملية المؤلمة! وأفكر أنّه لو أصيب الإنسان مئة مرّة بشظيّة أو رصاصة، لن يدرك ذرّة من هذا العذاب. استمرّ الأمر حوالي النصف ساعة على هذا المنوال. كادت روحي تفارق جسدي من شدّة الألم والقلق، وكأنّ هذا الألم كفارة عن كلّ ذنوبي... راحوا يقطعون لحمي ويقطّبونه.. وأخيرًا، أنهوا عملهم، ووضعوني على سرير آخر. تبيّن أنّني بقيت في غرفة العمليات لمدّة ثلاث ساعات. وخلافًا لجميع المرضى الذين يبدأون بالشكوى والأنين بعد خروجهم من غرفة العمليات، فقد شعرت بالراحة!

 

وضعوني في قسم العناية الفائقة. لم يمضِ وقتٌ طويل، حتى جاء طبيبي الجراح، وجلس فوق رأسي. انتهت عمليتي عند الغروب، وظلّ

 

300

 


290

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

الطبيب يراقبني حتى الصباح، ويعالج النزف الشديد الذي أصابني. يبدو أنّ نتيجة العملية كانت مهمة بالنسبة إليه أيضًا كما اتضح لاحقًا. لقد اهتمّ بي بكلّ عطف وحنان. أمّا أنا، فقد التقطت كتابًا لأطالعه، لعلّ ذهني ينصرف قليلًا عن الألم. كان يسألني باستمرار عن حالي، فأجيبه: "أنا بخير!". حتى الصباح كانوا قد أعطوني عدّة وحدات من الدم، ومع أنّني كنت أشعر بكثير من الألم والتعب، إلا أنّ حالي قد استقرّت نسبيًّا.

 

أخيرًا، طلع الصباح، وعرفتُ أنّ عائلتي جاءت من تبريز للقائي. المسكينة زوجتي، مذ دخلت إلى حياتي، كان قسمٌ من لقاءاتنا في المستشفيات. جاءت برفقة أبي وأخي. وأثارت عجبي رؤية والدي لأنّه حتى ذلك اليوم، لم يكن قد أتى لرؤيتي في المستشفيات[1]. لم يستطع زوّاري المكوث عندي طويلًا لأنّني بدأت أنزف من جديد، ما اضطرّ الطاقم الطبي إلى القيام بإجراءات خاصة. تحسّنت حالي في اليوم التالي، وجاءت عائلتي لعيادتي، وأحضروا لي الكباب معهم. كم كان الكباب لذيذًا في ذلك الوقت... ذهبت مع "أمير" والعائلة إلى فناء المستشفى الأخضر. هناك، أدركت أنّ والدي لم يأتِ إلى طهران لزيارتي فقط، إنّما جاء لحضور عقد قران وعرس أحد الأقارب... هنا بدأ المزاح. قلت له: "أصبح واضحًا لماذا أتى والدي لرؤيتي!". كانت علاقتي به منذ البداية قائمة على الصداقة. كنّا نتصارع ونستعرض قوانا في وجه بعضنا البعض... ومع أنّه لا يأتي لوداعي عند ذهابي إلى الجبهة، لكنّ والدتي تقول إنّه يبقى دائمًا مشغول البال عليّ، ولا ينام ليلًا لكثرة تفكيره بي.

 

[1] خلال جميع عملياتي الجراحية التي زادت عن الـ25، لم يأتِ والدي سوى مرتين لعيادتي، مرّة في طهران والأخرى في مستشفى الإمام في تبريز. في كلّ مرّة لم يكن يبقى أكثر من 5 دقائق! السلام عليكم، كيف حالك وإلى اللقاء! بالطبع لم يكن سبب ذلك أّن والدي لا يحبني أو... بل كان لا يحب الطبيب والدواء والمستشفى. لم يزل هكذا حتى الآن أيضًا، ولم يحقن بإبرة طوال عمره! وإن ذهب إلى المستشفى تسوء حاله. لقد اهتمّ بي في ذلك اليوم، وله دين وحقّ كبيران في عنقي!

 

301


291

الفصل العاشر: كتيبة "أبو الفضل"

طوال مدّة بقائي في المستشفى، ظلّ "أمير" يأتي لزيارتي كلّ يوم، ويبقى إلى جانبي من الصباح حتى العصر. بقيت في ذلك المستشفى حوالي 40 ليلة. لطالما كرهت الإبرة ومللتها، وخاصّة تلك الإبرة الغليظة التي كانوا يحقنوني بها في الوريد يوميًّا، ويعطوني المصل من خلالها. لذا كنت دائمًا في المستشفيات أعطي مالًا لمندوب مؤسسة الشهيد وأقول له: "بالله عليك، اشترِ لي إبرًا ذوات رؤوس صغيرة". فيجيبني ضاحكًا: "سنحضرها بأنفسنا ولا حاجة لتقسم علينا!". كان مضحكًا بالنسبة إلى بعضهم أن أخاف بهذا القدر من الإبرة، مع كلّ تلك الجراح التي أصابت جسدي!

 

كان "أمير" يشتري لي لحم الكبد دائمًا، وكان وضعي جيّدًا من ناحية التغذية. لكن كان عليّ أن أتناول يوميًّا عددًا كبيرًا من حبوب الدواء، وأن أحقن بعدد من الإبر. في تلك الأيام، كان المسلسل المعروف "السلطان والراعي" يُعرض على التلفاز، وقد نال إعجاب الناس آنذاك، أما أنا فحملت عنه ذكرى سيئة. كانت الحلقة الأخيرة من المسلسل، وقد اجتمع الممرضون حول التلفاز ليشاهدوا ماذا سيحصل في نهاية القصة؟! كان عليّ أن أُحقن كلّ 6 ساعات بإبرتين، وكان تحمّلها بالفعل أمرًا غاية في الصعوبة. كنت عندما يحقنونني أشعر وكأنّ أوردتي تحترق. من سوء حظي أنّ الممرضة المناوبة في تلك الليلة، كانت طريقة حقنها للإبرة قاسية كقسوة خُلُقها. أتت هذه السيدة على عجلة من أمرها. رأت أنّهم نزعوا إبرة المصل من يدي، وبالتالي عليها أن تضعها في الوريد مرّة أخرى. تذمرتُ قليلًا، لكنّني لم أهتمّ لها كثيرًا. كانت تُظهر بعضًا من خصل شعرها، ولا تراعي حرمة الجرحى. أرادتْ أن تُنهيَ عمَلَها بسرعة وتذهب. ربطتْ ساعدي، وحاولتْ مرتين تثبيت إبرة المصل، لكنّها لم تفلح في ذلك. كرّرت ذلك خمس مرات. فقدتُ السيطرة على أعصا