(11) زاد الهدى في شهر الله


الناشر:

تاريخ الإصدار: 2018-09

النسخة: 0


الكاتب

المركز الإسلامي للتبليغ

مؤسسة إسلامية، تعنى بالتبليغ المسجدي والعام، ورعاية شؤون أئمة المساجد والمبلغين.


المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

المقدمة

 

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، وبعد...

 

دعوة كريمة يوجّهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبيل شهر رمضان المبارك، من كلّ عام الى أشرف ضيافة، يمكن أن يطمح إليها إنسان في هذه الدنيا، وهي ضيافة الله تعالى، في شهر الله تعالى؛ أفضل الشهور، وأفضل الأيّام والليالي والساعات. وهدف هذه الدعوة توطيد العلاقة مع الله تعالى، من خلال تطهير الروح، وبناء الإرادة المرتبطة بقوّة الإيمان، التي تحكم علاقة الإنسان بربّه وبمجتمعه على مستوى الدنيا، وتحدّد مصيره على مستوى الآخرة.

 

وهذا ما يؤّكّد ضرورة الاستعداد والتهيّؤ لهذا الشهر الكريم، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يبّشر أهل بيته عليهم السلام بقدومه، ويدعو أصحابه للاستعداد لأيّام هذا الشهر ولياليه، فقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان يكثر من أنواع العبادات، من صلاة وذكر ودعاء، وصدقة، وكان يخصُّ هذا الشهر من العبادة بما لا يخصُّ غيره من الشهور، قال عزّ وجل: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى


7

المقدمة

الْخَاشِعِينَ﴾[1]. والصوم يعبّر عن الخضوع لأحكام الله، والتوقّف عن الانسياق الكامل لشهوات الجسد المشروعة المحلّلة في الأحوال العاديّة، فهو خروج عن العادات المألوفة، والتزام مؤقّت لحياة فيها جوع وعطش، وتقشّف؛ لتربية النفس وضبطها، والصوم يحرّر الإنسان من سلطان العادة...؛ ومن يرتبطْ بعاداتٍ معيّنة يجدْ أنّه لا مفرّ منها ولا يستطع أن يتحرّر منها. أمّا في الصوم فنجد أنّ الإنسان قد غيّر عاداته كلّها تغييراً شاملاً وتامّاً... .

 

وانطلاقاً من هذا كلّه، كان هذا الكتاب "زاد الهدى في شهر الله"، الذي يضع بين يدي المبلغين الكرام، العديد من المواضيع الأخلاقيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة الجهاديّة، التي تساعده على الإصلاح والبناء، وتربية المجتمع تربية إسلاميّة أصيلة.

 

 

والحمد لله رب العالمين

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

 

 

[1] سورة البقرة، الآية 45.

 


8

المحاضرة الاولى : شهر رمضان شهر الله

المحاضرة الاولى: شهر رمضان شهر الله

 

 

الهدف:

التعرّف إلى خصائص شهر رمضان المبارك.

 

المحاور الرئيسة:

1- الخصائص النسبيّة.

2- الخصائص الزمانيّة.

3- الخصائص التشريعيّة.

4- الخصائص المعنويّة.

 


9

المحاضرة الاولى : شهر رمضان شهر الله

تصدير الموضوع

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "شهر رمضان شهر الله، وشعبان شهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورجب شهري"[1].

 

يتميّز شهر رمضان المبارك بعدّة خصائص، تعجله شهراً إلهيّاً عظيماً، وهذه الخصائص، هي:

١- الخصائص النسبيّة

أ- شهر رمضان شهر الله: لقد نسب شهر رمضان المبارك إلى الله سبحانه، وتعالى، وهذا ما يعتبر من أهمّ مزاياها الشريفة، روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: "إِنَ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فَغُرَّةُ الشُّهُورِ شَهْرُ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَلْبُ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَنُزِّلَ الْقُرْآنُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاسْتَقْبِلِ الشَّهْرَ بِالْقُرْآنِ"[2].

 

ولذا ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "... ولا يكوننّ شهر رمضان عندكم كغيره من الشهور، فإنّ له عند الله حرمةً وفضلاً على سائر الشهور، ولا يكوننّ شهر رمضان يوم صومكم كيوم فطركم"[3].

 

[1] المفيد، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، المقنعة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، 1410ه، ط2،ص374.

[2] الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، إيران - طهران، ط5، ج4، ص66.

[3] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، فضائل الأشهر الثلاثة، تحقيق وإخراج: ميرزا غلام رضا عرفانيان، دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1412 - 1992م، ط2، ص95.


10

المحاضرة الاولى : شهر رمضان شهر الله

ب. الصوم لي: صرّحت بعض الأحاديث القدسيّة أنّ الصوم لله، وأنّه تعالى قد خصّ نفسه بالإثابة عليه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالى ‏- يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي‏، وَأَنَا أَجْزِي عَلَيْهِ"[1].

 

٢- الخصائص الزمانيّة

لقد جعل الله سبحانه وتعالى من خصائص شهر رمضان، أن جعل وقتاً محدّداً وفضله على سائر الشهور من شهور السنة، فقد جعل الله له حرمة وفضلاً على سائر الشهور، روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: شهر رمضان شهر الله عزّ وجلّ، وهو شهر يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيّئات، وهو شهر البركة، وهو شهر الإنابة، وهو شهر التوبة، وهو شهر المغفرة، وهو شهر العتق، من النار، والفوز بالجنّة، ألا فاجتنبوا فيه كلّ حرام، وأكثروا فيه من تلاوة القرآن، وسَلُوا فيه حوائجكم، واشتغلوا فيه بذكر ربّكم، ولا يكوننّ شهر رمضان عندكم كغيره من الشهور، فإنّ له عند الله حرمةُ وفضلاً على سائر الشهور، ولا يكوننّ شهر رمضان يوم صومكم كيوم فطركم"[2].

 

٣- الخصائص التشريعيّة

أ- مصدر التشريع: وهو شهر الله، لأنّ مصدر تشريع وجوب الصيام


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص63.

[2] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص95.


11

المحاضرة الاولى : شهر رمضان شهر الله

في هذا الشهر المبارك هو الله تعالى حيث أوجبه (الصيام) على كلّ الأمم، في كلّ الشرائع، وإن اختلفت فيما بينها كيفيّته ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾[1]. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾[2].

 

ب- الصوم فريضة إلهيّة: ممّا لا يخفى على أحد من المسلمين كونُ الصيام في شهر رمضان فريضة إلهيّة واجبة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[3].

 

٤- الخصائص المعنويّة

أ- شهر الخير المطلق: إنّ شهر رمضان المبارك، وهو شهر الخير المطلق، فهذا الشهر هو شهر الله، والله هو الخير المطلق الذي أعطى كلّ شيء وجوده، وأودع فيه هداه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾[4].

 

ب- شهر المغفرة الإلهيّة: وهو شهر الله، حيث العناية الإلهيّة والرعاية الربّانيّة التي أفاضت على هذا الشهر الشريف من معاني الرحمة والمغفرة والرضوان، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "شهر المغفرة والرحمة والرضوان.. شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله.. أنفاسكم

 

[1] سورة يوسف، الآية 67.

[2] سورة البقرة، الآية 183.

[3] سورة البقرة، الآية 183.

[4] سورة طه، الآية 50.


12

المحاضرة الاولى : شهر رمضان شهر الله

فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة...، ودعاؤكم فيه مستجاب..."[1].

 

ج- شهر ضيافة الله: إنّ من جملة الخصائص التي فضّل الله بها هذا الشهر الشريف، أن جعله مائدة له تعالى، فإنّ كلّ المؤمنين، هم مدعوون إلى ضيافة الله سبحانه وتعالى فيه، ولذا فهو شهر ضيافة الله، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في استقبال شهر رمضان: "هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله..."[2].

 

د- لله ملائكة مختصّون بالصائمين: لقد كرّم الله سبحانه وتعالى شهر رمضان، بأن جعل له ملائكة خاصّين يقومون بعدّة وظائف هامّة، وهذه الوظائف تتعلّق بخدمة الصائمين في هذا الشهر، فقد روي عن محمّد بن مسلم الثقفيّ يقول: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهم السلام يقول: "إنّ لله تعالى ملائكة موكلين بالصائمين، يستغفرون لهم في كلّ يوم من شهر رمضان إلى آخره، وينادون الصائمين كلّ ليلة عند إفطارهم: أبشروا - عباد الله - فقد جعتم قليلا وستشبعون كثيراً، بوركتم وبورك فيكم، حتّى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان نادوهم: أبشروا - عباد الله - فقد غفر الله لكم ذنوبكم، وقبل توبتكم، فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون"[3].

 

[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص77.

[2] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسّسة البعثة، مركز الطباعة والنشر في مؤسّسة البعثة، إيران - قمّ، 1417ه، ط1،ص154.

[3] المصدر نفسه، ص108.


13

المحاضرة الاولى : شهر رمضان شهر الله

هـ- شهر القرآن: إنّ القرآن الكريم كتاب الله سبحانه وتعالى، وقد نزل القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، فيكون كتاب الله قد نزل في شهر الله، حيث قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "يُدعى ابن آدم المؤمن للحساب، فيتقدّم القرآن أمامه في أحسن صورة، فيقول: يا ربِّ أنا القرآن، وهذا عبدك المؤمن، فقد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي، وتفيض عيناه إذا تهجَّد، فارضه كما أرضاني. قال: فيقول العزيز الجبّار: عبدي أبسط يمينك فاملأها من رضوان الله، واملأ شمالك من رحمة الله. ثمّ يقول: هذه الجنّة مباحة لك، فاقرأ، واصعد، فإذا قرأ آية صعد درجة"[2].

 

و- شهر البركات والخيرات: روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ... وهو شهر يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيّئات، وهو شهر البركة، وهو شهر الإنابة، وهو شهر التوبة، وهو شهر المغفرة، وهو شهر العتق من النار والفوز بالجنّة"[3]..

 

[1] سورة البقرة، الآية 185.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص602.

[3] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص95.


14

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

المحاضرة الثانية: كيف نستقبل شهر رمضان

 

الهدف:

يتبيّن حكمة تشريع الصوم، وكيفيّة استقبال شهر رمضان المبارك.

 

المحاور الرئيسة:

1- حكم تشريع الصوم.

2- كيف نستقبل شهر رمضان المبارك؟

 


15

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته في استقبال شهر رمضان: "أيّها الناس إنّه قد أقبل إليكم شهر الله تعالى بالبركة والرحمة والمغفرة.. وهو شهر قد دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله.. فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقّكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشقيّ من حرم غفران الله في هذا الشهر"[1].

 

يمكن التهيُّؤ لاستقبال شهر رمضان المبارك عبر الأمور الآتية:

1- الاستعداد النفسيّ

ينبغي الاستعداد النفسيّ المسبق لشهر رمضان، وذلك بالالتفات إلى أهمّيّته وقيمته وآثاره الدينيّة والحضاريّة، قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته تلك: "إنّه قد أقبل عليكم شهر الله، شهر الرحمة والمغفرة والرضوان، شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة..."[2].

 

2- استغلال أجواء المناسبة

ينبغي الاستغلال الكامل لأجواء هذه المناسبة في إحداث التغييرات اللازمة في شخصيّاتنا، كلّ بحسب وضعيّته وأحواله، وما

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.

[2] الشيخ الصدوق، الأمالي،مصدر سابق، ص154.


16

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

يجده في نفسه من الضعف والحاجة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "... فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفّقكم لصيامه، وتلاوة كتابة، فإنّ الشقيّ من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم..."[1].

 

3- التوبة

شهر رمضان المبارك شهر التوبة، كما جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام حيث قال: "اللهمّ إنّ هذا شهر رمضان، وهذا شهر الصيام، وهذا شهر الإنابة، وهذا شهر التوبة، وهذا شهر المغفرة والرحمة"[2]. وقد ورد الحثّ على التوبة في الكتاب والسنّة، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[3].

 

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا﴾[4] وروي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾، قال: "هو الذنب الذي لا يعود فيه أبداً"، قلت: وأيُّنا لم يعد؟ فقال: "يا أبا محمّد إنّ الله يحبّ من عباده المفتن التوّاب"[5].


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص75.

[2] سورة النور، الآية 31.

[3] سورة هود، الآية 3.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص432.

[5] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قم، لا.ت، ط2،ج2، ص74.


17

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

4- معرفة مقاصد الصوم

النظر في مقاصده وأهدافه كفريضة دينيّة تنطوي على الكثير من الحكم والمصالح والمقاصد العليا. فقد روي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتساباً إلّا أوجب الله تبارك وتعالى له سبع خصال: أوّلها: يذوب الحرام في جسده. والثانية: يقرّب في رحمة الله عزّ وجلّ. والثالثة: يكون قد كفر خطيئة آدم أبيه. والرابعة: يهون الله عليه سكرات الموت. والخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة. والسادسة: يعطيه الله البراءة من النار. والسابعة: يطعمه الله من طيّبات الجنّة"[1].

 

وعن حمزة بن محمّد أنّه كتب إلى أبي محمّد عليه السلام لم فرض الله الصوم؟ فورد الجواب: "ليجد الغنيّ مسّ الجوع فيمن على الفقير". وفي رواية أخرى: أنّه قال: "ليجد الغنيّ مضض الجوع فيحنو على الفقير"[2].

 

5- مراعاة حرمة شهر رمضان

إنّ شرافة هذا الشهر تجعل له حرمة وقداسة خاصّة أكثر من حرمة غيره، فانتهاك هذه الحرمة أقبح من انتهاك غيرها، فالعقوبة المستحقّة أكبر وأشدّ. كما يقول الإمام زين العابدينعليه السلام: "فَأَبَانَ


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص3.

[2] المصدر نفسه.


18

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

فَضِيلَتَه عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ بِمَا جَعَلَ لَه مِنَ الْحُرُمَاتِ الْمَوْفُورَةِ، والْفَضَائِل ِالْمَشْهُورَةِ، فَحَرَّمَ فِيه مَا أَحَلَّ فِي غَيْرِه إِعْظَاماً"[1].

 

6- زكاة الأبدان

الالتفات إلى أنّ الصوم يؤدّي إلى زكاة البدن، أي تطهيره، عن زرارة عن الصادق عليه السلام قال: "لكلّ شيء زكاة، وزكاة الأجساد الصيام"[2].


 

[1] المصدر نفسه.

[2] المصدر نفسه.


19

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

7- تعلّم أحكام الصوم

الإحاطة الضروريّة بما لهذه الفريضة الدينيّة الهامّة من أحكام شرعيّة ممّا قد ذكره الفقهاء في رسائلهم العمليّة، ويزيد هذا الأمر ضرورة تأكيدِ الفقهاء مسألة وجوب تعلّم المسائل كافّة التي يُبتلى بها المكلّفون في كلّ باب من أبواب الفقه[1].

 

8- تذكّر فضائل شهر رمضان

والفضائل ينبغي استحضارها حين الشروع في الصوم، منها:

- خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.

- تستغفر الملائكة للصائمين حتّى يفطروا.

- يغفر للصائمين في آخر ليلة من رمضان.

- تفتح أبواب الجنّة وتغلق أبواب النار.


 

[1] لاحظ: الخوئيّ السيّد أبو القاسم الموسويّ، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج1، ص301.


20

المحاضرة الثانية : كيف نستقبل شهر رمضان

- في الجنة باب يقال له الريّان لا يدخله إلّا الصائمون.

- فيه ليلة القدر، هي خير من ألف شهر، مَنْ حُرِمَ خيرها فقد حرم الخير كلّه.

- لله عتقاء من النار في آخر ليلة من رمضان.

- الصيام يشفع للعبد يوم القيامة حتّى يدخل الجنّة.

- شهر رمضان هو الشهر الذي نزلت فيه الكتب السماويّة، كصحف إبراهيم، وتورارة موسى، وإنجيل عيسى، والقرآن العظيم.


21

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

المحاضرة الثالثة: القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

 

الهدف:

التعرّف إلى القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان.

 

المحاور الرئيسة:

1- بناء الإرادة والتمرّس على الصبر

2- التحلّي بالفضائل

3- محاسبة النفس

4- تكثيف الحضور المسجديّ في شهر الله

5- محاسبة النفس

6- القيم الاجتماعيّة

 


22

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس من حسّن منكم في هذا الشهر خلقه، كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام"[1].

 

1- بناء الإرادة والتمرّس على الصبر

قال عزّ وجلّ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[2]. فقد ورد في تفسير الآية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ﴾، يعني الصيام[3]. وورد في الحديث القدسيّ أن الله عزّ وجلّ قال: "كلّ أعمال ابن آدم بعشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف إلاّ الصبر فإنّه لي وأنا أجزي به، والصبر، الصوم"[4].

 

2- التحلّي بالفضائل

التخلّي عن الأخلاق السيّئة والتحلّي بمكارم الأخلاق، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس من حسّن منكم في هذا الشهر خلقه، كان له جوازاً على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام"[5].


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص228.

[2] سورة البقرة، الآية 45.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص298.

[4] المصدر نفسه، ص295.

[5] المصدر نفسه، ص228.


23

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

3- محاسبة النفس

إنّ من أهمّ ما تؤخذ به النفس هو المحاسبة لها دائماً على أفعالها، لأنَّ المحاسبة تساهم:

- في إظهار رغبة الإنسان في الفضيلة، وحرصه على أخذ نفسه بالحقّ، فيتعهّد منها ذلك دائماً.

 

- في مراقبة نموّ الكمال في نفسه، فيشتدّ في مزيد من فعل الخير وتلافي النقص الواقع فيه، ويشتدّ في مواجهة الرذائل الموجودة واستئصالها إذا أمكن، أو التخفيف منها حسب الوسع والطاقة.

 

- إنّ هذه المحاسبة تجسّد خشية الإنسان من الله تعالى والخوف من الموقف للحساب أمامه، ليكون دائماً مستعدّاً للموت، واعياً لمخاطره وعواقبه. روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر"[1].

 

وعن الإمام عليّ عليه السلام أنَّه قال: "ما أحقّ الإنسان أن تكون له ساعة لا يشغله شاغل، يحاسب فيها نفسه، فينظر فيما اكتسب لها وعليها في ليلها ونهارها"[2].

 

وعن الإمام عليّ عليه السلام أنَّه قال: "ثمرة المحاسبة صلاح النفس"[3].


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج11، ص380.

[2] الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام، لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408هـ، ط1، ج12، ص155.

[3] المصدر نفسه، ج12، ص155.


24

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

4- تكثيف الحضور المسجديّ في شهر الله

إنّ المساجد من أهمّ الأماكن المليئة بالأجواء الإيمانيّة التي تساهم في الرقيّ الروحيّ للمؤمن. جاء عن الإمام عليّ عليه السلام: "من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: أخاً مستفاداً في الله، أو علماً مستطرفاً، أو آية محكمة، أو يسمع كلمة تدلّ على هدى، أو رحمة منتظرة، أو كلمة تردّه عن ردى، أو يترك ذنباً خشية أو حياء"[1].

 

ومن الأعمال المهمّة في شهر رمضان طلب العلم والمعرفة، والتفقّه في الدين، والتحلّي بالثقافة الدينيّة الصحيحة. قال عليّ عليه السلام: "يَا كُمَيْلُ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ"[2].

 

5- القيم الاجتماعيّة

شهر رمضان إلى جانب كونه مناسبة دينيّة، فهو مناسبة لها طابعها الاجتماعيّ، الذي يجعل من شهر رمضان مناسبة اجتماعيّة لتحقيق العديد من الأمور، ومنها:

أ- عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: "إنّما أمروا بالصّوم لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش، فيستدلّوا على فقر الآخرة، وليكون الصائم خاشعاً، ذليلاً، مستكيناً، مأجوراً، محتسباً، عارفاً، صابراً على ما أصابه من الجوع والعطش، فيستوجب الثواب مع ما فيه من الإمساك عن الشهوات، ويكون ذلك واعظاً لهم


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج3، ص480.

[2] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403ه - 1983م، ط2، ج74، ص267.


25

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

في العاجل ورائضاً لهم في أداء ما كلفهم، ودليلاً لهم في الآجل، وليعرفوا شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا، فيؤدّوا إليهم ما افترض الله لهم في أموالهم"[1].

 

ب- المساواة بين الغنيّ والفقير: إنّ الصوم من أهم الوسائل الاجتماعيّة التي تجعل الغنيّ والفقير في مرتبة واحدة، فكلاهما ممنوع من تناول الطعام والشراب، وغير ذلك، فالأحكام الشرعيّة لكليهما متساوية، ورد عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الصيام؟ فقال: "إنّما فرض الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير، وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله تعالى أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليرقّ على الضعيف ويرحم الجائع"[2].

 

ج- التصافي النفسيّ: التصافي بين المؤمنين (إبراء الذمم المتبادل) بالعفو عنهم وطلب العفو عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "قال لي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أدلّك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك وأن تعفو عمّن ظلمك"[3].


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص4.

[2] المصدر نفسه، ص3.

[3] الطبراني، المعجم الأوسط، قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 - 1995م، لا.ط،ج5، ص364.


26

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

د- حلّ الخلافات: حلّ الخلافات وفكّ المنازعات بين الناس، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[1].

 

هـ- صلة الأرحام: إنّ صلة الأرحام من المفاهيم الإسلاميّة الأساسيّة في العلاقات الاجتماعيّة، وخصوصاً في شهر رمضان، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "وصلوا أرحامكم"[2]. ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه...

 

و- التواصل مع الأصدقاء: إنّ النفوس في شهر رمضان تكون بحسب العادة أكثر اطمئناناً وسكينة، فإنّ التلاقي بين المؤمنين سيكون أكثر مودّة ومحبّة واحتراماً. روي عن بكر بن محمّد الأزدي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: "ما زار مسلم أخاه في الله عزّ وجلّ إلّا ناداه الله عزّ وجلّ: أيّها الزائر طبت، وطابت لك الجنّة"[3].

 

ز- تفقّد المحتاجين: تفقّد الضعفاء والفقراء والمحتاجين وذوي المسكنة من أبناء المجتمع، ممّن هم بأمسّ الحاجة للمعونة والمواساة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا السياق أيضاً: "وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم"[4].

 

[1] سورة الأنفال، الآية 46.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق،ج7، ص227.

[3] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، مصادقة الإخوان، إشراف: السيّد عليّ الخراسانيّ الكاظميّ، مكتبة الإمام صاحب الزمان العامّة، لا.ت، لا.ط، ص56.

[4] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.


27

المحاضرة الثالثة : القيم التربويّة والاجتماعيّة لشهر رمضان

ح- حسن التعامل مع الكبار والصغار: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ووقّروا كباركم وارحموا صغاركم"[1].

 

ط- إكرام الأيتام: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه"[2].

 

ي- تفطير الصائم: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن فطّر منكم مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه.."[3].

 

 

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.

[2] المصدر نفسه، ص 228.

[3] المصدر نفسه، ص99.


28

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

المحاضرة الرابعة: سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

 

 

الهدف:

معرفة فضل صلاة الليل ودورها في بناء الشخصيّة الإيمانيّة.

 

المحاور الرئيسة:

1- فضل صلاة الليل في القرآن الكريم

2- فضل صلاة الليل في السنّة الشريفة

3- الأمور التي تساعد على القيام لصلاة الليل.

4- الأعمال المأثورة للاستيقاظ.

 


29

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

روي عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"[1].

 

1- أهمّيّة النوافل

إنّ للصلاة المفروضة مكمّلات ومتمّمات، تسدّ خللها، وتجبر نقصها، وهذه المتمّمات تُسمّى النوافل، وقد تركها الله تعالى حرّة من قيد الجماعة، ليتزوّد فيها العباد من الانفراد بالله ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاؤهم له، يستقلّ منهم من يستقلّ، ويستكثر من يستكثر، فإنّها خير موضوع، كما جاء في الأثر عن سادة البشر، ومن الأخطار الجسيمة على مستوى تربية النفس وتزكيتها أن لا يعي الإنسان أهمّيّة هذه النوافل والمستحبّات، فيُحرم من بركاتها العظيمة وآثارها التي لا تُعدّ ولا تُحصى، والتي يسّرها الله للإنسان، وفتح له من خلالها أسباب قوّة الإيمان ومنعته، وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "نزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقول: من أهان عبدي المؤمن فقد استقبلني بالمحاربة، وما تقرّب إليَّ عبدي المؤمن بمثل أداء الفرائض، وإنّه ليتنفّل لي حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"[2].

 

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص148.

[2] حسين بن سعيد الكوفيّ، المؤمن، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بالحوزة العلميّة، إيران - قمّ، 1404ه، ط1، ص32.


30

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

2- أنواع الرواتب اليوميّة

عدد النوافل بعد عدّ وتيرة العشاء ركعة، أربع وثلاثون ركعة ضعف عدد الفرائض، وتسقط في السفر الموجب للقصر ثمانٍ الظهر وثمانٍ العصر، وتثبت البواقي، والأحوط الإتيان بالوتيرة رجاء، وهي كالآتي:

1- ثماني ركعات للظهر قبله.

2- ثماني للعصر قبله.

3- أربع للمغرب بعده.

4- ركعتان من جلوس للعشاء بعده تُعدّان بركعة تُسمّى بالوتيرة.

5- وركعتان للفجر قبل الفريضة.

6- صلاة الليل، وهي إحدى عشرة ركعة نافلة الليل، صلاة الليل ثمان ركعات ثمّ ركعتا الشفع ثم ركعة الوتر.

 

1- فضل صلاة الليل في القرآن الكريم

أ- صلاة الليل المقام المحمود: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾[1], وهذا المقام غير معلوم لعظمته وأهمّيّته، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[2].

 

ب- صلاة الليل صفة العلماء: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ


 

[1] سورة الإسراء، الآية 79.

[2] سورة السجدة، الآية 17.


31

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[1], عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت: آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: "يعنى - صلاة الليل"[2].

 

ج- صلاة الليل تذهب السيّئات: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾[3], روي عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال: "صَلَاةُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّيْلِ تَذْهَبُ بِمَا عَمِلَ مِنْ ذَنْبٍ بِالنَّهَارِ"[4].

 

2- فضل صلاة الليل في السنّة الشريفة

أوّلاً: الأهمّيّة الدنيويّة:

أ- مصدر الرزق: عن الحسين بن الحسن الكنديّ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها رزقه، قلت: وكيف يحرم رزقه؟ فقال: يحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل حرم الرزق"[5].


 

[1] سورة الزمر، الآية 9.

[2] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، علل الشرائع، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدريّة، العراق - النجف الأشرف، 1385ه - 1966م، لا.ط، ج2، ص364، ح8.

[3] سورة هود، الآية 114.

[4] المصدر نفسه، ج2، ص363، ح7.

[5] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، ثواب الأعمال، تقديم السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي، إيران - قم، 1368ش، ط2، ص42.


32

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

ب- فضائل متعدّدة: وقال أبو عبد الله عليه السلام: "صلاة الليل تحسّن الوجه، وتحسّن الخلق، وتطيّب الريح وتدرّ الرزق وتقضي الدين، وتذهب بالهمّ، وتجلو البصر، عليكم بصلاة الليل فإنّها سنّة نبيّكم، ومطردة الداء عن أجسادكم"[1].

 

ج- عنوان الولاية لأهل البيت عليهم السلام: قال الإمام الصادق عليه السلام: "ليس من شيعتنا من لم يصلِّ صلاة الليل"[2].

 

ثانياً: الأهمّيّة الأخرويّة:

أ. تكفير السيّئات: روي عن إبراهيم بن عمر عمّن حدّثه عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[3], قال: "صَلَاةُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّيْلِ تَذْهَبُ بِمَا عَمِلَ مِنْ ذَنْبٍ بِالنَّهَارِ"[4].

 

ب. دخول الجنّة: وقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند موته لأبي ذرّ رحمة الله عليه: "يا أبا ذرّ، احفظ وصيّة نبيّك تنفعك: من ختم له بقيام الليل ثمّ مات فله الجنّة"[5].


 

[1] قطب الدين الراوندي، أبو الحسين سعيد بن هبة الله، الدعوات (سلوة الحزين)، مدرسة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ، إيران - قمّ، 1407ه، ط1، ص76.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج8، ص 162.

[3] سورة هود، الآية 114.

[4] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج2، ص363، ح7.

[5] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج1، ص475، ح1373.


33

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

3- الأمور التي تساعد على القيام لصلاة الليل

أ- معرفة أهمّيّة صلاة الليل: بعد معرفة أهمّيّة صلاة الليل، فإنّها تشكّل أهمّيّة واضحة لدفع الإنسان إلى القيام بهذه النافلة العظيمة قربة إلى الله تعالى.

 

ب- القيلولة: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "تعاونوا بأكل السحور على صيام النهار، وبالنوم عند القيلولة على قيام الليل"[1].

 

ج- قلّة الأكل: إنّ قلّة الطعام ليلاً تكون خفيفة على المعدة وبالتالي لا تثقل الجسد، فيكون الجسد خفيفاً ممّا يساعد الإنسان على الاستيقاظ باكراً، رُويَ عن الإمام علي عليه السلام قال: "لا تطمع في ثلاثة مع ثلاثة، في سهر الليل مع كثرة الأكل،......"[2].

 

د- النوم المبكر: إنّ النوم المبكر يساعد الإنسان على الاستيقاظ باكراً، وبالتالي يساعده ولو تدرُّجاً على الاستيقاظ لصلاة الليل، وهذا أمر علميّ يمكن معرفته بشكل مفصّل في البحوث العلميّة التي تتحدّث عن أهمّيّة النوم المبكر، وكذلك عن أهمّيّة الاستيقاظ المبكر.

 

هـ- ضبط الساعة: يمكن الإنسان استخدام الوسائل الحديثة التي تساعده على الاستيقاظ لأداء صلاة الليل، منبّه الساعة، أو التلفون، أو غيرها من الوسائل التي تساعد الإنسان على الاستيقاظ لأداء عمله وواجباته، فيمكن له الاستفادة منها في الاستيقاظ لأداء صلاة الليل.


 

[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص136.

[2] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج6، ص 340.


34

المحاضرة الرابعة : سراج المتعبّدين (النوافل وصلاة الليل)

4- أسباب الحرمان من صلاة الليل

تؤكّد الروايات أنّ من أسباب الحرمان من صلاة الليل الذنوب على اختلافها، روي أنّه جاء رجل إِلى أمير المؤمنين عليّعليه السلام وقال لهُ: إِنّي محروم مِن صلاة الليل، فأجابه عليه السلام: "أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك"[1].

 

5- الأعمال المأثورة للاستيقاظ

أ- النيّة: إنّ القيام إلى الليل يحتاج إلى توفيق خاصّ من الله سبحانه وتعالى لهذا العبد، وقبل كلّ ذلك لا بدّ لهذا العبد المؤمن من أن ينوي القيام إلى صلاة الليل، وروى أبو حمزة الثماليّ عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "ما نوى عبد أن يقوم أيّة ساعة نوى فعلم الله تبارك وتعالى ذلك منه إلّا وكل به ملكين يحركانه تلك الساعة"[2].

 

ب- الدعاء: عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد شيئاً من قيام الليل وأخذ مضجعه فليقل: "بسم الله اللهمّ لا تؤمنّي مكرك ولا تنسني ذكرك ولا تجعلني من الغافلين، أقوم ساعة كذا وكذا، إلّا وكّل الله عزَّ وجلّ به ملكاً ينبّهه تلك الساعة"[3].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص 450.

[2] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج1، ص479، ح1384.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 540.


35

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان (الدعاء)

 

 

الهدف:

التعرّف إلى الدعاء وأهمّيّته في شهر رمضان المبارك.

 

المحاور الرئيسة:

1- مفهوم الدعاء.

2- فضله وآثاره.

3- خصوصيّة الزمان في استجابة الدعاء (شهر رمضان).

4- مفاهيم تربويّة من دعاء الافتتاح.

 


36

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[1].

 

1- مفهوم الدعاء

أ- قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[2], "الدعاء من العبد لربّه: هو عطف رحمته وعنايته إلى نفسه بنصب نفسه في مقام العبوديّة والمملوكيّة، ولذا كانت العبادة في الحقيقة دعاء، لأنّ العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكيّة والاتّصال بمولاه بالتبعيّة والذلّة ليعطفه بمولويّته وربوبيّته إلى نفسه، وهو الدعاء"[3].

 

ب- وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[4]. "نلاحظ أنّه كما يشتمل على الحكم وهو إجابة الدعاء،كذلك يشتمل على علله، فكون الداعين عباداً لله تعالى


 

[1] سورة البقرة، الآية 186.

[2] سورة غافر، الآية 60.

[3] الطباطبائي، العلّامة السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قم، 1417ه‏، ط5، ج10،ص 38.

[4] سورة البقرة، الآية 186.


37

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

هو الموجب لقربه منهم، وقربه منهم هو الموجب لإجابته المطلقة لدعائهم"[1].

 

2- فضل الدعاء

وردت روايات متعدّدة في فضل الدعاء منها الآتي:

أ- أحبّ الأعمال: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام قَالَ: "قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ الدُّعَاءُ، وأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَافُ، قَالَ: وكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلاً دَعَّاءً"[2].

 

ب- سلاح المؤمن: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ وعَمُودُ الدِّينِ ونُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ"[3].

 

ج- مفاتيح النجاح: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: "الدُّعَاءُ مَفَاتِيحُ النَّجَاحِ ومَقَالِيدُ الْفَلَاحِ وخَيْرُ الدُّعَاءِ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ نَقِيٍّ وقَلْبٍ تَقِيٍّ وفِي الْمُنَاجَاةِ سَبَبُ النَّجَاةِ وبِالإِخْلَاصِ يَكُونُ الْخَلَاصُ فَإِذَا اشْتَدَّ الْفَزَعُ فَإِلَى اللَّه الْمَفْزَعُ[4].

 

[1] الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج2،ص 32.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2،ص 468.

[3] المصدر نفسه،ج2،ص 468.

[4] المصدر نفسه،ج2،ص 468.


38

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

3- آثار الدعاء

هناك آثار متعدّدة للدعاء نذكر منها:

أولاً: الآثار العاجلة:

أ- الدعاء مفتاح الحاجات: وجاء في وصيّة أمير المؤمنين لابنه الإمام الحسن عليهما السلام: "واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِه خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإِجَابَةِ وأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَه لِيُعْطِيَكَ وتَسْتَرْحِمَه لِيَرْحَمَكَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَه مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْه"[1].

 

ب- الدعاء شفاء من الداء: عن أبي عبد الله عليه السلام: "عَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّه شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ"[2].

 

ج- الدعاء ادّخار وذخيرة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إِنَّ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ يَسْتَخْرِجُ الْحَوَائِجَ فِي الْبَلَاءِ"[3].

 

د- الدعاء سلاح المؤمن: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألَا أَدُلُّكُمْ عَلَى سِلَاحٍ يُنْجِيكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ ويُدِرُّ أَرْزَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ تَدْعُونَ رَبَّكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ فَإِنَّ سِلَاحَ الْمُؤْمِنِ الدُّعَاءُ"[4].

 

هـ- الدعاء يردّ القضاء ويدفع البلاء: قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾[5].


 

[1] الرضي، السيّد أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام)، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، لا.ن، لبنان - بيروت، 1387ه - 1967م، ط1، 31 ومن وصية له عليه السلام للحسن بن علي.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 470.

[3] المصدر نفسه،ج2، ص 472.

[4] المصدر نفسه،ج2، ص 468.

[5] سورة النمل، الآية 62.


39

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

ثانياً: الآثار الآجلة:

قال الإمام الصادق عليه السلام: "وعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُدْرِكُوا نَجَاحَ الْحَوَائِجِ عِنْدَ رَبِّهِمْ بِأَفْضَلَ مِنَ الدُّعَاءِ والرَّغْبَةِ إِلَيْه والتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّه والْمَسْأَلَةِ لَه فَارْغَبُوا فِيمَا رَغَّبَكُمُ اللَّه فِيه وأَجِيبُوا اللَّه إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْه لِتُفْلِحُوا وتَنْجُوا مِنْ عَذَابِ اللَّه"[1].

 

4- دعاء أبي حمزة الثماليّ في أسحار شهر رمضان

أ- ونبّهني لذكرك: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِه، ونَبِّهْنِي لِذِكْرِكَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ، واسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِكَ فِي أَيَّامِ الْمُهْلَةِ، وانْهَجْ لِي إِلَى مَحَبَّتِكَ سَبِيلًا سَهْلَةً، أَكْمِلْ لِي بِهَا خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَةِ"[2].

 

ب- الرجاء لله: وممّا جاء في الدعاء: "وَالحَمدُ للّه ِالَّذي لا أرجو غَيرَهُ ولَو رَجَوتُ غَيرَهُ لَأَخلَفَ رَجائي"[3].

 

والرجاء: الأمل والتوقّع، وقوله: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾[4], أي لا تخافون، وذلك أنّ الرجاء للشيء معه الخوف من ألّا يكون، فلذلك سُمّي الخوف رجاء.

 

وردت أحاديث في مدح اليأس عمّا في أيدي الناس، وذمّ الطمع فيما في أيدي الناس، وعن أبي عبد اللّه عليه السلام: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص4، رسالة أبي عبد الله عليه السلام إلى جماعة الشيعة.

[2] الصحيفة السجاديّة، مصدر سابق، (20) وكَانَ مِنْ دُعَائِه عَلَيْه السَّلَامُ فِي مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ ومَرْضِيِّ الأَفْعَالِ، ص 102.

[3] المصدر نفسه، ص215.

[4] سورة نوح، الآية 13.


40

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

لَا يَسْأَلَ رَبَّه شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاه فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ولَا يَكُنْ لَه رَجَاءٌ إِلَّا عِنْدَ اللَّه فَإِذَا عَلِمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِه لَمْ يَسْأَلِ اللَّه شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاه"[1].

 

وممّا جاء في الدعاء: "وأعلَمُ أنَّكَ لِلرّاجينَ بِمَوضِعِ إجابَةٍ ولِلمَلهوفينَ بِمَرصَدِ إغاثَةٍ وأنَّ فِي اللَّهفِ إلى جودِكَ وَالرِّضا بِقَضائِكَ عِوَضا مِن مَنعِ الباخِلينَ ومَندوحَةً عَمّا في أيدِي المُستَأثِرينَ"[2]، ونشير إلى هذه المفاهيم التربويّة:

- موضع الإجابة: "وأعلَمُ أنَّكَ لِلرّاجينَ بِمَوضِعِ إجابَةٍ"، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "يَدَّعِي بِزَعْمِه أَنَّه يَرْجُو اللَّه كَذَبَ والْعَظِيمِ مَا بَالُه لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُه فِي عَمَلِه فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُه فِي عَمَلِه وكُلُّ رَجَاءٍ إِلَّا رَجَاءَ اللَّه تَعَالَى فَإِنَّه مَدْخُولٌ وكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلَّا خَوْفَ اللَّه فَإِنَّه مَعْلُولٌ يَرْجُو اللَّه فِي الْكَبِيرِ ويَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ"[3].

 

- إغاثة الملهوفين: "وللملهوفين بمرصد إغاثة" يعني أنّه عزّ شأنه مترصّد ومترقّب لإغاثة الملهوفين، أي المظلومين أو المفجوعين، لا يفوته شيء، يسمع ويرى جميع أحوالهم وأفعالهم.

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 148.

[2] الصحيفة السجاديّة، مصدر سابق، ص215.

[3] نهج البلاغة، مصدر سابق، 160 ومن خطبة له عليه السلام، كيف يكون الرجاء، ص 226.


42

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

- الشوق إلى الطلب من الله: "وإنّ في اللّهف إلى جودك..." كأنّ الداعي متردّد بين أن يتضرّع إلى اللّه تعالى ويستغيث، وبين أن يطلب من البخلاء المانعين، ومن البديهي عند العقل أنّ الأوّل متعيّن.

 

في اللّهف إلى جوده والطلب منه مع الرضا بقضائه سبحانه، وهو القنوع، قال أمير المؤمنينعليه السلام: "كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً، وبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً، وسُئِلَ عَنْ قَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ فَقَالَ: هِيَ الْقَنَاعَةُ"[1].

 

ج- حبّ الله لعبده: وممّا جاء في الدعاء: "وَالحَمدُ للّه الَّذي تَحَبَّبَ إلَيَّ وهُوَ غَنِيٌّ عَنّي وَالحَمدُ للّه ِالَّذي يَحلُمُ عَنّي حَتّى كَأَنّي لا ذَنبَ لي فَرَبّي أحمَدُ شَيءٍ عِندي وأحَقُّ بِحَمدي"[2]، وهنا نشير إلى:

- محبّة الله للعباد: محبّة اللّه للعباد إنعامه عليهم، وأن يوفّقهم لطاعته، ويهديهم لدينه الذي ارتضاه. وحبّ العباد للّه أن يطيعوه ولا يعصوه[3].

 

- "تحبّب" من التفعّل، هو إظهار المحبّة بالإنعام، والإكرام، وتواتر النعم الجسام، والتفضّل بالنعماء والآلاء من غير استحقاق، بل مع استحقاق قطع النعم أو العقاب، لأنّ التفعّل فيه إشعار بالكلفة.


 

[1] المصدر نفسه، رقم 229،ص 509.

[2] الصحيفة السجاديّة، مصدر سابق، ص215.

[3] الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين، چاپخانهء طراوت، الناشر: مرتضوي، شهريور ماه 1362 ش، ط2،ج2، ص 30.


43

المحاضرة الخامسة: مفاتيح النجاح في شهر رمضان(الدعاء)

- الغنى: "وهو غنيّ عنّي" بمعنى عدم الحاجة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[1], وهو تعالى غنيّ عن العالمين: "خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ"[2].

 

- الحلم: "وَالحَمدُ للّه ِالَّذي يَحلُمُ عَنّي حَتّى كَأَنّي لاذَنبَ لي" الحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب[3]، والحليم من أسمائه تعالى، وهو الذي لا يستفزّه الغضب[4]. وحلم عنه، أي صفح وستر، ووصف بحلمه سبحانه عنه بقوله عليه السلام: "كأنّي لا ذنب لي" في إفاضته المنعم عليه وإكرامه.

 


 

[1] سورة الحجّ، الآية 64.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، 193، ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المتّقين، ص 303.

[3] الراغب الأصفهانيّ، أبو القاسم الحسين بن محمّد، المفردات في غريب القرآن، لا.م، دفتر نشر الكتاب، 1404ه، ط2، الناشر:دفتر نشر الكتاب، 1404ه، ط2، ص 19.

[4] الطريحي، مجمع البحرين، مصدر سابق، ج6،ص 49.


44

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

 

 

 

الهدف:

التعرّف إلى وسائل استجابة الدعاء والاستفادة منها

 

المحاور الرئيسة:

1- التعرُّف إلى الصور المختلفة لاستجابة الدعوات.

2- التعرُّف إلى نماذج مختلفة من الدعوات المستجابة.

3- بيان شروط استجابة الدعوات.

4- التعرُّف إلى الأزمنة والأمكنة التي يستجاب فيها الدُّعاء والزيارة.


45

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: "ثلاث دعوات لا يحجبن عن الله تعالى: دعاء الوالد لولده إذا برّه، ودعوته عليه إذا عقّه، ودعاء المظلوم على ظالمه، ودعاؤه لمن انتصر منه، ورجلٌ مؤمنٌ دعا لأخ مؤمن واساه فينا، ودعاؤه عليه إذا لم يواسه مع القدرة عليه، واضطرار أخيه إليه"[1].

 

وفي هذه الرّواية الشَّريفة نماذج ثلاثة لدعوات مستجابة نتعرَّض لها فيما يأتي:

1- "دعاء الوالد لولده، إذا برّه، ودعوته عليه إذا عقه"

لم تخلُ سِيَرُ الأنبياء عليهم السلام من خصوصيّة الدُّعاء للولد والذرّيّة، فهذا شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام يربِّينا على ذلك، ليِسِّجل لنا الإشراقة الأوُلى في هذا المجال، حيث يقول في حكاية القرآن عنه ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾[2], فهو يدعو لولده وعموم ذرّيته بإقامة الصَّلاة، أي بالحصن الذي يقيهم من الفحشاء والمنكر، حيث ورد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾[3], فكرَّمه الله تعالى بأن جعل من ذرّيته أنبياء

 

[1]  الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، إيران - قم، 1414هـ، ط1، ص280.

[2] سورة إبراهيم، الآية 40.

[3] سورة العنكبوت، الآية 45.


46

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

وأئمّة وأولياء وصالحين، بل وجعله أباً لكلّ المسلمين، واستجاب الله تعالى له دعوته في النبيّ الخاتم، حيث كان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا دعوة إبراهيم، قال وهو يرفع القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾[1]"[2].

 

وقد ترك لنا أهل البيت عليهم السلام نماذج عظيمة من الأدعية في مثل هذا المورد، ولعلَّ من أروع وأبلغ ما وقفنا عليه دُعاء للإمام عليّ زين العابدين عليه السلام في حقِّ أولاده، يقول فيه: "اللهمّ ومُنّ عليّ ببقاء ولدي، وإصلاحهم لي وبإمتاعي بهم، إلهي امدد أعمارهم، وزد لي في آجالهم، وربِّ لي صغيرهم، وقوِّ لي ضعيفهم، وأصحَّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم، وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم، وفي كلّ ما عنيت به من أمرهم"[3].

 

2- دعاء المظلوم

وهو قوله عليه السلام: "ودعاء المظلوم على ظالمه، ودعاؤه لمن انتصر منه"، وقد ورد في هذا المعنى كثيراً في الروايات الشَّريفة عن أهل البيت عليهم السلام، ومنها المروي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "أربعة لا تردّ لهم دعوة: (...) والمظلوم، يقول الله جل جلاله: وعزّتي وجلالي،

 

[1] سورة البقرة، الآية 129.

[2] الشيخ المفيد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان: المسائل العكبرية، ص31، تحقيق علي أكبر الإلهيّ الخراسانيّ، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1993م، ط2.

[3] الصحيفة السجاديّة،مصدر سابق، ص120.


47

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

لأنتصرنّ لك، ولو بعد حين"[1].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم، فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم، فإنّ أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: إنّ دعوة المسلم المظلوم مستجابة"[2].

 

وفي سيرة أهل البيت عليهم السلام موارد كثيرة دعا فيها أهل البيت عليهم السلام على بعض الظالمين فنالوا ما استحقّوه من العقاب في العاجلة قبل الآجلة، ومنها ما ينقله الرواة عن الحوار الذي دار بين عمر بن سعد والإمام الحسين عليه السلام والذي يظهر فيه أن عمر بن سعد حاول التعلّل بمختلف العلل حتّى إنَّه قال: "أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسينعليه السلام: أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز، فقال: لي عيال، وأخاف عليهم، ثمّ سكت ولم يجبه إلى شيء، فانصرف عنه الحسين عليه السلام وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا يسيراً، فقال: في الشعير كفاية عن البرّ، مستهزئاً بذلك القول..."[3] ، وينقل الرواة أيضاً أنّ عمر بن سعد مات بتلك الميتة التي دعا بها عليه الإمامعليه السلام، وهي من مصاديق استجابة دعوة المظلوم.


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص108.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص403.

[3] الأمين، السيد محسن: لواعج الأشجان في مقتل الحسين، ص113، صيدا، مطبعة العرفان، 1331هـ، ط1.


48

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

3- دعاء رجل مؤمن لأخيه المؤمن

يحتاج هذا العنوان إلى قليل من التوضيح، ثَّم نُعِّرج على عدّة أُمور تنبيهيّة، ارتأينا أن تكون عوضاً عن عرض صور. أمّا التوضيح: فإنَّ المراد بالمقطع الأوّل: "دعاء رجل مؤمن لأخ له مؤمن واساه فينا"، هو أنَّ صاحب الحاجة إذا كان مؤمناً مُتمِّسكاً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام وطلب حاجته من أخيه المؤمن، فاستجاب له أخوه المؤمن، حبّاً بالنبيّ وآله عليهم السلام، فإنَّ دُعاء صاحب الحاجة في حقِّ من قضاها له مُستجابة.

 

وأمّا المقطع الثاني: "ودعاؤه عليه إذا لم يواسه مع القدرة عليه واضطرار أخيه إليه"، فإنَّه يتحدّث عن صورة عدم استجابة ذلك المؤمن لأخيه المضطرّ إليه، مع إمكان قضائها إليه، فهنا إذا دعا عليه صاحب الحاجة التي لم تُقضَ له، فإنَّ دُعاءه يكون مُستجاباً أيضاً.

 

ممّا يعني أنَّ المقصود في قضاء حاجة الإخوان على شأنٍ عظيم، ولذلك ينبغي الحذر الشديد من غلق الأبواب في وجوه المؤمنين، ولذلك ورد التحذير الشديد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: "لو صدق السائل لما أفلح من ردَّه"[1]، وحيث إنَّ كذب السائل غير معلوم فإنَّ على المسؤول المبادرة مع الإمكان أو الاعتذار له بما يُطيّب خاطره، ولو بكلمة طيبة فإنّها صدقة على حدِّ تعبير النبيّ الأكرم[2] صلى الله عليه وآله وسلم. ونظراً لتحقّق الاستجابة فإنّه يُفضَّل للمسؤول بعد قضاء حاجة إخوانه أن


 

[1] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح محمد أبو الفضل إبراهيم، قم، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 404هـ، دار إحياء الكتب العربية، ط1، ج19، ص210.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج5، ص233، ح3.


49

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

يطلب الدُّعاء ممَّن قصده، فقد ورد عنهم عليهم السلام: "إذا أعطيتموهم فلقّنوهم الدُّعاء، فإنه يستجاب الدُّعاء لهم فيكم..."[1].

 

وهناك أدعية أخرى مستجابة منها:

- دعاء المريض عموماً، ولعوّاده: فقد ورد قول الإمام الصادق عليه السلام: "ثلاثة دعوتهم مستجابة: والمريض فلا تغيظوه ولا تضجروه"[2]. وأمّا استجابة دعائه في حقِّ عائديه، فقد ورد فيه عنه عليه السلام: "إذا دخل أحدكم على أخيه عائداً، فليسأله يدعو له، فإنّ دعاءه مثل دعاء الملائكة"[3]، وفي رواية أُخرى عنه عليه السلام يحثّ على زيارة المريض طلباً لدعائه: "عودوا مرضاكم وسلوهم الدُّعاء، فإنّه يعدل دعاء الملائكة"[4].

 

- دعاء الغازي في سبيل الله تعالى: وفيه روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "ثلاثة دعوتهم مستجابة (...) والغازي في سبيل الله، فانظروا كيف تخلفونه..."[5].

 

- دعاء الحاجّ أو المعتمر حتّى يرجع: وهو قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ حَتَّى تُفَتَّحَ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وتَصِيرَ إِلَى الْعَرْشِ: الْوَالِدُ لِوَلَدِه، والْمَظْلُومُ عَلَى مَنْ ظَلَمَه، والْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَرْجِعَ، والصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ"[6].


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص17.

[2] المصدر نفسه، ج2، ص509.

[3] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص117.

[4] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج2، ص421.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص509.

[6] المصدر نفسه، ص510.


50

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

- دعاء الصائم حتّى يفطر: وقد عرفت الحال ممّا تقدَّم، ولعلَّ ذلك من مقتضيات قوله سبحانه في حديث قدسيّ مرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "الصوم لي، وأنا أجزي عليه"[1].

 

3- أزمنةٌ يستجاب فيها الدُّعاء

أ- جوف الليل: عن نوف البكاليّ في حديث، قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه، وقال لي: "يا نوف، إنّ داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال: إنّها ساعة لا يدعو فيها عبد إلّا استجيب له"[2]. وعن الإمام الصادقعليه السلام: "كان فيما ناجى الله به موسى بن عمران عليه السلام أن قال له: يا بن عمران، كذب من زعم أنَّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه؟ ها أنا يا بن عمران مطّلع على أحبّائي، إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم في قلوبهم، ومثُلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة، ويكلّموني عن الحضور. يا بن عمران، هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينيك الدموع، وادعني في ظلم الليل، فإنّك تجدني قريباً مجيباً"[3].

 

ب- بين الطلوعين: عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي


 

[1] المصدر نفسه، ج4، ص63.

[2] الحرّ العامليّ، هداية الأمّة إلى أحكام الأئمة عليهم السلام، ج3، ص110.

[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص438.


51

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

طالب عليه السلام: "أجيبوا داعي الله، واطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإنّه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض، وهي الساعة التي يقسّم فيها الرزق بين عباده... توكّلوا على الله عند ركعتي الفجر إذا صلّيتموها، ففيها تُعطون الرغائب"[1].

 

وعن الإمام أبي جعفر عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ من عباده المؤمنين كلّ دعاء، فعليكم بالدعاء في السحر إلى طلوع الشمس، فإنّها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وتقسم فيها الأرزاق، وتقضى فيها الحوائج العظام"[2].

 

ج- قبل طلوع الشمس وقبل الغروب: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا كان قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء واجتهد، ولا يمنعك من شيء تطلبه من ربّك، ولا تقل: هذا ما لا أعطاه، وادعُ فإنّ الله يفعل ما يشاء"[3].

 

د- بعد الصلوات المكتوبة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أدّى لله مكتوبة، فله في أثرها دعوة مستجابة"[4]، وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى فرض الصلوات في أفضل الساعات، فعليكم بالدعاء في أدبار الصلوات"[5].


 

[1] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص615.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص68.

[3] المصدر نفسه، ص34.

[4] الحرّ العامليّ، هداية الأمّة إلى أحكام الأئمة عليهم السلام، مصدر سابق، ج3، ص183.

[5] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص110.


52

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

هـ- يوم الجمعة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ يوم الجمعة سيّد الأيّام، يضاعف الله عزّ وجلّ فيه الحسنات، ويمحو فيه السيّئات، ويرفع فيه الدرجات، ويستجيب فيه الدعوات"[1].

 

و- الدعاء وقت السّحر: فقد روى أبو الصباح الكنانيّ عن أبي جعفرعليه السلام قال: "إنّ الله عزّ وجلّ يجيب (يحب) من عباده (المؤمنين) كلّ (عبد) دعّاء، فعليكم بالدعاء في السّحر إلى طلوع الشّمس، فإنّه ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وتقسم فيها الأرزاق، وتقضى فيها الحوائج العظام"[2].

 

4- نماذج من الدعوات التي لا تُستجاب

قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "أَرْبَعَةٌ لَا تُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ: رَجُلٌ جَالِسٌ فِي بَيْتِه يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَه: ألَمْ آمُرْكَ بِالطَّلَبِ..."[3]. وقد عرفت بأنَّ الاستجابة للعاطل الكسول المجافي للعمل يلزم منها رفع الفروقات بين العامل وغير العامل، وهو ممنوع، كما هو واضح.

 

فما مثل الدَّاعي بلا عمل ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾[4], وقد ورد عن عمر بن يزيد أنَّه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رَجُلٌ قَالَ لأَقْعُدَنَّ فِي بَيْتِي ولأُصَلِّيَنَّ ولأَصُومَنَّ


 

[1] الشيخ المفيد، المقنعة، مصدر سابق، ص153.

[2] ابن فهد الحليّ، عدّة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح أحمد الموحدي القمي وجداني، قم، لا.ت، لا.ط، ص46.

[3] المصدر نفسه، ج2، ص511.

[4] سورة الرعد، الآية 14.


53

المحاضرة السادسة: صور استجابة الدُّعاء ووسائله

ولأَعْبُدَنَّ رَبِّي، فَأَمَّا رِزْقِي فَسَيَأْتِينِي، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليه السلام: "هَذَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"[1].

 

وورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "إنّ الله يرحم عصاة أمّتي في الليلة المباركة - ليلة القدر -... إلّا ثمانية نفر: المشرك، والكاهن، والساحر، والعاقّ، وآكل الربا، ومدمن الخمر، والزاني، والماجن"[2].

 

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص77.

[2] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج13، ص109.


54

المحاضرة السابعة : المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

المحاضرة السابعة: المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

 

 

الهدف:

التعرّف إلى بعض خصائص شهر رمضان في خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا سيّما المغفرة والرحمة في شهر رمضان.

 

المحاور الرئيسة:

1- معنى الرحمة والمغفرة.

2- خصائص شهر رمضان في خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

3- آثار حرمان غفران الله في شهر رمضان.

4- كيف نستنزل رحمة الله تعالى؟.

 


55

المحاضرة السابعة : المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

عن أميرِ المؤمنين عليه السلام قال: "إنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم خطبنا ذاتَ يومٍ فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ!إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ..."[1].

 

1- معنى الرحمة والمغفرة[2]

أ- الرحمة: في الذهنيّة الراكدة تعني انتظار هذه الرحمة لتهبط من السماء،لإنقاذ المسلمين ممّا يعانونه. أمّا المعنى الواعي التغييري للرحمة هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3] رحمة الله لا تنزل على الأمة إلاّ حين تلتزم بالرسالة، وتؤدّي ما عليها من واجبات. فالرحمة يجب أن يسبقها إطاعة الله والرسول. والإطاعة تتجلّى في المؤمنين الذين يحكّمون الرسالة في أمورهم: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾[4].

 

ب- الغفران: في الذهنيّة الراكدة أن تنتظر غفران الله بالدعاء والتضرّع فقط. أمّا الغفران فإنّه يعني معالجة هذا الجرح وإزالة آثاره. هذا هو الغفران. ويجري هذا بتلافي ما أنزله الذنب

 

[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص 77.

[2] ينظر: الإمام الخامنئيّ، مشروع الفكر الإسلاميّ في القرآن، المحاضرة الأولى، ص 38 - 41، ترجمة أ.د. محد علي آذرشب، مؤسّسة صهبا، كانون لثاني 2017ه (بتصرف).

[3] سورة آل عمران، الآية 132.

[4] سورة النساء، الآية 65.


56

المحاضرة السابعة : المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

في الروح من انتكاس، ودفعها نحو السموّ والارتفاع (من جهة العبد). أمّا بالنسبة لرب ّالعالمين فهو"الغفار" ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[1].

 

2- خصائص شهر رمضان في خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

إنّ مراجعة الخطبة النبويّة في بداية شهر رمضان الكريم، تُبيّن أنّ لهذا الشهر الكثير من الخصائص العظيمة التي تحتاج إلى الكثير من البحث والعناية والاهتمام، ونحن سنختار بعض هذه الخصائص التي تناسب المغفرة في هذا الشهر العظيم، فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "أَيُّهَا النَّاسُ!إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ"[2].

 

وفي هذا النصّ عدّة خصائص، هي:

أ- أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ: في العادة الإنسان هو المقبل في العبادة، هو يقبل على الصلاة وغير ذلك من العبادات، أمّا عن شهر رمضان، فإنّه يقول: قد أقبل إليكم ومن المعلوم أنّ إقبال الشيء على الشيء، فرع الاشتياق له وكأنّ شهر رمضان المبارك يشتاق إلينا، ويتحيّن الفرصة للقائنا في هذه الأيام المباركة!..

 

ب- شَهْرُ اللهِ: شهر الله تعالى، وشهر القرآن كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[3].


 

[1] سورة طه، الآية 82.

[2] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص 77.

[3] سورة البقرة، الآية 185.


57

المحاضرة السابعة : المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

ج- بِالْبَرَكَةِ: يُقبل بالبركة بمعنى النماء والزيادة، والمفهوم من هذا التعبير، أنّ هذا الشهر يُقبل وهو يحمل هذه الأمور الثلاثة: البركة، والرحمة والمغفرة.

 

وميزة هذا الشهر أنك عندما تتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بصلاة ليل، أو صلاة جماعة، أو خمس واجب أو صدقة ما شابه ذلك، فإنّ هذا العمل سيزداد وينمو، ويبدو أنّ ذلك بشكل تصاعديّ حسب الأيام، وأعظمها العشرة الأواخر، وأعظم ما في هذه العشرة ليلة القدر.

 

د- وَالرَّحْمَةِ: وقد جاء في آيات القرآن بيان سعة رحمة الله تعالى ومن هذه الآيات: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾[1]. ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾[2]. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾[3].

 

وعمل الإنسان وحده لا يكفي، بل لا بدّ من أن تنضمّ له رحمة الله. قال رسول الله: "لن يدخل الجنة أحد إلّا برحمة الله"[4].

 

3- آثار الحرمان من غفران الله في شهر رمضان

أ- رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أدركه (شهر رمضان) فلم يغفر له فأبعده الله"[5].


 

[1] سورة غافر، الآية 7.

[2] سورة الأنعام، الآية147.

[3] سورة الأعراف، الآية156.

[4] الهيثميّ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلميّة، لبنان - بيروت، 1408ه - 1988م، لا.ط، ج10، ص356.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص67.


58

المحاضرة السابعة : المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

ب- عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الشقيّ من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم"[1].

 

ج- عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الشقيّ حقّ الشقيّ من خرج منه هذا الشهر ولم تغفر ذنوبه"[2].

 

د- عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "فمن لم يغفر له في رمضان ففي أيّ شهر يغفر له؟!"[3].

 

هـ- عنه صلى الله عليه وآله وسلم - لما صعد المنبر فقال: آمين: "أيّها الناس إنّ جبرئيل استقبلني فقال: يا محمّد من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فيه فمات فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين"[4].

 

و- عن الإمام الصادق عليه السلام: "من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى مثله من قابل إلّا أن يشهد عرفة"[5].

 

4- كيف نستنزل رحمة الله تعالى؟

الأساس في استنزال الرحمة هو طاعة الله ورسوله على مستوى الفرد والأمّة، وهناك أعمال ذكرت في الآيات والروايات نذكر منها:

أ- الاستغفار: قال تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[6].

 

ب- ذكر الله: فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "بذكر الله تستنزل الرحمة"[7].

 

ج- العفو عن الناس: فعنه عليه السلام: "بالعفو تستنزل الرحمة"[8].


 

[1] الريشهري، ميزان الحكمة،ج2، ص1118.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.

[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص107.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الانوار، مصدر سابق، ج93، ص342.

[5] المصدر نفسه، ج93، ص343.

[6] سورة النمل، الآية 46.

[7] علي بن محمّد الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص188.

[8] المصدر نفسه، ص189.


59

المحاضرة السابعة : المغفرة والرحمة في شهر رمضان المبارك

د- صلة الرحم: ولا سيّما في شهر رمضان ففي خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ الله بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ، قَطَعَ الله عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ"[1].

 

هـ- اتّباع القرآن والاستماع والإنصات له: قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[2]. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].

 

و- إقامة الصلاة، إيتاء الحقوق الماليّة، إطاعة الرسول: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[4].

 

ز- الإصلاح بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[5].

 

[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص 78.

[2] سورة الأنعام، الآية155.

[3] سورة الأعراف، الآية 204.

[4] سورة النور، الآية56.

[5] سورة الحجرات، الآية10.


60

المحاضرة الثامنة : الالتزام بالحكم الشرعيّ

المحاضرة الثامنة: الالتزام بالحكم الشرعيّ

 

 

الهدف:

يفهم مصدر الأحكام الشرعيّة وفلسفتها، وأنّ التكليف يسير والثواب جزيل.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- مصدر الأحكام الشرعيّة

2- التسليم والانقياد

3- الحكم الشرعيّ، مصالح ومفاسد

4- التكليف يسير والثواب جزيل

5- بعض الأحكام من دعائم الإسلام


61

المحاضرة الثامنة : الالتزام بالحكم الشرعيّ

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾[1].

 

1- مصدر الأحكام الشرعيّة

خلق الله الإنسان كائناً اجتماعيّاً بطبعه، ليسير نحو التكامل، وصولاً إلى السعادة بالتعاون مع بني جنسه، ونتيجة اختلاف الرغبات والأمزجة وتنوّع الحاجات والقوى والأذواق، كان لا بدّ من قانون عادل يُقنّن حياتهم، ويمنع التنازع والفتن، ويحقّق الغاية المنشودة من الخلق. ولا يضع القانون إلّا الخالق للإنسان والعالم بحاله وتفاصيله، والمنزّه عن كلّ حاجة أو غاية أو ميل، وهو الله تعالى الذي وضع الأحكام وأرسل الرسل، وآخرهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

 

قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[2].

 

وقال أيضاً: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾[3].

 

وفي زمن الغيبة، إذ يتعذّر أخذ التكليف من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف مباشرةً، أرجعنا الإمام إلى الفقيه الجامع للشرائط.


 

[1] سورة النساء، الآية 59.

[2] سورة النجم، الآيات 3-5.

[3] سورة الرعد، الآية 7.


62

المحاضرة الثامنة : الالتزام بالحكم الشرعيّ

عن الإمام صاحب الزمان عليه السلام: "وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللَّه عليهم"[1].

 

2- التسليم والانقياد

ينبغي على للمكلّف أن يلتزم بالأحكام الشرعيّة ويؤدّيها على أكمل وجه، لأنّ فيها مصلحة الإنسان والله تعالى غنيّ عنّا:

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خلق الخلق حين خلقهم غنيّاً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه"[2].

 

عن أمير المؤمنين عليه السلام، مخاطباً الله سبحانه: "لم تخلق الخلق لوحشة، ولا استعملتهم لمنفعة... ولا ينقض سلطانك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك"[3].

 

ولا يؤدّي الإنسان حقّ العبوديّة حتّى يسلّم إلى الله تعالى ورسوله وأولي الأمر في التكاليف، وينقاد إليه الانقياد التام:

قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾[4].

 

فهذه الآية تبيّن علامات الإيمان الراسخ، وذلك في مراحل ثلاث:

 

 

 

[1] الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1395ه‏، ط2، ج2، ص484.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 303.

[3] المصدر نفسه، ص 158.

[4] سورة النساء، الآية 65.


63

المحاضرة الثامنة : الالتزام بالحكم الشرعيّ

الأولى: الاحتكام إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحكمه هو حكم الله تعالى.

الثانية: عدم الشعور بالانزعاج والحرج من حكمه.

الثالثة: أن يطبّق المسلم المؤمن هذه الأحكام تطبيقاً تامّاً، ويسلّم تسليماً كاملاً أمام الحقّ.

 

في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "... فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكم فلم يُقبل منه، فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله..."[1].

 

3- الحكم الشرعيّ، مصالح ومفاسد

إنّ للإنسان غاية من وجوده في الحياة الدنيا، وما الأحكام والقوانين العمليّة التي جاء بها الرسل إلّا لتنظيم هذا الوجود وهذه الحياة، ولتخدم الغاية المنشودة من وجود الإنسان، ألا وهي السعادة الأخرويّة. لذا، فإنّ هذه الأحكام قائمة على أساس المصالح والمفاسد والحسن والقبح، وهي الصراط الذي يوصل من يلتزم به إلى الجنّة والنعيم، ويجعل المتخلّف عنه مستحقّاً للنار والجحيم.

 

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أيّها الناس، والله، ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلّا وقد أمرتكم به"[2].

 

عن الإمام عليّ عليه السلام: "إنّه - يعني الله سبحانه - لم يأمرك إلّا بحَسن، ولم ينهك إلا عن قبيح"[3].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي،مصدر سابق، ج1، ص 67.

[2] المصدر نفسه، ج2، ص 74.

[3] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 396.


64

المحاضرة الثامنة : الالتزام بالحكم الشرعيّ

4- التكليف يسير والثواب جزيل

إذا أمعنّا النظر فيما كلّفنا الله تعالى به من أوامر ونواهي، وفيما أباحه لنا في الحياة الدنيا، نجد أنّ التكاليف الإلزاميّة قليلة جدّاً في قِبال المباحات، وقد وعد الله من أطاعه والتزم بتكاليفه بالثواب الجزيل.

 

عن الإمام عليّ عليه السلام: "اعلموا أن ما كلّفتم به يسير، وأنّ ثوابه كثير، ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يُخاف، لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه"[1].

 

وعنه أيضاً: "إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطعْ مُكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا: ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾[2],[3].

 

5- بعض الأحكام من دعائم الإسلام

إنّ الإسلام هو دين الله الذي اصطفاه لنفسه، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[4], وبه تبيان الأحكام من حلال وحرام، وأوامر ونواهٍ، فمن دخله سلِم، ومن

 

[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 425.

[2] سورة ص، الآية 27.

[3] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 481.

[4] سورة آل عمران، الآية 85.


65

المحاضرة الثامنة : الالتزام بالحكم الشرعيّ

عقله أمِن، ومن أخلّ بدعائمه خسِر، وفي الإسلام دعائم وأركان لا بدّ من العناية بها:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "بُني الإسلام على خمس: على أن يوحّد الله، وإِقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحجّ"[1].

 

عن الإمام الباقر عليه السلام: "بُني الإسلام على خمس دعائم: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت الحرام، والولاية لنا أهل البيت"[2].

 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "أثافي الإسلام ثلاث: الصلاة، والزكاة، والولاية، لا تصحّ واحدة منهنّ إلّا بصاحبتيها"[3].

 

 

[1] مسلم النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، لا. ت، لا. ط، ج1، ص35.

[2] الشيخ المفيد، الأمالي، مصدر سابق، ص 353.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص18.


66

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

 

الهدف:

التعرّف إلى فضل الصلاة وآثارها في وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام.

 

المحاور الرئيسة:

1- الوصايا الأربع المرتبطة بالصلاة.

2- العلل المرغِّبة في الصلاة؟


67

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "تَعَاهَدُوا اَمْرَ الصَّلَاةِ، وحَافِظُوا عَلَيْهَا، واسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنَّهَا ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾[1] أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾[2] وإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ[3] الْوَرَقِ، وتُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ[4]، وشَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّه بِالْحَمَّةِ[5] تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْه مِنَ الدَّرَنِ[6]، وقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ ولَا قُرَّةُ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ ولَا مَالٍ. يَقُولُ اللَّه سُبْحَانَه: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾[7], وكَانَ رَسُولُ اللَّه نَصِباً[8] بِالصَّلَاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَه بِالْجَنَّةِ لِقَوْلِ اللَّه سُبْحَانَه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[9] فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَه ويَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَه[10]"[11].

 

[1] سورة النساء، الآية 103.

[2] سورة المدثر، الآيتان 42-43.

[3] (حتّ) الرّجل الورق من الشجر حتّاً من باب مدّ أسقطه وأزاله، وتحاتّت الشّجرة تساقط ورقها.

[4] (الرّبق) وزان عنب جمع ربق بالكسر وزان حمل حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهم، وكلّ عروة ربقة.

[5] (الحمة) بفتح الحاء المهملة كلّ عين فيها ماء حارّ ينبع يستشفى بها الأعلاء.

[6] (الدّرن) محرّكة الوسخ. درن جلده وثوبه درن والحمام ينقي الدرن.

[7] سورة النور، الآية 37.

[8] (نصب) نصباً كتعب وزنا ومعنى فهو نصب.

[9] سورة طه، الآية 132.

[10] (يصبّر عليها نفسه) بالتثقيل أي يأمرها بالصّبر من صبّرته أي حملته على الصّبر بوعد الأجر.

[11] نهج البلاغة، مصدر سابق، 199 ومن كلام له عليه السلام كان يوصي به أصحابه، الصلاة، ص 316.


68

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

1- الوصايا الأربع المرتبطة بالصلاة

أ- (تَعَاهَدُوا اَمْرَ الصَّلَاةِ): أي جدّدوا العهد بها، ودقّقوا في شروطها وأدائها في أوقاتها المخصوصة، ولا تضيّعوها ولا تغفلوا عنها، لأنّها عماد الدّين، ومعراج المؤمنين، وقربان كلّ تقىّ ومؤمن نقيّ، وأوّل ما يحاسب به العبد إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت ردّ ما سواها. عن أمير المؤمنين عليه السلام ليس عمل أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من الصلاة فلا يشغلنّكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فإنّ الله عزّ وجلّ ذمّ أقواماً فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[1] يعني أنّهم غافلون استهانوا بأوقاتها"[2].

 

ب- (وحَافِظُوا عَلَيْهَا): أي على أوقاتها ورعاية آدابها وسننها وحدودها ومراسمها وشروطها وأركانها. وذلك امتثالاً لأمر الله في قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾[3]. ومن أهمّ مصاديق المحافظة عليها - بعد شدّة الاعتناء بإقامتها - هو اجتناب الظلم بأنواعه، بأن لا تعتدوا ولا تغشّوا ولا تخونوا ولا تكذبوا ولا تستغيبوا. إذ تكونون بارتكاب هذه الجرائم وأمثالها قد ضيّعتم أجر صلاتكم، فإنه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[4].

 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 412.

[2] سورة البقرة، الآية 238.

[3] سورة المائدة، الآية 27.

[4] سورة الماعون، الآيتان 4-5.


69

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

فلقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تُضَيِّعوا صَلاتَكُم فَإِنَّ مَن ضَيَّعَ صَلاتَهُ حُشِرَ مَعَ قارونَ وهامانَ، وكانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أن يُدخِلَهُ النّارَ مَعَ المُنافِقينَ، فَالوَيلُ لِمَن لَم يُحافِظ عَلى صَلاتِهِ وأداءِ سُنَّةِ نَبيِّهِ"[1].

 

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أُمَّتي عَلى أربَعَةِ أصناف: صِنفٌ يُصَلّونَ ولكِنَّهُم في صَلاتِهِم ساهونَ، فَكانَ لَهُمُ الوَيلُ، والوَيلُ اسمُ دَرَكَة مِن دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[2], وصِنفٌ يُصَلّونَ أحيانًا، ولا يُصَلّونَ أحيانًا، فَكان لَهُمُ الغَيُّ، والغَيُّ اسمُ دَرَكَة مِن دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾[3] وصِنفٌ لا يُصَلّونَ أبَدًا فَكانَ لَهُم سَقَرُ، وسَقَرُ اسمُ دَرَكَة مِن دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾[4] وصِنفٌ يُصَلّون أبَدًا وهُم في صَلاتِهِم خاشِعونَ، قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾[5].

 

ج- (واسْتَكْثِرُوا مِنْهَا): فإنّها خير موضوع فمن شاء أقلّ ومن شاء أكثر. عن أبي جعفر عليه السلام قال: "أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم رجل


 

[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا عليه السلام‏، تحقيق وتصحيح مهدي ‏اللاجوردي، نشر جهان‏، إيران - طهران‏، 1420ه‏، ط1، ج2، ص 31.

[2] سورة الماعون، الآيتان 4-5.

[3] سورة مريم، الآية 59.

[4] سورة المدثر، الآيتان 42-43.

[5] سورة المؤمنون، الآيتان 1-2.


70

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

فقال: ادع اللَّه أن يدخلني الجنّة فقال: أعنّى بكثرة السّجود"[1].

 

عن أبي جعفر العطّار قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: "جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللَّه كثرت ذنوبي وضعف عملي، فقال رسول اللَّه: أكثر السّجود فانّه تحتّ الذنوب كما تحتّ الرّيح ورق الشجر"[2].

 

د- (وتقرّبوا بها): إلى اللَّه سبحانه فانّها قربان كلّ تقيّ، عنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: "الصَّلَاةُ قُرْبَانُ[3] كُلِّ تَقِيٍّ"[4].

 

وفيه من ثواب الأعمال بإسناده عن موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السلام قال: "صلاة النّوافل قربان كلّ مؤمن"[5].

 

كما يدلّ عليه ما رواه في الكافي بإسناده عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليه السلام: "عَنْ أَفْضَلِ مَا يَتَقَرَّبُ بِه الْعِبَادُ إِلَى رَبِّهِمْ وأَحَبِّ ذَلِكَ إِلَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئاً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلَ مِنْ هَذِه الصَّلَاةِ، ألَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الصَّالِحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾[6],[7].

 

[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه‏، مصدر سابق، ج1، ص 210.

[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص 589.

[3] والقربان - بالضمّ -: ما تقرّبت به إلى اللَّه تعالى، تقول منه: قرّبت إلى اللَّه تعالى قرباناً.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص 265.

[5] الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال‏، مصدر سابق، ص 29.

[6] سورة مريم، الآية 31.

[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص 264.


71

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

2- العلل المرغّبة في الصلاة[1]

ولمّا أمر بتعاهدها ومحافظتها والتّقرّب بها عقّب عليه السلام ذلك وعلَّله بوجوه مرغبة، وهي:

أ- قوله: فَإِنَّهَا ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، وفي الكافي بإسناده عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام قَوْلُه تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ قَالَ عليه السلام: "كِتَاباً ثَابِتاً ولَيْسَ إِنْ عَجَّلْتَ قَلِيلاً أَوْ أَخَّرْتَ قَلِيلاً بِالَّذِي يَضُرُّكَ مَا لَمْ تُضَيِّعْ تِلْكَ الإِضَاعَةَ فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِقَوْمٍ: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾[2].

 

ب- قوله: (أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ): والاستفهام للتقرير بما بعد النّفي، أو للتوبيخ والتقريع، والغرض منه تنبيه المخاطبين إلى أنّ ترك الصلاة يوجب دخول النار، وسخط الجبّار، ليتحرّزوا من تركها، ويحافظوا عليها.

 

ج- قوله: (وإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ[3] الْوَرَقِ) أي تسقطها من الرّقاب سقوط الأوراق من الأشجار. كما وقع التّصريح به في رواية الوسايل من مجالس ابن الشّيخ، بإسناده عن سلمان الفارسيّ قال: كنّا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في ظلّ شجرة فأخذ


 

[1] التي من أجلها أوصى الإمام بالعناوين الأربعة.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص 270.

[3] (حتّ) الرّجل الورق من الشجر حتّاً من باب مدّ أسقطه وأزاله، وتحاتّت الشّجرة تساقط ورقها.


72

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

غصنا منها، فنفضه، فتساقط ورقه فقال: "ألا تسألونني عمّا صنعت؟" فقالوا: أخبرنا يا رسول اللَّه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاتّت خطاياه كما تحاتّت ورق هذه الشجرة"[1].

 

د- ما أشار إليه بقوله (وقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): وفيه عن محمّد بن العبّاس، عن محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود، قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام، في قول اللَّه عزّ وجلّ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ الآية قال: "بيوت آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وسلَّم بيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر عليهم السّلام، قلت: بالغدوّ والآصال، قال: الصّلاة في أوقاتها،..."[2].

 

هـ- إنّ في المحافظة على الصلاة أسوة بالنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: فلقد "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم نصباً بالصلاة"، أي تعباً بها كلّ التعب. حتّى روى أنّه كان يصلَّى اللَّيل كلَّه ويعلَّق صدره بحبل حتّى لا يغلبه النّوم فعاتبه اللَّه على ذلك وأنزل عليه ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾[3] وأمره بأن يخفّف على نفسه وذكر أنّه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كلّ هذا التّعب.


 

[1] الهاشمي الخوئي، الميرزا حبيب الله‏، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة وتكملة منهاج البراعة، ترجمة: حسن حسن زاده الآملي، ومحمّد باقر كمرئي، تحقيق وتصحيح: إبراهيم ميانجي، ‏المكتبة الإسلامية، إيران - طهران، 1400ه‏، ط4، ج 12، ص327.

[2] المصدر نفسه، ص 329.

[3] سورة طه، الآيتان 1-2.


73

المحاضرة التاسعة: معراج المؤمن

و- وقوله: "بعد التبشير له بالجنّة" إشارة إلى أنّه لم يكن مواظبته على الصّلاة شوقاً إلى الجنّة ولا خوفاً من النّار بل قد كان نصباً بها مع وجود تلك البشارة متحملاً كلّ التعب امتثالا لقول اللَّه سبحانه وأمره له بالصبر عليها في سورة طه حيث قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾[1].

 

 

[1] سورة طه، الآية 132.


74

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

 

 

 

الهدف:

التعرّف إلى معاني النفس ومراتبها في القرآن الكريم.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- معاني النفس في القرآن الكريم

2- مراتب النفس وأقسامها في القرآن الكريم

3- الصراع مع الأهواء

 


75

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "وَأَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللهِ، فَتُؤَدِّيَ إِلَى لِسَانِكَ حَقَّهُ، وَإِلَى سَمْعِكَ حَقَّهُ، وَإِلَى بَصَرِكَ حَقَّهُ، وَإِلَى يَدِكَ حَقَّهَا، وَإِلَى رِجْلِكَ حَقَّهَا، وَإِلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ، وَإِلَى فَرْجِكَ حَقَّهُ وَتَستَعِينُ بِاللهِ عَلَى ذَلِكَ"[1].

 

1- معاني "النفس" في القرآن الكريم

أشار القرآن الكريم إلى عدّة معانٍ للنفس، أبرزها:

أ- النفس هي الروح، يقول الله في كتابه المجيد: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[2].

 

ب- النفس هي الذات البشريّة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾[3].

 

ج- النفس هي القلب والباطن، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾[4], ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾[5].

 

2- مراتب النفس وأقسامها في القرآن الكريم

وفيما يلي نشير إلى مراتب النفس وأقسامها في القرآن الكريم:


 

[1] ابن شعبة الحرانيّ، الحسن بن عليّ، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ، إيران - قمّ، 1404ه‏، ط2، ص 256.

[2] سورة الزمر، الآية 42.

[3] سورة البقرة، الآية 48 والآية 123.

[4] سورة الأعراف، الآية 205.

[5] سورة يوسف، الآية 77.


76

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

أ- النفس الأمّارة: سُمّيت بـِ "الأمّارة"، لأنّها تأمر الإنسان بالاستجابة إلى ميولها ورغباتها، وهي تُعدّ أخطر المراحل وأكثرها تهديداً لاستقامة الإنسان، حيث إنّها تدفع صاحبها إلى فعل السوء، وتجرّه إلى الانحراف والسقوط.

 

جاء في القرآن الكريم في قصّة النبيّ يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾[1].

 

وجاء في آية أُخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى*  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾[2].

 

وقد ورد الحديث عن النفس الأمّارة في روايات أهل العصمة، وبيّنوا آلية التعامل معها:

ب- نهي النفس عن اتّباع الأهواء: عن الإمام عليّ عليه السلام: "النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة حسن الأدب، والنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، يجهدها بردّها عن سوء المطالبة، فمتى أطلق عنانها فهو شريك في فسادها، ومن أعان نفسه في هوى نفسه فقد أشرك نفسه في قتل نفسه"[3].

 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "أَقْصِرْ نَفْسَكَ عَمَّا يَضُرُّهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُفَارِقَكَ، وَاسْعَ فِي فَكَاكِهَا كَمَا تَسْعَى فِي طَلَبِ مَعِيشَتِكَ، فَإِنَّ نَفْسَكَ رَهِينَةٌ بِعَمَلِكَ"[4].


 

[1] سورة يوسف، الآية 53.

[2] سورة النازعات، الآيتان 40 - 41.

[3] الطبرسيّ، الشيخ عليّ بن الحسن‏، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، المكتبة الحيدريّة، العراق - النجف، 1385ه‏، ط2، ص 247.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 455.


77

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

ج- مجاهدة النفس ومخالفتها: عن الإمام عليّ عليه السلام: "أفضل الجهاد مجاهدة المرء نفسه"[1].

 

وعنه عليه السلام أيضاً: "خالف نفسك تستقم، وخالط العلماء تعلم"[2]. وقال أيضاً: "من قوي على نفسه تناهى في القوّة"[3].

 

د- التغلّب عليها: عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الشديد ليس من غلب الناس، ولكنّ الشديد من غلب نفسه"[4].

 

وجاء في السيرة أنّه: "مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم فيهم رجل يرفع حجراً، يُقال له "حجر الأشدّاء"، وهم يعجبون منه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا؟

قالوا: رجل يرفع حجراً، يقال له حجر الأشدّاء.

 

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أفلا أخبركم بما هو أشدّ منه؟ رجل سبّه رجل فحلم عنه، فغلب نفسه وغلب شيطانه وشيطان صاحبه"[5].

 

هـ- النفس اللوّامة: في قِبال النفس الأمّارة ثمّة بُعدٌ آخر للنفس، وهو النفس اللوّامة، وهي النفس التي تلوم صاحبها على ارتكابه الخطيئة والذنب، وهي ما يُعرف بعذاب الضمير، حيث يمثّل الضمير القانون الأخلاقيّ في أعماق الإنسان، والذي يعبّر عنه القرآن الكريم بالنفس اللوّامة وهو جزء من التكوين البشريّ

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 455.

[2] التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح السيّد مهدي رجائي‏، نشر دار الكتاب الإسلاميّ‏، إيران- قم‏، 1410ه‏، ط2، ص 364.

[3] المصدر نفسه، ص 603.

[4] ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى‏، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام‏، مكتبة الفقيه‏، إيران - قم، 1410ه‏، ط1، ج 2، ص 10.

[5] المصدر نفسه.


78

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

أودعه الله - عزّ وجلّ - في الإنسان، وقد ورد ذكرها في كتاب الله العزيز في سياق القَسَم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾[1].

 

وقد جاء في تفسير الآية: "يعني أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس اللوّامة"[2].

 

ورد في الأخبار: كان عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام في الطواف فنظر في ناحية المسجد (الحرام) إلى جماعة فقال: "ما هذه الجماعة؟"

 

فقالوا: هذا محمّد بن شهاب الزهري اختلط عقله، فليس يتكلّم، فأخرجه أهله لعلّه إذا رأى الناس أن يتكلّم.

 

فلمّا قضى عليه السلام طوافه خرج حتّى دنا منه، فلمّا رآه محمّد بن شهاب فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: "ما لك؟"

 

قال (الزهريّ): وليت ولاية فأصبت دماً (حادثة قتل)، فدخلني ما ترى (من اليأس).

 

فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: "لأنا عليك من يأسك من رحمة الله أشدّ خوفاً منّي عليك ممّا أتيت".

 

ثمّ قال عليه السلام: "أعطهم الدية".

 

فقال الزهريّ: قد فعلت، فأبوا.

 

[1] سورة القيامة، الآيتان 1-2.

[2] راجع: القمّيّ، عليّ بن إبراهيم، تفسير القمّيّ، تحقيق وتصحيح الموسويّ الجزائريّ‏، دار الكتاب، إيران - قمّ، 1404ه‏، ط3، ج2، ص 396.


79

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

قال عليه السلام: "اجعلها صرراً ثمّ انظر مواقيت الصلاة فألقها في دارهم"[1].

 

و- النفس المطمئنة: ومن مراتب النفس ودرجاتها وأبعادها الطمأنينة، وهي ذروة الدرجات التي تبلغها النفس وقد جاء في القرآن الكريم ما يشير إلى هذه النفس: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[2].

 

إنّ حصول الطمأنينة للنفس لا يتحقّق لها إلّا بعد معاناة وصراع مع الغرائز والأهواء، فإذا انتصرت إرادة الإنسان المؤمن، فعصى ميولها وأهواءه، وأطاع الله وعبده، استكانت نفسه، فإذا هي آمنة مطمئنّة راضية مرضيّة.

 

جاء في تفسير الآية: "أيّتها النفس المطمئنّة بذكر الله الشاكرة لأنعم الله والصابرة على البلاء والمحن، ارجعي إلى ما وعدك الله من الكرامة، وأنتِ راضية بنعم الله".

 

وإنّ من أهمّ ما يترتّب على كون النفس الإنسانيّة نفساً مطمئنّةً هو اطمئنانُها عند الموت، حيث تعيش حالة من السكينة والهدوء والرضا والتسليم:

ورد أنّ سديراً الصيرفيّ قال: قلت لأبي عبد الله الصادقعليه السلام: جعلت فداك يا بن رسول الله، هل يُكره المؤمن على قبض روحه؟

 

قال عليه السلام: "لا والله، إنّه إذا أتاه ملك الموت ليقبض روحه

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج7، ص296.

[2] سورة الفجر، الآيات 27-30.


80

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

جزع عند ذلك، فيقول ملك الموت: لا تجزع، فوالذي بعث محمّداً بالحقّ، لأنا أبرُّ بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر".

 

قال عليه السلام: "ويمثّل له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ذريّتهم عليهم السلام فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة عليهم السلام رفقاؤك".

 

قال عليه السلام: "فيفتح عينيه فينظر، فينادي روحه منادٍ من قِبل ربّ العزّة، فيقول: "يا أيّتها النفس المطمئنّة إلى محمّد وأهل بيته، ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة بالثواب، فادخلي في عبادي - يعني محمّداً وأهل بيته - وادخلي جنّتي، فما شيء أحبّ إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي"[1].

 

3- الصراع مع الأهواء النفسيّة

إنّ الإنسان الذي ينشد الكمال، ينبغي عليه مواجهة أهوائه وعدم الخضوع والانقياد لها.

روي في بعض الأخبار أنّه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل اسمه مجاشع، فقال:

يا رسول الله، كيف الطريق إلى معرفة الحقّ؟


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص128.


81

المحاضرة العاشرة: حقّ النفس

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "معرفة النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى موافقة الحق؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "مخالفة النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى رضا الحقّ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "سخط النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى وصل الحقّ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "هجرة النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى طاعة الحقّ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "عصيان النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذكر الحقّ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "نسيان النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى قرب الحقّ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "التباعد من النفس".

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى أُنس الحقّ؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الوحشة من النفس". فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذلك؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الاستعانة بالحقّ على النفس"[1].

 

فبداية الطريق إلى الكمال عندما يبدأ الإنسان في تطهير النفس من الصفات الرذيلة والتحلّي بالأخلاق الحسنة.

 

[1] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، محمّد بن زين الدين، عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، تحقيق وتصحيح مجتبى العراقيّ، دار سيّد الشهداء للنشر، إيران - قمّ، 1405ه‏، ط1، ج1، ص 246.


82

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

المحاضرة الحادية عشرة : قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

 

 

الهدف:

التعرّف إلى آداب الزيارة والضيافة والحثّ عليها.

 

المحاور الرئيسة:

1- أهمّيّة الزيارة والضيافة

2- الآثار الأخرويّة لزيارة الإخوان

3- قيمة الضيافة في الإسلام

4- آداب الضيافة


83

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

يقول نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "من زار أخاه المؤمن إلى منزله لا حاجة منه إليه كتب من زوّار الله، وكان حقيقاً على الله أن يكرم زائره"[1].

 

1- أهمّيّة الزيارة والضيافة

الزيارة والضيافة أدبان هامّان من الآداب الاجتماعيّة التي حثّ عليها الإسلام، وحرص على تزاور المؤمنين واستقبال بعضهم بعضاً، ويزداد هذا الأمر أهمّيّة في شهر رمضان المبارك، إذ الحثّ على صلة الأرحام وتفقّد الفقراء والأيتام، إضافة إلى تصفية النفوس ورفع الضغائن ومسامحة الخصوم. لأنّ التزاور يعزّز أواصر الأخوّة والألفة والمحبّة، عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ أحبّكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون، وإنّ أبغضكم إلى الله المشّاؤون بالنميمة، والمفرّقون بين الإخوان"[2]، ويقول النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "الزيارة تنبت المودة"[3]، فمن آداب الإسلام المتفق على رجحانها في الشريعة أن يتزاور المؤمنون، عن الإمام عليّ عليه السلام: "لقاء الإخوان مغنم جسيم وإن قلّوا"[4].

 

2- الآثار الأخرويّة لزيارة الإخوان

عن نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم "من زار أخاه في بيته قال الله عزّ وجلّ له:

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج75، ص81، ح77.

[2] الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2، ص160.

[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج2، ب19، ح6.

[4] المصدر نفسه، ج74، ب21، ح16.


84

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

أنت ضيفي وزائري، عليّ قراك وقد أوجبت لك الجنة بحبّك إيّاه"[1].

 

ويروي الإمام الباقر عليه السلام عن آبائه عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حدّثني جبرائيل عليه السلام أنّ الله عزّ وجلّ أهبط إلى الأرض ملكاً، فأقبل ذلك الملك يمشي حتّى وقع إلى باب عليه رجل يستأذن على ربّ الدار. فقال له الملك: ما حاجتك إلى ربّ هذه الدار؟ قال: أخٌ لي مسلم زرته في الله تبارك تعالى: فقال له الملك: ما جاء بك إلّا ذاك؟ قال: ما جاء بي إلاّ ذاك. قال: فإنّي رسول الله إليك وهو يقرئك السلام ويقول: وجبت لك الجنّة، وقال الملك: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: أيّما مسلم زار مسلماً فليس إيّاه زار بل إيّاي زار وثوابه عليّ الجنة"[2].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من زار أخاه في الله قال الله عزّ وجلّ: إيّاي زرت وثوابك عليّ ولست أرضى لك ثواباً دون الجنة"[3].

 

3- قيمة الضيافة في الإسلام

ظاهرة الضيافة وإكرام الضيف تعزّز أواصر الأخوّة بين شرائح المجتمع المختلفة، وقد حثّت عليها الأحاديث الشريفة وجعلت لها قيمة أخلاقيّة واجتماعيّة هامّة.

 

فهذا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "كلّ بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخله الملائكة"[4].

 

[1] المصدر نفسه، ج74، ب21، ح6.

[2] المصدر نفسه، ج59، ب23، ح39.

[3] المصدر نفسه، ج74، ب21، ح4.

[4] المصدر نفسه، ج75، ب93، ح14.


85

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "لا خير فيمن لا يضيّف"[1].

 

وهذا عليّ عليه السلام يحزن لعدم ورود الضيوف عليه، ففي الرواية "أنّه لما رُئي عليه السلام حزيناً فسُئل عن علته -: لسبع أتت لم يضف إلينا ضيف"[2].

 

ويقول نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عن الضيف: "الضيف ينزل برزقه ويرتحل بذنوب أهل البيت عليهم السلام"[3].

 

ويقول الإمام عليّ عليه السلام: "من أتاه الله مالاً فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة"[4].

 

4- الحثّ على إجابة دعوة المؤمن

كما ينبغي ألاّ نتعلّل من الذهاب وتلبية الدعوة بسبب بعد المسافة وغيرها من الأعذار والأسباب فقد ورد في الحديث الشريف: "أوصي الشاهد من أمّتي والغائب أن يجيب دعوة المسلم ولو على خمسة أميال فإنّ ذلك من الدين"[5].

 

واعتبر الإمام الصادق عليه السلام تلبية دعوة المؤمن من الواجبات فقال: "من الحقوق والواجبات للمؤمن على المؤمن أن يجيب دعوته"[6].


 

[1] الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج3، ص32.

[2] الريشهري، ميزان الحكمة ج4 ص1718.

[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ب93، ح14.

[4] المصدر نفسه، ج74، ب30، ح35.

[5] المصدر نفسه، ج72، ص447.

[6] المصدر نفسه.


86

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

5- آداب الضيافة

للضيافة آداب وأصول، بعضها يتعلّق بسلوك المضيّف، والآخر يرتبط بسلوك الضيف وفيما يلي أهمّها:

أ- استقبال الضيف، والاستبشار بقدومه، والترحيب به، والمباشرة بخدمته، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "إذا دخل عليك أخوك فأعرض عليه الطعام، فإن لم يأكل فأعرض عليه الماء، فإن لم يشرب فأعرض عليه الوضوء"[1].

 

ب- الاهتمام بالمعيار الدينيّ في الضيافة وأن يجلس إلى مأدبتك المؤمنون الأتقياء: يقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ولا تأكل إلّا طعام تقيّ ولا يأكل طعامك إلاّ تقيّ"[2]  وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تأكل طعام الفاسقين"[3]. ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: أيضاً: "أضف طعامك وشرابك من تحبّه في الله"[4].

 

ج- عدم التمييز في تلبية الدعوات بين الفقراء والأغنياء والمعيار الوحيد هو أن يكون الداعي إنساناً مؤمناً وتقيّاً: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أضف بطعامك من تحبّ في الله"[5].

 

جاء في سيرة الإمام الحسن عليه السلام أنه اجتاز على جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الأرض كِسَرات من الخبز، كانوا قد


 

[1] الشيخ الكليني، الكافي، ج6، ص275.

[2] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج74، ص86.

[3] المصدر نفسه، ج77، ب4، ح2.

[4] المصدر نفسه، ج75، ب93، ح15.

[5] المصدر نفسه، ج72، ص 452.


87

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

التقطوها من الطريق وهم يأكلون منها، فدعوه إلى مشاركتهم، فأجابهم إلى ذلك وهو يقول: "إنّ الله لا يحبُّ المتكبّرين" ولمّا فرغ من تناول الطعام دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم وأغدق عليهم[1].

 

د- على المُضيّف ألّا يستخدم ضيوفه في أيّ عمل يقول الإمام الصادق عليه السلام: "نهى رسول الله عن أن يستخدم الضيف"[2].

 

هـ- على المضيّف ألّا يتكلف لضيوفه ما لا يطيق، وألّا يشقّ على أسرته في الاستعداد للضيوف واستقبالهم: وقد جاء في سيرة الإمام عليّ عليه السلام أنّ أحدهم دعاه إلى منزله فاشترط عليه الإمام ثلاثة أشياء قائلاً: "لا تدخل عليّ شيئاً من خارج ولا تدّخر عليّ شيئاً في البيت ولا تجحف بالعيال"[3]. وعندما وافق الرجل لبّى الإمام عليه السلام دعوته. ونهى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن التكلّف للضيف حتّى لا يؤدّي ذلك إلى بغضه "لا تكلّفوا للضيف فتبغضوه فإنّ من أبغض الضيف فقد أبغض الله ومن أبغض الله فقد أبغضه الله"[4].

 

و- على المضيّف أن يكون هو البادئ في تناول الطعام يقول الإمام الصادق عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أكل مع القوم أوّل


 

[1] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج4، ص24.

[2] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، 75، ب41، ح49.

[3] المصدر نفسه، 75، ب91، ح4.

[4] الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، مصدر سابق، ج3، ص31.


88

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

من يضع يده مع القوم وآخر من يرفعها لأنْ يأكل القوم"[1]. إنّ هذه الخطوة من قبل المضيّف تنسجم مع نفسيّة الضيف الذي قد يخجل أن يكون البادئ.

 

وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "من أحبّ أن يحبّه الله ورسوله فليأكل مع ضيفه"[2].

 

ز- ومن الآداب الاجتماعيّة: في هذا المضمار أن يقوم المضيف بمرافقة ضيوفه إلى باب الدار عند انصرافهم. يقول نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ من سنّة الضيف أن يُشيَّع إلى باب الدار"[3].

 

ولهذا ينبغي حثّ الناس على الاهتمام بالأمور التالية:

- إكرام المؤمن بل المسلم أيضاً بتلبية دعوته، وعدم الاقتصار على الحضور والمشاركة عند طبقة اجتماعيّة خاصّة: يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتسميت العاطس"[4].

 

- تكريس ثقافة التزاور والضيافة والاستضافة لأنّها من باب تكريم المؤمن، وإدخال السرور على قلبه بلا فرق بين الزائر والمزور، أو بين الضيف والمضيف.

 

- الاهتمام بالحضور والمشاركة في المناسبات الخاصّة في الأفراح والأتراح عند إخواننا وأبناء مجتمعنا - خصوصاً في المدن -

 

[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج75، ب91، ح22.

[2] ورّام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر، مصدر سابق، ص435.

[3] المتقي الهندي، كنز العمال، مصدر سابق، ج 90، ص250.

[4] المصدر نفسه، ص 28.


89

المحاضرة الحادية عشرة :قيمة الزيارة والضيافة في شهر الله

بلا فرق بين المناسبات الدينيّة وغيرها مع مراعاة الضوابط الشرعيّة.

 

- الحرص على مراعاة آداب الضيافة عندما نكون في ضيافة الآخرين، أو يكون الآخرون في ضيافتنا.

 

- مراعاة قاعدة التعامل مع الناس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وُدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي اللَّه مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمَانِ أَلَا ومَنْ أَحَبَّ فِي اللَّه وأَبْغَضَ فِي اللَّه وأَعْطَى فِي اللَّه ومَنَعَ فِي اللَّه فَهُوَ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللَّه"[1].

 

 

[1] الشيخ الكافي، الكلينيّ، مصدر سابق،ج2، ص125.


90

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

 

 

الهدف:

معرفة حقوق اللسان وخطورته، وضرورة تجنّب آفات اللسان.

 

المحاور الرئيسة:

1- حقّ اللسان

2- ميّزات اللسان

3- آفات اللسان

 


91

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "وَأَمَّا حَقُّ اللِّسَانِ فَإِكْرَامُهُ عَنِ الخَنَا وَتَعْوِيدُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الأَدَبِ، وَإِجْمَامُهُ إِلّا لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلِّدينِ وَالدُّنْيَا وَإِعْفَاؤُهُ مِنَ الفُضُولِ الشَّنِعَةِ القَلِيلَةِ الفَائِدَةِ الَّتِي لا يُؤْمِنُ ضَرَرُهَا مَعَ قِلَّةِ عَائِدَتِهَا وَبُعْدِ شَاهِدِ العَقْلِ وَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَتَزَيُّنُ العَاقِلِ بِعَقْلِهِ حُسْنُ سِيرَتِهِ فِي لِسَانِهِ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ العَلِيِّ الْعَظِيمِ"[1].

 

1- حقّ اللسان

يبيّن الإمام السجّاد عليه السلام حقّ اللسان، فيقول:

"حقّ اللسان:

أ- إكرامه عن الخنا.

ب- وتعويده الخير.

ج- وترك الفضول الذي لا فائدة له.

د- والبرّ بالناس.

هـ- وحسن القول فيهم".

 

2-  ميّزات اللسان

إنّ اللسان من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان الذي يتمتّع بنعمة النطق والكلام والبيان، وله مِيزات عديدة، منها:


 

[1] ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول، مصدر سابق، ص256.


92

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

أ- أداة البيان والنطق: يقول تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾[1], والبيان يعني "الكشف عن الشيء"[2] وإزالة الغطاء والحجاب فهو يخبر عن باطن الإنسان ويعبّر عن مكنوناته بلسانه.

 

ب- اللسان أداة للمعرفة: عن الإمام محمّد الجواد عليه السلام: "المرء مخبوء تحت لسانه"[3]، فعندما يتكلّم الإنسان ويتحدّث في موضع ما يُعرف ما ينطوي عليه من العلم والمعرفة، وما ينطوي عليه من طبائع وأخلاق.

 

ج- سببٌ رئيسٌ في دخول الجنّة أو النار: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ضمن لي ما بين لحييه (شفتيه) وما بين رجليه ضمنت له الجنّة"[4].

 

وسُئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الأجوفان: الفم والفرج".

 

وروى الصحابي معاذ بن جبل: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنؤاخذ بما نقول؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ثكلتك أمّك يا بن جبل، وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم؟!"[5].

 

[1] سورة الرحمن، الآيتان 3-4.

[2] الراغب الأصفهانيّ، حسين بن محمّد، مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، بيروت، الدار الشامية، دمشق، 1412ه‏، ط1، ص 157.

[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص 447.

[4] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، معاني الأخبار، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ، إيران - قمّ، 1403ه‏، ط1، ص 411.

[5] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر‏، مصدر سابق، ج1، ص 105.


93

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

د- سبب استقامة القلب: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنّة رجل لا يأمن جاره بوائقه"[1].

 

3- آفات اللسان

إنّ لكلّ شيء آفة، وللسان آفات عديدة، نشير إلى بعضها:

أ- كلام المرء في ما لا يعنيه: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مِنْ حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"[2].

 

ب- الاستغراق في الأباطيل: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة، يُضحك بها جلساؤه، يهوي بها أبعد من الثريا"[3].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل[4]، وإليه أشار بقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾[5],[6].

 

ج- المِراء والجدل: يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تمارِ أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه"[7].


 

[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 253.

[2] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر‏، مصدر سابق، ج1، ص 107.

[3] المصدر نفسه، ص 111.

[4] أبو القاسم پاينده‏، دنياى دانش‏، نهج الفصاحة (الكلمات القصار للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)، إيران - طهران‏، 1424ه‏، ط4، ص274.

[5] سورة المدثر، الآية 45.

[6] الشيخ النراقي، جامع السعادات، تحقيق وتعليق السيد محمد كلانتر، تقديم الشيخ محمد رضا المظفر، دار النعمان للطباعة والنشر، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج2، ص141.

[7] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام‏، مصدر سابق، ج1، ص 108.


94

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

"لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المِراء، وإن كان محقّاً"[1].

 

د- التشدّق في الكلام: وهو التصنّع في الكلام، والخروج عن الوقار والأدب في الحديث، والحوار والتكلّف في كلّ ذلك.

 

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "شرار أمّتي الذين غذوا بالنعيم، يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدّقون في الكلام"[2].

 

هـ- الفحش: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم والفحش! فإنّ الله لا يحبّ الفحش والتفحّش"[3].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الجنّة حرام على كلّ فاحش أن يدخلها"[4].

 

و- الغناء: ورد في تفسير الآيتين الكريمتين: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾[5], ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾[6]  أنّ المراد بقول الزور هو الغناء، كما أنّ المقصود من لهو الحديث في الآية الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾[7] هو الغناء.

 

 

 

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج2، ص138.

[2] الفيض الكاشاني، المولى محمّد محسن، المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، صحّحه وعلّق عليه عليّ أكبر الغفاريّ، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، إيران - قم، لا.ت، ط2، ج5، ص214.

[3] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر‏، مصدر سابق، ج1، ص 110.

[4] المصدر نفسه.

[5] سورة الحج، الآية 30.

[6] سورة الفرقان، الآية 72.

[7] سورة لقمان، الآية 6.


95

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

ز- المزاح في غير وقته: المزاح الذي يخرج عن حدّه، ويتسبّب في إيذاء الآخرين مذموم لدى الشريعة الإسلاميّة:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تمارِ أخاك ولا تمازحه"[1].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لأمزح ولا أقول إلّا حقّاً"[2].

 

ومن مزاح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ امرأة عجوز التقته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تدخل الجنّة عجوز".

 

فبكت المرأة، فأوضح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ أهل الجنّة يصبحون شباباً، ومعنى هذا أنّه لا عجائز في الجنّة، بل فتيات شابّات، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾[3].

 

ح- السخرية والاستهزاء: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[4].

 

ط- فضح الأسرار: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الحديث بينكم أمانة"[5].

 

وورد أيضاً: "إنّ من الخيانة أن تحدّث بسرّ أخيك"[6].


 

[1] ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مصدر سابق، ص 49.

[2] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر‏، مصدر سابق، ج1، ص 111.

[3] سورة الواقعة، الآيتان 35 - 36.

[4] سورة الحجرات، الآية 11.

[5] الفيض الكاشاني، المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، مصدر سابق، ج5، ص 237.

[6] المصدر نفسه، ج5، ص 237.


96

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

ي- الكذب في الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ طهّر قلبي من النفاق، وفرجي من الزنا، ولساني من الكذب"[1].

 

وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمن يزني؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "قد يكون كذلك".

قال الرجل: المؤمن يسرق؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "قد يكون كذلك".

قال الرجل: يا رسول الله، المؤمن يكذب؟

 

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا، قال الله تعالى": ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾[2],[3].

 

وقال الإمام علي عليه السلام: "لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله وجدّه"[4].

 

وقال الإمام محمّد الباقر عليه السلام: "إنّ الكذب هو خراب الإيمان"[5].

 

ك. الغيبة: وهي من أشدّ آفات اللسان، وهي "ذكر الإنسان في غيبته بما يكره نسبته إليه، ممّا يعدّ نقصاً في العرف بقصد الانتقاص"[6].


 

[1] الفيض الكاشاني، المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، مصدر سابق، ج5، ص 241.

[2] سورة النحل، الآية 105.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 69، ص 263.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 340.

[5] المصدر نفسه، ص339.

[6] السيّد محمّد صادق الروحاني، منهاج الفقاهة، لا.ن، لا.م، 1418 - 1376 ش، ط4، ج2، ص20.


97

المحاضرة الثانية عشرة: حقّ اللسان

قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾[1].

 

4- حرمة الغيبة في السنّة

وعن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم والغيبة! فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، فإنّ الرجل قد يزني فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يُغفر له حتّى يغفر له صاحبه"[2].


 

[1] سورة الحجرات، الآية 12.

[2] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، مصدر سابق، ص 537.


98

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

 

 

الهدف:

استذكار أهمّيّة عفة البطن وتأثيره على النفس الإنسانية.

 

المحاور الرئيسة:

1- تأثيرات الغذاء في النفس

2- عفّة البطن

3- آثار كثرة الأكل

4- المعدة بيت الداء

5- تنبيهات وتوصيات

 


99

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "وَأَمَا حَقُ بَطْنِكَ فأَنْ لَا تَجْعَلَهُ وِعَاء لِقَلِيلٍ مِنَ الحَرَامِ وَلا لِكَثِيرٍ، وَأَنْ تَقْتَصِرَ لَهُ فِي الحَلالِ وَلا تُخْرِجَهُ مِنْ حَدِّ التَّقْوِيَةِ إِلَى حَدٍّ التَّهْوِينِ وَذَهَابِ الْمُرُوَّةِ وَضَبْطُهُ إِذَا هَمَّ بِالْجُوعِ وَالظَّمْإِ فَإِنَّ الشِّبَعَ الْمُنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ إِلَى التَّخَمِ مَكْسَلَةٌ وَمَثْبَطَةٌ وَمَقْطَعَةٌ عَنْ كُلِّ بِرٍّ وَكَرَمٍ وَأَنَّ الرِّيَّ الْمُنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ إِلَى السُّكْرِ مَسْخَفَةٌ وَمَجْهَلَةٌ وَمَذْهَبَةٌ لِلْمُرُوَّةِ"[1].

 

1- تأثيرات الغذاء في النفس

لا يترك الغذاء آثاره الإيجابيّة أو السلبيّة في بدن الإنسان فحسب، بل إنّ له آثاراً روحيّة ونفسيّة وأخلاقيّة في نفس الإنسان وهي آثار إيجابيّة أو سلبيّة ترتبط بطبيعة الحال بنوعيّة الغذاء ومصدره ونقاوته.

 

يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى لم يبِح أكلاً ولا شرباً إلّا لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلّا ما فيه الضرر والتلف والفساد"[2].

 

فالغذاء له إيجابيات وتأثيرات محمودة في الجسم والروح، وبعضه له آثار غير محمودة في الجسم والروح كذلك، ومن ذلك:

أ- تناول الدم: يقول الإمام الصادق عليه السلام حول حرمة تناول الدم

 

[1] ابن شعبة الحراني، تحف العقول، مصدر سابق، ص 258.

[2] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل،مصدر سابق، ج16، ص 165.


100

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

في بيان علّة التحريم: "ويسيء الخلق ويورث القسوة للقلب وقلّة الرأفة والرحمة ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده"[1].

 

ب- الخمر: يقول الإمام الصادق عليه السلام في آثار تناول الخمر: "إنّ مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروّته، ويحمله على أن يجسر على المحارم، من سفك الدماء، وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على محارمه"[2].

 

ومن أجل ذلك حرّم الإسلام تعاطي المسكِّرات والمشروبات الكحوليّة، وفي ذلك يقول الإمام السجّاد عليه السلام: "وأمَّا حقُّ بطْنِكَ فأنْ لا تجْعلَهُ وِعاءً لقليلٍ مِنَ الحرامِ ولا لكثيرٍ"[3].

 

2- عفّة البطن

حثّت الشريعة على عفّة البطن والفرج، وجاءت الروايات لتبيّن آثار ذلك، نذكر منها:

أ- أحبّ العفاف إلى الله: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّ العفاف إلى الله تعالى عفاف البطن والفرج"[4].

 

ب- أفضل العبادة: عن الإمام الباقر عليه السلام: "ما عُبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن وفرج"[5].


 

[1] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام‏، مصدر سابق، ج2، ص94.

[2] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج3، ص346.

[3] ابن شعبة الحراني، تحف العقول، مصدر سابق، ص 258.

[4] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر، مصدر سابق، ج2، ص30.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص79.


101

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

ج- أفضل الجهاد: عن الإمام الباقر عليه السلام، لرجلٍ قال له: قليل الصلاة قليل الصوم ولكن أرجو أن لا آكل إلّا حلالاً، ولا أنكح إلّا حلالاً، فقال عليه السلام: "وأيّ جهاد أفضل من عفّة بطن وفرج؟"[1].

 

د- أمارة على الخير من الله: عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا أراد الله بعبد خيراً، أعفّ بطنه وفرجه"[2].

 

3- آثار كثرة الأكل

إنّ لكثرة الأكل آثاراً غير محمودة في الإنسان، نذكر منها:

أ- تجلب المضرّة: عن الإمام عليّ عليه السلام: "كثرة الأكل والنوم يفسدان النفس ويجلبان المضرّة"[3].

 

ب- تضرّ بالقلب: عن الإمام الصادق عليه السلام: "ليس شيء أضرّ لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة لشيئين: قسوة القلب، وهيجان الشهوة"[4].

 

ويأتي في هذا السياق ضرورة الالتفات إلى أن لا يتحوّل شهر رمضان من شهر للقيام والعبادة إلى شهر لكثرة الأكل، وتنوّع أصناف الطعام والشراب والحلوى وغيرها، لما لذلك من آثار وأضرار.


 

[1] البرقيّ، المحاسن‏، مصدر سابق، ج1، ص292.

[2] التميميّ الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص 289.

[3] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل،مصدر سابق، ج5، ص119.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج63، ص 337.


102

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

ج- تكسل عن العبادة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم والبطنة، فإنّها مفسدة للبدن، ومورثة للسقم، ومكسلة عن العبادة"[1].

 

د- تمجّ الحكمة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "القلب يتحمّل الحكمة عند خلوّ البطن، القلب يمجّ الحكمة عند امتلاء البطن"[2].

 

هـ- تُعمي عن الصلاح: عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا مُلئ البطن من المباح، عُمي القلب عن الصلاح"[3].

 

و- تغضب الله: عن الإمام الباقر عليه السلام: "ما من شيء أبغض إلى الله من بطن مملوء"[4].

 

4- المعدة بيت الداء

أولت الشريعة الإسلاميّة مسألة الطعام والشراب أهمّيّة كبيرة، وقد اشتهر الحديث الذي يقول إنّ المعدة بيت الداء وإنّ الحِمية رأس الدواء.

 

وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[5].

طبيب هارون الرشيد

اشتهر الطبيب بختيشوع بسعة العلم، وكان طبيب هارون الخاصّ، وقد أشكل مرّة على القرآن الكريم لخلوّه من علم الطبّ، فقال له أحد علماء الإسلام: إنّ علم الطبّ في نصف آية وقرأ قوله تعالى:


 

[1] المصدر نفسه، ج 63، ص338.

[2] ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر‏، مصدر سابق، ج2، ص 119.

[3] التميميّ الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص291.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار،مصدر سابق، ج63، ص 331.

[5] سورة الأعراف، الآية 31.


103

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾[1], وقال نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم: "المعدة بيت الداء والحِمية رأس الدواء وأعطِ كلّ بدن ما عوّدته"[2].

 

فقال الطبيب النصرانيّ: "ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّاً"[3].

 

5- تنبيهات وتوصيات

أ- عدم الإكثار أو الإقلال من الطعام: يقول الإمام عليّ عليه السلام: "قلّة الأكل تمنع كثيراً من أعلال الجسم"[4].

 

وعنه عليه السلام أيضاً: "كثرة الأكل والنوم تفسد النفس وتجلب المضرّة"[5].

 

وجاء عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "الحمية رأس الدواء والمعدّة بيت الداء"[6].

 

ب- اجتناب الأكل بعد الشبع: يقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "الأكْلُ على الشّبعِ يُورِثُ البرصَ"[7].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تُمِيتُوا القلوبَ بِكثْرةِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فإنَّ القلوبَ تموتُ كالزَّرعِ إذا أكْثرَ عليهِ الماءُ"[8].


 

[1] سورة الأعراف، الآية 31.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 62، ص 123.

[3] المصدر نفسه.

[4] التميميّ الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص500.

[5] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 389.

[6] الطبرسيّ، الشيخ الحسن بن الفضل‏، مكارم الأخلاق‏، انتشارات الشريف الرضي‏، إيران - قم، 1412ه‏، ط4، ص 362.

[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص 269.

[8] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص 150.


104

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

ج- التوقّف عن الطعام حال الاشتهاء: عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا ترفع يدك من الطعام إلّا وأنت تشتهيه، فإن فعلت ذلك فأنت تستمرئه"[1].

 

د- اجتناب لقمة الحرام: عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أكلَ لُقْمَةَ حرامٍ لمْ تُقبَلْ لهُ صلاةٌ أربعينَ ليلةً ولمْ تُستجبْ لهُ دعوةٌ أربعينَ صباحاً وكُلُّ لحْمٍ يُنْبِتُهُ الحرامُ فالنَّارُ أوْلى بهِ"[2].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أكل الحلال: "منْ أكلَ الحلال أربعين يوماً نوّر الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"[3].

 

هـ- سرّ السلامة والعافية: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أكلَ الطَّعامَ على النَّقاءِ وأجادَ الطَّعامَ تمضُّغاً وتركَ الطَّعامَ وهو يشْتهِيهِ ولمْ يحْبِسِ الغائِطَ إذا أتاهُ لمْ يمْرَضْ إلا مَرَضَ الموْتِ"[4].

 

[1] ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مصدر سابق، ص 172.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 63، ص 314.

[3] النراقيّ، الشيخ محمّد مهدي، جامع السعادات، مصدر سابق، تحقيق وتعليق السيد محمد كلانتر، تقديم الشيخ محمد رضا المظفر، دار النعمان للطباعة والنشر، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج2، ص136.

[4] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، مصدر نفسه، ص 146.


105

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

 

 

الهدف:

التعرّف إلى أهمّيّة السمع دوره في تكامل النفس الإنسانية، وما يجب أن ينزّه السمع عنها.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- دور السمع في تكامل الإنسان

2- السمع السيّء

3- السمع الحسن

4- نزّه سمعك عن الغناء

 


106

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "وَأَمَّا حَقُ السَّمْعِ فَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقاً إِلَى قَلْبِكَ، إِلّا لِفَوْهَةٍ كَرِيمَةٍ تُحْدِثُ فِي قَلْبِكَ خَيْراً أَوْ تُكْسِبُ خُلُقاً كَرِيماً، فَإِنَّهُ بَابُ الكَلامِ إِلَى القَلْبِ يُؤَدَّى بِهِ ضُرُوبُ المَعَانِي عَلَى مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ"[1].

 

1- دور السمع في تكامل الإنسان

تُعدّ حاسّة السمع إحدى أهمّ الطرائق والوسائل التي يتلقّى الإنسان فيها المعرفة حيث يستمع إلى الكلام ثمّ يستيقن.

 

قال الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾[2].

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "أيّها السائل، استمع ثمّ استفهم ثمّ استيقن ثمّ استعمل"[3].

 

الاستماع أوّلاً ثمّ الإدراك ثمّ الاعتقاد، وبعد ذلك التطبيق والعمل.

 

ومن هذا النصّ نفهم أنّ مفتاح الباب الذي يفضي إلى المعرفة والعلم هو السمع ولذا يمكن القول إنّ القوّة السمعيّة تمثّل الحسّ الاجتماعيّ العامّ وبالتالي فهي أشرف من القوّة البصريّة.


 

[1] ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مصدر سابق، ص 257.

[2] سورة الملك، الآية 23.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 456.


107

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

وقد ورد في خصوص شهر رمضان تأكيد اجتناب ما لا يجوز سماعه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "وغضّوا ... عمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم"[1].

 

2- السمع السيّء

بيّن الروايات والأحاديث نوعين من الاستماع، سيّْ وحسن، فينبغي تعويد الأذن على حسن الاستماع، ومنعها عن سوء الاستماع. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "عوّد أذنك حسن الاستماع، ولا تصغِ إلى ما لا يزيد في صلاحك"[2].

 

فالأوّل، وهو السمع السيّء، ونذكر من مصاديقه:

أ- سماع الغيبة: عن الإمام عليّ عليه السلام: "سامع الغيبة أحد المغتابين"[3].

 

ب- سماع الهجر من القول: عن الإمام عليّ عليه السلام: "سامع هجر القول شريك القائل"[4].

 

ج- سماع الغناء: قال رجل للإمام الصادق عليه السلام: إنّ لي جيراناً، ولهم جوارٍ يتفيّئن ويضربن بالعود، فربّما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعاً منّي لهنّ...


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.

[2] التميميّ الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص 457.

[3] المصدر نفسه، ص 400.

[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 284.


108

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

فقال الإمام الصادق عليه السلام: "تالله أنت! أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾[1],[2].

 

د- سماع كلّ محرّم: عن الإمام الصادق عليه السلام: "فرض على السمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرم الله، أن يعرض عمّا لا يحلّ له، ممّا نهى الله عزّ وجلّ عنه، والإصغاء إلى ما أسخط الله عزّ وجلّ، فقال عزّ وجلّ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾[3],[4].

 

هـ- استماع اللغو: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾[5].

 

و- أن لا يتتبّع ما لا يعلمه ولا يعنيه: قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾[6].


 

[1] سورة الإسراء، الآية 36.

[2] الفيض الكاشاني، محمّد بن مرتضى‏، تفسير الصافي‏، تحقيق وتصحيح حسين الأعلميّ، مكتبه الصدر‏، إيران - طهران، 1415ه‏، لا.ط، ج 3، ص 192.

[3] سورة النساء، الآية 140.

[4] راجع: الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 35.

[5] سورة القصص، الآية 55.

[6] سورة الإسراء، الآية 36.


109

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

فينبغي للمكلّف أن يكرم نفسه وسمعه، بأن لا يستمع إلى ما حرّمه الله تعالى، وأن يكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾[1].

 

3- السمع الحسن

أمّا النوع الثاني من السمع، فهو النوع الحسن، والذي يجب تعزيزه والاهتمام به، ومن مصاديقه:

أ- السمع الواعي: عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا لم تكن عالماً ناطقاً، فكن مستمعاً واعياً"[2].

 

ب- سماع الكلام الحسن: عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "لكلّ شيء فاكهة، وفاكهة السمع الكلام الحسن"[3].

 

ج- سماع الذكر: عن الإمام عليّ عليه السلام: "سامع ذكر الله ذاكر"[4].

 

د- سماع الصلاح: عن الإمام عليّ عليه السلام: "عوّد أذنك حسن الاستماع، ولا تصغِ إلى ما لا يزيد في صلاحك"[5].

 

4- نزّه سمعك عن الغناء

الغناء هو ترجيع الصوت على الوجه المناسب لمجالس اللهو، وهو

 

[1] سورة الفرقان، الآية 72.

[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 136.

[3] الحلواني، حسين بن محمّد بن حسن بن نصر، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، تحقيق وتصحيح ونشر مدرسة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف‏، إيران - قم‏ّّ، 1408ه‏، ط1، ص 71.

[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 283.

[5] التميميّ الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص 457.


110

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

من المعاصي ويُحرّم على المغني والمستمع، وأمّا الموسيقى فهي العزف على آلاتها، فإن كانت بالشكل المتعارف في مجالس اللهو والعصيان، فهي محرّمة على عازفها وعلى مستمعها أيضاً.

 

فالغناء من المحرّمات التي جاء بها الكتاب، يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾[1].

 

وفي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "الغناء ممّا وعد الله عليه النار"، وتلا هذه الآية[2].

 

وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام: "الغناء يورث النفاق، ويعقب الفقر"[3].

 

كما أنّه يُحرّم الاستماع للغناء فإنّه لا يجوز الحضور في مجلس الغناء والموسيقى المطربة اللهويّة المناسبة لمجالس اللهو والعصيان، إذا أدّى ذلك للاستماع إليها أو إلى تأييدها.

 

5- أثر الغناء على القلب‏

للاستماع إلى الغناء أثر كبير في القلب الذي يهمّ السالكين إلى الله تعالى أن يبقى أبيضَ ناصعاً غير ملوّث بأكدار المعاصي.

 

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم واستماع المعازف والغناء، فإنّهما


 

[1] سورة لقمان، الآية 6.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج17، ص 305.

[3] الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، ‏الخصال، مصدر سابق، ج1، ص24.


111

المحاضرة الرابعة عشرة: حقّ السمع

ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل"[1].

 

والبقل مع وجود الماء ينمو بسرعة كبيرة جدّاً، وكذلك النفاق في القلب الذي يدخل فيه الغناء فإنّه ينبت فيه النفاق بسرعة كبيرة أيضاً.

 

تنبيه

إنّ من أهمّ ما يتأدّب به الإنسان ممّا يتعلّق بسلوكه الاجتماعيّ هو أن يتعلّم الإصغاء إلى مخاطبه، واحترامه، والإقبال إليه بسمعه ووجهه، والإصغاء يفترض أن يتحوّل إلى عادة نمهر بها سلوكنا في علاقاتنا مع الناس، بل إنّ من التواضع ومن الحكمة أن تتلقّى مخاطبك بالإصغاء، وعدم التلهّي والاشتغال بأمور توحي له بأنّك غير مهتمّ له ولكلامه، فقد يكون في ذلك أذيّة كبرى له، بل قد يكون في ذلك لك خسارة كبرى. ويكفي في حقّ مكلّمنا علينا أنّه اهتمّ لنا واعتنى بنا فوجّه خطابه إلينا.

 

وأهمّ من قام بذلك هو الله عزّ وجلّ الذي اعتنى بنا وبوجودنا وبهدايتنا، فاختار من خير خلقه رسولاً لنا، وأرسل إلينا كتابه يخاطبنا به ويكلّمنا، فإن كان من الآداب أن نصغي لمخاطبنا خصوصاً إذا كان ذا غرض شريف ونبيل وكان فيه صالحنا وفائدتنا، فإنّ في رأس أدب الإصغاء أن نصغي إلى كلمات الله وكلمات أوليائه، وهو القائل في كتابه: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾[2].

 

 

[1] المتقي الهندي، كنز العمال، ج15، ص221.

[2] سورة الأعراف، الآية 204.


112

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

 

الهدف:

التعرّف إلى حقوق المجتمع في القرآن الكريم.

 

المحاور الرئيسة:

1- حقوق المجتمع.

2- حقوق المجتمع في القرآن الكريم.

3- إشاعة الفاحشة في المجتمع.

4- خطورة إشاعة الفاحشة.

 


113

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[1].

 

1- حقوق المجتمع

الإسلام ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور في القلب فحسب، بل هو منهج حياة إنسانية واقعيّة، يتحوّل فيها الاعتقاد والإيمان إلى ممارسة سلوكيّة في جميع جوانب الحياة لتقوم العلاقات على التراحم والتكافل والتناصح، فتكون الأمانة والسماحة والمودّة والإحسان والعدل والنخوة هي القاعدة الأساسيّة التي تنبثق منها العلاقات الاجتماعيّة.

 

وقد جعل الإسلام كلّ مسلم مسؤولاً في بيئته الاجتماعيّة، يمارس دوره الاجتماعيّ البناء من موقعه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته"[2].

 

2- حقوق المجتمع في القرآن الكريم

القرآن الكريم دستور البشريّة الخالد، يمتاز بالشمول والإحاطة الكاملة بجميع شؤون الحياة، وقد وضع أسساً عامّة في علاقة الفرد بالمجتمع، ووضع لكلّ طرف حقوقه وواجباته للنهوض من أجل


 

[1] سورة المائدة، الآية 2.

[2] أحمد بن حنبل، المسند (مسند أحمد)، دار صادر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج2، ص54.


114

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

إتمام مكارم الأخلاق، وإشاعة الودّ والحبّ والوئام في ربوع المجتمع الإنسانيّ، وفيما يلي نستعرض جملة من حقوق المجتمع على الفرد والأسرة، الخليّة الاجتماعيّة الأولى، وهذه الحقوق التي أمر بها القرآن الكريم على نحوين:

النحو الأول: الأعمال التي أمر بها المجتمع:

أ- هو التعاون على البرّ والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[1].

 

ب- أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى أفراد المجتمع: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾[2].

 

ج- أمر بالسعي للإصلاح بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].

 

د- وأمر بالعفو والمسامحة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[4].


 

[1] سورة المائدة، الآية 2.

[2] سورة النساء، الآية 36.

[3] سورة الحجرات، الآية 10.

[4] سورة الأعراف، الآية 199.


115

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

هـ- ومن أجل إشاعة مكارم الأخلاق، والسير على النهج القويم، أمر القرآن بالتواصي بالحقّ والتواصي بالصبر: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[1].

 

و- الاصلاح والتغيير: للحفاظ على سلامة المجتمع من الانحراف العقائديّ والاجتماعيّ والأخلاقيّ، وأن يقابل الإساءة والمصائب التي تواجهه بصبر وثبات، فمن وصيّة لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾[2].

 

النحو الثاني: الأعمال التي نهى عنها القرآن الكريم:

أ- الاعتداء على الآخرين: بالظلم والقتل، وغصب الأموال والممتلكات، والاعتداء على الأعراض: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[3].

 

ب- دخول بيوت الآخرين دون إذن منهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾[4].

 

ج- بخس الناس حقوقهم: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾[5].


 

[1] سورة العصر، الآية 3.

[2] سورة لقمان، الآية 17.

[3] سورة البقرة، الآية 190.

[4] سورة النور، الآية 27.

[5] سورة الأعراف، الآية 85.


116

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

د- الظنّ الآثم والتجسّس على الناس واغتيابهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾[1].

 

هـ- إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلاميّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ...﴾[2].

 

3- إشاعة الفاحشة في المجتمع

الفاحشة تشمل ما يسوء الإنسان انكشافه أو نيله، سواء كان من بدنه، أو من أسرار حياته الخاصّة، أو علاقته بزوجه، أو من ماله وما يملك، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: قُلْتُ لَه عليه السلام: "عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: تَعْنِي سُفْلَيْه. قَالَ: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِنَّمَا هِيَ إِذَاعَةُ سِرِّ"[3].

 

ولذا، يوفّر القرآن في آياته الكريمة ما يضمن توفير الحصانة للمجتمع البشريّ، وهو يضع النظام الدقيق والشامل، من أحكام وقيم أخلاقيّة، ليكون الأمان والتآلف والتعايش والتكافل معالم أصيلة في الحياة الاجتماعيّة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[4].

 

[1] سورة الحجرات، الآية 12.

[2] سورة النور، الآية 19.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص359.

[4] سورة النور، الآية 19.


117

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

وممّا يلفت النظر أنّ القرآن الكريم لم يقل الذين يشيعون الفاحشة، بل قال: ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ وهذا يحكي عن الأهمّيّة القصوى التي يوليها القرآن لذلك.

 

4- خطورة إشاعة الفاحشة

حذّر الإسلام من نشر عيوب الناس في المجتمع، وأكّد آثار هذا النشر وخطورته، كالآتي:

أ- العذاب الأليم يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾[1].

 

ب- الخذلان: عَنِ الْعَبَّاسِ مَوْلَى الرِّضَا قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: "الْمُسْتَتِرُ بِالْحَسَنَةِ يَعْدِلُ سَبْعِينَ حَسَنَةً والْمُذِيعُ بِالسَّيِّئَةِ مَخْذُولٌ والْمُسْتَتِرُ بِالسَّيِّئَةِ مَغْفُورٌ لَه"[2].

 

ج- المذيع بالفاحشة كالمبتدئ بها: وعن رسول الله قال: "مَنْ أَذَاعَ فَاحِشَةً كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا"[3].

 

د- مصداق لمذيع الفاحشة: وعن الإمام الكاظم عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك الرجل من إخواني بلغني عنه الشيء الذي أكرهه فاسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات؟ فقال الإمام لي: "يا محمّد كذب سمعك وبصرك عن أخيك، وإن شهد عندك خمسون قسامة. وقال لك قول فصدقه وكذبهم،

 

[1] سورة النور، الآية 19.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 428.

[3] المصدر نفسه، ج2، ص 356.


118

المحاضرة الخامسة عشرة: حقوق المجتمع في القرآن الكريم

 

ولا تذيعن عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروءته، فتكون من الذين قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾[1].

 


 

[1] سورة النور، الآية 19.


119

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

المحاضرة السادسة عشرة: الصدق

 

 

 

الهدف:

استذكار أهمّيّة الصدق وأقسامه، وتأثير الصدق في المجتمع.

 

المحاور الرئيسة:

1- مفهوم الصدق.

2- فضل الصدق.

3- آثار الصدق ومزاياه.

4- أقسام الصدق.

5- الصدق والإيمان.

6- علامات الصادقين.

7- آثار الكذب.


120

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[1].

 

1- مفهوم الصدق

إذا كان الكذب هو الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه، فإنّ الصدق هو ضدّه، وهو مطابقة القول للواقع الذي هو عليه. وهو أشرف الصفات المرضيّة، ورئيس الفضائل النفسيّة، وما ورد في مدحه وعظم فائدته من الآيات والأخبار، ممّا لا يمكن إحصاؤه، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[2].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تقبّلوا لي بستّ أتقبّل لكم بالجنّة: إذا حدّثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضّوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفّوا أيديكم وألسنتكم"[3].

 

2- فضلُ الصدق

تعتبر منقبة الصدق في قمّة الفضائل التي تشكّل جمال صورة المؤمن وجاذبيّته، وهذه المنقبة من أبرز ما ينبغي الاتّصاف به، فبها يُعرف المؤمن من غيره، وهو زينة الحديث ورواؤه، ورمز الاستقامة


 

[1] سورة التوبة، الآية 119.

[2] سورة التوبة، الآية 119.

[3] الشيخ الصدوق،الأمالي، مصدر سابق، ص150.


121

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

والصلاح، وسبب النجاح والنجاة، لذلك مجّدته الشريعة الإسلاميّة، وحرّضت عليه، قرآناً وسنّة.

 

قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾[1]..

 

وقال تعالى: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾[2].

 

وهكذا كرَّم أهلُ البيت عليهم السلام هذا الخلق الرفيع، ودعوا إليه بأساليبهم البليغة الحكيمة:

قال الإمام الصادق عليه السلام: "لا تغترّوا بصلاتهم، ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتّى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة"[3].

 

3- آثار الصدق ومزاياه

للصدق آثار ومزايا عديدة وهامّة، نذكر منها:

أ- الصدق مُنجٍ: عن الإمام عليّ عليه السلام: "الصدق ينجيك وإن خفته، الكذب يُرديك وإن أمنته"[4].

 

[1] سورة الزمر، الآيتان، 33 - 34.

[2] سورة المائدة، الآية 119.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص104.

[4] الآمدي، غرر الحكم، مصدر سابق، ص275.


122

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

ب- الصادق في رعاية الله: عن الإمام الباقر عليه السلام: "ألا فاصدقوا، فإنّ الله مع من صدق".

 

ج- عمل أهل الجنّة: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ما عمل أَهل الجنّة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الصِّدق، إذا صدق العبد برّ،َ وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنّة..."[1].

 

د- الصدق رأس الدين: عن عليّ عليه السلام: "الصدق رأس الدين"[2].

 

هـ- الصدق أفضل الأخلاق: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَيّ الأخلاقِ أَفضل قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الجود والصدق"[3].

 

و- مكمل للإيمان: وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "أَربع من كنَّ فيه كمل إيمانه وإنْ كان من قرنه إلى قدمه ذنوباً لم ينقصه ذلك. قال، وهو الصِّدق وأَداء الأمانة والحياء وحسن الخلقِ"[4].

 

ز- مُزكٍّ للعمل: وعنه عليه السلام أيضاً قال: "من صدق لسانه زكا عمله"[5].

 

ح- الصدق زينة الحديث: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "زينة الحديث الصدق"[6].


 

[1] الزمخشريّ، محمود بن عمر، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، عبد الأمير مهنا، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1412 - 1992م، ط1، ج3، ص145.

[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص25.

[3] الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج15، ص257.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص99.

[5] المصدر نفسه، ج8، ص219.

[6] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج68، ص9.


123

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

4- أقسام الصدق

للصدق صور وأقسام تتجلّى في الأقوال والأفعال، أبرزها:

أ- الصدق مع الله: قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾[1], وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[2].

 

ب- الصدق في الأحوال، في النيّات: وهو تمحيص النيّة وتخليصها لله، بألّا يكون للإنسان هدف من وراء طاعته وعبادته إلّا رضا الله والتقرّب إليه، قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[3].

 

ج- الصدق في الأقوال: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قَالَ: "...، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ"[4].

 

د- الصدق في الأعمال: عن الإمام الباقر عليه السلام: "تزيّن لله عزّ وجلّ بالصدق في الأعمال"[5].

 

هـ- الصدق في العزم: والمقصود بالصدق في العزم أن يكون جازماً وعازماً على الخير دوماً وثابتاً عليه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾[6].


 

[1] سورة محمّد، الآية 21.

[2] سورة الحشر، الآية 8.

[3] سورة البينة، الآية 5.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص667.

[5] الحرانيّ، الشيخ ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مصدر سابق، ص285.

[6] سورة الأحزاب، الآية 23.


124

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

5- الصدق والإيمان

إنّ بين الصدق والإيمان علاقة وطيدة، وارتباطاً وثيقاً، كما يظهر في الروايات والأحاديث، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك"[1].

 

أ- الصدق دعامة الإيمان: عن الإمام عليّ عليه السلام: "الصدق عماد الإسلام، ودعامة الإيمان"[2].

 

ب- الصدق حلية الإيمان: عن الإمام عليّ عليه السلام: "الصدق أمانة اللسان، وحلية الإيمان"[3].

 

ج- الصدق رأس الإيمان: عن الإمام عليّ عليه السلام: "الصدق رأس الإيمان، وزين الإنسان"[4].

 

6- علامات الصادقين

لقد بيّن القرآن في تضاعيف آياته الكريمة علامات الصادقين في العديد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء


 

[1] نهج البلاغة مصدر سابق، ج4، ص105، حكمة458.

[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصر سابق، ص22.

[3] المصدر نفسه، ص27.

[4] المصدر نفسه، ص60.


125

المحاضرة السادسة عشرة :الصدق

وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾[1].

 

وفيما يلي نعدّد العلامات الستّ الأساسيّة التي ذكرتها الآية الكريمة، وهي:

الأولى: الإيمان بالمبدأ، والمعاد، والملائكة المأمورين من قبل الله، والمنهج الإلهيّ، والنبيّين الدعاة إلى هذا المنهج.

 

الثانية: الإنفاق بعد الإيمان، وهو قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.

 

الثالثة: إقامة الصلاة. وهي قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾.

 

الرابعة: أداء الزكاة والحقوق الماليّة الواجبة: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.

 

الخامسة: الوفاء بالعهد: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.

 

السادسة: الصبر: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ﴾[2].

 

ثمّ تؤكّد الآية أهمّيّة الأسس الستّة وعلى عظمة من يتحلّى بها، فتقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾[3].

 


 

[1] سورة البقرة، الآية 177.

[2] سورة البقرة، الآية 177.

[3] سورة البقرة، الآية 177.


126

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

 

الهدف:

تبيين أهمّيّة التعامل مع أصحاب المعروف في المجتمع، ويقتدي بهم.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- حقّ ذي المعروف

2- الإحسان جزاء الإحسان

3- لزوم شكر المحسن

4- التودّد إلى الآخرين

 


127

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

 

الهدف:

تبيين أهمّيّة التعامل مع أصحاب المعروف في المجتمع، ويقتدي بهم.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- حقّ ذي المعروف

2- الإحسان جزاء الإحسان

3- لزوم شكر المحسن

4- التودّد إلى الآخرين

 


127

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "وَأَمَّا حَقُّ المَعْرُوفِ عَليْكَ فَأَنْ تَشْكُرَهُ وَتَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ وَتَنْشُرَ لَهُ المَقَالَةَ الحَسَنَةَ وَتُخْلِصَ لَهُ الدُّعَاءَ فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّكَ إِذا فَعَلْتَ ذلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرّاً وَعَلانِيَةً ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ مُكَافَأَتُهُ بِالفِعْلِ كَافَأْتَهُ وإِلّا كُنْتَ مَرْصَداً لَهُ مُوَطّناً نفْسَكَ عليْهَا"[1].

 

1- حقّ ذي المعروف

إنّ الإنسان السويّ ينبغي أن ينظر إلى من عمل معروفاً وخيراً له نظرة حبّ واحترام، وينتظر أوّل فرصة لجبران ذلك، ذلك أنّ جزاء الإحسان هو الإحسان، وهو خلال ذلك لا ينفكّ يمتدح ذا المعروف ويثني عليه، ومن هنا ينظر الإمام السجّاد عليه السلام إلى ذي المعروف، فيحدّد ما يترتّب على ذلك:

أوّلاً: إنّ عليه أن يكون شاكراً لمن يعمل المعروف:

عن الإمام الباقر عليه السلام: "من صنع مثل ما صنع إليه فإنّما كافأ، ومن أضعف كان شكوراً"[2].

 

ثانياً: أن يذكر معروفه وإحسانه وينشر عنه ذكراً حسناً بين الناس:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "من أولي معروفاً فليكافئ به، فإن لم

 

[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص454.

[2] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، 258.


128

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

يستطع فيذكره، فإن ذكره فقد شكره"[1].

 

عنْ فَضْلٍ الْبَقْبَاقِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، "قَالَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِمَا فَضَّلَكَ وأَعْطَاكَ وأَحْسَنَ إِلَيْكَ"، ثُمَّ قَالَ: "فَحَدَّثَ بِدِينِه ومَا أَعْطَاه اللَّه ومَا أَنْعَمَ بِه عَلَيْه"[2].

 

ثالثاً: أن يخلص له الدعاء، يطلب من الله أن يكافئه ويجزيه خيراً على ما قام به.

 

عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا أخذت منك قذاة[3] فقل: أماط الله عنك ما تكره"[4].

 

وبهذا يكون الإنسان قد أدّى شكره سرّاً وعلناً، وبعد ذلك ينبغي له أن يستثمر أوّل فرصة لجبران معروفه وإحسانه، وإن لم يكن كذلك، فإنّه ليس أهلاً للنعمة، كما يقول الإمام عليّ عليه السلام: "حقٌّ على من أُنعِم عليه أن يُحسن مكافأة المنعِم، فإنْ قصّر عن ذلك وُسعه فعليه أن يُحسن الثناء، فإنْ كلّ عن ذلك لسانه فعليه بمعرفة النعمة، ومحبّة المنعم بها، فإنْ قصّر عن ذلك فليس للنعمة بأهل"[5].


 

[1] إسحاق بن راهويه، مسند ابن راهويه، الدكتور عبد الغفور عبد الحقّ حسين برد البلوسيّ، مكتبة الإيمان - المدينة المنوّرة، 1412، ط1، ج2، ص268.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص94.

[3] القذى جمع قذاة، وهو ما يقع في العين أو في الشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.

[4] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص635.

[5] سورة النساء، الآية 86.


129

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

2- الإحسان جزاء الإحسان

ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام، يقول: "آيةٌ في كتابِ اللهِ مُسجَّلةٌ، قُلتُ: ما هي؟ قال: قوْلُ اللهِ تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾[1], جَرَتْ في الكافِرِ والمُؤمِنِ والبَرِّ والفَاجِرِ ومنْ صُنِعَ إِليْهِ معروفٌ فعليْهِ أَنْ يُكافِئَ بهِ، وليسَ المُكافَأةُ أَنْ تصنَعَ كما صُنِعَ حتّى تُرْبِيَ فإِنْ صَنَعْتَ كما صُنِعَ كانَ لهُ الفضلُ بالابتداء"[2].

 

إنّ العدالة تعني إنصاف الإنسان من نفسه وأداء ما عليه، أمّا الإحسان فإنّه يتجاوز ذلك الحدّ إلى ما هو أبعد من الواجب في العطاء، وأخذ ما دون الاستحقاق.

 

وقال أنس: حيث جارية للحسن بن عليّ بطاقة ريحان فقال لها: أنت حرّة لوجه الله، فقلت له في ذلك فقال: أدبنا الله تعالى فقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾[3], الآية، وكان أحسن منها إعتاقها[4].

 

3- لزوم شكر المحسن

إنّ العقل يحكم بوجوب شكر من أحسن وأنعم علينا، ومن اللؤم أن لا يشكر العبد النعمة، وإنّ شكر المحسن على معروفه وإحسانه له آثار محمودة وعديدة، منها:

 

[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، مصدر سابق، ص501.

[2] سورة الرحمن، الآية 60.

[3] حسين بن سعيد الكوفيّ، الزهد، تحقيق ميرزا غلام رضا عرفانيان، لا.ن، لا.م، 1399ه، لا.ط، 31.

[4] ابن شهر آشوب، مشير الدين أبو عبد الله محمّد بن عليّ، مناقب آل أبي طالب، تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، 1376ه - 1956م، لا.ط، ج3، ص183.


130

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

أ- شكر المحسن شكر لله تعالى: عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة: أشكرت فلاناً؟ فيقول: بل شكرتك يا ربّ، فيقول: لم تشكرني إذ لم تشكره"[1].

 

عن الإمام الرضا عليه السلام: "من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عزّ وجلّ"[2].

 

ب- يزيد الرضا ويوجب الصلاح: عن الإمام عليّ عليه السلام: "شكرك للراضي عنك يزيده رضا ووفاءً، شكرك للساخط عليك يوجب لك منه صلاحاً وتعطّفا"[3].

 

ج- بالشكر تدوم النِعَم: عن الإمام الصادق عليه السلام: "مكتوب في التوراة: اشكر من أنعَمَ عليك، وأنعِمْ على من شكرك، فإنّه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير"[4].

 

4- التودّد إلى الآخرين

يتّضح ممّا ورد من الآيات الكريمة أنّ القرآن الكريم يحثّ على الإحسان إلى الآخرين وإلى الناس بشكل عامّ، فضلاً عن الذين أحسنوا إلينا، حيث إنّ التودّد والإحسان يقويّان الروابط الاجتماعيّة والعلاقات

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص99.

[2] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، مصدر سابق، ج2، ص27.

[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص291.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص94.


131

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

الودّيّة بين الناس، وقد اشتملت كتب الأحاديث على العديد من الوصايا التي تؤكّد هذا الموضوع، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: "إِنَّ أَعْرَابِيّاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي فَكَانَ مِمَّا أَوْصَاهُ تَحَبَّبْ إِلَى النَّاسِ يُحِبُّوك‏"[1].

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْل‏"[2].

 

5- صنع المعروف ولو في غير أهله

إنّ المعروف والإحسان لا يتوقّفان عند أهل المعروف، بل ينبغي أن يكون ولو في قِبال الإساءة. إنّ القرآن الكريم يحثّ الإنسان على أن يقابل الإساءة بالإحسان أيضاً، ولعلّ هذا يعود إلى أنّ هذا العمل وهو مقابلة الإساءة بالإحسان قد يفعل أثره في اجتثاث نزعة الشرّ والإساءة في نفس الإنسان وبذلك تتحوّل العداوة إلى صداقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[3].

 

وعن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "اصْنَعِ الْمَعْرُوفَ إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ وَإِلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ فَكُنْ أَنْتَ مِنْ أَهْلِه‏"[4].

 

[1] المصدر نفسه، ج2، ص642.

[2] المصدر نفسه، ج2، ص643.

[3] سورة فصلت، الآية 34.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص27.


132

المحاضرة السابعة عشرة: حقّ ذي المعروف

وقد جاء في الحديث عن ابن عبّاس: "يأتي أهل المعروف يوم القيامة فيغفر لهم لمعروفهم، وتبقى حسناتهم تامّة فيعطونها لمن زادت سيّئاته على حسناته، فيغفر له فيدخلون الجنّة، فيجتمع لهم الإحسان إلى الناس في الدنيا والآخرة"[1].

 

 

[1] الطريحيّ، مجمع البحرين، مصدر سابق، ج5، ص95.


133

المحاضرة الثامنة عشرة: التسامح والعفو

المحاضرة الثامنة عشرة: التسامح والعفو

 

 

الهدف:

التعرّف إلى حسن العفو والتسامح في بناء التعاملات الاجتماعيّة.

 

المحاور الرئيسة:

1- الحثّ على العفو في الإسلام

2- آثار العفو

3- بين العفو والعقاب

4- موارد يَحسنُ فيها العفو

5- ما يُوجب عفو الله تعالى

 


134

المحاضرة الثامنة عشرة: التسامح والعفو

قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[1].

 

1- الحثّ على العفو في الإسلام

إنّ من الفضائل الأخلاقيّة التي لا يصل الإنسان إلى مراتب الكمال دونها، هي صفة العفو عن زلّات الآخرين وهفواتهم، وترك الانتقام منهم. والآيات القرآنيّة والروايات الإسلاميّة زاخرة في بيان فضيلة العفو والصفح وذمّ روح الانتقام والثأر:

يقول سبحانه: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[2].

 

2- آثار العفو

إنّ للعفو آثاراً حميدة على الفرد والمجتمع، نذكر منها:

أ- تبديل العدوّ الشرس إلى صديق حميم أحياناً: قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[3].


 

[1] سورة آل عمران، الآيتان 133 - 134.

[2] سورة الشورى، الآية 40.

[3] سورة فصّلت، الآية 34.


135

المحاضرة الثامنة عشرة: التسامح والعفو

ب- استمرار الحكم وبقاء المُلك: عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "عَفوُ المُلُوكِ بَقـاءُ المُلكِ"[1].

 

ج- زيادة في العزّة والمكانة: عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "عَلَيكُم بِالعَفوِ، فَإِنَّ العَفوَ لا يَزيدُ إِلاّ عَّزاً"[2].

 

د- سقوط الحقد والبغضاء: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تَعـافُوا تَسقُطِ الضِّغـائِنُ بَينَكُم"[3].

 

هـ. طول العمر: عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ كَثُرَ عَفوُهُ مُدَّ فِي عُمره"[4].

 

3- بين العفو والعقاب

إنّ العفو من الفضائل الأخلاقيّة، ولكن عندما يكون العفو سبباً لجرأة المجرمين والمنحرفين وفساد المجتمع، فيجب حينها العمل بمقتضى العدل، وما يفرضه من عقاب:

عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: "العَفوُ يُفسِدُ مِنَ اللَّئِيمِ بِقَدَرِ إِصلاحِهِ مِنَ الكَرِيمِ"[5].

 

وعنه عليه السلام أيضاً قوله: "جـازِ بِالحَسَنَةِ، وَتَجـاوَزَ عَنِ السَّيئَةِ مـا لَم يَكُن ثَلماً فِي الدِّينِ أَو وَهناً فِي سُلطـانِ الإسلامِ"[6].


 

[1] الزمخشريّ، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، مصدر سابق، ج2، ص106.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص108.

[3] الهيثميّ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، مصدر سابق، ج8، ص82.

[4] الكراجكي، الامام العلامة أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان، كنز الفوائد، مكتبة المصطفوي، إيران - قمّ، 1369ش، ط2، ص65.

[5] المصدر نفسه، ص283.

[6] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص223.


136

المحاضرة الثامنة عشرة: التسامح والعفو

4- موارد يَحسنُ فيها العفو

يوجد بعض الموارد التي يحسن فيها العفو وينبغي أن يكون التسامح حاكماً فيها، منها:

أ- العفو عن الأرحام: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[1].

 

ب- العفو عند المقدرة: عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا قدرت على عدوّك، فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه"[2].

 

5- ما يُوجب عفو الله تعالى

ما أحوج الإنسان الفقير الضعيف إلى العفو والتجاوز يوم يقف ذليلاً بين يدي الله تعالى في القيامة! ولِمن أراد نيل العفو من الله ينبغي له أن يجهّز أسبابه في دار الدنيا، وممّا يوجب عفو الله:

أ- العفو والصفح: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[3].

 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "اعفُ عمّن ظلمك، كما أنّك تحبّ أن يُعفى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك"[4].


 

[1] سورة التغابن، الآية 14.

[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص132.

[3] سورة النور، الآية 22.

[4] ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، مصدر سابق، ص305.


137

المحاضرة الثامنة عشرة: التسامح والعفو

ب- التنزّه عن الحرمات: عن الإمام علي عليه السلام: "من تنّزه عن حرمات الله، سارع إليه عفو الله"[1].

 

ج. الاختبار والابتلاء: عن الإمام عليّ عليه السلام: "ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فتحاً إلى فضله، وأسباباً ذللاً لعفوه"[2].

 

 

[1] الكراجكي، كنز الفوائد، مصدر سابق، ص128.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج2، ص148.


138

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

 

 

الهدف:

التعرّف إلى مفهوم الجار، وآداب التعامل مع الجيران، وآثار حسن الجوار.

 

المحاور الرئيسة:

1- مفهوم الجار.

2- الجيران ثلاثة.

3- أهمّيّة انتخاب الجار.

4- حقوق الجار.

5- آثار حُسنُ الجوار.

6- إيذاء الجيران.


139

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

عن الإمام الكاظم: "لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَّ الأَذَى ولَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ صَبْرُكَ عَلَى الأَذَى"[1].

 

1- مفهوم الجار

قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾[2].

 

وتشير جملة "وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى"إلى عدّة احتمالات:

• الجار القريب من الناحية النسبيّة.

• القريب من الناحية المكانيّة.

• القريب من الناحية الدينيّة والاعتقاديّة.

 

وجملة "وَالْجَارِ الْجُنُبِ" توصي بالجيران البعيدين بلحاظين:

إما بلحاظ البعد المكانيّ، لأنّ كلّ أربعين داراً من بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله تعتبر من الجيران، كما صرّحت بعض الروايات[3]، وهذا يستوعب في المدن الصغيرة كلّ المدينة تقريباً لأنّنا لو فرضنا دار كلّ شخص مركز دائرة يقع في امتداد شعاعها من كلّ صوب أربعون بيتاً لاتّضحت من خلال محاسبة بسيطة مساحة هذه الدائرة


 

[1] ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، مصدر سابق، ص 409.

[2] سورة النساء، الآية 36.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 669.


140

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

التي يكون مجموع البيوت الواقعة فيها ما يقرب من خمسة الآف بيت، ومن المُسلّم أنّ المدن الصغيرة قلّما تتشكّل من أكثر من هذا العدد من المنازل والبيوت.

 

وإما بلحاظ البعد الدينيّ: أن يكون المراد بالجيران البعيدين، الجيران غير المسلمين، لأنّ حقّ الجوار غير منحصر في نظر الإسلام بالجيران المسلمين، فهو يعمّ المسلمين وغير المسلمين[1].

 

2- الجيران ثلاثة

قسّم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الجيران إلى ثلاثة أقسام بحسب حقوقهم، فقد رُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجيران ثلاثة، فجار له ثلاثة حقوق، وجار له حقّان وجار له حقّ واحد،فأمّا الجار الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، فله حقّ الجوار وحقّ القرابة وحقّ الإسلام، والجار الذي له حقّان، فهو الجار المسلم، فله حقّ الإسلام وحقّ الجوا، والجار الذي له حقّ واحد، الكافر،فله حقّ الجوار"[2].

 

3- أهمّيّة انتخاب الجار

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ وعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ"[3].

 

[1] الشيرازي، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج3، ص231.

[2] عليّ الطبرسيّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، تحقيق مهديّ هوشمند، دار الحديث، لا.م، 1418، ط1، ص373.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص 24.


141

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

4- حقوق الجار

جاء في رسالة الحقوق[1] للإمام زين العابدين عليه السلام توضيح مفصّل لحقوق الجار، وهي:

أ- نصرته ومعونته: "وَأَمَّا حَقُّ الجَارِ فَحِفظُهُ غَائِباً وَكَرَامَتُهُ شَاهِداً وَنُصرَتُهُ وَمَعُونَتُهُ فِي الحَالَيْنِ جَمِيعاً..", وذلك بحفظ بيته وماله وأسراره، وحفظ غيبته في المجالس التي تنعقد بين الجيران والأصحاب، أمَّا في حالة حضوره فله الاحترام وحسن المعاملة ولطافة الملاقاة.

 

ب- ستر العورات والعثرات: ثمّ أضاف: "لا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً وَلا تَبْحَثْ لَهُ عَنْ سَوْأَةٍ لِتَعْرِفَهَا، فَإِنْ عَرَفْتَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْكَ وَلا تَكَلُّفٍ، كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْنا حَصِيناً وَسِتْراً سَتِيراً، لَوْ بَحَثَتِ الأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيراً لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ لانْطِوَائِهِ عَلَيه...". فلكلّ إنسان أسراره وعيوبه، فلا يصحّ من الجار تتبّع عثرات جاره.

 

ج- المعاشرة الكريمة: لكي تتحقّق هذه المعاشرة يضيف الإمام مجموعة من المبادىء وهي:

د- "لا تَسَّمَّعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ": فهذا تجسّس محرّم.

 

هـ- "لا تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ": لأنَّه بحاجة إلى مساعدتك ومساندتك ونصرتك، فكن إلى جانبه بقدر استطاعتك.

 

[1] ابن شعبة الحراني، تحف العقول، مصدر سابق، ص266.


142

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

و- "وَلا تَحْسُدْهُ عِنْدَ نِعْمَةِ": بل اطلب من الله أن يعطيك من دون أن تتمنّى حرمانه ممّا أعطاه الله تعالى.

 

ز- "تُقِيلُ عَثْرَتَهُ وَتَغْفِرُ زَلَّتَهُ": أقِل عثرته إذا تعثَّر، وكن سنداً له في ذلك، واغفر زلّته إذا أخطأ وأساء، وأعطِه الفرصة ليتّعظ ويعود إلى رشده.

 

ح- "وَلا تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذَا جَهِلَ عَلَيْكَ": فإنّ بإمكانك استيعابه بحلمك، ويمكن أن تخسر علاقتك معه بغضبك عليه، ولو كان مسؤولاً بسبب تصرّفه الجاهل،فله عليك أن تعينه على نفسه، وأن تكون حليماً عند الغضب.

 

ط- "وَلا تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْماً لَهُ": بحيث يشعر بالاطمئنان معك، لشعوره بالسلام بجانبك، في حضوره وغيابه.

 

ي- " تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ": فلا ترضَ أن يشتم بحضرتك.

 

ك- "وَتُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ": فلا ترضَ أن تكون النصيحة سبباً للكيد والضرر والأذيّة.

 

ل- "وتُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً": فتكون علاقتك معه مطبوعة بالعِشرة الحسنة، وهي خلاصة السلوك العام المأمول من الجار مع جاره.

 

5- آثار حُسنُ الجوار

أ- زيادة العمر: عن الإمام الصادق عليه السلام: "حُسْنُ الْجِوَارِ زِيَادَةٌ فِي الأَعْمَارِ وعِمَارَةُ الدِّيَارِ"[1].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 667.


143

المحاضرة التاسعة عشرة: الجيرة الحسنة

ب- زيادة الرزق: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "حُسْنُ الْجِوَارِ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ"[1].

 

ج- عمران الديار: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "حُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرُ الدِّيَارَ ويَزِيدُ فِي الأَعْمَارِ"[2].

 

د- غفران الذنوب: عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه قال: "من مات وله جيران ثلاثة كلّهم راضون عنه غفر له"[3].

 

6- إيذاء الجيران

إنّ لأذيّة الجيران عدّة آثار سلبيّة ترتدّ على الإنسان المؤذي، وهي:

أ- اللعن: عن أبي عبد الله عليه السلام: "ملعون من آذى جاره"[4].

ب- سوء العاقبة يوم القيامة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من كان مؤذياً لجاره من غير حقّ، حرمه الله ريح الجنّة، ومأواه النار، ألا وإنّ الله عزَّ وجلَّ يسأل الرجل عن حقّ جاره، ومن ضيّع حقّ جاره فليس منّا"[5].

 

 

 

[1] المصدر نفسه، ج2، ص666.

[2] المصدر نفسه، ج2، ص 667.

[3] الشيخ الطبرسيّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، مصدر سابق، ص 375.

[4] الكراجكي، كنز الفوائد، مصدر سابق، ص283.

[5] الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال، مصدر سابق، ص283.


144

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

 

 

الهدف:

التعرّف إلى أنواع التكسّب وأهميته وآثاره وأحكامه.

 

المحاور الرئيسة:

1- أنواع الكسب.

2- الغَشِّ المحرَّم.

 


145

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ مَعايشَ الخلقِ خمسَةٌ، الإمارَةُ والعِمارةُ والتِّجارَةُ والإجارَةُ والصَّدَقاتُ"[1].

 

1- أنواع الكسب

1- الكسب الحلال والحرام:

يمكن تقسيم الدخل من حيث مصادر اكتسابه المختلفة إلى نوعين:دخلٌ مشروعٌ (حلالٌ)، ودخلٌ غير مشروعٍ (حرامٌ)، وسنتطرّق في ما يلي إلى كلا القسمين مع بيان آثار كلّ قسم منهما:

أوّلاً: الكسب الحلال:

أ- معنى الكسب الحلال: وهو عبارةٌ عن الأموال التي يكتسبها الإنسان من طرقٍ أجازتها الشريعة. وطرق الكسب الحلال من تجارة ووظائف واسعة النطاق،والله سبحانه يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾[2]، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾[3].

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة مصدر سابق، ج9، ص489.

[2] سورة الطلاق،الآية 2.

[3] سورة الطلاق،الآية 3.


146

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

ب- أهمّيّة الكسب الحلال: وتعرّضت الآيات والروايات لأهمّيّة الكسب الحلال منها:

قال تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾[1], وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾[2], مع أنّ أصحاب الكهف كانوا بعد يقظتهم بحاجة شديدة إلى الطعام، إلّا أنّهم قالوا للشخص الذي كلّفوه بشراء الطعام: لا تشتر الطعام من أيّ كان، وإنّما انظر أيّهم أزكى وأطهر طعاما فأتنا منه[3].

 

ويوجد روايات مستفيضة حثّت الناس على ضرورة السعي في كسب لقمة العيش بطُرُقٍ مشروعّةٍ، نذكر منها ما يلي: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الْعِبَادَةُ سَبْعُونَ جُزْءاً أَفْضَلُهَا طَلَبُ الْحَلَالِ"[4].

 

ج- آثار الكسب الحلال: إنّ كلّ طعامٍ يتناوله الإنسان له آثاره الوضعيّة، فالطّعام الطّاهر المهيّأ من مالٍ حلالٍ، يُنير القلب، ويزكّي الذَّات، ويعين الإنسان على معرفة الحقّ وتمييزه عن الباطل، ويكون سبباً لاستجابة الدعاء، وبالتّالي يُتيح للإنسان بلوغ الكمالَ المنشود، وللمال الحلال آثار ذُكِرَت في الروايات نشير إلى بعضها:

 

[1] سورة البقرة،الآية 267.

[2] سورة الكهف،الآية 19.

[3] الشيخ الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج9، ص 221.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص 78.


147

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

د- استجابة الدعاء: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أحبَّ أن يُستَجابَ دُعاؤه، فَليُطَيِّب مَطعَمَهُ ومَكسَبَهُ"[1].

 

هـ- ينوّر القلب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ الحلالَ أربعينَ يوماً، نَوَّرَ اللهُ قلبَهُ"[2].

 

و- يعين على عبور الصراط: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّ يدِهِ، مَرَّ عَلَى الصِّراطِ كالبَرقِ الخاطِفِ"[3].

 

ز- ثواب المجاهد: قال الإمام الكاظم عليه السلام: "مَن طَلَبَ هذا الرِّزقَ مِن حِلَّهِ، ليعُودَ بِهِ عَلَى نفسِهِ وعيالِهِ،كانَ كالمجاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ"[4].

 

ح- رحمة الله الواسعة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّ يَدِهِ، نَظَرَ اللهُ إليهِ بالرَّحمةِ، ثُمَّ لا يُعَذِّبهُ أبَداً"[5].

 

ط- ثواب الأنبياء عليهم السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّهِ، يكونُ يَومَ القيامةِ فِي عِدادِ الأنبياءِ، ويأخُذُ ثوابَ الأنبياءِ"[6].

 

ي- تفتح أبواب الجنان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّ يَدِهِ حلالاً، فُتِحَ لَهُ أبوابُ الجنَّةِ، يدخُلُ مِن أيِّها شاءَ"[7].


 

[1] ابن فهد الحلّيّ، أحمد بن محمّد، عدّة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح أحمد الموحديّ القمّيّ، مكتبة وجداني - قمّ، لا.ت، لا.ط، ص140.

[2] ابن فهد الحلّيّ، أحمد بن محمّد، عدّة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح أحمد الموحديّ القمّيّ، مكتبة وجداني - قمّ، لا.ت، لا.ط، ص140.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج100، ص8.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص 93.

[5] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج100، ص8.

[6] المصدر نفسه، ج100، ص8.

[7] المصدر نفسه، ج100، ص8.


148

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

ثانياً: الكسب الحرام:

نهى القرآن الكريم عن اتّباع الطرق غير المشروعة في الكسب نهياً شديداً، مثل أكل المال الباطل، والرّبا، والظلم، والفساد. أمّا الأحاديث والروايات، فإنّها عدّت هذه الطرق من الكبائر.

 

1- معنى الكسب الحرام (مال السحت):

بعض الروايات أطلقت على اقتناء المال الحرام عنوان (أكل السُّحت) وعدّته من كبائر الذنوب، إذ نهت عنه نهياً شديداً. والمراد بأكل السُّحت لا يعني بالضرورة الأكل والشرب، بل يعني مطلق التصرّفات بالأموال المحرّمة، وعدم إرجاعها إلى أهلها، سواءٌ بتسخيرها للأكل والشرب، أم باقتناء أشياء أخرى بها، كثيابٍ أو منزلٍ، أم مطلق حيازتها وعدم إنفاقها.

 

أضف إلى ذلك أنّ المفهوم من لفظ (السُّحت) هو شموله لجميع أقسام المال الحرام، أي إنّ كلّ مالٍ يكتسبه الإنسان من طريقٍ غير مشروعٍ يُعدّ أكلاً للسُّحت.

 

2- ضرورة اجتناب الكسب الحرام:

عن أبي عبد اللهعليه السلام: "تَركُ لُقمَةِ الحرامِ،أحبُّ إلى اللهِ مِن صَلاةِ ألفَي رَكعَةٍ تَطوُّعاً"[1].

 

[1] ابن فهد الحلي، عدة الداعي ونجاح الساعي، مصدر سابق، ص 128.


149

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

3- آثار الكسب الحرام:

الطعام المهيّأ من مالٍ حرامٍ سببٌ لظلمة القلب وعدم استفاضته من الأنوار القدسيّة، وهو يحول دون معرفة الحقّ وتمييزه عن الباطل، وبالتالي يؤدّي إلى سقوط الإنسان في الهاوية.

 

قال الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء إلى عسكر عمر بن سعد: "فَقَدْ مُلِئتْ بُطونُكُم مِن الحرامِ، وطُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُم، وَيْلَكُم ألا تنصتُونَ؟! ألا تسمعُونَ؟!"[1].

 

2- الغِشِّ المحرَّم

1- مفهوم الغِشِّ المحرَّم:

الغِشّ هو نقيض النُصح، وهو نوع من أنواع الخيانة، ذلك لأنّه إخفاء للواقع، وإظهار لخلافه، بحيث لا ينطبق عليه، ويتحقّق الغِشّ بإخفاء العيب أو تزيينه بحيث لا يتعرَّف إليه الطرف الآخر. وممّا يؤسف له تفشّي ظاهرة الغِشّ والخداع في الأسواق العالميّة وكذلك الإسلاميّة.

 

2- نماذج من الغِشّ المحرّم شرعاً:

أ- الغِشّ التجاريّ: الذي يكون من خلال عرض البضائع بصورة مخالفة لأوصافها الواقعيّة، أي التلاعب في الأوصاف الواقعيّة للبضاعة بغرض التمويه على المشتري أو البائع في العوض أو المعوّض.


 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج45، ص8.


150

المحاضرة العشرون: التكسب بالمال (أنواعه، آثاره، أحكامه)

ب- الغِشّ في الاختبارات: بحيث تكون نتيجتها حصول الممتَحن على شهادات لا يستحقّها، ومن ثَمَّ يكون قادراً على القيام بأدوار لا يملك حقّ ممارستها.

 

ج- الغِشّ في أنواع الانتخابات: بغية الوصول إلى المناصب عن طريق الكذب والاحتيال والتزوير إلى غيرها من وجوه الغِشّ والخداع.

 

3- حرمة الغِشّ في الشريعة الإسلاميّة:

ولقد نهت الشريعة الإسلاميّة عن الغِشّ بشدّة واعتبرته خيانة عظيمة وخروجاً عن روح الإسلام، ومن هذه الروايات:

أ- شرّ الناس: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "شرّ الناس من يغشّ الناس"[1].

 

ب- الخروج عن ولاية أهل البيت عليهم السلام: عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا"[2].

 

ج- الحشر مع اليهود: وعن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "ومن غشّ مسلماً في شراء أو بيع فليس منّا، ويحشر يوم القيامة مع اليهود، لأنّهم أغشّ الخلق للمسلمين"[3].

 

 

 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 295.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص 160.

[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج4، ص 14.


151

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

 

الهدف:

التعرّف إلى الصدقة وآثارها في شهر رمضان المبارك.

 

المحاور الرئيسة:

1- مفهوم الصدقة

2- الصدقة والسنابل السبع

3- صدقة السرّ

4- آثار الصدقة

5- أنواع الصدقة

6- آفات الصدقة


152

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

عن الإمام زين العابدين عليه السلام "وأمَّا حقُّ الصدقةِ فأَنْ تعلَمَ أَنَّها ذُخرُكَ عِندَ رَبِّكَ وَوَدِيعتُكَ التي لا تَحْتَاجُ إلى الإِشهادِ فإذَا عَلِمتَ ذلك كُنتَ بما استَوْدَعْتَهُ سِرّاً أَوثَقَ بما استَوْدَعْتَهُ عَلانِيةً وكُنتَ جَديراً أنْ تكونَ أَسرَرْتَ إليهِ أمراً أعْلنْتَهُ، وكان الأمرُ بينكَ وبينَهُ فيها سِرّاً على كلِّ حالْ ولمْ تستَظْهِرْ عليهِ فيما استوْدعْتَهُ منها إِشهادَ الـَسماعِ والأَبصارِ عليهِ بها كأَنَّها أَوثقُ في نفسِكَ لا كأَنَّكَ لا تثِقُ بهِ في تأدِيَةِ ودِيعتِكَ إليكَ.ثمَّ لمْ تَمْتَنَّ بِها على أحدٍ لأَنَّها لكَ فإذا امتَنَنْتَ بها لم تأمَنْ أن تكُونَ بها مِثلَ تهجينِ[1] حالِكَ منها إلى مَنْ مَنَنْتَ بِها عليهِ لأنَّ في ذلك دليلاً على أَنَّك لم تُرِدْ نفْسَكَ بها ولوْ أَردْتَ نَفْسَكَ بِها لم تَمْتَنَّ بِها على أحدٍ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ"[2].

 

1- مفهوم الصدقة

لا يخفى ما لفضيلة بذل المال والإنفاق في سبيل الله من أثرٍ كبير في المستوى الروحيّ والعباديّ للإنسان، ولذلك ترى الآيات القرآنيّة تجزل الثواب على المتصدّقين وتمدحهم، وتتوعّد الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بالهلاك والعذاب الأليم، ولا يخفى أنّ أفضل الصدقة خلال شهر رمضان المبارك كما أشارت الأحاديث الشريفة.

 

[1] مفردة "هجن" الامتهان والخنوع والقبح و"هجّن" الأمر عابه واستقبحه.

[2] ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول، مصدر سابق، ص259.


153

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

الصدقة: تمليك بلا عوض بنيّة التقرّب إلى الله، أي هي العطيّة التي يرجى بها ثواب الله[1].

 

وأطلقت الروايات الصدقة على مصاديق أخرى منها:

2- الصدقة والسنابل السبع

قال الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[2].

 

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مِائة حبّة فيكون المجموع المتحصّل من حبّة واحدة سبعمائة حبّة، وتضيف الآية أنّ ثواب هؤلاء لا ينحصر بذلك والله يضاعف لمن يشاء.

 

وذلك باختلاف النيّات ومقدار الأخلاص في العمل وفي كيفيّته وكمّيّته. ولا عجب في هذا الثواب الجزيل لأنّ رحمة الله تعالى واسعة وقدرته شاملة وهو مطلع على كلّ شيء والله واسع عليم[3].

 

3- صدقة السرّ

صدقة السِّر هي الصدقة التي تصل إلى المستحقّ في حالة من الخفاء والكتمان، قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن

 

[1] إعداد مركز المعجم الفقهيّ، المصطلحات، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ص1535.

[2] سورة البقرة، الآية 261.

[3] الشيخ الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج2، ص291.


154

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[1].

 

يؤكّد الإمام السجّاد أن يكون الصدقات في السرّ وفي الروايات تأكيد لصدقة السرّ، والتصدّق سرّاً له جانب يتعلّق بالمتصدّق، وهو أن لا يتسرّب الرياء إلى نيّته، وله جانب يتعلّق بالمتصدّق عليه، وهو حفظ ماء وجهه من الناس.

 

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍ عليهما السلام أَنَّهُ لَمَّا غَسَّلَ أَبَاهُ عَلِيّاً عليه السلام نَظَرُوا إِلَى مَوَاضِعِ الْمَسَاجِدِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَظَاهِرِ قَدَمَيْهِ كَأَنَّهَا مَبَارِكُ الْبَعِير وَنَظَرُوا إِلَى عَاتِقِهِ وَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا مِنْ إِدْمَانِ السُّجُودِ، فَمَا هَذَا الَّذِي نَرَى عَلَى عَاتِقِهِ؟ قَالَ: "أَمَا لَوْ لَا أَنَّهُ مَاتَ مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْهُ، كَانَ لَا يَمُرُّ بِهِ يَوْمٌ إِلَّا أَشْبَعَ فِيهِ مِسْكِيناً فَصَاعِداً مَا أَمْكَنَهُ، وَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ نَظَرَ إِلَى مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ عِيَالِهِ فَجَعَلَهُ فِي جِرَابٍ، فَإِذَا هَدَأَ النَّاسُ وَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَتَخَلَّلَ الْمَدِينَةَ وَقَصَدَ قَوْماً لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، وَفرغه (فَرَّقَهُ‏) فِيهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ غَيْرِي، فَإِنِّي كُنْتُ اطَّلَعْتُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ، يَرْجُو بِذَلِكَ فَضْلَ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ وَدَفْعِهَا سِرّاً، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، فَإِذَا تَصَدَّقَ أَحَدُكُمْ فَأَعْطَى بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِهَا عَنْ شِمَالِهِ"[2]‏.


 

[1] سورة البقرة، الآية271.

[2] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج93، ص23.


155

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

4- آثار الصدقة

أ- زيادة الرزق: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلامِ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: تَصَدَّقُوا فَإِنَ الصَّدَقَةَ تَزِيدُ فِي الْمَالِ كَثْرَةً وَتَصَدَّقُوا رَحِمَكُمُ اللَّه‏"[1].

 

ب- شفاء من الأمراض: عن أبي عبد الله عليه السلام: "دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ وادْفَعُوا الْبَلَاءَ بِالدُّعَاءِ واسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا تُفَكُّ مِنْ بَيْنِ لُحِيِّ سَبْعِمِائَةِ شَيْطَانٍ ولَيْسَ شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وهِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وتَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الْعَبْدِ"[2].

 

ج- تدفع البلاء: عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: "إِنَ الصَّدَقَةَ لَتَدْفَعُ سَبْعِينَ بَلِيَّةً مِنْ بَلَايَا الدُّنْيَا مَعَ مِيتَةِ السَّوْءِ إِنَّ صَاحِبَهَا لَا يَمُوتُ مِيتَةَ السَّوْءِ أَبَداً مَعَ مَا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَة"[3].

 

د- أمان في القبر ويوم القيامة: أي إنّ ثوابها يدفع عنه ألم العذاب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الصدقة لتطفئ عن أهلها حرّ القبور، وإنّما يستظلّ المؤمن يوم القيامة في ظلّ صدقته"[4].

 

5- أنواع الصدقة

لقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدّة مصاديق للصدقة، حيث روي عنه


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4،ص9.

[2] المصدر نفسه، ج4،ص4.

[3] المصدر نفسه، ج4،ص6.

[4] الهيثميّ، مجمع الزوائد، مصدر سابق، ج3، ص110.


156

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

أنّه قال: "إنّ على كلّ مسلم في كلّ يوم صدقة، قيل: من يطيق ذلك؟ قال: إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل إلى الطريق صدقة، وعيادتك المريض صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وردّك السلام صدقة"[1].

 

وهنا، لا بأس بالإشارة إلى بعض الأنواع الأخرى، وهي:

أ- العلم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الصدقة أن يتعلّم المرء المسلم علماً ثمّ يعلّمه أخاه المسلم"[2].

 

ب- حفظ اللسان: وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الصدقة حفظ اللسان"[3].

 

ج- الصدقة الماليّة: وعنه صلى الله عليه وآله وسلم "سُئِلَ رَسُولُ اللَّه أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ"[4]"[5].

 

د- الكلمة الطيّبة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصيّته لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ الكلمة الطيّبة صدقة، وكلّ خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة"[6].


 

[1] قطب الدين الراوندي، أبو الحسين سعيد بن هبة الله، الدعوات (سلوة الحزين)، مدرسة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، إيران - قمّ، 1407ه، ط1، ص98.

[2] القزويني، محمّد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تحقيق وترقيم وتعليق محمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان- بيروت، لا.ت، لا.ط، ج1، ص89.

[3] المتّقي الهنديّ، كنز العمال، مصدر سابق، ج3، ص554.

[4] في النهاية: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح، الكاشح: العدوّ الذي يضمر لك عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه والكشح الخصر أو الذي يطوي عنك كشحه ولا يألفك.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص10.

[6] الطبرسيّ، الشيخ رضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، منشورات الشريف الرضي، إيران، 1392ه - 1972م، ط6، ص467.


157

المحاضرة الحادية والعشرون: الصدقة والأمن الاجتماعيّ

هـ- كفّ الأذى: وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "كفّ أذاك عن الناس فإنّه صدقة تصدّق بها على نفسك"[1].

 

6- آفات الصدقة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[2].

 

ولقد أشارت الروايات إلى هذه المفسدة التي تلحق بالصدقة، فقد روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "أفضل من العطاء ترك المن"[3].

 

 

 

[1] أحمد بن حنبل، المسند (مسند أحمد)،مصدر سابق، ج5، ص150.

[2] سورة البقرة،الآية 264.

[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص119.


158

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

 

 

الهدف:

معرفة مساوىء عادة الإسراف والتبذير وأضرارها وأثرها في المعيشة.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- مفهوما الإسراف والتبذير

2- معايير التمييز بين الإسراف والتدبير

3- حرمة الإسراف والتبذير

4- الإصلاح والتغيير في الحياة


159

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾[1].

 

1- مفهوما الإسراف والتبذير

الإسراف يرجع إلى معنى واحد هو: مجاوزة القصد أي الحدّ الوسط، وحد الاعتدال في الأكل ممّا أحلّ الله. وقيل: ما أنفق في غير طاعة الله تعالى[2]. الإسراف يتصوّر في كلّ شيء وإن كان في الإنفاق أشهر.

 

و"التبذير: إفساد المال وانفاقه في السرف وقيل: التبذير إنفاق المال في المعاصي"[3].

 

والتبذير والإسراف متقاربان، إلّا أنّه قد فرّق بينهما بفارق أساس، فقيل: "إنّ التبذير: الإنفاق فيما لا ينبغي، والإسراف: الصرف زيادة على ما ينبغي"[4] الإسراف يمكن أن يصدق في كلّ ما يصدر من الإنسان، أمّا التبذير فلا يصدق إلّا في موارد الإنفاق وشبهه من الأمور الماليّة. والإسراف يشمل الإسراف في المال وغيره.

 

[1] سورة الملك، الآية 15.

[2] الشيخ الطريحيّ، مجمع البحرين، مصدر سابق، ج5، ص 69.

[3] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، ج8،ص 182، تحقيق: الدكتور مهدي المخزوميّ- الدكتور إبراهيم السامرائيّ، مؤسّسة دار الهجرة، 1410،ط2.

[4] الشيخ الطريحيّ، مجمع البحرين، مصدر سابق، ج3، ص 217.


160

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

2- معايير التمييز بين الإسراف والتدبير

الحدّ الوسط مفهوم نسبيّ يختلف باختلاف الأفراد والأشخاص، وباختلاف الأزمنة والأمكنة. والمراد حدّ الاستواء والوسط، أي بين التقتير الذي هو التضييق وبين الإسراف، وهو الذي يسمّى بالقصد والاقتصاد، لأنّه بمعنى التوسّط والاعتدال في الأمور.

 

ولعلّه إلى هذا المعنى يشير الإمام الصادق عليه السلام في موثقة سماعة بقوله: "فَإِنَّه رُبَّ فَقِيرٍ أَسْرَفُ مِنْ غَنِيٍّ فَقُلْتُ كَيْفَ يَكُونُ الْفَقِيرُ أَسْرَفَ مِنَ الْغَنِيِّ فَقَالَ إِنَّ الْغَنِيَّ يُنْفِقُ مِمَّا أُوتِيَ والْفَقِيرَ يُنْفِقُ مِنْ غَيْرِ مَا أوتِيَ"[1].

 

ونحن لدينا ثلاثة معايير يمكن اعتبارها ميزان للتمييز بين الإسراف والتدبير، وهي:

المعيار الأوّل: أن يكون صرف المال إتلافاً وتضييعاً له، مثل إراقة فضل الطعام والماء والزيت ونحو ذلك، ممّا يمكن أن يستفاد منه. روي عن دَاوُودَ الرَّقِّيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهعليه السلام قَالَ: "إِنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ يُحِبُّه اللَّه عَزَّ وجَلَّ وإِنَّ السَّرَفَ أَمْرٌ يُبْغِضُه اللَّه حَتَّى طَرْحَكَ النَّوَاةَ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلشَّيْءِ وحَتَّى صَبَّكَ فَضْلَ شَرَابِكَ"[2].

 

المعيار الثاني: أن يكون صرف المال زائداً على قدر الحاجة، روي عن إسحاق بن عبد العزيز: "... قُلْتُ فَمَا الإِقْتَارُ؟ قَالَ: أَكْلُ الْخُبْزِ والْمِلْحِ وأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى غَيْرِه، قُلْتُ فَمَا الْقَصْدُ؟ قَالَ: الْخُبْزُ واللَّحْمُ

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3،ص 562.

[2] المصدر نفسه، ج4، ص 52.


161

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

واللَّبَنُ والْخَلُّ والسَّمْنُ مَرَّةً هَذَا ومَرَّةً هَذَا"[1]. فإنّ التقييد بالمرّة والمرّة لإخراج الزائد عن قدر الحاجة في الإدام.

 

المعيار الثالث: أن يكون صرف المال زائداً على اللائق بحاله، كما إذا اشترى من لا وارد له سوى ما يقوت به عياله، فرساً ثميناً ربّما لا يركبه في السنة مرّة، وصرف المال الكثير في نفقته. واستشهد له بما رواه إسحاق بن عمار: "قَالَ قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ عَشَرَةُ أَقْمِصَةٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ عِشْرُونَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ ثَلَاثُونَ قَالَ نَعَمْ لَيْسَ هَذَا مِنَ السَّرَفِ إِنَّمَا السَّرَفُ أَنْ تَجْعَلَ ثَوْبَ صَوْنِكَ ثَوْبَ بِذْلَتِكَ"[2]،[3].

 

3- حرمة الإسراف والتبذير

أوّلاً: القرآن الكريم:

أ- ذم المسرفين: "أكّد القرآن الكريم حرمة الإسراف والتبذير، قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[4]، أي لا تتجاوزوا الحدّ الذي يصلح به معاشكم بالتصرّف فيه فلا يتصرّف صاحب المال منكم بالإسراف في أكله أو التبذير في بذله أووضعه في غير موضعه من معاصي الله وهكذا"[5].


 

[1] المصدر نفسه، ج4،ص 54.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6،ص 441.

[3] ينظر: المحقّق النراقيّ، عوائد الأيام، مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلاميّ، 1417 - 1375م، ط1، ص633 635.

[4] سورة الأعراف، الآية 31.

[5] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج7، ص 364.


162

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

ب- ذمّ المبذّرين: وقال في ذمِّ المبذّرين ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾[1].

 

ثانياً: الروايات الشريفة: وأكّدت الروايات الشريفة سوء هذا التصرّف:

أ- إنّه من سوء تدبير العيش: وقد كتب الإمام عليّ عليه السلام كتاباً لزياد فيِ ذمّ الإسراف جاء فيه: "فَدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِداً واذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً وأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ وقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ..."[2].

 

ب- يؤدّي للابتعاد عن الله تعالى: وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ الله إذا أراد بعبد خيراً، ألْهمه الاِقتصاد، وحسن التدبير وجنّبه سوء التّدبير، والإسراف"[3].

 

ج- إنّه أمر محرّم: عن الإمام الصادق عليه السلام: "أترى الله تعالى أعطى من أعطى من كرامة عليه، ومنع من منع من هوان به عليه؟ ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوَّز لهم أن يأكلوا قصداً، ويشربوا قصداً، وينكحوا قصداً، ويركبوا قصداً ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، ويلمّوا به شعثهم، فمن فعل ذلك، كان ما يأكل حلالاً، ويركب حلالاً، وينكح حلالاً، ومن عدا ذلك كان عليه حراماً، ثمّ قال: ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[4].


 

[1] سورة الإسراء، الآية 27.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، 21، ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد، ص 377.

[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص131.

[4] سورة الأنعام، ص141.


163

المحاضرة الثانية والعشرون: الإسراف والتبذير

4- الإصلاح والتغيير في الحياة

أوّلاً: معرفة مسؤوليّة الإنسان عن ماله:

الإنسان حسب القاعدة الإسلاميّة مَسْؤُولٌ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ عن أبي جعفرعليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تزول قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله عزّ وجلّ، حتّى يسأله عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته؟ وعن حبّنا أهل البيت"[1].

 

ثانياً: معرفة أهمّيّة التدبير:

أ- درجة من الإيمان: عن الإمام الصادق عليه السلام قَالَ: "إِصْلَاحُ الْمَالِ مِنَ الإِيمَانِ"[2].

 

ب- صلاح المسلم: وعنه عليه السلام: "لَا يُصْلِحُ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ إِلَّا ثَلَاثَةٌ التَّفَقُّه فِي الدِّينِ والصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ وحُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ"[3].

 

ج- درجة من الكمال: عنه عليه السلام: "الكَمالُ كُلُّ الكَمالِ: التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، وَالصَّبرُ عَلَى النّائبَةِ، وَتَقديرُ المعيشةِ"[4].

 

 

[1] القمّيّ، عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، مصدر سابق، ج2، ص2.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص 87.

[3] المصدر نفسه، ج5، ص 88.

[4] ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول، مصدر سابق، ص 292.


164

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

 

 

الهدف:

فهم معنى الاختلاط وضوابطه الشرعيّة.

 

المحاور الرئيسة:

1- معنى الاختلاط وحكمه.

2- الوصيّة بعدم الاختلاط.

3- ضوابط الاختلاط المباح.

4- الخلوة وآثارها.


165

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾[1].

 

1- معنى الاختلاط وحكمه

المراد بالاختلاط هو اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد، في بيت أو سوق أو طريق... فكلّ لقاء لأحد الجنسين مع الآخر هو نوع من أنواع الاختلاط.

 

والإنسان يعيش عادة في مجتمع مختلط، ولأفراده حاجات متبادلة يعسُر معها فرض عُزلة الرجال عن النساء بشكل كامل، بل نجد الاختلاط موجوداً حتّى في بعض الأمور الشرعيّة الأساسيّة، كالحجّ، وكذلك الجهاد كما يُستفاد من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان للنساء دورٌ أساس في المعركة من مداواة الجرحى وسقي الماء ونحو ذلك...

 

وقد ورد عند مراجعنا العظام حرمة الاختلاط إن كان يؤدّي أو يُخشى معه من الوقوع في الحرام.

 

2- الوصيّة بعدم الاختلاط

رُوي عن الإمام علي عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام، في وصيّته إليه: "واكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ


 

[1] سورة القصص، الآية 23.


166

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

الْحِجَابِ خَيْرٌ لَكَ ولَهُنَّ مِنَ الِارْتِيَابِ، ولَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَا تَثِقُ بِه عَلَيْهِنَّ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ مِنَ الرِّجَالِ فَافْعَلْ"[1].

 

3- ضوابط الاختلاط المباح

حثّت الشريعة الإسلاميّة على الالتزام ببعض الضوابط التي تساعد على الأمن من الانزلاق في مخاطر الاختلاط. لذا، يجب مراعاتها والالتفات إليها، ونذكر منها:

أ- غضّ البصر عمّا لا يحلّ النظر إليه: قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾[2].

 

عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "اشتدّ غضب الله على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها"[3].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة"[4].

 

ب- مراعاة الحجاب والستر: قال تعالى: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾[5], ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾[6].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص338.

[2] سورة النور، الآية30.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج101، ص39.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص559.

[5] سورة النور، الآية31.

[6] سورة الأحزاب، الآية59.


167

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

ج- اللمس والمصافحة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "من صافح امرأة تحرم عليه فقد[1] باء بسخط من الله عزّ وجلّ"[2].

 

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "ولا يجوز للمرأة أن تصافح غيرَ ذي محرم إلّا من وراء ثوبها".

 

د- التبرّج والزينة: قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾[3].

 

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ونهى أن تتزيّن لغير زوجها، فإن فعلت كان حقّاً على الله أن يحرقها بالنار"[4].

 

هـ- الرائحة والطيب: عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام: "ولا يجوز لها أن تتطيّب إذا خرجت من بيتها"[5].

 

و- الخضوع والإغراء في القول: قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾[6].

 

ز- تقوية عنصر الحياء والعفّة: عن الإمام عليّ عليه السلام: "الحياء يصدّ عن الفعل القبيح"[7].

 

ح- عدم الخلوة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "فإنّ الرجل والمرأة إذا خليا في بيتٍ، كان ثالثهما الشيطان"[8].


 

[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج4، ص14.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج100، ص256.

[3] سورة النور، 31.

[4] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج4، ص6.

[5] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص587.

[6] سورة الأحزاب، الآية32.

[7] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص28.

[8] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج3، ص252.


168

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

ط- كثرة الضحك والمزاح: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن فاكه امرأة لا يملكها حبسه الله بكلّ كلمة في الدنيا ألف عام"[1].

 

عن أبي بصير، قال: كنت أقرئ امرأة القرآن، وأعلّمها إيّاه، قال: فمازحتها بشيء، فلمّا قدمت على أبي جعفر عليه السلام، قال لي: "يا أبا بصير، أيّ شيء قلت للمرأة؟! فقلت بيديّ هكذا، يعني غطّيت وجهي، فقال: لا تعودنَّ إليها"[2].

 

4- الخلوة وآثارها

حرّمت الشريعة المقدّسة نوعاً من الاختلاط، وهو الاختلاط الذي يصل إلى حدّ الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبيّين، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على النساء أن لا ينِحنَ، ولا يخمشنَ ولا يقعدنَ مع الرجال في الخلاء"[3].

 

وفيما يلي نذكر بعضاً من آثارها:

أ- الشيطان ثالثهما: عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يخلونّ رجل بامرأة، فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما"[4].

 

ب- مفسدة للقلوب: عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "أربع مفسدة للقلوب: الخلوة بالنساء، والاستماع منهنّ، والأخذ برأيهنّ، ومجالسة الموتى"، فقيل: يا رسول الله، وما مجالسة


 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج7، ص214.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج46، ص258.

[3] الطبرسيّ، الشيخ الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص233.

[4] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، مصدر سابق، ج2، ص214.


169

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

الموتى؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "مجالسة كلّ ضالّ عن الإيمان وجائر عن الأحكام"[1].

 

ج- سببٌ للفجور: عن الإمام علي عليه السلام: "سبب الفجور الخلوة"[2].

 

[1] الشيخ المفيد، الأمالي، مصدر سابق، ص316.

[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص282.


170

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

المحاضرة الرابعة والعشرون: مفسدات المجتمع  (الخمر والمخدّرات)

 

الهدف:

التعرّف إلى آثار الخمر ومساوئه، والأحكام الشرعيّة للمخدّرات.

 

 

المحاور الرئيسة:

1- الخمر يُذهب العقل.

2- آثار شرب الخمر.

3- المخدّرات.

4- أحكام المخدّرات.

 


171

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

قال الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[1].

 

1- الخمر يُذهب العقل

العقل نعمة إلهيّة كبرى، تميّز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، فبالعقل يُعبدُ الرحمن، وبه تُكتسب الجنان، كما يعبّر الإمام الصادق عليه السلام.

 

ولكي يبقى العقل حاكماً ومسيطراً على قوى النفس الحيوانيّة، حرّم الله على الإنسان ما يُذهب عقله:

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "فرض الله... ترك شرب الخمر تحصيناً للعقل"[2].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "وأمّا الخمر فإنّه حرّمها لفعلها ولفسادها"، وقال: "مدمن الخمر كعابد وثن، تورثه الارتعاش، وتذهب بنوره، وتهدم مروءته وتحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا، فلا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه، وهو لا يعقل ذلك، والخمر لا يزداد شاربها إلّا كلّ سوء"[3].


 

[1] سورة المائدة، الآية90.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج4، ص56.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص243.


172

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

2- آثار شرب الخمر

إنّ لشرب الخمر آثاراً عديدة وسيّئة، نذكر منها:

أ- لا تُقبل صلاته: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من شرب الخمر لم يقبل منه صلاة أربعين ليلة، فإن عاد فأربعين ليلة من يوم شربها، فإن مات في تلك الأربعين من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال"[1].

 

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من شرب المسكر لم تقبل صلاته أربعين يوما وليلة"[2].

 

ب- ملعون: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لعن الله الخمر، وغارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وبايعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه"[3].

 

ج- كلاب أهل النار: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تجالسوا شارب الخمر، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشيّعوا جنائزهم، ولا تصلّوا على أمواتهم، فإنّهم كلاب أهل النار"[4].

 

د- شارب الخمر كعابد وثن: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مدمن الخمر يلقى الله عزّ وجلّ كعابد وثن"[5].


 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج76، ص131.

[2] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص632.

[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق ج4، ص8.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج76، ص149.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص404.


173

المحاضرة الثالثة عشرة: حقّ البطن

هـ- مفتاح الشرّ: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "جُمع الشرّ كلّه في بيت، وجُعل مفتاحه شرب الخمر"[1].

 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ جعل للشرّ أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب"[2].

 

و- يموتون عُطاشى ويُحشرون عُطاشى ويدخلون النار عُطاشى: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ أهل الريّ في الدنيا من المسكر، يموتون عُطاشى ويُحشرون عُطاشى ويدخلون النار عُطاشى"[3].

 

ز- يأتي يوم القيامة مسودّاً وجهه: عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "يؤتى شارب الخمر يوم القيامة مسودّاً وجهه، مدلعاً لسانه، يسيل لعابه على صدره"[4].

 

3- المخدّرات

إنّ من الحالات المرضيّة المستعصية إدمان المخدّرات، وقد ورد تحريمها في الشريعة الإسلاميّة لكونها من المسكرات التي تُذهب العقل. وقد عبّرت عنه الروايات بالبنج، ومن عواقبه وآثاره:

أ- رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريء منهم: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سيأتي زمان على أمّتي يأكلون شيئاً اسمه البنج، أنا بريء منهم، وهم بريئون منّي"[5].


 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج76، ص148.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص403.

[3] المصدر نفسه، ج6، ص400.

[4] المصدر نفسه، ج6، ص396.

[5] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج17، ص85.


174

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

ب- كافر: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من احتقر ذنب البنج، فقد كفر"[1].

 

ج- كأنّما هدم الكعبة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أكل البنج فكأنّما هدم الكعبة سبعين مرّة، وكأنّما قتل سبعين ملكاً مقرّباً، وكأنّما قتل سبعين نبيّاً مرسلاً، وكأنّما أحرق سبعين مصحفاً، وكأنما رمى إلى الله سبعين حجراً، وهو أبعد من رحمة الله من شارب الخمر وآكل الربا والزاني والنمّام"[2].

 

وقد ورد النهي عن التسليم عليهم، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سلّموا على اليهود والنصارى، ولا تسلّموا على آكل البنج"[3].

 

4- أحكام المخدّرات

إليكم بعض الأحكام المتعلّقة بالمخدّرات، طبقاً لفتاوى الإمام الخامنئيّ دام ظله[4]:

أ- تناول الموادّ المخدّرة: لا يجوز استعمال الموادّ المخدّرة والاستفادة منها مطلقاً، نظراً إلى ما يترتّب على استعمالها من الآثار السيئة، من قبيل الأضرار الشخصيّة والاجتماعيّة المعتدّ بها.

 

[1] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج17، ص86.

[2] المصدر نفسه، ج17، ص86.

[3] المصدر نفسه، ج17، ص86.

[4] إعداد مجلّة بقيّة الله، الأحكام المنتخبة من فقه الوليّ، نشر دار المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، لبنان بيروت، 2017م، ط1، ص235.


175

المحاضرة الثالثة والعشرون: الاختلاط وآثاره

ب- التكسّب بالموادّ المخدّرة: لا يجوز التكسّب بالموادّ المخدّرة بيعاً وشراءً، كما لا يجوز التكسّب بحملها، أو نقلها، أو حفظها، أو غير ذلك.

 

ج- التداوي بالموادّ المخدّرة: يجوز التداوي بالموادّ المخدّرة إذا توافر شرطان معاً، وهما:

الأوّل: إذا كان التداوي والعلاج متوقّفين على استعمالها.

الثاني: أن يكون بتجويز الطبيب الموثوق به.

 

د- زراعة الأعشاب المخدّرة: لا تجوز زراعة الأعشاب إذا كانت لغرض صنع المخدّرات واستعمالها في الحرام، أمّا إذا كانت الزراعة للانتفاع المحلَّل المعتدّ به، كالاستفادة منها في صنع الأدوية، وفي علاج المرضى، ونحو ذلك، فتجوز بمقدار الحاجة المحلَّلة، ولا تجوز لغير ذلك.

 

هـ- مال المخدّرات: لا يجوز التصرّف في المال الحرام. وكلّ مال يُعلم بأنّه حرام يجب ردّه إلى مالكه الشرعيّ إن كان يعرفه ولو في عدد محصور، وإن لم يكن يعرفه أو كان في عدد غير محصور، فلا يجوز التصرّف فيه، بل يجب التصدّق به كلّه على الفقراء بإذن الحاكم الشرعيّ أو وكيله على الأحوط وجوباً، ولا يجوز بدون الإذن.

 

وإذا كان المال الحرام مختلطاً بالحلال، ولا يعرف مقداره ولا مالكه الشرعيّ، فيجب تخميس هذه المال المختلط، ودفع الخمس إلى الحاكم الشرعيّ أو وكيله، وهذا ما يُسمّى بخمس التحليل، وهو غير تخميس المال عند رأس السنة الخمسيّة.


176

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

 

 

الهدف:

الاقتداء بالإمام الحسن عليه السلام من خلال التعرّف إلى أخلاقه وكرمه وعبادته.

 

المحاور الرئيسة:

1- الإمام الحسن عليه السلام في سطور.

2- الإمام الحسن عليه السلام علم المهتدين:

أ- من أخلاق الإمام الحسن عليه السلام.

ب- كرم الإمام الحسن عليه السلام.

ت- عبادة الإمام الحسن عليه السلام.

 


177

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

قال ابن طوطي:

بنفسي نفسا بالبقيع تغيب             ونور هدى في قبره ظلّ يقبر

إمام هدى عفّ الخلائق ماجد        تقيّ نقيّ ذو عفاف مطهّر

أشدّ عباد الله بأسا لدى الوغى       وأجلى لكشف الأمر وهو معسر

وأزهد في الدنيا وأطيب مَحتدِاً          وأطعن دون المحصنات واغير[1].

 

1- الإمام الحسن عليه السلام في سطور

هو الإمام أبو محمد الحسن بن عليّ بن أبي طالب المجتبى، ثاني أئمة أهل البيت عليهم السلام، وسيّد شباب أهل الجنّة بإجماع المحدّثين، وأحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحد الأربعة الذين باهى بهم رسول الله نصارى نجران، ومن المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس، ومن ذوي القربى الذين أمر الله بموّدتهم، وأحد الثقلين الذين من تمسّك بهما نجا ومن تخلّف عنهما ضلّ وغوى.

 

وكان الإمام المجتبى عليه السلام في جميع مواقفه ومراحل حياته مثالاً كريماً للخُلق الإسلامي النبويّ الرفيع في تحمّل الأذى والمكروه في ذات


 

[1] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج3، ص198.


178

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

الله، والتحلّي بالصبر الجميل والحلم الكبير، حتّى اعترف له ألدّ أعدائه مروان بن الحكم بأنّ حلمه يوازي الجبال. كما اشتهرعليه السلام بالسماحة والكرم والجود والسخاء بنحو تميّز به عن سائر الكرماء والأسخياء.

 

2- الإمام الحسن عليه السلام علم المهتدين

أوّلاً: من أخلاق الإمام الحسن:

أ- قصّة الرجل الشاميّ: دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلاً راكباً بغلة حسنة فقال: لم أر أحسن منه فمال قلبه إليه، فسأل عنه فقيل له: إنّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام فامتلأ قلبه غيظاً وحنقاً وحسداً أن يكون لعليّ عليه السلام ولد مثله، وقام إليه وقال: أنت ابن عليّ بن أبي طالب فقال: "أنا ابنه"، فأخذ الرجل يشتمّ الإمام عليه السلام حتّى نال منه ومن أبيه أمير المؤمنينعليه السلام، والإمام ساكت فلمّا انقضى كلامه ضحك الإمام سلام الله عليه وقال له: "أحسبك غريباً شاميّاً". فقال الرجل: أجل. فقال الإمام: "فمل معي إن احتجت إلى منزل أنزلناك وإلى مالٍ أرفدناك وإلى حاجةٍ عاوناك"، فاستحيا الرجل منه وعجب من كرم أخلاقه فانصرف وقد صار يحبّه حُبّاً لا يحبّ أحد غيره[1].


 

[1] الإربليّ، الشيخ عليّ بن أبي الفتح، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، دار الأضواء، لبنان - بيروت، 1405ه - 1985م، ط2، ج2، ص183.


179

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

ب- موقفه مع الجارية: ومن مكارمه عليه السلام أنّ جارية حيّته بباقة من ريحان، فقال: "أنت حرّة لوجه الله"، فلامه بعضهم في ذلك على أن الموقف لا يستدعي أعتاقها، فأجابه الإمام: "أدّبنا الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾[1] وكان أحسن منها إعتاقنا"[2].

 

ج- معاملته مع السائلين المحتاجين: لقد كان عليه السلام يمنح الفقراء برّه قبل أن يبوحوا بحوائجهم ويذكروا مديحهم، لئلّا يظهر عليهم ذلّ السؤال.

 

وحكي أنّ رجلاً جاء الى الإمام الحسن عليه السلام فشكا حاله وعسره وأنشد:

لم يبق لي شيء يباع بدرهم      يكفيك منظر حالتي عن مخبري

إلّا بقايا ماء وجـه صنته          ألّا يباع وقد وجدتك مشترياً

 

فدعا الإمام عليه السلام خازنه وقال له: "كم عندك من المال؟" قال: اثنا عشر ألف درهم فأمره بدفعها إلى الفقير وإنّه يستحيي منه فقال الخازن: إذاً لم يبق شيء عندنا للنفقة فأمره مرّة ثانية بإعطائها إليه وحسن الظنّ بالله، فدفع المال إليه وأعتذر الإمام إليه وقال: "إنا لم نُوفّ حقّك لكن بذلنا لك ما كان عندنا"، ثمّ أنشد:


 

[1] سورة النساء، الآية 86.

[2] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج3، ص 183.


180

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

 

عاجلتنا فأتـاك وابل برّنــا            طلّاً ولو أمهلتنــــا لم تمطر

فخذ القليل وكن كأنّك لم تبع     ما صنته وكأنّنا لـــم نشتر

 

د- الرأفة بالحيوان: روى العلّامة المجلسيّ في بعض كتب المناقب المعتبرة بإسناده عن نجيح، قال: رأيت الحسن بن عليّ عليهما السلام يأكل وبين يديه كلب كلمّا أكل لقمة طرح للكلب مثلها فقلت له: يا بن رسول الله ألّا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟ قال: "دعه، إنّي لأستحيي من الله عزّ وجلّ أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثمّ لا أطعمه"[1].

 

2- كرم الإمام المجتبى عليه السلام

عُرف الإمام المجتبى عليه السلام بكريم أهل البيت عليهم السلام، فهو الذي قاسم الله أمواله ثلاث مرّات، نصف يدفعه في سبيل الله ونصف يبقيه له، بل وصل إلى أبعد من ذلك، فقد أخرج ماله كلّه مرّتين في سبيل الله ولم يبقِ لنفسه شيئاً[2].

 

نذكر بعض الشواهد لهذه الصفة المتميِّزة عند الإمام عليه السلام:

روي أنَّ الإمام الحسن عليه السلام خرج مع أخيه الإمام الحسين عليه السلام وعبد الله بن جعفر حُجَّاجاً، فَجَاعوا وعطشوا في الطريق، فمرّوا بعجوز في خباء لها، فقالوا: "هَلْ مِن شراب؟" فقالت: نعم هذه شَاة


 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج43، ص352.

[2] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج3، ص 180.


181

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

احلبوها، واشربوا لبنها، ففعلوا ذلك، ثمّ قالوا لها: "هلْ مِن طَعَام"؟ فقالت: لا، إلاّ هذه الشاة، فليذبحها أحدكم حتَّى أُهيّئ لكم شيئاً تأكلون.

 

فقام إليها أحدهم فذبَحَها وكشطها، ثمّ هَيَّأت لهم طعاماً فأكلوا، فلمّا ارتحلوا قالوا لها: "نحن نَفَرٌ من قريش، نريد هذا الوجه، فإذَا رَجعنا سالمين فأَلِمِّي بنا فإنَّا صانعون إليكِ خيراً"، ثمّ ارتحلوا.

 

وأقبل زوجُها، وأخبَرَتْه عن القوم والشاة، فغضب الرجل وقال: وَيْحكِ، تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم، ثمّ تقولين: نَفَرٌ من قريش.

 

ثمّ بعد مدَّة أَلجَأَتْهُم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها، فمرَّت العجوز في بعض سِكَك المدينة، فإذا بالحسن عليه السلام على باب داره، فَسَلَّمَت عليه، فعرفها الإمام عليه السلام، وأمر أن يُشتَرَى لها ألف شاة، وتُعطَى ألف دينار.

 

وأرسل معها غلامه إلى أخيه الحسينعليه السلام، فقال: "بِكَمْ وصلك أخي الحسن؟" فقالت: بألف شاة وألف دينار، فأمر عليه السلام لها بمثل ذلك.

 

ثمّ بعثَ عليه السلام بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر، فقال: "بكم وَصَلك الحسن والحسين عليهما السلام؟" فقالت: بألفي دينار وألفي شاة، فأمر لها عبد الله بن جعفر بمثل ذلك، فَرجَعَت العجوز إلى زوجها بذلك[1].

 

[1] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج3، ص 183. (بتصرف).


182

المحاضرة الخامسة والعشرون: علم المهتدين الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

روي أنّه قيل ذات مرّة للإمام عليه السلام: لأيِّ شيء لا نراك تردُّ سائلاً؟ فقال عليه السلام: "إنِّي للهِ سائل، وفيه راغب، وأنا أستحيي أن أكونَ سائلاً، وأَرُدَّ سائلاً، وإنَّ الله عَوَّدني عادة، أن يفيض نعمه عليّ، وعَوَّدتُه أن أفيض نِعَمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة"[1].

 

3- عبادة الإمام الحسن عليه السلام

عن المفضّل بن عمر، قال: قال الصادق عليه السلام: حدّثني أبي، عن أبيه: أنّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذِكرُه شهق شهقة يغشى عليه منها.

 

وكان إذاعليه السلام قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ وجلّ، وكان إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله تعالى الجنّة، وتعوّذ به من النار، وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلّا قال: "لبّيك اللهمّ لبّيك"، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلّا ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقاً"[2].

 

[1] الشافعي، الشبلنجي، نور الأبصار، ص 177.

[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص244.


183

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

 

 

 

الهدف:

التعرّف إلى منزلة المجاهدين، وحقوقهم على الأمّة.

 

المحاور الرئيسة:

1- المقام الرفيع للجهاد والمجاهدين.

2- فضيلة المجاهد.

3- حقوق المجاهدين.

 


184

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للجنّة باب يقال له: باب المجاهدين، يمضون إليه فإذا هو مفتوح والمجاهدون متقلّدون سيوفهم، والجمع في الموقف والملائكة ترحّب بهم، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلّاً وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، إنّ الله تبارك وتعالى أعزّ أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها"[1].

 

1- المقام الرفيع للجهاد والمجاهدين

أوّلاً: القرآن الكريم:

إنّ الجهاد خير تجارة مع الله تعالى، فالإنسان في هذه الحياة هو بمثابة تاجر، يعيش بين البيع والشراء والخطاب القرآنيّ أشار إلى هذا التعبير، حيث يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[2].

 

ثانياً: السُنّة الشريفة:

أشارت السُنّة الشريفة إلى أهمّيّة الجهاد، وأكّدت تأثيره ودوره في المجتمع، ونشير إلى بعض هذه الروايات، وهي:

 

[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص673.

[2] سورة الصفّ، الآيتان 10 - 11.


185

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

أ- أحبّ الخطوات إلى الله: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من خطوة أحبّ إلى الله من خطوتين: خطوة يسدّ بها مؤمن صفّاً في سبيل الله، وخطوة يخطوها مؤمن إلى ذي رحم قاطع يصلها"[1].

 

ب- عماد الدين: عن الإمام عليّ عليه السلام: "الجهاد عماد الدين، ومنهاج السعداء"[2].

 

ج- أشرف الأعمال: وعنه عليه السلام: "إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام، وهو قوام الدين، والأجر فيه عظيم مع العزّة والمنعة، وهو الكرة، فيه الحسنات والبشرى بالجنّة بعد الشهادة"[3].

 

د- أفضل الأشياء: عن الإمام الصادق عليه السلام: "الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض"[4].

 

2- فضيلة المجاهد

أ- قال تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾[5].

 

ب- فتح أبواب السماء: قال الإمام عليّ عليه السلام: "المجاهدون تُفتح لهم أبواب السماء"[6].


 

[1] الشيخ المفيد، الأمالي، مصدر سابق، ص11.

[2] الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ح1346.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق،ج5، ص37.

[4] المصدر نفسه، ج5، ص4.

[5] سورة النساء، الآية 95.

[6] الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق،ح7659.


186

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

ج- طوبى: قال الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ الله كتب القتل على قوم، والموت على آخرين وكلٌ آتيه منيّته كما كتب الله له، فطوبى للمجاهدين في سبيله، والمقتولين في سبيله"[1].

 

د- الحياة والأجر والغفران: قال الإمام الباقر عليه السلام: "أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنّي راغب نشيط في الجهاد، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "فجاهد في سبيل الله فإنّك إن تقتل كنت حيّاً عند الله ترزق، وإن متّ فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت خرجت من الذنوب إلى الله"[2].

 

ج- الجنّة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "السيوف مقاليد الجنّة"[3].

 

3- حقوق المجاهدين

للمجاهدين العديد من الحقوق على المجتمع منها:

أ- إعانة المجاهدين وتجهيزهم:

- روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جهّز غازياً بسلك أو إبرة غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر"[4].

 

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من بلّغ رسالة غاز كان كمن أعتق رقبة، وهو شريكه في باب "ثواب"[5].

 

[1] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 184.

[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص547.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص2.

[4] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج11، ص24.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص8.


187

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

- وروي عن الإمام عليّ عليه السلام: "الجبان لا يحلّ له أن يغزو، لأنّ الجبان ينهزم سريعاً، ولكن ينظر ما كان يريد أن يغزو به فليجهز به غيره، فإنّ له مثل أجره في كلّ شيء ولا ينقص من أجره شيئاً"[1].

 

ب-عدم إيذائهم: فقد ذمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يؤذي المجاهدين، روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من اغتاب غازياً أو آذاه أو خلفه في أهله بخلافة سوء نصب له يوم القيامة علم، فليستفرغ لحسابه ويركس في النار"[2].

 

ج- الوفاء لهم ولمبادئهم: ويكون ذلك بالثبات على خطاهم والدفاع عن المبادئ التي يجاهدون ويستشهدون من أجلها، بتوفير سبل القوة، والوحدة ورصّ الصفوف خلف قيادتهم، وهذا ما نستفيده من مدرسة الإمام عليّ عليه السلام حيث خاطب الناس قائلاً:- "أيّها الناس! إنّ لي عليكُمْ حقَّاً، ولكم عليَّ حقّاً: "فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم"[3].


 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج97، ص49.

[2] المصدر نفسه، ص50.

[3] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج1، ص84.


188

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

د- حفظ كرامة أسرة المجاهد: فالمجاهد قدّم نفسه وأغلى ما يملك على مذبح الشهادة، وهو في لحظة يمكن أن ينال شرف الشهادة، وأقلّ ما يمكن أن يواسى به المجاهد أن يحفظ المجتمع أسرته وأطفاله بتأمين رغد العيش والحياة الكريمة بكلّ متطلّباتها.

 

هـ- الدعم المعنويّ والنفسيّ للمجاهدين: يعتبر العنصر النفسيّ والمعنويّ سلاحاً قويّاً إلى جانب السلاح العسكريّ، ويجتمع في تعزيز هذه الجانب إضافة للمجاهدين أنفسهم جهتان: القيادة، والمجتمع، فكلّما كان المجتمع صادقاً ويتحلّى بالمعنويات العالية، ويقف خلف المجاهدين وقيادتهم في مواجهة العدوّ تعزّز عنصر الثبات في المعركة، وساهم في تحقيق النصر.

 

و- المساهمة في تحمّل المصاعب والابتلاءات الناتجة من الجهاد: فالهدف: الأسمى والمقدّس للجهاد والمجاهدين هو الدفاع عن الكرامات، والأعراض والممتلكات للناس من هيمنة العدو، ومن الطبيعيّ أن ينتج من الحرب والقتال خسائر مادّيّة وبشريّة في ساحة الحرب، وهذا ما يلحق الخسائر بالناس، فيجب التحمّل في سبيل حفظ الكرامة.

 

ز- العطف على المجاهدين وتكريمهم: فتكريم المجاهد ومن قدّم إنجازاً كبيراً وتحفيز المجاهدين بالثناء على جهادهم وعظمة ما يقومون به يخلق في أنفسهم دافعاً كبيراً لتقديم الأكثر، والحفاظ على القدرات، ويبقي الهِممَ في أعلى درجاتها،

 


189

المحاضرة السادسة والعشرون: الجهاد عماد الدين

كما أنّ في ذكر ما أبدى أهل الشجاعة منهم تشجيعاً لمن يطرق الخوف قلبه، وتحفيزاً له على التجرّؤ للقتال، ففي الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام من عهده للأشتر: "وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته... فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإنّ كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهزّ الشجاع، وتحرّض الناكل إن شاء الله"[1].

 

 

[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج3، ص92.


190

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

 

 

الهدف:

التعرّف إلى مفهوم الشهادة وفضلها، ويدفع شبهة أن الشهادة لا تعبّر عن ثقافة الحياة الحقيقية للمؤمن.

 

المحاور الرئيسة:

1- معنى الشَّهادة.

2- هل الشهادة مطلوبة لنفسها؟

3- هل الشهادة تنافي ثقافة الحياة؟

4- طلب الشهادة وحبّها.

5- فضل الشهادة في سبيل الله.

6- خصال الشهداء.


191

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾[1].

 

1- معنى الشَّهادة

الإمام الخامنئيّ دام ظله في معنى الشهيد وحقيقته: "الشهيد هو الإنسان الذي يقتل في سبيل الأهداف المعنويّة ويضحّي بروحه - التي هي الجوهر الأصليّ لكلّ إنسان - لأجل الهدف: والمقصد الإلهيّ. والله المتعالي يردّ على هذا الإيثار والتضحية العظيمة بأن يجعل ذكر ذلك الشخص وفكره حاضراً دائماً في أمّته ويبقى هدفه السامي حيّاً. هذه هي خاصيّة القتل في سبيل الله. فالأشخاص الذين يقتلون في سبيله يحيون، أجسادهم تموت ولكن وجودهم الحقيقيّ يبقى حيّاً"[2].

 

2- هل الشهادة مطلوبة لنفسها؟

لعل بعض الناس يظنّ، أنّ الشهادة مطلوبة بحدّ ذاتها أي لكونها إنهاء لحياة الإنسان بحسب ظاهرها، إلّا أنّ الشهادة لا تطلب لذاتها، بل تطلب لأنّها من الطرق المؤدية لرضا الله تعالى، روي عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: "فو الله إنّي لعلى الحقّ وإني للشهادة لمحبّ"[3].


 

[1] السيد الخامنئيّ، عطر الشهادة، ص13، مركز باء.

[2] ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج1، ص213.

[3] سورة آل عمران، الآية 170.


192

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

3- هل الشهادة تنافي ثقافة الحياة؟

يحاول بعض الناس النيل من أهل الجهاد بترديد شعار: نحن نريد الحياة والعيش بسلام، ويعرّضون بالجهاد وأهله وأن الشهادة وطلبها هي ثقافة موت.

 

ولو دقّقنا قليلاً في فلسفة الشهادة ومعناها الحقيقيّ وآثارها في الأمّة، لعرفنا أنّ الشهادة في سبيل الله تعالى وثقافة الشهادة هي ثقافة الحياة السعيدة، قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[1].

 

ولهذا فالشهيد هو الحيّ الحقيقيّ لأنّه وصل لتلك الحياة الخالدة الباقية التي فيها من النعيم المقيم ما فيها ولهذا نهانا الله تعالى عن أن نقول للشهيد ميتاً حيث يقول: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾[2].

 

4- طلب الشهادة وحبّها

بما أنّ الشهادة هي الحياة الحقيقيّة للإنسان، وهي الكمال المعنويّ الذي يصل إليه الإنسان حتّى ينتقل إلى عالم الآخرة، فقد أكّدت الروايات حبّ الشهادة وطلبها:

أ- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لوَددتُ أنّى أغزو في سبيل الله، فأقتل ثمّ أغزو فأقتل ثمّ أغزو فأُقتل"[3].

 

[1] سورة آل عمران، الآية 170.

[2] سورة البقرة، الآية 154.

[3] مسلم النيسابوريّ، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، مصدر سابق،ج3، ص1496.


193

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

ب- قال الإمام عليّ عليه السلام: "فوالله إنّي لعلى الحقّ وإنّي للشهادة لمحبّ"[1].

 

5- فضل الشهادة في سبيل الله

أ- أفضل البرّ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فوق كلّ برّ برّ حتّى يُقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله عزّ وجلّ فليس فوقه برّ"[2].

 

ب- أشرف الموت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أشرف الموت قتل الشهادة"[3].

 

ج- أحبّ قطرة: قال الإمام زين العابدين عليه السلام: "ما من قطرة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها عبد إلّا الله عزّ وجلّ"[4].

 

د- السعادة والنصر: قال الإمام زين العابدين عليه السلام: - في الدعاء - "حمداً نسعد به في السعداء من أوليائه، ونصير به في نظم الشهداء بسيوف أعدائه"[5].

 

هـ- الشهادة والموافقة للأولياء: عن أمير المؤمنين عليه السلام: دعاء

 

[1] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج1ص213.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص53.

[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص576.

[4] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص50.

[5] الصحيفة السجاّديّة، مصدر سابق، ص32.


194

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

أمير المؤمنين عليه السلام لهاشم بن عتبة، فقال: "اللهمّ ارزقه الشهادة في سبيلك والموافقة لنبيّك"[1].

 

و- حسن العاقبة: عن أمير المؤمنين عليه السلام: ومن دعائه عليه السلام لما عزم على لقاء القوم بصفّين: "اللهمّ ربّ السقف المرفوع، إنْ أظهرتنا على عدوّنا، فجنِّبنا البغي، وسدّدنا للحقّ، وإن أظهرتهم علينا، فارزقنا الشهادة، واعصمنا من الفتنة"[2].

 

ز- حسن العاقبة: عن أمير المؤمنين عليه السلام في ختام كتابه عليه السلام للأشتر لمّا ولّاه مصر: "وأنا أسأل الله بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة، أن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة"[3].

 

ح- الحياة وطريق الحقّ: قال الإمام عليّ عليه السلام: "ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً، وأقبل منها ما كان مدبراً، وأزمَعَ التّرحال عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى، ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم بصفّين ألّا يكونوا اليوم أحياء، أينإخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحقّ؟! الّذين تعاقدوا على المنيّة وأُبرد برؤوسهم إلى الفجرة"[4].

 

[1] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج 2، صفحة 184.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج2، ص84.

[3] المصدر نفسه، ج3، ص110.

[4] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج1، ص99.


195

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

ط- طوبى: في وقعة الصفين، قال زياد بن النّضر الحارثيّ لعبد الله بن بُديل "إنّ يومنا اليوم عَصَبْصَب[1]، ما يصبر عليه إلاّ كلّ مشيع القلب[2]، الصّادق النيّة رابط الجأش، وايم الله ما أظنّ ذلك اليوم يبقى منهم ولا منّا إلاّ الرذّال، فقال عبد الله بن بُديل: أنا والله أظنّ ذلك، فبلغ كلامهما عليّاًعليه السلام، فقال لهما: "ليكن هذا الكلام مخزوناً في صدوركم لا تظهراه ولا يسمعه منكما سامع إنّ الله كتب القتل على قوم، والموت على آخرين، وكل آتيه منيته كما كتب الله له فطوبى للمجاهدين في سبيله، والمقتولين في طاعته"[3].

 

ي. كفارة للذنوب: قال الباقرعليه السلام: "كل ذنب يكفّره القتل في سبيل الله إلّا الدّين فإنّه لا كفارة له إلّا أداؤه، أو يقضي صاحبه، أو يعفو الذي له الحقّ"[4].

 

6- خصال الشهداء

بعد أن منحت الروايات للشهادة في سبيل الله هذا الفضل العظيم، أعطت أيضاً للشهيد الخصال العديد التي تبدأ عند أول قطرة دم تراق في سبيل الله تعالى، وهذه الخصال، هي:


 

[1] العصبصب: الشديد.

[2] المشيع القلب: القويّ الجادّ، الشجاع.

[3] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج3، ص183- 184.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافيّ، مصدر سابق، ج5، ص94.


196

المحاضرة السابعة والعشرون: الشهادة ثقافة حياة

أ- الخصال السبع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للشهيد سبعُ خصال من الله: أولُ قطرة من دمه مغفورٌ له كلّ ذنب، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحباً بك، ويقول هو مثلَ ذلك لهما، والثالثة يُكسى من كسوة الجنّة، والرابعة، يبتدره خزنةُ الجنّة بكلّ ريح طيّبة، أيُّهم يأخذه معه، والخامسة، أن يرى منزله، والسادسة، يقال لروحه: اسرحي في الجنّة حيث شئت، والسابعة أن ينظر في وجه الله، وإنّها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد"[1].

 

ب- غفران الذنوب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أوّل ما يُهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كلّه إلاّ الدين"[2].

 

[1] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، مصدر سابق، ج3، ص183.

[2] الشيخ محمّد الريشهري، ميزان الحكمة، مصدر سابق، ج2، ص1514.


197

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار (معركة بدر نموذجاً)

 

 

الهدف:

التعرّف إلى معركة بدر بشكل موجز، وإنّ الكثرة والقلّة ليستا ميزاناً لصوابيّة المنهج أو عدمه.

 

المحاور الرئيسة:

1- لمحة تاريخيّة حول معركة بدر.

2- الغلبة ليست رهن كثرة العدّة والعتاد.

3- القلّة والكثرة ليست دليلاً على صوابيّة النهج أو عدمها.

4- المعيار في معرفة طريق الحقّ.


198

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].

 

1- لمحة تاريخيّة حول معركة بدر

كانت "معركة بدر" أوّل معركة مُسلَّحة كبرى خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو والمسلمون في مواجهة المشركين من قريش، وذلك يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة، قُرْبَ بدر على بُعد حوالَى مِائة وستين (كيلو متراً) من المدينة فيما بينها وبين مكّة المكرّمة.

 

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه مستهدفين السيطرة على القافلة التجاريّة التي كان يقودها أبو سفيان، المُتوجِّهة من الشام إلى مكّة، لا طمعاً في المال والغنيمة وإنّما بُغية التعويض على المسلمين ممّا أخذه منهم المشركون، وفرض حصار اقتصاديّ على قريش، علَّ ذلك يدفعها إلى الامتناع عن محاربة الدعوة، والتآمر على الإسلام والمسلمين.

 

لقد كان قرار التصدّي للقافلة ينطوي على احتمال تطوُّر الموقف، وحصول مواجهة عسكريّة، ونشوب معركة حاسمة ومصيريّة، وهو ما حصل فعلاً.

 

[1] سورة آل عمران، الآية 123.


199

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

فقد علم أبو سفيان بتحرُّك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فغيّر طريقه، وأرسل إلى مكّة يطلب النجدة من قريش، فأقبلت قريش بأحقادها وكبريائها بألف مقاتل لحماية القافلة، وحين علمت قريش بنجاة القافلة حاول بعض قادتها أن يكتفي بذلك، ويدعو إلى الانسحاب والعودة إلى مكّة، إلّا أنّ أبا جهل وغيره أصرَّوا على العدوان، فقرّروا الهجوم على المسلمين، والتقى الجمعان في بدر، وبدأت المعركة بالمبارزة ثمّ التحم الجيشان وهما غير مُتكافئين لا من حيث العدد ولا من حيث العتاد، ولكنّ الله أنزل الكثير من ألطافه ورحمته، فتدخّلت يد الغيب، وجاء الإمداد الملائكيّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فحقّق الله سبحانه النصر للإسلام والمسلمين، واندحرت قوّة قريش، وتشتّت جيشها بين قتيل وجريح وأسير، حيث أسفرت المعركة عن قتل سبعين من المشركين وأسر سبعين، ولم يسقط من المسلمين سوى تسعة شهداء وقيل: أحد عشر، وقيل: أربعة عشر شهيداً، ولم يُؤسر منهم أحد.

 

وقد برز للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في هذه المعركة دور كبير، وظهرت شجاعته المُتميِّزة بين صفوف المسلمين، حيث رُوي أنّه قُتل بيده ثُلث قتلى المشركين، وقيل: قتل نصفهم بيده وشارك الآخرين في قتل النصف الآخر.

 

لقد حقّق المسلمون في بدر مكاسب مادّيّة وأمنيّة وعقيديّة وإعلاميّة، ساهمت في خدمة الدعوة وتثبيت أركانها، وتحقيق نقلة نوعيّة في مجمل الأحداث في الجزيرة العربيّة، ووقعت هذه المعركة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية للهجرة.


200

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

2- نتائج تجربة بدر

أ- أنّ القِلّة المؤمنة المجاهدة الصابرة التي تملك إرادة قويّة وعزيمة راسخة، وإخلاصاً، ووعياً، وتخطيطاً، تستطيع أن تُحقّق الانتصارات والإنجازات الكبرى بإذن الله حتّى لو كان العدوّ يملك الكثرة والقوّة الماديّة الكبيرة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾[1].

 

ب- ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[2].

 

ج- إنّ النصر بحاجة إلى عنصر روحيّ معنويّ هو الإيمان بالله، والإخلاص له، والاعتماد عليه، والثقة به، وغير ذلك ممّا يُوفِّر للإنسان قوّة روحيّة ومعنويّة، تُبعده عن الشعور بالقلق والخوف والضياع أمام مواقف التحدّي.

 

3- الغلبة ليست رهن كثرة العدّة والعتاد

قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾[3].


 

[1] سورة آل عمران، الآية 123.

[2] سورة الأنفال، الآيتان 65 - 66.

[3] سورة البقرة، الآية 249.


201

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

إن إجراء مقارنة بين العدّة والعتاد بين جيش المسلمين وجيش المشركين في معركة بدر، حيث جيش المسلمين كان يعدّ 313 رجلاً بينما فاق جيش المشركين الألف، وأمّا ما في العتاد من جياد وسيوف ورماح وسوى ذلك فيكشف عن استحالة هذه المقارنة، وقد حقّق المسلمون النصر على قريش برغم قلّة العدد والعتاد، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة"[1].

 

4- القلّة والكثرة ليست دليلاً على صوابيّة النهج أو عدمها

لطالما وجدنا الناس تجتمع حول السائد أو المشهور أو المتعارف أو الأقوى وهي تغفل أنّ هذه الضوابط كلّها لا يمكن أن تكون معياراً لصوابيّة النهج وأحقيّته، ولذا أكّد الإسلام أنّ صوابيّة الحقّ إنّما تكون فيمن يمثّلون الحقّ حقيقة كالأنبياء والأولياء، وهنا:

أ- قلّة السالكين لطريق الهدى: وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أيّها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله"[2].

 

ب- الكثرة توصل إلى الضلال: قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾[3].

 

وأكبر شاهد في التاريخ على أنّ كثرة العدد والأتباع ليست دليلاً على صوابيّة النهج وأحقّيّته ما جرى في كربلاء حيث واجهت ثلّة


 

[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج2، ص29.

[2] المصدر نفسه، ج2، ص181.

[3] سورة الأنعام، الآية 116.


202

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

قليلة كانت على الحقّ جحافل الأعداء المؤلّفة التي اجتمعت على الباطل.

 

5- المعيار في معرفة طريق الحقّ

يعلّمنا الإسلام أنّ معرفة طريق الحقّ ينبغي أن تكون عبر التفكير والتأمل في معالم هذا الخطّ وبرامجه ومشاريعه وشعاراته ومصداقيّته وسلوكه، لا بالنظر إلى الأفراد والأشخاص القائمين على هذا الخطّ، ولذا حدّد الإسلام معيارين لذلك:

أ- معرفة الحقّ نفسه: عن أمير المؤمنين عليه السلام يوم حرب الجمل ردّاً على سؤال سائل كان محتاراً ومشكّكاً بين جبهة الحقّ وجبهة الباطل وهو يرى عليّاً عليه السلام وصيّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمّه وصهره في جانب، وعائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جانب آخر، فقال له: "إنّه ملبوس عليك، وإنّ الحقّ والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحقّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه"[1].

 

ب- الأنبياء عليهم السلام والأولياء نبراس الحقّ: فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... فإنْ سلك الناس كلّهم وادياً وعليّ في وادٍ فاسلك وادي عليّ، وخلِّ عن الناس يا عمّار"[2].


 

[1] اليعقوبيّ، تاريخ اليعقوبيّ، دار صادر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج2، ص210.

[2] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج3، ص7.


203

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

6- الدعاء بالنصر وطلبه من الله

لقد أدّبنا التراث الدعائيّ الصادر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، على طلب النعم كلّها من الله، ومنها النصر. ونكتفي بذكر نصّين، هما:

أ- دعاء الافتتاح: هذا الدعاء من الأدعية التي يواظب المسلمون على قراءتها في ليالي شهر رمضان، وهو من مفاخر الأدعية الإماميّة. وفيه طلب كثير من النعم من الله تعالى، ومن هذه النعم النصر الذي تكرّر ذكره بأشكال مختلفة على النحو الآتي في الدعاء للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: "اللهمّ أعزّه واعزز به، وانصره وانتصر به، وانصره نصرًا عزيزًا، وافتح له فتحًا يسيرًا، واجعل له من لدنك سلطانًا نصيرًا... وانصرنا به على عدوّك وعدوّنا... وأعنّا على ذلك بفتح تعجّله... ونصرٍ تعزّه وسلطان حقٍّ تظهره..."[1].

 

ب- من الصحيفة السجّاديّة: وفي الصحيفة السجاديّة الكثير ممّا له صلة بهذا المعنى، وعلى رأس ما يمكن الإشارة إليه من أدعية الصحيفة وممّا له صلة بمفهوم النصر وطلبه من الله، قوله عليه السلام: "وَأَلِّفْ جَمْعَهُمْ، وَدَبِّرْ أَمْرَهُمْ، وَوَاتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ، وَتَوَحَّدْ بِكِفَايَةِ مُؤَنِهِمْ، وَاعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ، وَأَعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ، وَالْطُفْ لَهُمْ فِي الْمَكْرِ"[2]. وليس هذا المورد الوحيد في هذه


 

[1] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، مؤسّسة فقه الشيعة، لبنان - بيروت، 1411ه - 1991م، ط1، ص581.

[2] الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص 126.


204

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

الصحيفة المباركة، بل ثمّة غيره كثير ممّا يدلّ على النصر من عند الله تعالى، وينبغي أن يُطلب منه.

 

7- أسباب النصر

أوّلاً: الأسباب المادّيّة:

أ- العدّة: قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾[1].

 

ب- تجهيز الغازي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾[2].

 

ثانياً: الأسباب المعنويّة:

أ- الإيمان: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[3].

 

ب- العمل الصالح: قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا

 

[1] سورة الأنفال، الآية 60.

[2] سورة الأنفال، الآية 72.

[3] سورة الروم، الآية 47.


205

المحاضرة الثامنة والعشرون: القلّة والكثرة في معادلة الانتصار

اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾[1].

 

ج- الصبر والثبات: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[2].

 

د- التوكّل: قال الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ﴾[3].


 

[1] سورة النور، الآية 55.

[2] سورة آل عمران، الآية 200.

[3] سورة آل عمران، الآيتان 122 ـ 123.


206

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

 

 

الهدف:

على المستمع مع نهاية هذه المحاضرة أن:

يتعرّف إلى أهمّيّة الاعتكاف ودوره في تقوية العلاقة الروحيّة مع الله سبحانه وتعالى.

 

المحاور الرئيسة:

1- أهمّيّة الخلوة مع الله وفوائدها.

2- مفهوم الاعتكاف.

3- ركائز الاعتكاف.

4- فضل الاعتكاف.

5- آثار الاعتكاف.

6- سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الاعتكاف.

7- مظاهر الاعتكاف.

 


207

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾[1].

 

1- أهمّيّة الخلوة مع الله وفوائدها

عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام: "يَا هِشَامُ الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّه اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا والرَّاغِبِينَ فِيهَا ورَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّه وكَانَ اللَّه أُنْسَه فِي الْوَحْشَةِ وصَاحِبَه فِي الْوَحْدَةِ وغِنَاه فِي الْعَيْلَةِ ومُعِزَّه مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ"[2].

 

عن الإمام عليّ عليه السلام: "في الانفراد لعبادة الله كنوز الأرباح، في اعتزال أبناء الدنيا جماع الصلاح"[3].

 

عن الإمام عليّ عليه السلام: "من انفرد عن الناس أنس بالله سبحانه"[4].

2- مفهوم الاعتكاف

اللبث في المسجد بقصد العبادة بل لا يبعد كفاية قصد التعبّد باللبث نفسه وإن لم يضمّ إليه قصد عبادة أخرى، خارجة عنه، لكنّ

 

[1] سورة البقرة، الآية 125.

[2] الشيخ الكافي، الكلينيّ، مصدر سابق،ج1،ص 17.

[3] الليثي الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص 354.

[4] المصدر نفسه، ص 440.


208

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

الأحوط الأوّل ويصحّ في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم، وأفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر[1]. وأساس الاعتكاف يتمثّل في المكث ثلاثة أيّام في المسجد[2]، وله شروط والتزامات ذكرها الفقهاء في رسائلهم العمليّة.

 

وفي اصطلاح السالكين، هو تفريغ القلب من الاشتغالات الدنيويّة وتسليم النفس للمولى وقيل إنّ الاعتكاف والعكوف هو الإقامة ومعناه أنّك إن لم تغفر لي فلن أترك بابك ولن أغادر عتبتك[3].

 

3- ركائز الاعتكاف

يرتكز الاعتكاف على ركيزتين أساسيّتين، وهما:

أ- الانقطاع إلى الله: ولا يخفى لما للانقطاع إلى الله من أثر بالغ في صفاء النفوس وبلوغها أعلى المراتب، فقد ورد في الدعاء: "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك".

 

ب- الإعراض عن الدنيا: أي عدم الانشغال بالشؤون الدنيويّة، من بيع أو تجارة أو أحاديث لغوٍ أو لهوٍ أو خوض في باطل. وسوى


 

[1] السيد اليزديّ، العروة الوثقى، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قمّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، 1417، ط1،ج3، ص 667.

[2] الصدر، محمّد باقر، الفتاوى الواضحة، النجف الأشرف، مطبعة الآداب، ص 535.

[3] الجرجاني، الملا علي، التعريفات، ص 25.


209

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

ذلك ممّا يفسد الانقطاع إلى الله، وبالتالي تنزيل الدنيا منزلة مبدأ المعاصي ورأس كلّ خطيئة في النفس، وأنّها الحجاب الأكبر الذي يحجب الإنسان عن التقرّب والإخلاص لله.

 

4- فضل الاعتكاف

أشارت السُنّة الشريفة في فضل الاعتكاف، فقد روي:

أ- حجتين وعمرتين: قال رسول اللّه: "اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين"[1].

 

ب- يدرك نصيبه من ليلة القدر: قال الرضا عليه السلام: "وليحرص من زار الحسين عليه السلام في شهر رمضان، ألّا يفوته ليلة الجنهي عنده، وهي ليلة ثلاث وعشرين، فإنّها الليلة المرجوة، قال: وأدنى الاعتكاف ساعة بين العشائين، فمن اعتكفها فقد أدرك حظّه - أو قال: نصيبه - من ليلة القدر"[2].

 

5- آثار الاعتكاف

يمكن إجمال آثار الاعتكاف بأمرين روحيّ واجتماعيّ:

أولاً: يؤصّل العبوديّة لله وحده في قلب المؤمن:

وهذا أمر مقطوع به، لأنّ مظاهره واضحة في أداء الصيام والصلوات، والتهجّد بالليل، وتلاوة القرآن الكريم، والذكر، والاستغفار،


 

[1] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، تحقيق: آصف بن عليّ أصغر فيضي، 1383 - 1963 م، القاهرة، دار المعارف، ج1، ص 286.

[2] ابن طاووس، السيّد رضي الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد الحسنيّ الحسينيّ، الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنة، تحقيق جواد القيومي الاصفهانيّ، قمّ‏، مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1414ه، ط1،ج1، ص358.


210

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

والتوبة والإنابة إلى الله وحده. وغير ذلك ممّا يتعبّد به المؤمن.

 

ثانياً: يوطّد علاقة الأخوّة في الله:

إنّ التآخي في الله أضحى ضائعًا بين أبناء المجتمع المسلم، والاعتكاف يوطّد العلاقة الأخويّة بين المؤمنين.

 

6- سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الاعتكاف

عن الصادق أنّه قال: "اعتكف رسول اللّه العشر الأوائل من شهر رمضان لسنة، ثمّ اعتكف في السنة الثانية العشر الوسطى ثمّ اعتكف في السنة الثالثة العشر الأواخر"[1].

 

عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: "كان رسول اللّه إذا دخل العشر الأواخر، ضربت له قبّة شعر، وشدّ المئزر"[2].

 

7- مظاهر الاعتكاف

لقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى مظاهر الاعتكاف التي ينبغي للمعتكف أن يلتزم بها، وإن بعض هذه المظاهر ما له علاقة بالأحكام الشرعيّة المفصّلة في الرسائل العمليّة، وبعضها الأخرى عبارة عن أمور سلوكيّة وأخلاقيّة، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال:

أ- يلزم المعتكف المسجد.

ب- ويلزم ذكر الله.

ج- وتلاوة القرآن والصلاة.

 

[1] ابن طاووس، اقبال الاعمال، مصدر سابق، ج1، ص358.

[2] الطبرسيّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج7، ص462.


211

المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتكاف ربيع شهر رمضان المبارك

د- ولا يتحدّث بأحاديث الدنيا.

هـ- ولا ينشد الشعر ولا يبيع.

و- ولا يشترى.

ز- ولا يحضر جنازة.

ح- ولا يعود مريضاً.

ط- ولا يدخل بيتاً.

ي- ولا يخلو مع امرأة.

ك- ولا يتكلّم برفث.

ل- ولا يماري أحداً.

 

م- وما كفّ عن الكلام مع الناس فهو خير له[1].

 

 


 

[1] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، مصدر سابق، ج1، ص287.


212

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

 

الهدف:

التعرّف إلى معنى الانتظار، وحقيقة الدعاء، وفوائد الدعاء للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

المحاور الرئيسة:

1- التعرُّف إلى معنى انتظار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

2- بيان حقيقة الدُّعاء لتعجيل فرج الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

3- الاطّلاع على نماذج تطبيقيَّة للدُّعاء بتعجيل فرجه عجل الله تعالى فرجه الشريف

4- التربية على الدُّعاء للإمام صاحب الزمانعجل الله تعالى فرجه الشريف

 


213

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

ورد في دعاء العهد: "اَللّـهُمَّ اَرِنيِ الطَّلْعَةَ الرَّشيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَميدَةَ، وَاكْحُلْ ناظِري بِنَظْرَة منِّي اِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَاَوْسِعْ مَنْهَجَهُ وَاسْلُكْ بي مَحَجَّتَهُ، وَاَنْفِذْ اَمْرَهُ وَاشْدُدْ اَزْرَهُ، وَاعْمُرِ اللّـهُمَّ بِهِ بِلادَكَ، وَاَحْيِ بِهِ عِبادَكَ، فَاِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ اَيْدِي النّاسِ)، فَاَظْهِرِ الّلهُمَّ لَنا وَلِيَّكَ وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ الْمُسَمّى بِاسْمِ رَسُولِكَ حَتّى لا يَظْفَرَ بِشَيْء مِنَ الْباطِلِ اِالّا مَزَّقَهُ، وَيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُحَقِّقَهُ، وَاجْعَلْهُ اَللّـهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبادِكَ".

 

1- معنى الانتظار للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

لقد تواترت الروايات حول أهمّيّة انتظار المهديّ المنتظر، وفرج الأمّة بتوليّه لقيادة مسيرتها بشكل ظاهر، لينجز الله وعده، ويعزّ جنده، ويظهر دينه على الدين كلّه.

 

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي، وهو يأتمّ به في غيبته قبل قيامه، ويتولّى أولياءه، ويعادي أعداءه، ذلك من رفقائي وذوي مودتي، وأكرم أمّتي عليّ يوم القيامة"[1].

 

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج"[2].

 

والانتظار عملٌ، بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي"[3] وهو لا


 

[1] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص286.

[2] المصدر نفسه، ص644.

[3] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، مصدر سابق، ج2، ص39.


214

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

يعني السَّلبيّة والامتناع عن أيّ عملٍ، بل الانتظار لكلِّ أمرٍ يستتبع استعداداً متناسباً مع ذلك الأمر المنتظر. فانتظار سفرٍ قصيرٍ يستتبعُ استعداداً معيّناً، يختلفُ عن الاستعداد الذي يستلزمه انتظارُ سفرٍ طويل. ومن الواضح أنّ المنتظِر للإمام عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ينتظر قائداً إلهيّاً سيقود مسيرة تحفُّ بها الملائكة، وجمهورها الأساس أهل التَّقوى والعبادة، وسيخوض المعارك الحامية الوطيس والمتتالية.

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ما تستعجلون بخروج القائم، فوالله ما لباسه إلّا الغليظ، وما طعامه إلّا الشعير الجشب، وما هو إلّا السيف، والموت تحت ظلّ السيف"[1].

 

فإذا كان المنتظِر له عليه السلام لم يهتمّ بتهذيب نفسه وتزكيتها، فهل باستطاعته الانسجام مع مسيرة المنتظرين والممهِّدين؟ بل هل يمكنه تحقيق هذا الانسجام والتناسب، إذا لم يكن يحمل روح الجهاد متشوّقاً إلى الشّهادة في سبيل الله بما يستلزمه ذلك من إعدادٍ عسكريّ يمكّنه أن يجاهد بين يدي الإمام عليه السلام؟

 

فالاعتقادُ بوجود الإمام المهديّ عليه السلام، وبيعتُه، وتجديد البيعة، أو الالتزام بقيادته عبر بيعة نائبه وطاعته، وانتظارُه، والمواظبة على آداب الغيبة، كلّ ذلك لا ينفع صاحبه شيئاً إذا لم يكن يسير كلّ ذلك تحت شعار "التقوى".

 

[1] الشيخ الطوسيّ، أبو جعفر محمّد بن الحسن: الغيبة، ص460، تحقيق الشيخ عباد الله الطهرانيّ والشيخ علي أحمد ناصح، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم، 1411هـ، ط1.


215

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

وممّا يرشدنا إلى الترابط بين الانتظار والتقوى ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع، ومحاسن الأخلاق وهو منتظرٌ، فإنْ ماتَ وقام القائم بعده، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا"[1].

 

وبديهيّ أنّ التقوى واجبة في كلّ حال، إلّا أنّ المقصود هو الإشارة إلى هذه العلاقة بينها وبين الانتظار، وفائدة ذلك أنْ يدرك من يغلب عليه الطابع الحركيّ العمليّ، ويحسب أنَّه من جنود المهديّ دون شكّ! إلّا أنّ هذا البعد وحده لا يكفي.

 

ولا شكّ أنّ الوقوف مع الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، أثناء غيبته إنَّما يتحقَّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله مع نائبه الفقيه الجامع للشرائط، انطلاقاً من الاهتمام بأمور المسلمين، ومواجهة الطواغيت الذين يريدون ليطفئوا نور الله تعالى.

 

وبالتالي يكون الارتباط بالإمام الحجّة المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس مجرّد ارتباط بفكرة عقيديّة غيبيّة، بل بإنسان كامل حيٍّ جسداً وروحاً، ولولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها، فهو أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، كما ورد في الأحاديث المأثورة عنهم عليهم السلام.

 

2- حقيقة الدُّعاء بتعجيل الفرج

لقد ورد في الدُّعاء المأثور حول الدُّعاء للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: "اللهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إنْ لم تعرّفني نفسَك لمْ أعرف نبيّك، اللهمّ


 

[1] النعمانيّ، أبو عبد الله محمّد بن ابراهيم بن جعفر: الغيبة، ص207، تحقيق فارس حسون كريم، مهر، قم، 1422 هـ، ط1.


216

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

عرّفني رسولك، فإنّك إنْ لم تعرّفني رسولك لم أعرفْ حجّتك، اللهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إنْ لم تعرّفني حجّتك ضلَلتُ عن ديني"[1].

 

فمن أهمّ آداب عصر الغيبة والذي اهتمّ به أهل البيت عليهم السلام وركّزوا فيه كثيراً الدُّعاء للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد وردت أدعية كثيرة للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف مثل دعاء النّدبة المستحبّ في الأعياد بما في ذلك كلّ يوم جمعة، ودعاء العهد، وفي دعاء الافتتاح المستحبّ في كلّ ليلة من شهر رمضان المبارك وردَ مقطعٌ خاصٌّ بالدّعاء للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف. وجاء في عدّة روايات الحثّ من الإمام للشِّيعة على الدُّعاء لصاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فقد ورد عن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف نفسه في أهمّيّة الدُّعاء بتعجيل فرجه: "وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبها عن الأبصار السَّحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبوابَ السُّؤال عمَّا لا يعنيكم ولا تتكلَّفوا علم ما قد كُفيتم وأكثروا الدُّعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجُكم"[2].

 

3- فوائد الدُّعاء للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

إنَّ فوائد الدُّعاء للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف كثيرةٌ وجليلةٌ، ومنها:

أ- تأكيد المعرفة بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف: لأنّ الدُّعاء للإمام يستبطن مقدّمات عديدةً، أهمّها "معرفة الإمام"، لأنّ الدَّاعي ينبغي أن يكون على معرفة بشخص المدعو له، وصفاته وعلاماته، وأهمّيّة كونه الصلة بين الله تعالى وعباده ومظهراً تامّاً لدين الله تعالى،

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق ج1، ص337.

[2] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص485.


217

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

ومن هنا نفهم شيئاً مهمّاً من الدُّعاء: "اللهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إنْ لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني"[1].

 

ب- إظهار المحبّة الباطنيّة: فالحبّ وإن كان أمراً خفيّاً قلبيّاً، ولكن له آثار ظاهرة، وفروع متكاثرة، فهو "كشجرة لها أغصان، ولكلّ غصن من الورد أفنان، فبعض آثاره يظهر في اللسان، وبعضٌ في سائر جوارح الإنسان، فكما لا يمكن منع الشجر عن إبراز أزهاره، لا يمكن منع ذي الحبّ عن إظهار آثاره"[2]. ومن آثار الحبّ في اللسان ذكر المحبوب في كلّ مكان وزمان، والاهتمام في الدُّعاء بتعجيل فرج الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف إظهاراً للحبّ له باللسان المنبئ بالمحبّة الكامنة بالقلب.

 

ج- استجابة الدُّعاء تنجي من الفتن: والدليل على ذلك ما ورد عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، إذ قال: "دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السلام، وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال عليه السلام لي مبتدئاً: يا أحمد بن إسحاق، إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلِ الأرض منذ خلق آدم عليه السلام ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض. قال: فقلت له: يا بن رسول الله عليه السلام فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض عليه السلام مسرعاً فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام، كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء


 

[1] المصدر نفسه.

[2] الأصفهانيّ، مكيال المكارم، ج1، ص293.


218

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

ثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله عزّ وجلّ وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميّ رسول الله وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً. يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمّة مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبنّ غيبة، لا ينجو من الهلكة فيها إلّا من ثبّته الله عزّ وجلّ على القول بإمامته، ووفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه"[1].

 

د- استحقاق دعاء الإمام له بالنصرة: فالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يدعو للداعي له بالفرج والنصر، ويدلّ على ذلك قوله عجل الله تعالى فرجه الشريف: "واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين، وفي سبيلك مجاهدين وعلى من أرادني وأرادهم بسوءٍ منصورين"[2]. فمن يدعُ للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنّه ينال من الإمام الدُّعاء بالتّأييد والنّصرة والمنعة والكرامة، وغير ذلك من أنواع التّوفيقات.

 

هـ- تعجيل الفرج: إنّ الاهتمام والمداومة في طلب فرج مولانا صاحب الزمان عليه السلام من الله تعالى بشروطه الموجبة لقبول الطّلب والدّعاء، يصير سبباً لقرب وقوعه. ففي توقيع الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى إسحاق بن يعقوب: "وأكثروا الدّعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ في ذلك فرجكم"[3].


 

[1] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص384.

[2] السيد ابن طاووس، أبو القاسم رضي الدين عليّ بن موسى بن محمّد: مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص302، قمّ، كتابخانه سنائي، ط1.

[3] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص 485.


219

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

و- الأمن من العقوبات الأخرويّة: ومن الفوائد أيضاً الأمن من العقوبات الأخرويّة، وأهوال يوم القيامة ويشهد لذلك آيات عديدة، منها: قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[1] بناءً على أن يكون المراد باليوم الآخر هو زمان دولة القائم عليه السلام.

 

وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾[2] أنَّه قال: "معرفة أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام، ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ قال: نزيده منها... ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ قال عليه السلام: ليس له في دولة الحقّ مع القائم عليه السلام نصيب"[3].

 

ز- نيل الحظوة عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: فالدّعاء بتعجيل الفرج للإمام، والطَّلب من الله تعالى أن يكون من أنصاره والشاهدين على دولته والقيام بين يديه، ما يفرح قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بشّر صلى الله عليه وآله وسلم القوم الذين يدركون القائم بمبّشرات عدّة، كالمرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي، وهو مقتدٍ به قبل قيامه يتولّى وليّه، ويتبرّأ من عدوّه ويتولَّى الأئمّة الهادية من قبله، أولئك رفقائي، وذوو ودِّي ومودَّتي، وأكرمُ أمّتي عليّ"[4].

 

[1] سورة البقرة، الآية 62.

[2] سورة الشورى، الآية 20.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص436.

[4] الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص456.


220

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

4- نماذج من أدعية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

أ- دعاء الغريق: عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: "ستصيبكم شبهة فتبقون بلا عَلَم يُرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو إلّا من دعا بدعاء الغريق. قلت: كيف دعاء الغريق، قال: يقول: يا الله يا رحمان يا رحيم، يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك. فقلت: يا الله يا رحمان يا رحيم، يا مقلّب القلوب والأبصار، ثبِّت قلبي على دينك. قال: إنَّ الله عزَّ وجلّ مقلّب القلوب والأبصار، ولكن قُلْ كما أقول لك: يا مقلِّب القلوب ثبّت قلبي على دينك"[1].

 

ب- دعاء العهد: ورد عن الإمام الصَّادق عليه السلام أنَّه قال: "من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، وإن مات أخرجه الله إليه من قبره، وأعطاه الله بكلّ كلمةٍ ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيّئة"[2].

 

ج- دعاء النُّدبة: وهو مذكور في مختلف كتب الأدعية، والمشهور من أوقات قراءته، أنَّه يُقرأ كلّ يوم جمعة، إلا أنّ المرويّ هو استحباب قراءته في الأعياد الأربعة.

 

د- دعاء الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف: "اللهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسنِ صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كلّ ساعة، وليّاً وحافظاً..."[3].

 

هـ. دعاء آخر: الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام في دعائه له عجل الله تعالى فرجه الشريف:


 

[1] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص352.

[2] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج5، ص393.

[3] الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجّد، مصدر سابق، ص630.


221

المحاضرة الثلاثون: الدُّعاء لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف

"اللهمّ أعذه من شرّ كلّ طاغٍ وباغٍ، ومن شرّ جميع خلقك، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، واحرسه وامنعه أنْ يصلَ إليه بسوء، واحفظ فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل، وأيّده بالنّصر"[1].

 

و. زيارة آل ياسين: ولا سيّما زيارة آل ياسين الواردة عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف حيث يعلّمنا فيها كيف نشعر بحضوره فنقول: "السّلام عليك حين تقوم، السّلام عليك حين تقعد، السّلام عليك حين تقرأ وتبيّن، السلام عليك حين تصلّي وتقنت، السّلام عليك حين تركع وتسجد..."[2].

 

ز. التوسّل به: وقد ورد في بعض الرّوايات توسّلٌ بالإمام صاحب العصر، والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، منها: "اللهمّ إنّي أسألك بحقّ وليّك وحجّتك صاحب الزمان إلّا أعنتني به على جميع أُموري، وكفيتني به مؤونة كلّ مؤذٍ وطاغٍ وباغٍ، وأعنتني به، فقد بلغ مجهودي وكفيتني كلّ عدوٍّ وهمٍّ وغمٍّ ودينٍ، وولدي وجميع أهلي وإخواني ومن يعنيني أمره وخاصّتي، آمين ربّ العالمين"[3].

 

ح. الصَّلاة عليه: فقد ورد استحباب الصَّلاة عليه في أكثر من موردٍ كما في دعاء الافتتاح. وكالصّلاة الواردة عن الإمام العسكريّ عليه السلام: "اللهمّ صلّ على وليّك وابن أوليائك، وليّ الأمر المنتظر الحجّة بن الحسن، اللهمّ صلّ على وليّك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم"[4].

 

 

 

[1] المصدر نفسه، ص405.

[2] المصدر نفسه.

[3] الأصفهانيّ، مكيال المكارم، مصدر سابق، ج2، ص248.

[4] الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجّد، مصدر سابق، ص405.


222

ملحق

ملحق

 

 

بطاقة تعريف عامّة بأمير المؤمنين عليه السلام

• الولادة: ولد الإمام عليّ عليه السلام في مكّة في البيت الحرام عندما شُقّ جدار البيت لفاطمة بنت أسد ودخلته، وبقيت ثلاثة أيام ثمّ خرجت. وكانت ولادته يوم الجمعة، 13 من شهر رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة.

 

• مدة الإمامة: تسلّم خلافة الرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدّة 29 سنة تقريباً من سنة11هـ إلى سنة40هـ.

 

• ألقابه: سيّد الأوصياء، الصدِّيق الأكبر، الفاروق الأعظم، قسيم الجنّة والنار، أمير المؤمنين، وغيرها.

 

• كنيته: أبو الحسن.

 

• نقش خاتمه: "الله الملك"

 

• الشهادة:كانت شهادته ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة 40هـ، وهو ابن ثلاث وستّين سنة، قتله عبد الرحمن بن ملجم وهو يصلّي في مسجد الكوفة

 

• مدفنه: دفن في النجف الأشرف


236

ملحق

ليلة القدر

 

معنى ليلة القدر

القدر في اللغة: كون الشيء مساوياً لغيره من غير زيادة ولا نقصان، وقدّر الله هذا الأمر بقدره قدراً: إذ جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة.

 

وسُمّيت ليلة القدر، لأنّها الليلة التي يحكم الله تعالى فيها، ويقضي بما يكون في السنة بأجمعها، إلى مثلها من السنة التالية، من حياة وموت، وخير وشرّ، وسعادة وشقاء، ورزق وولادة.. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[1].

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليّ أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا، يا رسول الله. فقال: إنّ الله تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكان فيما قدّر ولايتك وولاية الأئمّة من ولدك إلى يوم القيامة"[2].

 

فضل ليلة القدر وآثارها

وردت روايات كثيرة في فضلها، منها:

1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدّم من ذنبه"[3].

 

[1] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، مصدر سابق، ص315.

[2] الحر العاملي، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص359.

[3] الشيخ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج10، ص409.


237

ملحق

2- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة، حتّى يضيء فجرها، ولا يستطيع فيها على أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر"[1].

 

إحياؤها

ففي الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُغفل عن ليلة إحدى وعشرين، وعن ليلة ثلاث وعشرين، ونهى أن ينام أحد تلك الليلة"[2].

 

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أحيا ليلة القدر حُوِّل عنه العذاب الى السنة..."[3].


 

[1] الشيخ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج10، ص409.

[2] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج6، ص212.

[3] المصدر نفسه، ج7، ص456.


238

ملحق

أبو طالب رضوان الله عليه: مؤمن قريش

• النسب: هو أبو طالب عمران بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرَّة بن كعب... بن معد بن عدنان.

 

• الولادة: ولد في مكّة المكرّمة ولا يجوز تحديد دقيق لولادته، فقيل قبل ولادة النبيّ بخمس وثلاثين سنة، وقيل أكثر من ذلك.

 

• ألقابه: مؤمن قريش، سيّد قريش، المحامي

 

• كنيته: أبو طالب

 

• الوفاة: 619 (بعد وفاة السيّدة خديجة بثلاثة أيّام، وهو ابن تسع وأربعين سنة، وثمانية أشهر، وهنالك رواية تقول توفّي وله من العمر ست وثمانون سنة.

 


239

ملحق

بطاقة تعريف بالإمام الحسن عليه السلام

• الولادة: ولد ليلة الثلاثاء، النصف من شهر رمضان المبارك، في السنة الثالثة للهجرة في المدينة المنوّرة.

 

• مدة الإمامة: بويع بالخلافة في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40ه، مدّة إمامته 10 سنين.

 

• ألقابه: الأمير، الحجّة، الكفيُّ، السبط، الوليّ...

 

• كنيته: أبو محمّد.

 

• نقش خاتمه: "حسبي اللَّه"، "لا إله إلا اللَّه الملك الحقّ المبين"، "العزّة للَّه وحده".

 

• الشهادة: استشهد في السابع من شهر صفر سنة 50هـ وقد مضى وهو ابن سبع وأربعين سنة، أقام منها مع جدّه المصطفى سبع سنين، ومع أبيه عليّ ثلاثين سنة. استشهد مسموماً سمّمته زوجته جعدة بنت الأشعث.

 

• مدفنه: المدينة المنوّرة البقيع، عند جدّته فاطمة بنت أسد بوصيّة منه، وهدم الوهابيّون قبره وقبور بقية الأئمّة في الثامن من شوال 1344.


240
(11) زاد الهدى في شهر الله