تفسير سورة براءة

الإمام الخامنئي دام ظله


الناشر:

تاريخ الإصدار: 2020-01

النسخة:


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


تفسير سورة براءة

مقدّمة الترجمة العربية

يؤمن بعض الأساتذة في الحوزة العلمية بأنّ التفسير هو الميدان أو العلم الوحيد الذي يمكن أن يقدّم رؤية شاملة عن الإسلام، فسائر العلوم كالفقه والكلام والفلسفة وغيرها، تعطي صورة مقطعية متخصصة عن الإسلام، وتكشف عن بُعدٍ من أبعاده. أما التفسير فإنّه يعطي صورة بانورامية عن الإسلام ككلّ. والسبب واضح، وهو أنّ آيات القرآن الكريم تتنوّع موضوعاتها بين عقيدة وتشريع وأخلاق وتاريخ...

 

واللافت في كتاب الله تعالى أنّ هذه الخاصية لا تزول ولا تفتقد حتى مع انخفاظ الوحدة الموضوعية للسور، وكون كل سورة لها هدف أو مجموعة أهداف مترابطة يقترب بعضها من بعض. فإنّ المقاربة القرآنية للهدف الواحد تتنوّع، وتتعدّد الزوايا التي يعالج القرآن الكريم فيها هذا الهدف الواحد. وبعبارة أخرى: على الرغم من دوران آيات السورة حول موضوع بعينه فإن زوايا المقاربة تتنوّع وتختلف فيبقى الهدف واحدًا والموضوع واحدًا لكن زوايا النظرة متعدّدة.

 

وثمة سور تتميّز بأهداف تغلب عليها، فبعض السور يغلب عليها طابع التشريع، وبعضها يغلب عليها التاريخ، وأخرى يغلب عليها البعد الأخلاقي... والمفسّرون بدورهم تتنوّع أغراضهم واتجاهاتهم التفسيرية، لأسباب شتّى، فبعض المفسرين يصدر في تفسيره عن الهم الاجتماعي، ومفسّر آخر ينطلق من خلفية فقهية، وثالث ينطلق من خلفية كلامية، فيولي الاهتمام الأكبر للآيات التي تنسجم مع غايته والاتّجاه الذي اختاره ليكون ميدانًا يجيل النظر فيه.

 

ومفسّرنا الكبير سماحة آية الله العظمى الإمام الخامنئي (دام ظله)، على الأقل في تفسيره سورة التوبة، يمكن تصنيفه بين المفسرين ذوي الاتّجاه الاجتماعيّ النهضوي. وكان اختياره لهذه السورة في الوقت الذي كان يشتغل على تفسيرها، فالفترة فترة حراك وتمهيد للنهضة الثورية الإسلامية، والظروف أشبه ما تكون بظروف المدينة في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت المدينة تعاني الانقسام بين مجموعة من الفئات التي تسكنها، وأخطر هذه الفئات فئة المنافقين الذين أخذوا قسطًا وافرًا من اهتمام سورة التوبة. والتخلّف عن ركب الجهاد ومحاولة تثبيط العزائم من أخطر المؤامرات التي كانوا يتولون كبرها في ذلك العصر.

 

وعصر الثورة الإسلامية كان شبيهًا من بعض الجهات بذلك العصر، فبعض المسلمين كانوا يكيدون للثوّار أو يحاولون عزل أنفسهم عنهم بذرائع شتّى، وجماعات كثيرة من الناس كانت مترددة تعاني الحيرة بين الوقوف مع الثوّار ودعم محاولة التغيير أو الحياد ودعم الطرف الميّال إلى الدعة والراحة.

 

فكانت هذه المحاولة التفسيرية ذريعة لتقديم الرؤية الإسلامية الاجتماعية من وجهة نظر واحدة من الثوّار الأوائل. ومن هنا نجد أنّ الطابع الغالب على هذه المحاولة هو استجلاء مفاهيم القرآن والكشف عن تعاليمه الاجتماعية بهدف ربطها بالراهن وتطبيقها على الأوضاع الاجتماعية التي كانت تُلقى في أثنائها هذه الدروس. واللافت في هذا التفسير هو حُسن التطبيق من دون تكلّف.

 

وقد كان لنا شرف تولّي الترجمة العربية، وسعينا جاهدين إلى الحفاظ على الطابع الأصلي للنص، حتى في الأمثلة التي يضربها وتقتضيها طبيعة المخاطب الإيراني. ولم نتصرّف فيه إلا في حدود ما يقتضيه الاختلاف بين النص العربي والنص غير العربي، كما في حالة حذف ترجمة الآيات وشرحها باللغة الفارسية، وحتى في هذه الموارد سعينا حيث أمكن إلى التعامل مع الترجمة على أنها شرح مبسط للآية قبل الدخول في تفسيرها، فترجمنا الترجمة على أنها شرحٌ.

 

وفي الختام نسأل الله التوفيق لنشر ما بقي من تراث تفسيري لمفسرنا الجليل، ونسأل الله له طول العمر والمزيد من العزّ في الدنيا والآخرة. إنه أعزّ مسؤول وأكرم مجيب.

 

لا يسعنا أيضًا إلا أن نشكر كل من ساهم في إعداد وترجمة النسخة العربية، لا سيما المترجم سماحة الشيخ محمد زراقط. في التدقيق اللغوي الحاج عدنان حمود والأخت سكينة مصطفى، في التصميم الفني الأخ علي عليق، ولا ننسى مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي ناشر النسخة الأصلية، ودار المعارف الإسلامية الثقافية ناشرة النسخة العربية.

 

مركز المعارف للترجمة

20 محرم الحرام 1442هـ

 

6


1

تفسير سورة براءة

مقدمة[1]

يضمن الإيمان بالقرآن الكريم والعمل بتعاليمه سعادة الناس أفرادًا وجماعات، وتتعارض هذه التعاليم مع مصالح الحكّام الظالمين، ولأجل هذا سعى هؤلاء الظالمون عبر التاريخ إلى إيجاد القطيعة بين أعضاء الأمّة الإسلامية والقرآن، ومفاهيمه العميقة الضامنة لنجاة البشرية والمؤمّنة لسعادتها. ولم تكن السلالة البهلوية التي حكمت إيران قبل الثورة الإسلامية بمنأًى عن هذه السياسة.

 

ومن هنا، يمكن القول إنّ أهمّ الأنشطة الثورية التي كان يؤدّيها الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله إبّان الثورة الإسلامية، هو الجلسات واللقاءات التفسيرية التي كانت تعقد في أماكن عدّة وتستضيف الطلاب من الحوزة والجامعة، مضافًا إلى عامّة الناس. وذلك على الرغم من الفضاء السياسي الضاغط والمعيق لمثل هذه الأنشطة. وقد تعرّضت هذه اللقاءات للمنع تحت ضغط التهديد مرّات عدّة من قبل الجهاز الأمني الملكيّ، ولكنّ إصرار سماحته وعزيمته ورغبة المخاطبين كانت تضغط في الجهة المقابلة، ما كان يفضي إلى استئناف النشاط بعد فترة من التعطيل القسري. وقاسى سماحته في سبيل هذه اللقاءات وغيرها من الأنشطة الثورية آلام السجن ومعاناته مرات عدّة.

 

شرع سماحته في درس التفسير لطلّاب الحوزة العلمية في خريف عام 1350 هـــ.ش. (1971م.) في مدرسة ميرزا جعفر[2]. وقد كانت هذه الدروس مصدر قلقٍ وتوتّر للجهاز الأمني الملكي منذ انطلاقتها، إلى حدّ أنّ وثائق السافاك التي


 


[1] ترجمة مقدمة ناشر النسخة الفارسية.

[2] هذه المدرسة تستخدم حاليًّا كمقرّ للجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية.

 

8


2

تفسير سورة براءة

كُشِفت لاحقًا بعد الثورة تصف سماحته بأنّه: "شخصٌ مزعجٌ لا يمكن إصلاحه"، وتوصي "بوجوب إخراجه من الحوزة العلمية"[1].

 

وقد فسّر سماحته في هذه اللقاءات سور المائدة والأنفال وبراءة وقسمًا من سورة يونس. وتاريخ تفسير سورة براءة شتاء عام 1351 هـ.ش. الموافق لمحرم الحرام من عام 1393 هـ.ق (1973م). وقد كان درس التفسير هذا واحدًا من درسين في التفسير في الحوزة العلمية في مشهد. وكان يُعقد هذا الدرس يومي الخميس والجمعة حيث تُعطّل الدروس الرسمية في الحوزة العلمية، وذلك في مدرسة ميرزا جعفر بداية، ثم انتقل إلى مسجد في الشارع المعروف في هذه الأيام بشارع الشهيد نوّاب صفوي، وأخيرًا انتقل إلى مسجد القبلة.

 

وعلى الرغم من الفضاء الأمني الضاغط في تلك الأيّام فإنّ المضامين التي قدّمت في هذا الدرس التفسيري هي مضامين تربويّة واجتماعية، تستجيب لعطش المخاطبين وشوقهم إلى تلقّي المعارف من زلال القرآن وتراث أهل البيت عليهم السلام، ولم يكن هذا الدرس درسًا نظريًّا يهتمّ بمعالجة القضايا العلمية واللغوية والنكات الأدبية التي تستعرض عادةً في دروس التفسير، بل كانت قضايا المجتمع هي القضايا والمسائل الأساس التي يتوقّف عندها، من قبيل: حاكمية الدين في المجتمع، ومواجهة الطاغوت وغير ذلك ممّا كان يتعارض مع الجوّ السياسي الذي كان يريد الشاه وجهازه الأمني نشره في المجتمع الإيراني. ولقد تركت هذه المضامين أثرها في نفوس المخاطبين وعمّقت قناعتهم وإيمانهم بوجوب العمل على هدم أركان سلطة الطاغوت وإحلال نظام تُبنى قواعده على الدين محلّها.

 

وورد في تقرير لأحد عملاء جهاز السافاك يصف فيه الطلاب الذي يحضرون درس التفسير في مسجد الإمام الحسن  عليه السلام، بقوله: "وهذه الجماعة تتلقّى بشكلٍ مستمرٍّ دروسًا تترك عظيم الأثر في نفوس أعضائها، حتّى يكاد أحدهم يتحوّل إلى شعلة متّقدة لا تخشى شيئًا. ويتحوّل هؤلاء الأشخاص إلى مبلّغين ودعاة يروّجون لفكرة أنّ الدولة الحالية أسوأ من دولة يزيد، ويُقال لهم إنّكم اليوم بمنزلة الإمام


 


[1] شرح اسم، ص 458.

 

9


3

تفسير سورة براءة

الحسن عليه السلام وعلي الأكبر والحسين  عليه السلام، ويُلقنون أنّ الاعتقال بل والموت هو فخرٌ لكم، وإنّ أعضاء هذه الجماعة تقبل كل هذه الدعاوى بإيمانٍ راسخٍ"[1].

 

ولعلّ اختيار هذه السور بالتحديد لتفسيرها في هذه اللقاءات كان مقصودًا، لأنّ هذه السور وخاصة سورة براءة تحتوي على الكثير من المضامين الاجتماعية.

 

وتتشرّف "مؤسسه پژوهشی فرهنگی انقلاب اسلامی (مکتب حفظ ونشر آثار حضرت آیت الله العظمی خامنه ای)" (مؤسسة الثورة الإسلامية البحثية الثقافية: مكتب حفظ ونشر مؤلّفات حضرة آية الله العظمى الخامنئي)، بنشر هذه الدروس وتقديمها إلى القرّاء الكرام، بهدف تعميم الفائدة ونشر آرائه ورؤاه القرآنية.

 

وما ننشره في هذا الكتاب هو ما وصلنا من دروس سماحته عن طريقين:

أحدهما: المدوّنات التي تفضّل بها حجة الإسلام والمسلمين حسن ربّاني فردوسي الذي كان يتولى التسجيل الصوتي للدروس ثم يعمل على تفريغها على الورق وتحويلها إلى نص مكتوب.

 

والثاني: المدوّنات والملاحظات التي كان يسطّرها في الدرس حجة الإسلام والمسلمين محمد باقر داودي. فلهما معًا نرفع أسمى آيات الشكر والتقدير.

 

أشرف على مسار إعداد هذا الكتاب حجة الإسلام والمسلمين محمد باقر فرزانه (رئيس الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية)، وحجة الإسلام والمسلمين السيد مصباح العاملي (مدير الحوزة العلمية في مشهد)، بالتعاون من اثنين من الفضلاء الذين كانوا يشاركون في دروس التفسير هذه. وبعد جمع هذه الدروس وتحويلها إلى مدونات على الورق وضعت بين أيدي ثلاثة من أعضاء الهيئة العلمية في الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية هم: الدكتور جواد إيرواني، والدكتور علي خيّاط، والدكتور رضا حق پناه، وقد عملت هذه اللجنة الكريمة على إصلاح النصوص وتخريج الأحاديث والأقوال من مصادرها، وتقطيع النص وعنونة فقره، وتحرير النصوص بشكلٍ جزئيٍّ، مع الحرص على بقاء روح النصّ أقرب


 


[1] شرح اسم، ص 511.

 

10


4

تفسير سورة براءة

ما يمكن إلى أسلوب صاحبها. وكان الهدف من التحرير الجزئي تحويل النصّ الشفهي إلى نصٍّ مكتوب يتناسب مع طبيعة الكتابة التفسيرية. وطلبًا للتخصصية فقد سلّمنا النص النهائي إلى لجنة متخصصة في مركز الدراسات الإسلامية التابع للجامعة الرضوية ووضع في عهدة السيد مهدي أنواري ليعمل تحت إشراف لجنة مؤلفة من عدد من أعضاء الهيئة العلمية في الجامعة الرضوية وهم: الدكتور خيّاط والدكتور رضا حق پناه والدكتور جلائيان. وتقديرا للجهود التي بذلها هؤلاء الكرام جميعا فإنّ المؤسسة تتقدّم إليهم بالشكر والتعبير عن الامتنان.

 

وفي عام 1393 هـ.ش (2014م). نُشر كتاب يعالج مسألة قواعد التفسير عند آية الله العظمى الخامنئي دام ظله ويستند الكاتب في استخراج منهج سماحته والقواعد التي يستند إليها في التفسير إلى هذه الدروس، وقد أعدّ هذا العمل في مؤسسة "نسيم انقلاب" (نسيم الثورة) ونشر في مؤسسة "انتشارات انقلاب اسلامي" تحت عنوان: "مرورى بر مباني، روش، وقواعد تفسير حضرت آيت الله العظمى خامنه اى دام ظله في تفسير سورة التوبة"، وبهدف تعميم الفائدة ونشر الفكر القرآني لسماحة السيد حفظه الله، عملنا على ضم هذا الكتاب إلى كتابنا هذا وجعلناه بمنزلة التمهيد قبل تفسير سورة براءة.

 

إنّ هذا الكتاب موجّه إلى المجامع العلمية والمهتمين بتفسير القرآن الكريم، كما هو موجّه إلى سائر الناس، ويمكن أن يكون كتابًا مساعدًا في التفسير ومناهجه. نسأل الله تعالى أن يقبل منّا هذا الجهد، وأن يجعله خطوة في مسار نشر المعارف القرآنية.

 

ومن الله التوفيق

 

 

11

 

 

 

 


5

تفسير سورة براءة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التفسير عند آية الله الخامنئي: المنهج والمباني والقواعد

 

أ- المنهج التفسيري[1]

يكشف التأمل في المادة التفسيرية التي بين أيدينا عن أنّ المنهج المعتمد فيها هو المنهج الاجتهادي، مع الاستفادة الملحوظة من منهج تفسير القرآن بالقرآن، كما يلحظ المراقب لهذه المادة حضورًا معتنًى به للرواية أيضًا.

 

ومرادنا من المنهج الاجتهادي اعتماد المفسِّر على جهده العقليّ والفكري لتحليل الآيات وفهمها والوصول إلى مراد الله تعالى ومقاصده من القرآن الكريم. وهكذا يتبيّن أنّ الأساس في المنهج الاجتهادي هو التدبّر، على خلاف المنهج الروائي الذي يُعتمد فيه بالدرجة الأولى على الرواية والأحاديث الواردة في تفسير الآية.[1] والموارد التي يمكن عدّها أمثلة على اعتماد هذا المنهج كثيرةٌ سوف نوردها لاحقًا، وخاصّة عند معالجتنا قضيّة التجديد في التفسير عند الإمام الخامنئي.

 

ولا يعني اعتماد المنهج الاجتهادي هجرَ المنهج الأثير عند عدد من المفسرين وهو منهج تفسير القرآن بالقرآن، وذلك أنّ المنهج واضح الحضور في تفسير

 


[1]  نقصد بالمنهج في هذه الدراسة الأدوات أو المصادر التي يستخدمها المفسر للوصول إلى نتائج محدّدة في مجال الكشف عن معنى آيات القرآن الكريم. ومن أهم مناهج التفسير المعروفة بين المشتغلين على التفسير وعلوم القرآن: تفسير القرآن بالقرآن، ،التفسير الروائيّ أو الأثريّ، التفسير العلميّ، والتفسير العقلي الاجتهاديّ، والتفسير الإشاريّ، والمنهج المتكامل في التفسير. للمزيد عن مناهج التفسير، انظر: أصول التفسير وقواعده، ص 107-182، المبادئ العامّة لتفسير القرآن بين النظرية والتطبيق، ص 89-129، ومباني وروشهاى تفسير قرآن، ص 215-216.

2- انظر  التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، ج2، ص349، أصول التفسير وقواعده، ص176.

 

31


6

تفسير سورة براءة

الإمام الخامنئي، حيث يستعين بآيات من القرآن لتفسير آية أخرى. وفي ما يأتي نورد بعض النماذج:

1- عند تفسيره لآية: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾[1] وفي سياق بيانه لمعيار مواجهة الكافرين يستند إلى الآيتين 8 و9 من سورة الممتحنة، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم﴾.

 

2- في تفسيره لكلمة "الحامدون"[2] الواردة في ذيل آيات الجهاد، يرجع المستمعَ والقارئَ إلى آيات سورة النصر.

 

3- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾[3] يبيّن أنّ مرجع الضمير في كلمة سكينة هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس أبا بكر، وذلك بالاستناد إلى آيات عدّة منها، قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾[4]، وقوله عزّ وجل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾[5]، و﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ﴾([6])، و﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[7]، و﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾[8] وهذه الآيات جميعًا تفيد أنّ تثبيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمرٌ لا إشكال فيه بل لازمٌ.

 

4- يشير في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ﴾[9]، إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ


 


[1] سورة التوبة: الآية 13.

[2] سورة التوبة: الآية 112.

[3] سورة التوبة: الآية 40.

[4] سورة التوبة: الآية 26.

[5] سورة الحجر: الآية 97.

[6] سورة هود: الآية 12.

[7] سورة طه: الآية 2.

[8] سورة الإسراء: الآية 74.

[9] سورة التوبة: الآية 16.

 

 

32


7

تفسير سورة براءة

حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾[1]، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾[2].

 

5- والأمر عينه نلاحظه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾[3]، حيث يربط هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[4].

 

6- ومن أجل بيان المعنى الصحيح لمفهوم التوكّل، في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[5]، يربط بين المفهوم الوارد في هذه الآية وبين آيات أخرى مثل: الآية 59 من سورة العنكبوت، والآية 81 من سورة النساء، والآية 71 من سورة يونس، والآيات 53 إلى 56 من سورة هود، والآية 12 من سورة إبراهيم، والآية 10 من سورة المجادلة.

 

7- رُبِط بين قوله تعالى: ﴿يؤمن للمؤمنين﴾[6]، وبين آية: ﴿إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ﴾[7] لتأصيل مبدأ عامٍّ.

 

8- طُرِح قوله تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾[8]، إلى جانب قوله: ﴿ويقبضون أيديهم﴾[9].

 

9- في تفسير الآية 38 من سورة التوبة، وبمناسبةٍ مّا أُشير إلى آيات من سور: المائدة والفتح، وحُلِّلت هذه الآيات بطريقة التفسير الموضوعي. وكذلك في تفسير الآية 71 ولبيان معنى قوله تعالى: ﴿يطيعون الله ورسوله﴾ أحال


 


[1] سورة البقرة: الآية 214. 

[2] سورة العنكبوت: الآية 2.

[3] سورة التوبة: الآية 46.

[4] سورة الأنفال: الآية 60.

[5] سورة التوبة: الآية 51.

[6] سورة التوبة: الآية 61.

[7] سورة الحجرات: الآية 6.

[8] سورة المنافقون: الآية 7.

[9] سورة التوبة: الآية 67.

 

 

33


8

تفسير سورة براءة

سماحته إلى آيات أخرى ذات صلة بالموضوع.

 

10- وفي تفسير الآية 73 فتح بحثًا موضوعيًّا في مفهوم الجهاد في القرآن، وبيّن أنّ استعراض الآيات المرتبطة بالجهاد هي السبيل الأساس لفهم هذا المصطلح القرآنيّ. وفعل ذلك باستعراض عددٍ من الآيات ذات الصلة. وفي الآية نفسها أيضًا وبمناسبة تفسير عبارة ﴿واغلظ عليهم﴾ أشار إلى عددٍ من الآيات.

 

11- في تفسير الآية 74 التي تصف المنافقين بعبارة: ﴿كفروا بعد إسلامهم﴾، توقّف عند كلمة الإسلام واستعمالها وعدم استعمال كلمة الإيمان، وربط بين هذه الآية وبين الآية 14 من سورة الحجرات، لورود الكلمة نفسها في وصف المنافقين.

 

12- وفي تفسير الآية 79 أشار سماحته إلى الآيات الأولى من سورة الهمزة، وفي تفسير جملة ﴿بأنّهم كفروا بالله﴾ في الآية 80 الواردة في وصف المنافقين، بيّن أنّ المراد من "الكافر" الذي يأمر القرآن بمواجهته وقتاله، هو الكافر في مقام العمل والذي يندسّ بين المسلمين بهدف الإضرار بهم، ولتأييد هذا المعنى يستند إلى الآيتين 8 و 9 من سورة الممتحنة.

13- في تفسير الآية 97، يستند إلى آية من سورة الحجرات، ويستعين لتفسير الآية 114 بآيات من سورة الممتحنة أيضًا.

 

14- عند تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾[1] يستشهد بآية: ﴿وكأيٍّ من نبيّ قاتل معه ربّيّون﴾[2].

 

مضافًا إلى النماذج التي ذكرناها يُلاحِظ القارئ لهذا العمل التفسيري في موارد عدّة، تحليلَ موضوعات بشكلٍ مستقلٍّ، وفي هذه الأبحاث تظهر بوضوح أهميّة الآيات في تفسيره وذلك يؤكّد أنّ المنهج الغالب على هذا التفسير هو المنهج القرآنيّ، أو منهج تفسير القرآن بالقرآن. وسوف يأتي المزيد حول هذه السمة.


 


[1] سورة التوبة: الآية 111.

[2] سورة آل عمران: الآية 146.

 

34


9

تفسير سورة براءة

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأخبار والروايات لها حضور ملحوظ في هذا التفسير، وقد صرّح في تفسير الآية 60 من سورة التوبة بأنّ فهم الآية بشكلٍ صحيح ينبغي أن يمرّ بمراحلَ أوّلها التأمّل في ظاهر الآية بحسب الفهم العرفيّ، والمرحلة الثانية هي ملاحظة الأخبار والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام وهذه الأخبار إمّا أن تبيّنَ معنى الآية وتزيده جلاءً ووضوحًا، وإمّا أن تقيّد الآية أو تخصّصها. ومن الموارد التي يمكن الإشارة إليها كأمثلة على الاستناد إلى الروايات، تفسير الآيات الآتية: 1، 3، 38، 44، 51، 53، 54، 63، 111، 112.

 

ويزداد الاستناد إلى الروايات وضوحًا في تفسير الآيات ذات الطابع الفقهيّ. وسوف نتوقّف لاحقًا من أجل بيان الضوابط العامّة للتفسير الروائيّ المعتمدة في هذا التفسير.

 

ب) الاتّجاه التفسيري[1]

الاتّجاه الأساس المعتمد في هذا التفسير هو الاتّجاه الاجتماعيّ – السياسيّ، مع بعدٍ تربويّ هدائيٍّ واضحٍ. ومن هنا، يلاحظ المتأمّل في أنحاء هذا الجهد التفسيريّ قلّة الاهتمام بالقضايا الأدبية والفقهية والكلاميّة. ومن أهمّ خصائص الاتّجاه الاجتماعي، ما يأتي:

- الآيات التي تتضمّن إشارات إلى المسائل الاجتماعيّة، هي الآيات الأكثر حظوة بالاهتمام.


 


[1] المقصود من الاتّجاه السمة الغالبة على التفسير والتي عادة تكون مستندة إلى اهتمامات المفسِّر حيث ينعكس اهتمامه وتوجّهاته المذهبية والعلمية والثقافية وتخصّصه العلميّ على تفسيره. ومن أهمّ الاتّجاهات التي بُحث عنها عند المشتغلين على منهجيّات التفسير: الاتّجاه الأدبيّ، والفقهيّ، والفلسفيّ، والاجتماعيّ، والأخلاقيّ، والتاريخيّ، والعلميّ، والكلاميّ، والمعنويّ – التربويّ، والجهاديّ، والتقريبيّ، والسياسيّ. (للمزيد حول هذه الاتجاهات، انظر: التفسير والمفسِّرون، ج2، ص 14-20، وج1، ص 150-153؛ ومباني وروشهاي تفسير قرآن، ص 214).

 

35


10

تفسير سورة براءة

- تُعرض المشكلات الاجتماعيّة على آيات كتاب الله بهدف البحث عن حلول قرآنيّة لها.

 

- يقلّ فيه الاهتمام بالمسائل الأدبيّة، والفقهيّة، ولا يتوقّف المفسِّر كثيرًا عند الأبعاد اللغويّة والأدبيّة في تفسيره.

 

- يهتمّ المفسِّر بالقضايا المعاصرة. ومن القضايا المعاصرة التي حظيت باهتمام هذا التفسير: معرفة العدوّ، ومواجهة الاستعمار وخططه التي يدبِّرها للمجتمعات الإسلاميّة، وقضية التقريب والعلاقات البينية بين المسلمين.

 

- يبرز المفسِّر التعاليم التربويّة والإرشاديّة في الآيات التي يفسِّرها.

 

- يستعين بمقدار الحاجة بأحدث منجزات العقل البشريّ في مجال العلوم التجريبية والعلوم الإنسانيّة.

 

- يتجنّب صاحب هذا الاتّجاه الخوض في الإسرائيليّات أو الاستناد إليها في تفسيره.

 

- لغة هذا الاتّجاه تميل عادةً إلى البعد عن التعقيد، حيث يفترض أنّ المخاطب هو شرائح متنوّعة من المجتمع، ولهذا يتجنّب هذا التفسير اعتماد اللغة التخصّصية التي يستعصي فهمها على غير المتخصّصين، أو النخب الاجتماعيّة.

 

- يعمل المفسِّر الاجتماعي على بيان السنن الإلهيّة في المجتمع ويظهرها، ويطبِّق الآيات عليها[1].

 

وهذه الخصائص كلّها موجودة في هذا العمل التفسيريّ الذي نحن بصدد التقديم له، وسوف نفصّل القول في هذا الأمر لاحقًا.

 

والآن وبناءً على هذا التمهيد، سوف نحاول إبراز أهمّ الخصائص التي تسمح بتصنيف هذا التفسير في دائرة الاتّجاه الاجتماعيّ:

 


[1] للمزيد عن الاتّجاه الاجتماعيّ، انظر: التفسير والمفسِّرون، ج 2، ص 451-453؛ المبادئ العامّة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، ص 128-129.

 

36


11

تفسير سورة براءة

1- تظهير المباحث الاجتماعيّة القرآنية

مصاديق هذه الخصوصية ومواردها كثيرة في هذا التفسير. ومن باب المثال نشير إلى ما يأتي: في تفسير الآية 67، ركّز هذا التفسير على الأبحاث الاجتماعية المرتبطة بالنفاق، والتيّارات المنافقة في المجتمع. وفي تفسير الآية 103 وفي سياق الحديث عن الفعل "تطهِّرهم" تعرّض بالتفصيل للبحث في الآثار الاجتماعيّة لأداء الزكاة. وبمناسبة الإشارة القرآنية إلى "سبيل الله" كمصرفٍ من مصارف الزكاة كانت لهذا التفسير وقفةٌ عند المذهب الاقتصاديّ في الإسلام لبيان أنّه مذهبٌ يوازن بين الفرد والمجتمع في وقتٍ واحدٍ. وسوف نعرض نماذج أخرى في المباحث الآتية.

 

2- تحليل الأمراض الاجتماعيّة وحلولها القرآنية

لا شكّ في أنّ من أهمّ الشواخص في التفسير الاجتماعيّ التوقّف عند المشكلات والآفات التي هي محلّ ابتلاء في المجتمع، وعرضها على القرآن الكريم، بهدف البحث عن التوجيهات القرآنيّة في شأنها.

 

وفي هذا التفسير نماذج عدّة منها، أنّه عند تفسير الآية 113 من سورة التوبة، تعرّض للبحث في الغرور والعُجب الناجم عن التوفّر على السلطة نتيجة الحظوة بالأكثريّة، وعدّ هذه المشكلة من أخطر الآفات التي يمكن أن تُبتلى بها جماعة من الجماعات. ومن هنا، نلاحظ أنّ القرآن الكريم يولي الأمر بالمعروف والتواصي بالحق والصبر عنايةً ملحوظةً. وقد ابتُليت كثيرٌ من المجتمعات بهذه الآفة، ما يجعل لفت القرآن إليها وإلى علاجها من الأمور المطلوبة.

 

فقد أورد في تفسير قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذِّبهم الله بأيديكم﴾[1] فقدان الأمم إرادتها من جهة، وميل أمم أخرى إلى السلطة والسيطرة على مقدّرات غيرها من الأمم من جهة أخرى، من الآفات الاجتماعيّة الخطيرة، التي تحكم العلاقة بين الأمم المستعمَرة والأمم المستعمِرة.

 


[1] سورة التوبة: الآية 14.

 

37


12

تفسير سورة براءة

وكذلك في تفسير الآية 54 يتوقّف عند الأسباب الاجتماعية الأساسْ التي تجعل الأمم تعاند وتعارض الحركات الإصلاحية التي بشّر بها الأنبياء وغيرهم من المصلحين عبر التاريخ. ومن أبرز هذه الأسباب: وفرة الإمكانات والمقدّرات المالية والاقتصادية، الموقع الاجتماعي والمصالح غير المشروعة. ومن هنا، يحذّر سماحتُه المجتمعَ الإسلاميَّ من الوقوع تحت تأثير هذه الأسباب.

 

في تفسير الآيتين 41 و 42 يصرّح بأنّ هاتين الآيتين تتضمّنان ثلاثة مطالب كلّيّة... والثالث من هذه المطالب مطلبٌ اجتماعيٌّ هو: "العواقب الخطيرة للتخاذل في أمر الجهاد في المجتمع" وعالج هذا الأمر بالتفصيل.

 

3- فكرة تشكيل الحكومة الإسلامية

ومن خصائص الاتّجاه الاجتماعي – السياسيّ في التفسير؛ بل ربّما خصوصيّته الأهمّ والأبرز الاهتمام بالأحكام ذات الطابع الاجتماعيّ في القرآن؛ أي ما يقابل الأحكام الفرديّة، ويدخل في دائرة هذا النوع من الأحكام والتعاليم الأمور ذات البعد السياسيّ. ومن ذلك قضية تأسيس الدولة والنظام السياسيّ الإسلاميّ، وهذا ما تتكرّر الإشارة إليه في هذا التفسير. ومن نماذجه وتطبيقاته، ما ورد في تفسير الآيات: 12، و13، و38، و40، و111.

 

4- الردّ على الشبهات المثارة حول القرآن

تدخل الشبهات المثارة حول القرآن أو بعض تعاليمه وأحكامه في دائرة اهتمام الاتجاه الاجتماعيّ. ومن هنا، نجد أنّ المشتغلين بالتفسير في إطار هذا الاتّجاه يرصدون الشبهات المثارة ويقدّمون أجوبتهم عنها، وهذا ما نلاحظه في هذا التفسير، ومن ذلك:

1- في تفسير الآية 5 من سورة التوبة التي تأمر بقتل المشركين، يُطرح عادةً تساؤلٌ حول مبرّر هذا الحكم، ومن الأجوبة التي طرحها سماحته في تفسيره أنّ

 

38

 


13

تفسير سورة براءة

هؤلاء يمثّلون سدًّا في وجه الإنسانية في مسارها نحو التكامل والسعادة في الدارين.

 

2- في سياق تفسير الآية 12، وفي مقابل قوله تعالى: ﴿وطعنوا في دينكم﴾، يُطرح هذا التساؤل وهو أنّه لماذا يعدّ القرآن الانتقاد أو الرأي المخالف طعنًا في الدين؟ وبالتالي يواجهه بالسيف. وفي الجواب عن هذا التساؤل يردّ مفسِّرنا الجليل بأنّ طريقة القرآن هي الجدال بالتي هي أحسن، وهي غضّ الطرف والتسامح؛ ولكن عندما يصل الأمر إلى تحوّل الرأي المخالف إلى محاولة للتعمية على الناس ومنع صوت الهداية من الوصول إليهم، عندها لا بدّ من المواجهة. إذًا لا يردّ الإسلام على الرأي المخالف بالسيف؛ بل يردّ به على من يتحوّل إلى قاطعٍ لطريق الهداية على الناس.

 

3- في تفسير قوله تعالى: ﴿أتخشونهم﴾[1]، يتساءل بعض الناس كيف يمكن لمسلمٍ في صدر الإسلام أن يخاف، وخاصّة في تلك الفترة التي كان الإسلام في أوج سيطرته على الجزيرة العربية؟ وفي الجواب يشير إلى أسباب هذا الخوف وجذوره مستنبطًا ذلك من الآية نفسها.

 

4- في تفسير الآية 29 من سورة التوبة، يطرح التساؤل المعروف عن مبرّر أخذ الجزية من أهل الكتاب؟ ويعالج هذا الموضوع بالتفصيل.

 

5- في تفسير قوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾[2]، وبعد بيان مرجع الضمير في كلمة "سكينة" وأنّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يردّ على الشبهة أو التساؤل عن مدى حاجة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى السكينة ونزولها عليه؟ ويستند في الردّ إلى عددٍ من الآيات ذات الصلة.

 

6- في تفسير قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾[3]، تُطرح تساؤلات حول عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فيدرس هذه الأسئلة ويجيب عنها بما يثبت عصمته صلى الله عليه وآله وسلم.

 

أخيرًا ثمة موارد تستحقّ الإشارة منها: تحليله لقوله تعالى: ﴿كره الله انبعاثهم

 


[1] سورة التوبة: الآية 13.

[2] سورة التوبة: الآية 40.

[3] سورة التوبة: الآية 43.

 

39


14

تفسير سورة براءة

فثبّطهم﴾[1]، ومنها بحثه في السبب الذي يجعل الله لا يقبل نفقات المنافقين، في الآية 54 من سورة التوبة، ومنها التوقّف عند موقف الإسلام من الرقّ ودعوته إلى تحرير العبيد في تفسير الآية 60 من سورة التوبة، ومنها تحليله لموقف المنافقين في الوحي في تفسير الآية 64، ومنها تساؤله عن الدعوة إلى طاعة الله بعد الدعوة إلى طاعة رسوله في الآية 71، ومنها تحليله للأسباب الداعية إلى تكرار القرآن الحديث عن النعم وتأكيده على خلود نعم الجنّة في تفسير الآية 72، ومنها تحليله لعدم الأمر بجهاد المنافقين في الآية 73، وأخيرًا تحليله للتمييز بين فئات غير القادرين على الجهاد وعدم ذكر حكمهم جملةً واحدة في تفسير الآية 91. وثمة موارد أخرى نترك للقارئ اكتشافها.

 

5- بيان السنن الإلهيّة

السنن الإلهية التي ذُكِرت في عدد من آيات كتاب الله[2]، هي القوانين الثابتة التي يُدار الكون على أساسها في عالمي التشريع والتكوين[3]. والقرآن يسمّي هذه القوانين بالسنن في بعض الموارد، وفي موارد أخرى يذكرها دون أن يشير إلى كونها سنّةً، وهنا على المفسِّر المتعمِّق في دلالات كتاب الله تعالى أن يكتشف هذه القوانين والسنن. وبعض هذه السنن محلُّها وموردُ انطباقها المجتمعُ الإنسانيّ، وهي تتّسم بالسمة نفسها أي سمة الثبات وعدم التغيّر، والالتفات إليها واكتشافها يُسهِم في تحسين إدارة المجتمع الإنساني، ويساعد على السير به في الطريق الأكثر انسجامًا مع طبيعته.

 

ومن ميزات هذا التفسير اهتمامه بهذا البعد وبيان السنن الإلهية وتوقّفه عندها، وفق الهدف الأساس وهو اكتشاف البرنامج الذي يساعد المجتمع والأفراد على


 


[1] سورة التوبة: الآية 46.

[2] انظر: سورة الأنفال: الآية 38؛ سورة الحجر: الآية 13؛ سورة الإسراء: الآية 77؛ سورة الكهف: الآية 55؛ سورة الأحزاب: الآيتان 38 و62...

[3] ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا﴾ (سورة فاطر: الآية 43؛ وانظر: تفسير نمونه، ج 17، ص 435، وج 18، ص 296.

 

40


15

تفسير سورة براءة

السير التكامليّ. ونكتفي بالإشارة إلى عدد من الموارد من هذه المواقف التفسيرية:

1- في تفسير الآية الثانية من سورة التوبة يتوقّف عند سنّة إلهية تقضي بأنّ من يعاند الحقّ ويحاول طمسه لن يحصل إلا على الخزي والفضيحة.

 

2- بيانه لسنّة توقّف حصول الإنسان على ما يريد على الجهد الذي يبذله، وذلك عند تفسير الآية 14.[1]

 

3- الترابط بين العزّة في الدنيا وبين تحمّل مسؤولية المواجهة في ساحات الجهاد، وذلك في تفسير الآية 39.

 

4- الإشارة إلى سنّة الابتلاء والامتحان عند تفسير الآية 16.

 

5- حديثه عن سنّة الترابط بين بقاء الفكر وبين الجهاد، وتشبيهه هذه السنّة بقانون الجاذبية في الثبات، وذلك في تفسير الآية 41.

 

6- وقوفه مطوّلًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾[2]، وذلك لبيان السنّة الإلهية القاضية بأنّ النزاع بين أصحاب المبادئ وبين غيرهم، نتيجته واحدة وهي أن تكون العاقبة للمبدئيّين، ولكن ذلك بعد امتحانات واختبارات، وانتصارات وهزائم موقّتة.

 

6- الاهتمام بالتفسير العلميّ

في تفسير الآية 41 يشير إلى أنّ المسلمين في صدر الإسلام لم يكونوا مطّلعين إلا على النزر اليسير من العلوم والمعارف وخاصّة ما يرتبط منها بالعلوم التجريبية؛ ولكنّ إيمانهم بالله وتصديقهم بالوحي كان يفتح آفاق وعيهم وإدراكهم عندما يسمعون مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. ومع مرور الزمان بدأوا يتعرّفون إلى العلوم: "وظهرت علوم عدة في مجال الإنسانيّات كعلم الاجتماع وعلم النفس.

 


[1] الموارد التي لا نشير فيها إلى السورة، تكون هذه السورة هي سورة التوبة.

[2] سورة التوبة: الآية 50.

 

41


16

تفسير سورة براءة

وعرف المسلمون أنّ تقدّم الفكر يتوقّف على الجهد الذي يبذله المؤمنون به، وهو القانون الذي تشير إليه هذه الآية".

 

وهذه الإشارة يمكن اعتبارها التفاتةً إلى التفسير العلميّ والاستفادة من نتائج العلوم الإنسانية والتجريبيّة في فهم آيات كتاب الله. وليست هي المرّة الوحيدة التي يشير فيها إلى هذا الأمر؛ بل يقول في تفسير الآية 38: "جرت عادة النبيّ في حروبه ومعاركه على أن لا يكشف خططه وأهدافه، وكان أفراد معسكره ينطلقون ولا يعرفون المقصد حتّى بعد أن يقطعوا مسافة في مسارهم. وقد نقل عددٌ من مؤرّخي أهل السنّة هذه السيرة من سيره صلى الله عليه وآله وسلم في حروبه ومعاركه. ولكنّه في هذه المعركة بيّن الهدف والمقصد؛ وذلك لبعد الشقّة وخطورة المعركة. وتغيير سيرته في هذه المعركة ينسجم مع مبدإ اجتماعيّ، ما زال معترفًا به حتّى عصرنا هذا، وحاصل هذا المبدإ أنّ الجنود في المعارك الخطرة يحسن أداؤهم إذا عرفوا التفاصيل. ومن هنا نجد، أنّه صلى الله عليه وآله وسلم بيّن لجيشه أنّ المقصد هو مواجهة الروم في تبوك". وهذه الالتفاتات الدقيقة النفسية والاجتماعية من المؤشِّرات على اهتمام مفسِّرنا الكبير بالمنهج العلميّ والاستفادة منه في تحليل كتاب الله.

 

7- التقريب بين المذاهب الإسلامية

يحرص المفسِّرون ذوو الاتّجاه الاجتماعيّ على الاهتمام بالمسائل ذات الصلة بالتقريب بين المسلمين، سعيًا منهم لتمتين الوحدة وتحقيق الانسجام بين المسلمين على اختلاف توجّهاتهم وانتماءاتهم المذهبية. ويمكن مشاهدة الأبحاث ذات الطابع التقريبيّ في هذا التفسير على نحوين. النحو الأوّل: هو الالتفات إلى ما ورد عند أهل السنّة في كتب التفسير السنّي أو في كتب الحديث، بغضّ النظر عن موضوعها، ومن الأخبار التي ينقلها ما يرتبط بأسباب نزول بعض الآيات في حقّ بعض الخلفاء أو الصحابة. ومن النماذج ما يقوله في تفسير الآيات الأولى من سورة التوبة. وعند تفسير الآية 100 من سورة التوبة، يقول في بحث عدالة الصحابة: "لا نريد الدخول الآن في النقاش الشيعي السنّي، وإنما هدفنا فهم القرآن من دون تعصّبٍ لهذا الرأي أو ذاك، وليس التعصّب طريقة لنا ولا مذهبًا". والنحو الثاني:

 

 

42


17

تفسير سورة براءة

انتقاده لتطرّف بعض المفسِّرين في تعاملهم مع القرآن وآياته، ومن ذلك انتقاده ما يطرحه صاحب المنار في تفسير الآية 40 من سورة التوبة. وكذلك انتقاده تعصّب بعض المفسِّرين من أهل السنة في تفسير الآية 26 من السورة نفسها.

 

ومن نماذج الاهتمام الاجتماعي بقضية التقريب والوحدة ما يطرحه حول ضرورة التآخي بين المسلمين، وتوحيد صفوفهم في سياق تفسيره الآية 50 من سورة التوبة.

 

8- تجنّب المباحث القليلة الجدوى

من حسنات الاتّجاه الاجتماعي تجنّب أصحاب هذه الاتّجاه من المفسِّرين الدخول في المباحث التي لا تترتّب عليها جدوى كبيرة. وتتجلّى هذه الخصلة في هذا التفسير بوضوحٍ. والأمثلة كثيرةٌ منها توقّفه عند مفهوم الحجّ الأكبر في الآية 3 من سورة التوبة، فيشير إلى اختلاف المفسِّرين في تعيين المراد من هذا المفهوم، ويعلّق بأنّه لا ينبغي أن يكون الهدف من التفسير معرفة رأي هذا وذاك؛ ولكنّه يعد بالتوقّف عند هذه القضية على الرغم من تقديره عدم أهميّتها، لإمكان بيانها باختصار ومن دون تطويل. وكذلك في تفسير الآية الأولى يلفت إلى عدم أهمية الخوض في البحث عن "الذين عاهدتم" فيشير إلى اختلاف المفسِّرين ويطوي كشحًا عن الدخول في التفاصيل. والأمر عينه يتكرّر عند تفسير الآية 114؛ حيث يتجاوز الكثيرَ من التفاصيل التي ذكرها بعض المفسّرين حول شخصية آزر.

 

9- هدفية القرآن وهدائيّته

يشير القرآن الكريم في عددٍ من آياته إلى الهدف المبتغى منه، وأرقى هذه الأهداف وأجلّها هو هداية البشريّة[1]. والالتفات إلى هدف القرآن من الأركان الأساسيّة في جودة فهمه وتفسيره؛ وذلك لأنّه يوجّه تفسير الآية في الاتّجاه المنسجم مع الغاية المتوخّاة منها، ويحثّ المفسِّر على البحث عن الأبعاد الهدائية التي يدخل المفسّر إلى


 


[1] انظر: سورة البقرة لآية 2؛ وسورة إبراهيم: الآية 1.

 

 

43


18

تفسير سورة براءة

التفسير معتقدًا بوجودها. ويتأكّد هذا الأمر في التفسير ذي الوجهة الاجتماعيّة.

 

ومفسِّرنا المحترم يصرّح في موارد عدّة من أنحاء تفسيره بأنّ الله عز وجلّ لا يريد من القرآن زيادة معارف الإنسان وتطوير علومه فحسب؛ بل يريد ما هو أهمّ وأكثر جدوى وهو الهداية والتربية والتزكية. والنماذج كثيرة منها ما ورد في تفسير الآيات الآتية من سورة التوبة: 38، و111. وفي تفسير الآيتين 38-39 يصرّح عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ يصرّح بقوله: "هذا الكلام تعليم، وفي الوقت نفسه تعزيز للروح وتقوية للقلب... وبالتالي هو تعليم وتربية في آنٍ واحدٍ، ويبيّن الله في هذه الآية للناس أنّكم إن لم تمدّوا يد النصرة لهذا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ الله سوف يقيّض له من ينصره".

 

ج) مباني التفسير وقواعده

تنوّع فهم الآية وتعدّد الاستفادات منها، ترجيح بعض المباحث والاهتمام بها وإغفال مباحث أخرى، اختيار رؤية تفسيريّة أو أكثر وتبنّيها وردّ سائر الرؤى والنظريّات، وتمايز المواقف من الأسئلة والشبهات التي تُثار حول القرآن، كلّ ذلك يتأثّر في كثير من الأحيان بالفرضيّات المسبقة والأصول الموضوعة والمباني الفكريّة التي ينطلق منها المفسِّر. وبعض ما أشرنا إليه من قبليّات هو جزءٌ من المعتقدات الكلامية للمفسِّر وبعضها الآخر نظريّات وآراء تُدرس في ما يمكن تسميته بـ"علوم القرآن" بالمعنى العامّ الواسع لهذه الكلمة. وبالتالي فإنّ تنوّع هذه المنطلقات يفضي إلى تنوّع الاستفادات والأفهام من الآية.

 

يُضاف إلى ذلك أنّ فهم القرآن وتفسيره ليس عملًا منفلتًا؛ بل هو عملٌ منظّمٌ مبنيٌّ على قواعد تحكم مسار الفهم ومسيرة التفسير. وما سوف نحاوله في هذا الفصل من الدراسة هو الكشف عن القواعد والمبادئ التي يستند إليها سماحة السيد في تجربته التفسيرية التي نحن بصدد التقديم لها.

 

44


19

تفسير سورة براءة

أولّا) المباني التفسيريّة:

أهمّ هذه المباني هي الآتية:

1- إمكان تفسير القرآن وجوازه

وتستند أهمّية هذا المبنى إلى أنّه المدخل والبوّابة التي تبرّر الاشتغال بتفسير القرآن، فمن يرى عدم جواز التفسير أو عدم إمكانه، لا يحقّ له البدء بعملية التفسير ولا الاشتغال بها. وقد يبدو هذا الكلام غريبًا لأوّل وهلةٍ؛ ولكن غرابته تنتفي عندما نعلم أنّ ثمة من اعتقد بحرمة التفسير[1] مستندًا إلى ظاهر بعض الأخبار الواردة في المصادر الحديثية[2]. ولا شكّ في أنّ مفسِّرنا يرى جواز وإمكان الوصول إلى رأي تفسيريّ يمكن نسبته إلى كتاب الله تعالى، ويُستفاد هذا من اشتغاله بالتفسير أوّلًا، ومن اختياره اتّجاه التفسير الاجتماعي الذي يبتني على هذه الفكرة وينطلق منها.

 

2- حجية ظواهر القرآن والاهتمام بها

من المباني التي يقبلها وينطلق منها أكثر المفسِّرين[3]، الاعتقاد بحجيّة ظواهر القرآن الكريم. وهذا المبنى من متفرّعات المبنى السابق. ولا شكّ في أنّ الاعتماد على ظاهر القرآن في الموارد التي لا قرينة تدلّ على الخلاف، من المباني التي تضبط عملية التفسير، ومن العناصر المساعدة على النقاش والحوار بين الرؤى التفسيرية لقبول هذه وردّ تلك. وهذا المبنى من المباني الأساسية التي تُلاحظ بوضوح في أنحاء هذه التجربة التفسيريّة، وذلك بتصريح سماحته بهذا المبنى في عددٍ من


 


[1] للاطلاع على موقف هذه الفئة من العلماء ونقدها، انظر: الفوائد المدنية، ص 128؛ التبيان في تفسير القرآن، ج 1، ص 4-7؛ كفاية الأصول، ج 3، ص 201-214؛ دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية، ص 223.

[2] انظر: وسائل الشيعة، ج 18، ص 141-142.

[3] انظر: البيان في تفسير القرآن، ص 261-271.

 

 

45


20

تفسير سورة براءة

الموارد التي يعرض فيها اختلاف الآراء في تفسير آية فيتبنّى وجهة نظرٍ محدّدة ويستدلّ لذلك بظاهر الآية[1].

 

كما إنّه يضع التأويلات العرفانية لبعض الآيات على محكّ النقد، ويردّ بعضها عندما يراها غير منسجمة مع ظاهر الآية. ومن ذلك موقفه من الآية 72 في تفسير الجنّات ونعمها التي أشارت إليها الآية، ففي تفسير هذه الآية يعرض رأي بعض العرفاء وتأويلهم النعم وتجسُّم الأعمال بالنعم الروحية وما شابه، فيردّ ذلك، ويرى أنّه لا مبرّر لهذا التأويل؛ لأنّه يسقط ظاهر الآية ولا ينسجم معه.

 

3- ترتيب الآيات: توقيف وحكمة

من المباني التي تترك أثرها على التفسير، الموقف من ترتيب الآيات في السورة، وفي هذا المجال يرى أكثر المفسِّرين أنّ ترتيب الآيات في السورة توقيفيٌّ. وذلك أنّ جعل هذه الآية في هذا الموضع المحدّد من السورة تابع لإرادة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم[2].

 

ومن الواضح أنّ لهذا الموقف أثره على عملية فهم القرآن وعلى تحليل آياته وتفسيرها، وأوّل هذه الآثار الاعتقاد بوجود حكمة وراء نظم القرآن بهذه الطريقة، ما يسمح للمفسِّر بالبحث عن هذه الحكمة، في إطار ما يعرف بالمناسبات. ومن هذا المبنى وما يترتّب عليه من نتائج يمكن للمفسِّر أن يستفيد معاني محدّدة من ترتيب الآيات، كما يمكنه الردّ على الشبهة المشهورة التي يطرحها المستشرقون وحاصلها أنّ القرآن مشوّشٌ لا يخضع ترتيبه لضابط معنائيّ.

 

وهذا المبنى من المباني الملحوظة في هذه التجربة التفسيرية التي نحن بصدد البحث فيها، والموارد التي يمكن أن تكون شاهدًا على الالتزام بهذا المبنى كثيرةٌ نكتفي بذكر بعضها والإشارة إلى بعضها الآخر:


 


[1] انظر تفسيره للآيات: 64، و71، 72، 79...

[2] انظر: التمهيد في علوم القرآن، ج 1، ص 275-280؛ وتفسير العياشيّ، ج 1، ص 19؛ ومسند أحمد، ج 4، ص 218؛ والإتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 60.

 

46


21

تفسير سورة براءة

1- يصرّح مفسّرنا الجليل في تفسير الآية 60 بأنّ التقديم والتأخير في القرآن له ضوابطه، فما يُقدّم يقدّم لأهميّته، وترتيب القرآن مستندٌ إلى الحكمة الإلهية.

 

2- الآيات من 1 إلى 16 من سورة التوبة تطرح قضية البراءة من المشركين وتدعو إلى الجهاد، بينما الآيتان 17 و 18 تتحدّثان عن بناء المساجد، وهنا يطرح سماحته سؤالًا عن مبرّر تغيير الموضوع وعن إمكان الربط بين الآيات، ويجيب بإمكان ذلك، ويستند إلى تحليل موقف المشركين من الكعبة والنبيّ إبراهيم عليه السلام ليربط بين الآيات ويحفظ الوحدة الموضوعية فيها[1].

 

4- الالتفات إلى غرض السورة وترتيب الموضوعات

لاكتشاف الغرض الأصليّ والمقصد الأساس للسورة وكذلك الأهداف الفرعية آثارٌ إيجابيّة على التفسير وفهم كتاب الله تعالى. ومن أهمّ هذه الآثار: تقديم الأهداف وإعطاؤها أولويّة الاهتمام، قلّة الاهتمام بالجزئيّات والمصاديق، النظرة المجموعيّة والسياقيّة إلى الآيات، وتجنّب النظرة الأحادية، الترتيب الممنهج للموضوعات في السورة. كما يُعدّ هذا المبنى من العناصر الأساسية التي يُبنى عليها علم التناسب، ويسهم أيضًا في الردّ على شُبَه المستشرقين حول الوحدة الموضوعية للقرآن. ومفسِّرنا العزيز أولى عنايةً خاصّة في بداية تفسير سورة التوبة لهذا الأمر، ومهّد لتفسيرها بالكشف عن الموضوعات الأساس فيها، كما أشار إلى هذا الأمر في موارد أخرى منها تفسير الآية 46.

 

5- اكتشاف الغرض من الكلمات المفتاحية

يساعد النظر في الكلمات المفتاحية في الآية على اكتشاف غرضها الأصليّ وموضوعها المركزيّ. وهذا الأمر نلاحظه عند مفسِّرنا الكبير في تفسيره الآية 86

 

 


[1] للمزيد من هذه الموارد، انظر تفسير الآيات: 25، و29-30، الربط بين الآيتين 38-39 والآية 40، الربط بين الآيتين 58-59 و60...

 

 

47


22

تفسير سورة براءة

وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾، ففي هذه الآية لفت إلى أنّ استخدام عبارة "أولو الطول" لا ينسجم مع افتراض أنّ هذه الآية تتحدّث عن المنافقين؛ لأنّ الحديث عن القدرة الاقتصادية ليس له ربطٌ مباشرٌ بالنفاق، فالأنسب الاعتقاد بأنّ هذه الآية بصدد الحديث عن فئة اجتماعيّة هي فئة الأغنياء وأصحاب الثروات.

 

6- استعمال اللفظ في أكثر من معنى

من المباني التي أخذت نصيبًا من النقاش بين علماء التفسير، السؤال عن جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بحيث يُستفاد من الكلمة معنيان في آنٍ واحدٍ. ومبرّر طرح هذا السؤال هو احتمال يطرحه بعض العلماء يقضي بأنّ كلمة في آية يمكن استفادة أكثر من معنى منها. وهذه المعاني المتعدّدة المفترضة عندما تكون جميعًا مصاديق لمعنًى واحدٍ لا تدخل في دائرة هذا النقاش، بل يتوقّف دخولها في دائرته عندما تكون المعاني المتعدّدة المفترضة متباينة. وعلى ضوء ما تقدّم، من يرى جواز الاستعمال في أكثر من معنى يمكنه أن يحتمل أو يتبنّى دلالة الكلمات على المعاني المتباينة، ومن يرى عدم الجواز ليس له سوى خيار القبول بأحد المعاني وردّ سائرها.

 

وهذه المسألة مطروحة في علم الأصول أيضًا، ويختلف الأصوليّون فيها بين من يرى استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى[1]، ومن يرى عدم الاستحالة مع الاعتقاد بأنّ هذا الاستعمال على خلاف العرف؛ ولذلك لم يسمح بافتراض دلالة الكلمة على معانٍ عدّة متباينة في وقتٍ واحدٍ[2]. وثمة من يرى الإمكان والوقوع[3]، ولم يكتفِ بعض المجوِّزين بإثارة احتمال الجواز، بل عدّوا ذلك من مؤشِّرات الفصاحة وعلاماتها.


 


[1] انظر: كفاية الأصول، ج 1، ص 208؛ أجود التقريرات، ج 1، ص 51؛ أصول الفقه، ص 51.

[2] انظر: أصول الاستنباط، ص 50-51.

[3] انظر: تهذيب الأصول، ج 1، ص 69؛ محاضرات في أصول الفقه، ج 1، 236.

 

48


23

تفسير سورة براءة

والنظر في أنحاء هذا التفسير يكشف عن أنّ مفسِّرنا المحترم يتبنّى الرأي الثالث. ومن هنا، نجده في عددٍ من الآيات يطرح أكثر من احتمال دون أن يسعى لترجيح أحدها على الآخر، بل صرّح بإمكان أن تكون جميع هذه الاحتمالات مرادةً. ويصرّح بمبناه هذا في تفسير الآية 90 في كلمة "المعذِّرون"، ويقول بعد طرح احتمالين في تفسير هذه الكلمة: "يرى بعضٌ أنّ الكلمة تفيد المعنيين؛ أي المقصِّر والمعتذر، ونحن نقبل وجهة النظر هذه. وفي المقابل يرى أكثر علماء الأصول استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى، ولا يمكن عندهم أن يستخدم الإنسان كلمة واحدةً لإفادة معنيين أو أكثر في استعمال واحد؛ ولكنّ هذه المسألة ليست إجماعية وثمّة من يخالف الأكثرية فيها. وعندما نرجع إلى أنفسنا لا نشعر بصحّة دعوى الاستحالة، وعلى أيّ حال هذه المسألة جديرةٌ بالبحث في محلّها. ونكتفي هنا بالإشارة إلى عدم قناعتنا بصحّة ما ذهبوا إليه من دعوى الاستحالة. وبناءً على ذلك لا نرى أيّ مانع يمنع من استفادة المعنيين من هذه الكلمة". ويُلاحظ أنّ المستند الذي ينطلق منه في ردّ دعوى الاستحالة هو الوجدان.

 

هذا، ولكنّه يتابع البحث في هذه القضية ويكشف عن شرطٍ لإمكان الاستعمال المتعدّد هو أن لا تكون المعاني متنافية فيما بينها أو متناقضة، ويطبِّق هذا الإشكال على كلمة "معذّر"؛ ولأجل هذا ينهي البحث بضرورة اختيار أحد المعنيين[1].

 

وثمّة ملاحظةٌ تجدر الإشارة إليها وهي أنّه في عدد من الموارد يطرح احتمالات عدّة في تفسير الآية، ولا يُبنى هذا التعدّد على قضية الاستعمال المتعدّد التي نحن بصدد بحثها؛ بل إنّ ذلك من تطبيقات النظر في أبعاد الآية، ومن أمثلة ذلك استفادته ثلاث رسائل أو تعاليم من الآية 40.


 


[1] للمزيد من النماذج انظر تفسير الآيات: 17، و38، و51، و81، و112.

 

 

49


24

تفسير سورة براءة

7- مسألة الوجوه والنظائر

بحث الوجوه والنظائر من مباحث علوم القرآن. الوجوه مصطلح يُقصد به الإشارة إلى محتملات المعاني، والنظائر مصطلح يستخدم في ما يرتبط بالألفاظ والتعابير. فإذا احتُمل في لفظ أو عبارةٍ معانٍ عدّة سُمِّي ذلك بـ"الوجوه"، وعندما تفيد ألفاظ عدّة معاني متقاربة عُبِّر عن ذلك بـ"النظائر"[1].

 

والنقطة الجديرة بالإشارة هنا، هي أنّ بعض المشتغلين بالتفسير وعلوم القرآن تطرّفوا في مبحث الوجوه وذكروا لأكثر كلمات القرآن الكريم معاني عدّة. والحال أنّ أكثر هذه الموارد ليس للفظ فيها إلا معنًى واحدًا، وما عدّوه وجهًا أو وجوهًا هو مصاديق للمعنى استُعمل اللفظ فيها.

 

ومفسِّرنا الجليل يلتفت إلى هذه النقطة بدقّة لافتة وفي تفسيره للآية 60 من سورة التوبة، وأثناء بحثه عن مفهوم الصدقة والزكاة، يشير إلى هذا المطلب بقوله: "إنّه لمن العجيب والبعيد أن نعتقد بأنّ القرآن الكريم يستخدم لفظًا واحدًا في موارد عدّة دون أن يكون لهذا اللفظ معنًى واحد، بحيث يكون له في كلّ مورد معنًى مختلف عن معناه في المورد الآخر. ومن نماذج ذلك لفظ الصلاة أو الزكاة وغيرهما من المفاهيم الإسلامية، فهذه المفاهيم أينما استُخدمت في القرآن أفادت معنًى واحدًا، أو على الأقل لها معنًى عامّ له مصاديق متنوّعة. وكلمة "صدقة" أينما استُخدمت في القرآن لها معنًى واحد، وليس صحيحًا أنّ لكلمة "صدقة" أكثر من معنى أحدهما الزكاة المفروضة والثاني سائر الإنفاقات المالية".

 

8- مسألة المكّي والمدني

تنقسم آيات القرآن إلى مكيّة ومدنيّة، وبحث علماء القرآنيّات في هذا بالنظر إلى الآثار التي تترتّب عليه في التعامل مع القرآن وآياته. وقد تساءل العلماء عن إمكان احتواء السورة الواحدة على آيات مكيّة وأخرى مدنية؟ وأجاب أكثرهم

 


[1] انظر: علوم قرآنى، ص 320؛ الإتقان، ج 2، ص 121.

 

50


25

تفسير سورة براءة

بالإثبات وارتضوا إمكان وجود آيات مكية في السورة المدنية والعكس، ولعلّ أهمّ أدلّتهم على هذا الموقف الأخبار الواردة في كتب الحديث[1]. هذا وقد تبنّى عددٌ من الباحثين المعاصرين في القرآنيات نظرية وحدة النسبة الجغرافية للسورة[2]. ويبدو أنّ مفسِّرنا الجليل يميل إلى هذا الرأي؛ حيث إنّه يبيّن في تفسير الآية الأولى من سورة التوبة أنّ جميع آيات هذه السورة مدنية، وذلك في سياق ردّه الأخبار التي تفيد أنّ بعض آياتها مكيّة.

 

9- الالتفات إلى الفضاء الاجتماعي (السياسي، والثقافي) لزمن نزول السورة

لا يخفى تأثير المعرفة بالبيئة الاجتماعية لنزول الآية في فهمها. ويمكن التعرّف إلى هذه البيئة عبر طريقين، أوّلهما: المعرفة بتاريخ عصر النزول وأحداثه ووقائعه، ويمكن ذلك عن طريق التأمّل في روايات أسباب النزول، وهو أمرٌ سوف نتحدّث عنه لاحقًا؛ وثانيهما: التدقيق في مضمون الآية ومحاولة اكتشاف ظروف بيئتها الاجتماعية من لسانها ومفادها. وقد استفاد مفسِّرنا من الأسلوبين؛ حيث إنّه قدّم لتفسير سورة التوبة بمقدّمة تبيّن الظروف الاجتماعية لزمان نزولها بالاستناد إلى الأخبار التاريخية التي تكشف عن هذه الأوضاع، وكذلك فعل أثناء تفسير الآيتين 25 و29. والأمر عينه تكرّر مع الآية 38. كما تعرّض أثناء تفسير الآية 43 وخاصّة عند شرح عبارة: "عفا الله عنك"؛ حيث عرض الاحتمالات الواردة في تفسيرها، وردّ بعضها وأيّد أحدها بالاستناد إلى بعض المعطيات الاجتماعية والتاريخية. وهذا يكشف عن التفات المفسِّر إلى دور معرفة البيئة الاجتماعية وتأثيرها في فهم أفضل للآيات. ولا ينحصر استخدام هذا العنصر في التفسير في الموارد السابقة؛ بل ثمّة نماذج عدّة يمكن الإشارة إليها منها: تفسير الآية 83، والآيات 97 إلى 99، والآية 117.

 

ثمّ إنّه في بعض الموارد يتصدّى للحديث عن الأوضاع الاجتماعية التي ترتّبت


 


[1] انظر: الإتقان، ج 1، ص 45-53.

[2] انظر: التمهيد في علوم القرآن، ج 1، ص 169-237.

 

51


26

تفسير سورة براءة

على نزول الآية، ومن ذلك ما ورد في تفسير الآية 38 من سورة التوبة؛ حيث يقول: "لو كان المسلم المعتقد الذي سمع هذه الآية ميتًا لعاد إلى الحياة؛ ولو كان نائمًا لاستيقظ من هجعته. وقد حصل هذا وتركت هذه الآية أثرها في الغافلين والنيام، وأثارت فيهم روحًا جديدة. وقد ورد في الأخبار أنّهم أعلنوا جميعًا الاستعداد للقتال، سوى عددٍ من المنافقين الذين لا يتجاوزون الستين نفرًا كما في بعض الأخبار، فهؤلاء كانوا يتحيّنون الفرص. أمّا سائر المسلمين فقد هبّوا، وأمّا أولئك الذين ما كانوا يملكون وسيلة السفر، فقد تعبّأوا وتهيّأوا ووقفوا يبكون فسُمّوا البكّائين؛ وذلك لأنّهم رأوا قافلة السعادة تسير باتّجاه تبوك، وآلمهم العجز عن الالتحاق بها".

 

10- الالتفات إلى أسباب النزول ودورها في الفهم الصحيح للآية

أشرنا قبل قليل إلى أنّ أسباب النزول جزء من المستندات الحاكية عن تاريخ عصر النزول عمومًا. ولا شكّ في أنّ روايات أسباب النزول المعتبرة تمثّل قرينة تساعد على فهم الآية وتوجِّه التفسير في هذا الاتّجاه أو ذاك. ولكن التعامل مع هذه الظاهرة التفسيريّة ليس بهذا المستوى من البساطة؛ بل الأمر يخضع لاعتبارات عدّة على المفسِّر أن يحسمها قبل الاستناد إلى مثل هذه الأخبار. وهذا ما سوف نحاول بيانه في منهج مفسِّرنا وطريقته:

أوّلًاـ بيان الصحّة والاعتبار

الخطوة الأولى في مسار التعامل مع أخبار أسباب النزول هي الموقف من صحّتها والحكم في مدى وثاقتها؛ وذلك لأنّ يد الوضع امتدّت إلى هذا التراث وأدخلت فيه الكثير من الخرافات والقصص التي لا واقع لها، ومع الأسف تداولها عددٌ من المفسِّرين في كتبهم. ويصرِّح مفسِّرنا الكبير بهذه النقطة، ويلفت النظر إلى ضعف أكثر أخبار أسباب النزول. ومن الوسائط التي يعتمدها لردّ هذه الروايات ضعف الرواة الواقعين في سند الرواية وعدم وثاقتهم. وقد أشار إلى هذا الأمر في

 

52


27

تفسير سورة براءة

عدد من الموارد، منها عند تفسيره الآية 79. وكذلك عند تفسير الآية 64 حيث يشير إلى عدم الاطمئنان إلى الروايات الواردة في بيان سبب النزول، إلا إذا كانت منقولة عن المعصوم بطريقٍ صحيح أو طريق يمكن الوثوق به والركون إليه. كما طبَّق هذه القاعدة في تعامله مع الأخبار الواردة في نزول الآية 114 حيث ناقش الأخبار ذات الصلة بإيمان أبي طالب.

 

ومن المباني التي تشكّل نظريّة مفسِّرنا في تعامله مع أسباب النزول ردّ الرواية على أساس عدم أهميّة مضمونها، وذلك عندما لا يكون سبب النزول أمرًا يستحقّ نزول آية. ومن ذلك ما ورد في سبب نزول الآية 74، وتفصيل ذلك أنّه ورد في كتب الإمامية وأهل السنّة أنّها نزلت في منافق كذّب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في معركة تبوك، فاستدعاه فأنكر ما يُنسب إليه فنزلت الآية، ويردّ مفسِّرنا هذا الخبر لعدم أهمية الحادثة وعدم استحقاقها نزول آية فيها.

 

ثانيًاـ الفائدة

النقطة الثانية التي ينبغي الالتفات إليها أثناء التعامل مع أخبار أسباب النزول هي الفائدة التي تترتّب عليها في ما يرتبط بفهم الآية وتفسيرها. ومن هنا نجد أنّ هذا التفسير أعرض عن الاهتمام بروايات أسباب النزول في حال عدم ترتّب فائدة عليها في مجال التفسير وحسن فهم الآية. واكتفى مفسِّرنا في بعض الحالات بالإشارة إلى بعض هذه الروايات دون الخوض فيها، كما فعل عند تفسير الآية 114.

 

وفصّل في بعض الحالات بين رواية وأخرى، ففي تفسير الآية 74 ورد في الأثر ثلاثة أسباب لنزول الآية، فعرض سماحته واحدًا منها لردّه، وأعرض عن الثاني، وذكر الثالث وتوقّف عنده بالتفصيل، وذلك لأنّه الأشهر والأكثر تداولًا. واختلاف أسلوب التعامل مع هذا النمط من الأخبار الواردة في نزول آية واحدة يكشف عن نقاطٍ عدّة، منها: أوّلًا: إنّ بعض هذه الأخبار لا أساس لها؛ ولذلك لا تستحقّ التوقّف عندها إلا لردّها في بعض الحالات؛ ثانيًا: ثمّة أخبار وردت في سبب نزول بعض الآيات لا تترتّب عليها فائدة مهمّة في فهم الآية، فلا داعي

 

 

53


28

تفسير سورة براءة

للاهتمام بها خاصّة إذا كانت لا تثير مشكلة.

 

ثالثًاـ استخدام أسباب النزول لتأييد تفسير أو احتمال تفسيريّ

وهذا الأمر الذي هو من أهمّ الآثار التي تترتّب على أخبار أسباب النزول، يكثر تكرّره في هذا التفسير. ومن هذه النماذج ما ورد في تفسير الآية 49 حيث رجّح مفسِّرنا أحد الاحتمالات التفسيرية بالاستناد إلى انسجامه مع ما ورد في سبب نزول الآية. والأمر نفسه تكرّر في تفسير الآيتين 58 و59. ومن ذلك أيضًا عددٌ من الموارد التي تكشف أخبار النزول الواردة فيها عن أوضاع عصر النزول بطريقة تسهم في تجويد فهم الآية وتحسينه، ومن ذلك تفسير الآيات: 1، و19، و20، و114.

 

رابعًاـ عدم تقييد الآية بسبب نزولها

من المبادئ الأساسية في التعاطي مع أسباب النزول، أنّ الأصل في هذا النوع من الأخبار عدم تقييد الآية بها وحصرها في مورد نزولها. وعلى الرغم من ورود أسباب النزول واهتمام المفسِّرين بها، إلّا أنّ القاعدة الأساس هي القاعدة التي تقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد"[1]. وقد راعى مفسِّرنا الكبير هذا المبدأ والتزم به في تفسيره، إلى درجة أنّه في بعض الحالات يؤخِّر الحديث عن سبب نزول الآية حتّى لا يوهم ذلك التقييد أو الحصر بمورد نزولها. كما فعل في تفسير الآية 64 حيث يقول: "أميل إلى تأخير الحديث عن سبب نزول الآية؛ وذلك خشية أن يلزمنا ما ورد في سبب نزولها بتبنّي تفسير محدّدٍ، وفي الآية اختلافٌ كبيرٌ سببه عدم وضوح بعض العبارات وعدم الاتفاق على مرجع الضمير

 

وفي تفسير الآية 102 يشير إلى هذه القاعدة بصراحةٍ، ويبيّن عدم صحّة تقييد الآية بسبب نزولها، ففي كثيرٍ من الحالات تكون الحادثة ذريعة لنزول الآية ليس أكثر. ويكشف عن أنّ القرآن يسقط أكثره عن الجدوى، لو أنّنا قيّدنا الآية بسبب


 


[1] انظر: التمهيد في علوم القرآن، ج 1، ص 261.

 

54


29

تفسير سورة براءة

نزولها[1]. ومن الموارد التي يمكن الإشارة إليها تفسير الآيتين 58 و59، حيث يشير مفسِّرنا إلى أنّه حتّى لو صحّ ما ورد في سبب نزول الآية، لا ينبغي تقييدها به.

 

خامسًاـ ردّ رواية سبب النزول لعدم انسجامها مع الآية

في تفسير الآية 63، وبعد بيان ما ورد في سبب نزولها، يصرّح سماحته بأنّ هذا السبب لا ينسجم مع ما تفيده الآية، ويقول: "إنّ هذه الآية تكشف عن سبب نزولها بنفسها؛ حتى لو لم يرد نقلٌ أو خبرٌ يكشف عن ذلك السبب".

 

11- مسألة النسخ وتحليلها الصحيح

ومن المسائل المهمّة في علوم القرآن مسألة النسخ. وللموقف من هذه المسألة تأثيرٌ كبيرٌ في مجال الدراسات القرآنية. وقد ادّعى عددٌ من المفسِّرين وخاصّة من الصحابة والتابعين نسخ عددٍ كبيرٍ من آيات القرآن الكريم. وفي مقابل هذه الكثرة يرى عددٌ من علماء القرآنيّات أنّ دعوى النسخ لا تثبت إلا بدليل قطعيٍّ[2]. وارتفع منسوب دعاوى النسخ في سورة التوبة بالنظر إلى الاختلاف الواقعيّ أو الموهوم بين الأحكام التي وردت في هذه السورة في ما يرتبط بالمنافقين والمشركين، مع ما ورد في سور أخرى وخاصّة السور المكيّة. وقد تعرّض سماحته في مقدمة تفسير هذه السورة لقضية النسخ، وبيّن سبب إيهام الاختلاف بين هذه السورة وما نزل قبلها، وبيّن أن ما في هذه الآية ليس نسخًا بالمعنى الاصطلاحيّ، وما الاختلاف الظاهر بين مفاد هذه السورة وما سبقها إلا اختلاف في التكتيكات التي تصبّ في خدمة هدفٍ استراتيجيّ واحدٍ. وبعبارة أخرى: إنّ تبدّل بعض الأحكام في هذه السورة تابعٌ لتبدّل الظروف والأوضاع، وليس إلغاءً للأحكام السابقة، وبالتالي لو أنّ الظروف السابقة عادت لعاد الحكم السابق إلى ما كان عليه.


 


[1] وهنا يطيل كاتب المقدّمة في بيان تفاصيل هذا المورد، ونحن نعرض عن ترجمة التفاصيل لبنائنا على الاختصار في ترجمة المقدّمة. (المترجم)

[2] انظر: البيان في تفسير القرآن، ص 284.

 

55


30

تفسير سورة براءة

12- الاهتمام بالمبادئ الأدبية واللغوية

والمقصود من المباحث الأدبية في هذا العنوان المعنى الذي يشمل كلّ ما يرتبط باللغة من شرح لمعاني الكلمات، وصرفٍ ونحوٍ وبلاغةٍ، وهذا اللون من الأبحاث له حضور ملحوظ في هذا التفسير، نكشف في ما يأتي عن بعض أبعاده:

أ ـ المباحث اللغوية

من نماذج الأبحاث اللغوية في هذا التفسير توقّفه عند عددٍ من المفاهيم القرآنية المهمّة وشرحها، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ نكتفي بالإشارة إلى بعضها: كلمة "مِن" ومفهوم "الكافر" في تفسير الآية 1، ومفهوم "البشارة" في تفسير الآية 3، ومفهوم "الانسلاخ" في تفسير الآية 5، ومفهوم "الفسق" في تفسير الآية 8... إلى غير ذلك من النماذج التي يمكن للقارئ الالتفات إليها.

 

وممّا يستحقّ الذكر في هذا المجال توقّف مفسِّرنا عند بعض العبارات القرآنية لبيان الاختلاف في دلالتها على الرغم من التشابه الظاهريّ، ومن ذلك المقارنة بين تعبير "يأتون الصلاة" الوارد في حقّ المنافقين، والتعبير بإقامة الصلاة عند الحديث عن المؤمنين. وثمّة إبداعات وآراء جديدة في هذا المجال يمكن مشاهدتها في موارد عدّة، ومنها ما ورد في تفسير الآية الأولى من السورة.

 

ب ـ المباحث الصرفيّة

ويتعرّض سماحته للبحث الصرفيّ حيث يخدم هذا النوع من الأبحاث تفسير الآية. ومن موارد ذلك ما ورد في تفسير الآية 38 عند شرح كلمة "إثّاقلتم"، وفي تفسير الآية 81 عند شرح كلمة "مقعد"...، وكذلك في شرح كلمة "أعراب" لبيان الفرق المعنائي بينها وبين كلمة "عرب" على أساس تحليلها صرفيًّا...

 

جـ المباحث النحويّة

وفي بعض الحالات يتعرّض سماحته لبعض المباحث النحوية خدمةً لتفسير الآية، وبهدف نقد بعض التفسيرات غير الصحيحة. ومن ذلك توقّفه عند حرف

 

56


31

تفسير سورة براءة

"أو" في الآية 80 وبيان أنّه للتساوي وليس للتخيير. وفي تفسير الآية 83 يشير إلى مبنيين نحويّين في ما يرتبط بالحرف "لَنْ"....

 

دـ المباحث البلاغيّة

يجد المتتبّع لهذا التفسير أبحاثًا بلاغيّة عدّة في الموارد التي يخدم البحث البلاغي فيها فهم الآية وتفسيرها. ففي تفسير كلمة "إثّاقلتم" في الآية 38 رُجِّح المعنى الكنائيّ؛ أي الكناية بهذه الكلمة عن بطء الحركة والتأخّر... وفي تفسير الآية 59 أشار إلى زيادة بلاغة الآية بحذف جواب "لو"... وغير ذلك من الموارد؛ ولكنّ المبدأ الأساس الحاكم على هذا التفسير في البحث البلاغيّ هو تجنّب الإطالة والاكتفاء من التحليل البلاغيّ بما يخدم الهدف وهو فهم الآية وتفسيرها.

 

13- الالتفات إلى لوازم الكلام في الاستفادة من الآية

للكلام في بعض الحالات دلالات غير مطابقيّة يمكن استفادتها منه، على طريقة التضمّن، أو الإشارة، أو الاقتضاء[1]. وقد اهتمّ هذا التفسير بهذا النوع من الدلالات وحاول المفسِّر الكشف عنها والإشارة إليها، ومن نماذج ذلك تفسير الآية 91؛ حيث يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرجٌ﴾ فاستفاد من هذه العبارة أنّ المجاهدين في تلك الأيّام كانوا ينفقون من أموالهم لتجهيز أنفسهم للقتال، ولم تكن الدولة الإسلاميّة هي التي تتولّى الإنفاق.

 

14- التعليل المستفاد من ذيول الآيات

من الأساليب الملحوظة في القرآن الكريم ختم الآية بعبارة محدّدة، في كثيرٍ من الأحيان تكاد تكون ظاهرة في تعليل الأحكام الواردة فيها. وقد اهتمّ مفسِّرنا بهذه الظاهرة التعبيريّة القرآنية وتوقّف عندها، ومن النماذج ما أشار إليه في تفسير الآية


 


[1] للمزيد حول هذه الدلالات، انظر: أصول الفقه، ص 145-149.

 

 

57


32

تفسير سورة براءة

91، عند تفسير عبارة: "ما على المحسنين من سبيل"، وعدّ هذه العبارة تعليلًا للحكم الذي تقدّم في صدر الآية.

 

15- دور الأخبار في التفسير

الاستعانة بالأخبار والروايات في هذا التفسير ظاهرةٌ مشهودةٌ في موارد عدّة. ونكتفي بالإشارة إلى بعض هذه الموارد دون استقصاء. ومن ذلك ما ورد في تفسير الآية 2 من سورة التوبة في تحديد المراد من الأشهر الأربعة؛ حيث يتّفق ظاهر الآية مع عددٍ من الروايات على تضعيف كونها الأشهر الحرم. وفي تفسير الآية 2 استُند إلى الأخبار لتحديد مصاديق الكفر المشار إليه في الآية. والأمر نفسه؛ أي الاستناد إلى الأخبار والروايات، تكرّر في تفسير الآيات 23، و25، و29، و31. وفي تفسير الآية 34 وبعد الاعتراض على حصر تحريم الكنز بما قبل الزكاة، والإشارة إلى احتمال توسعة حكم التحريم إلى ما بعد دفع الزكاة، يستند سماحته إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام: "فما جاع فقيرٌ إلّا بما مُتِّع به غنيّ"[1]. ويرتِّب على هذا الاستشهاد الدعوة إلى الاستفادة من هذا النمط من الأخبار في الفقه، معترضًا على حصر دائرة الاستدلال الفقهيّ بنمطٍ محدّدٍ من الأخبار التي تُصنَّف في دائرة الروايات الفقهيّة. وعلى هذه النماذج يُقاس ما سواها.

 

ونختم الحديث عن هذه النقطة بالإشارة إلى أنّ الاستفادة من الأخبار في هذا التفسير تهدف إلى عددٍ من الغايات هي:

أوّلًا: تأييد أحد الاحتمالات التفسيريّة، بعد الاستدلال عليه من ظاهر الآية. وبعبارة أخرى: ليس الاستناد إلى الرواية هو الخيار الأوّل، بل يُستفاد منها كمؤيّد بعد محاولة تحديد دلالة الآية بأدوات قرآنية.

 

ثانيًا: توضيح المعارف القرآنيّة بمساعدة الأخبار، وخاصّة في المباحث التي لها نوع من الاستقلال عن تفسير الآية، فتكون الأخبار ذات بعدٍ هدائيٍّ تربويٍّ.

 

 


[1] نهج البلاغة، باب الحكم، الحكمة 320.

 

58


33

تفسير سورة براءة

ثالثًا: بيان سبب نزول الآية.

 

رابعًا: توضيح بعض المفاهيم القرآنية.

 

خامسًا: بيان بعض مصاديق المفاهيم القرآنية في عصر النزول.

 

سادسًا: تحليل الروايات المرتبطة بفضائل السور، وهو ما سوف يأتي لاحقًا.

 

16- عدم حجيّة أقوال الصحابة والتابعين في التفسير

العنوان المذكور أعلاه يشير إلى مبنًى من المباني الأساسيّة عند مفسِّرنا الجليل. وحاصل هذا المبنى أنّ كلام الصحابة والتابعين ليس حجّة ملزمةً للمفسِّر ليبني تفسيره على أساسها. وقد بيّن هذا المبنى في تفسيره للآية 100، حيث بحث في نظرية عدالة الصحابة، وكان رأيه أنّ الأدلّة القرآنية والروائية والأخبار التاريخيّة، لا تساعد على إثبات هذه النظرية بالطريقة المعتمدة عمومًا عند أهل السنّة. ومن الواضح أنّ بين نظرية العدالة وحجيّة الأقوال في التفسير ترابطًا، فإذا سقطت النظرية انتفت الحجيّة. وبالتالي لا يمكن التسليم بما ورد في التفسير المأثور إلا بما ثبتت روايته عن المعصوم. وهذا ما جرى عليه العمل في هذا التفسير.

 

17- معرفة الرواة والوضّاعين ودورها في الموقف ممّا نُقل عنهم من التفسير

تكشف المستندات التاريخية عن أنّ بعض التراث التفسيريّ الروائيّ مُدّت إليه يد الوضع، وذلك لأهداف عدّة، منها البحث عن مستندات مخترعة لتأييد دول الجور التي ظهرت في المجتمع الإسلاميّ في العصور المبكِّرة. ومع الأسف، فقد بُني على هذا النمط من الأخبار تفسير وفقه وأخلاق وكلام. ومن الواضح أنّ معرفة الأوضاع التاريخيّة وأحوال الرواة تجعل المفسِّر قادرًا على تمييز الغثّ من السمين من هذا المأثور التفسيريّ. وقد اهتمّ مفسِّرنا بهذا الجانب وتصدّى لردّ بعض الآراء التفسيريّة بالاستناد إلى عدم صلاحية الراوي. ومن ذلك ما ورد في تفسير الآية 34 من سورة التوبة، حيث يُستند إلى رواية عن كعب الأحبار

 

 

59

 


34

تفسير سورة براءة

يبيّن فيها أنّ الإنسان مجازٌ في التصرّف في أمواله بأي طريقة شاء بعد أداء الزكاة، حتى لو بنى قصرًا من ذهب. وفي ردّ هذا الرأي يستند سماحته إلى أحوال كعب الأحبار ومصالحه التي دعته إلى إعلان الإسلام، ثمّ مصالحه التي كانت تدعوه إلى تبنّي هذا الرأي أو ممالأة لمن يُحتاج إلى ممالأته.

 

ومهما يكن من أمرٍ فإنّ المطالع لهذا التفسير يلحظ بوضوح حضور البحث الرجاليّ في موارد عدّة غير هذا المورد، منها: تفسير الآية 69، وتفسير الآية 73، والآية 79، والآية 80. سواء كان ذلك لردّ رواية أو رأي بالاستناد إلى ضعف الراوي، أو لتأييد نظرية أو قول بالاستناد إلى وثاقته.

 

18- حجية القراءات ودورها في التفسير

يبدو من تفسير الآية 73 أنّ مفسِّرنا الجليل يرى عدم جواز الاعتماد على القراءات غير المشهورة أو غير المتواترة لإثبات فكرة أو وجهة نظر تفسيريّة. كما يشير إلى عدم جواز القراءة بهذا النوع من القراءات في الصلاة. ولكن يُستفاد من كلامه اعتقاده بتواتر قراءة القرّاء السبعة المعروفين، وبناءً على هذا الموقف يمكن الاستناد إلى قراءتهم والاستفادة منها في استنباط بعض الدلالات.

 

19- استخدام التاريخ والسيرة في التفسير

يستفيد سماحة السيد في تفسيره في موارد عدّة من الوقائع والأحداث التاريخيّة ويستثمرها في شرح الآية وتفسيرها. ومن الأمثلة على هذه الفكرة أنّه في تفسير الآيتين 30 و31 يستشهد بثلاثة تقارير تاريخيّة. وفي بعض الحالات يستخدم بعض الأحداث التاريخيّة في صدر الإسلام لنقد وجهات نظرٍ تفسيريّة أو قراءات غير مشهورة. من أمثلة ذلك ما فعله عند تفسير الآية 73 لردّ القراءة غير المشهورة للآية بهذه الصيغة: "جاهد بالمنافقين"، والشاهد لإبطال هذه القراءة عنده أنّ وقائع التاريخ الإسلامي ليس فيها حالة من حالات جهاد المشركين بالمنافقين. ومن النماذج أيضًا ردّه في تفسير الآية 100 على النظرية التي يتبنّاها مفسِّرو أهل

 

 

60


35

تفسير سورة براءة

السنّة والتي تقضي برضى الله عن جميع الصحابة، حيث إنّه يستشهد ببعض الوقائع التاريخية لردّ ذلك.

 

20- تعميم بعض المفاهيم القرآنية

يعمد بعض المفسِّرين إلى تخصيص بعض المفاهيم القرآنية بموردٍ محدّدٍ على الرغم من عموم ظاهرها. ويوجِّه سماحة السيد نقده لهذا التخصيص، ويعمل على توسعة هذه المفاهيم القرآنية بهدف تعميم معارف القرآن وتعاليمه. ومن أمثلة ذلك تفسيره للآية 39 عند شرح قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذِّبكم عذابًا أليمًا﴾؛ حيث يوجِّه نقده لتخصيص العذاب المذكور في هذه الآية وأمثالها بعذاب الآخرة، ويبيّن أنّ العذاب يمكن أن يكون عذابًا دنيويًّا بتسلّط الأعداء على الأمّة، وما يترتّب على ذلك من ضيق في المعيشة، وذلّ في الحياة الدنيا. وهذا العذاب من وجهة نظره جزء من سنن التاريخ وقوانينه. ومن الأمثلة أيضًا ما فعله عند تفسير الآية 3 من تعميم لمفهوم البشارة، وكذلك تعميم مفهوم الظالم في الآية 47، وتوسعة مفهوم الإنفاق عند تفسير الآية 67.

 

21- تفاوت المستويات المعرفية بحسب المخاطبين

ومن المبادئ التي يمكن ملاحظتها في هذا التفسير اختلاف المستوى المعرفي للخطاب باختلاف مستوى وعي المخاطب. وهو يرى أنّ من أساليب القرآن الاعتماد على البرهان والاستدلال في المواضع التي يكون الخطاب فيها موجّهًا إلى الخواصّ، وأمّا حيث يكون الخطاب عامًّا فقد تخلو الآية من الاستدلال والبراهين المعقّدة، وهو يصرِّح بهذا المبدأ عند تفسير الآية 111.

 

22- إمكان تطوّر المعارف الدينية

يرى مفسِّرنا أنّ المعارف الدينيّة الإلهية ليست جامدة عبر التاريخ، على الرغم من الوحدة في المضمون بين ما أوحي إلى الأنبياء من آدم عليه السلام إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

61


36

تفسير سورة براءة

 

 في تفسير الآية. ومن ذلك أنّه يثير بعض الاحتمالات في تفسير كلمة "عدن" في الآية 72، ويرى عدم إمكان تبنّي وجهة النظر والاختلاف هو من ناحية العمق ففي بعض الأحيان تكون أعمق من أحيان أخرى. وهذا يشبه صفوف المدارس واختلافها باختلاف المراحل العمرية والتعليمية. وهذه الإشارة تلاحظ عند تفسير الآية 39.

 

ويترتّب على هذه الملاحظة أنّه دام ظله لا يرى نفسه ملزمًا بتكرار ما طرحه المفسِّرون السابقون عليه، مع المحافظة على الاعتدال وتجنّب الإفراط والتفريط، بحيث يبقى متوازنًا لا يقع في الالتقاط ولا يقبع على ضفّة التحجّر والتعصّب ضدّ التجديد.

 

23- تجنّب التفسير الذوقي وفصل الذوقيّات عن التفسير

لا شكّ في أنّ الالتفاتات الذوقية التي لا تخضع لقواعد التعامل التفسيري مع القرآن لا تعدّ تفسيرًا، ولا يحسن الخلط بينها وبين التفسير، وخاصّة عندما لا يكون بينها وبين القرآن صلة أو ربطٌ واضح. ولكن في الوقت نفسه ثمّة استحسانات يمكن وضعها في خانة تداعي المعاني[1]، ومثل هذه الالتفاتات يمكن طرحها، ولكن ليس من باب التفسير والشرح للآية.

 

وهذا التمييز من المبادئ التي يلتزم بها مفسِّرنا، ومن أمثلة ذلك أنّه عند تفسير الآية 46 يطرح وجهة نظره التفسيرية، ثم بعد ذلك يطرح احتمالًا آخر، مشيرًا إلى أنّه ليس من باب التفسير، بل هو استنباط ذوقيٌّ يتداعى من الآية وليس أحد معانيها.

 

24- نفي الجزمية في تفسير المتشابهات

يجتنب سماحته خلال تفسيره الآيات المتشابهة القطع والجزم بوجهة نظر محدّدة، إذا لم تساعد الأدلّة على مثل هذا الجزم، ويحرص على طرح وجهة نظره كاحتمال من الاحتمالات الممكنة المشهورة

 


[1] انظر: التفسير الأثري الجامع، ج 1، ص 46.

 

62


37

تفسير سورة براءة

بين المفسرين في تفسير هذه الكلمة؛ ولكن في الوقت نفسه لا يمكن الجزم بوجهة أخرى حيث إنّ الأدلّة لا تكفي لهذا الجزم. وكذلك نلاحظ أنّه يراعي جانب الاحتياط والتحفّظ في تفسير سبب ذكر بعض الأحداث التاريخية في القرآن عند تفسيره للآية 107.

 

25- عرض الآراء والاحتمالات المتنوّعة وتقويمها

يحرص مفسِّرنا على عرض وجهات النظر المتنوّعة في الآية كما في بعض الكلمات والمفاهيم. وهذه المعاني التي يذكرها تارة تكون مصاديق لمفهوم عامٍّ، وأحيانًا تكون استفادات تفسيرية لجمل أو عبارات، وهذه الآراء قد تكون متعارضة وقد يمكن التوفيق بينها. ومن الواضح أنّ المفسِّر مطالبٌ بتقديم وجهة نظره في هذه الآراء والنظريّات.

 

وفي هذا التفسير نلاحظ أسلوبين أساسين في التعامل مع الآراء والنظريات التفسيرية المطروحة في التراث التفسيري الإسلاميّ:

أ ـ عرض الأقوال المختلفة واختيار أحدها:

وفي كثيرٍ من الحالات يطرح دليله والمبرِّر الذي يدعوه إلى اختيار هذا الرأي أو ذاك. والأمثلة على هذا الأسلوب كثيرةٌ نشير إلى بعضها. ففي تفسير الآية 34 اختلف المفسِّرون في تفسير الكنز المذموم في الآية، ويرى بعضهم أنّ الكنز هو الامتناع عن أداء الزكاة[1]، وفي المقابل يرى آخرون أنّ الكنز لا ينحصر بالتخلّف عن إيتاء الزكاة[2]. من بين هاتين الرؤيتين يؤيّد مفسِّرنا وجهة النظر الثانية، ويرى أنّ الكنز أوسع من دائرة الامتناع عن أداء الزكاة، ويشير إلى المستندات القرآنية والروائية التي تثبت ذلك. ويعقّب بقوله: "نحن ننقل وجهة نظر أبي ذرّ وأئمة


 


[1] انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 10، ص 152؛ أحكام القرآن، ج 3، ص 137؛ كنز العرفان، ج 1، ص 223.

[2] انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 250؛ الكاشف، ج 4، ص 36.

 

63


38

تفسير سورة براءة

الهدى عليهم السلام، على الرغم من معارضة آخرين لها وعدم قبولهم إيّاها. وهذه هي وجهة نظري".

 

وفي تفسير الآية 79 في ما يتعلّق بكلمة "المطوّعين" ثمة رأيان على الأقل، أحدهما أنّ المراد هو الذين ينفقون عن ميل ورغبة، والثاني أنّ المراد من هذه الكلمة أهل السعة، وهو يرى أنّ هذا الاحتمال الثاني لا ينسجم مع مفهوم التطوّع الذي يتضمّن الإنفاق عن ميل ورغبة. ومن الأمثلة أيضًا ما فعله في تفسير قوله تعالى: ﴿وجاء المعذّرون﴾[1]. والأمر نفسه يتكرّر منه في تفسير الآية 101، عند شرح قوله تعالى: ﴿سنعذّبهم مرتين﴾.

 

بـ طرح الاحتمالات من دون اختيار أحدها

في عددٍ من الموارد يطرح سماحته أكثر من رأيٍ في تفسير الآية من دون اختيار واحدٍ منها، أو تضعيف رأي أو ترجيحه على غيره من الآراء. ويفعل هذا، عادةً، حيث تتساوى الاحتمالات في درجة انسجامها مع الآية ومع ما ورد في سبب النزول، والأجواء المحيطة ببيئة النزول. ولا يعتمد هذا الأسلوب فقط في حالة كون هذه الآراء مصاديق متعددّة لمفهومٍ واحدٍ؛ بل حتى في الحالات التي تكون هذه الآراء معاني وتفسيرات مختلفة للآية. ولكنّه لا يحافظ على حياده في الحالات التي يرى أنّ أحد هذه الاحتمالات لا ينسجم مع ظاهر الآية.

 

والأمثلة على هذا الأسلوب كثيرةٌ، منها تفسيره للآية 81 في تفسيره لمفهوم الفقه، وعند الآية 82 في تفسيره للضحك والبكاء، فإنّه يطرح أكثر من احتمال ولا يرجّح بين الاحتمالات التي يرى أنّها متساوية في علاقتها بالآية، ويكتفي بردّ أحد الاحتمالات الذي يرى عدم انسجامه مع الآية...


 


[1] ويذكر كاتب المقدّمة موردًا آخر ويعرضه وأدلّته بالتفصيل، ولمّا كان الاختصار هو الخيار المعتمد في الترجمة، فقد اكتفينا بالإشارة إليه. (المترجم)

 

 

64


39

تفسير سورة براءة

26- عدم حصر الآية بمصداقٍ واحدٍ

ومن المباني التي يلتزم بها سماحته في تفسيره عدم حصر الآية بمصداقٍ محدّد، أو مصاديق بعينها، حتى لو وردت الإشارة إليها في كتب المفسِّرين القدماء من أهل الصدر الأول. وقد أشرنا في مناسبة سابقة إلى نماذج لهذا المبنى، ونشير هنا إلى حالة واحدة هي ما صدر عنه في تفسيره للآية 71 عند تفسير قوله تعالى: ﴿سيرحمهم الله﴾؛ حيث لا يرى انحصار الرحمة بالرحمة في الآخرة، ويبرز احتمال شمول الرحمة للرحمة في الحياة الدنيا.

 

ثانيًا: القواعد التفسيرية

من الواضح أنّ ما تقدّم حتّى الآن يمكن تصنيفه في دائرة القواعد التفسيرية أو هو من تطبيقاتها. ولكن مضافًا إلى ما تقدّم ثمّة قواعد تعبّر بمجموعها عن الإطار النظريّ الذي يلتزم به صاحب هذا التفسير الذي نحن بصدد التقديم له بهذه المقدمة المنهجية. وسوف نحاول في ما يأتي عرض أهمّ القواعد التفسيرية التي يسير على هديها هذا العمل التفسيريّ.

 

1- قاعدة المنع من التفسير بالرأي

ورد في عددٍ من الأخبار المنع عن التفسير بالرأي[1]. والمصداق الأبرز للتفسير بالرأي تبنّي وجهة نظرٍ محدّدة وحمل الآية عليها، بغضّ النظر عن القرائن والمؤشِّرات والظهورات التي قد تكون مخالفة لهذا الرأي.

 

وقد التزم مفسِّرنا الجليل في تفسيره بظواهر القرآن ودلالاته، وتجنّب التفسير بالرأي، ووجّه انتقاداته إلى المفسِّرين الذين تورّطوا في هذا النمط من التفسير. وسوف نعرض هذا النقد تحت عنوان خاصٍّ يأتي لاحقًا.

 


[1] انظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 2، ص 107؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص 149؛ بحار الأنوار، ج 89، ص 110.

 

65


40

تفسير سورة براءة

2- قاعدة "التأويل"

(اكتشاف الرسائل والتعاليم وتطبيقها على المصاديق المعاصرة)

التأويل بمعنى اكتشاف بطن القرآن من المبادئ التفسيرية الأساس. وهاتان الكلمتان (التأويل، والبطن) على الرغم من تعدّد المراد منهما في الدراسات القرآنية[1]، فإنّنا نقصد منهما المعنى الذي ورد في بعض الأخبار من قبيل: "ظهره تنزيله، وبطنه تأويله؛ يجري كما تجري الشمس والقمر"[2]. وحاصل هذا المبنى أو القاعدة أنّ لكل آية تنزيلًا وتأويلًا، والمقصود من التنزيل ربط الآية بظروف نزولها وأوضاع الزمان الذي نزلت فيه وأحواله، وبعبارة أخرى: الفهم والتفسير التاريخيّ للآية. والتأويل هو فصل الآية عن الأمور المشار إليها وتفسيرها في محاولة لاكتشاف الرسالة المتضمّنة فيها، ثمّ تطبيق هذه الرسالة على مصداق معاصر. والمؤشِّر الدالّ على صحّة هذا الاستبطان، إن صحّ التعبير، هو إمكان تصنيف هذا المعنى في خانة المصداق للآية[3]. وتتجلّى في اعتماد هذا المبدأ في التفسير جدّة[4] آيات القرآن وانطباقها على كلّ عصر وزمان.

 

وقد أفضت الدراسات القرآنية في الفترة الأخيرة إلى وضوح هذا المبنى ودقّة تطبيقه، غير أنّ التأمل في أنحاء هذا العمل التفسيري يكشف عن دقّة نظر من المفسر الجليل في تطبيق هذا المبنى، وعن دقّة في تطبيق دلالة الآيات على مصاديق ونماذج معاصرة له، وهذه بضعة أمثلة:

1- بعض آيات سورة التوبة نزلت في التمهيد لمعركة تبوك والحضّ عليها، غير أنّ مفسِّرنا يشير إلى أنّ الرسالة التي تتضمنّها الآية يمكن أن تنطبق على الأوضاع التاريخية المعاصرة.

 

 


[1] انظر: التمهيد في علوم القرآن، ج 3، ص 28-30.

[2] بصائر الدرجات، ص 216.

[3] انظر: التفسير الأثري الجامع، ص 31-37؛ وتقعيد هذا المبنى يشبه إلى حدٍّ كبير فكرة تنقيح المناط في أصول الفقه الإسلامي. انظر: الأصول العامّة للفقه المقارن، ص 315.

[4] أي بقاؤها جديدة.

 

66


41

تفسير سورة براءة

2- في تفسير الآية 39 يشير إلى عواقب ترك النفر إلى الجهاد في عصره، كما كان من آثار ترك الجهاد تسلّط معاوية على المسلمين وتحكّمه في رقابهم.

 

3- في تفسير الآية 67 يلفت النظر إلى الاستفادة من الآية التي تشير إلى المنافقات وتطبيقها على العصر، وضرورة فهم تاريخ الإسلام، لمعرفة الأوضاع المعاصرة.

 

3- قاعدة "الجري والتطبيق"

هذه القاعدة من القواعد التفسيرية المهمّة، وذلك أنّ القرآن لم تنتهِ صلاحيّته بعد عدد من السنوات، بل هو كتاب هداية يصلح لكلّ زمان ومكان. وطراوة القرآن ونضارته ترتبط إلى حدٍّ كبيرٍ بحسن استخدام هذه القاعدة في فهمه. يشير العلامة الطباطبائي إلى استفادة هذه القاعدة من كلام أهل البيت عليهم السلام[1]، ويقول: "واعلم أنّ الجري اصطلاح مأخوذٌ من قول أئمّة أهل البيت عليهم السلام... وهذه سليقة أئمّة أهل البيت فإنّهم عليهم السلام يطبّقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وإن كان خارجًا عن مورد التنزيل"[2]. ويعرّف آخرون هذه القاعدة بقولهم: "الجري والتطبيق هو انطباق ألفاظ وآيات القرآن على مصاديق غير المصاديق التي نزلت فيها هذه الآيات"[3].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القاعدة تختلف عن قاعدة التأويل المتقدّمة التي تفترض مسبقًا إلغاء خصوصيات الآية وتعميمها، ثم بعد ذلك اكتشاف الرسالة المتضمّنة فيها وتطبيقها على المصاديق الجديدة، أما هذه القاعدة فلا تستدعي مثل هذا التعميم؛ بل هي شكلٌ من أشكال تطبيق ظواهر الآية على المصاديق المعاصرة مباشرةً.

 


[1] انظر: الكافي، ج 1، ص 192؛ تفسير العيّاشي، ج 1، ص 22-23.

[2] الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 42.

[3] روشهاى تأويل قرآن، ص 147.

 

 

67


42

تفسير سورة براءة

ومن أمثلة استخدام هذه القاعدة في هذا التفسير ما ورد في تفسير الآية 112 من روايات تفسِّر مفهوم السياحة في الآية بالصوم. وفي تحليل هذا التفسير يحمل سماحته السياحة على السفر الداخليّ في النفس الموجب لتقوية الإرادة وشدّ العزيمة، والصوم من الوسائل التي تسمح للإنسان أن يسافر إلى أعماق نفسه، ويزيد في وجوده، وهذا في رأيه ما يبرّر تطبيق السياحة على الصوم كما ورد في الروايات[1].

 

ومن أمثلة الاستناد إلى هذه القاعدة ما صدر عنه في تفسير الآية 41 حيث عمّم الدعوة إلى النفر خفافًا وثقالًا لكل أشكال النفر وألوانه، مع الاحتراز عن التورّط في التفسير بالرأي بحصر معنى الآية في لونٍ خاصٍّ من التفسير. والأمر عينه نلاحظه في توسعة مفهوم العذاب في الآية 39؛ حيث يرى عدم صحّة حصر العذاب بالعذاب الأخرويّ. وأخيرًا نشير إلى توسعة مفهوم الجهاد المدعوّ إليه في الآية 41 لما يشمل الجهاد خارج إطار ميدان القتال.

 

3- قاعدة السياق

السياق هو الفضاء الذي تشكّله الكلمات والعبارات والجمل، ومن الواضح أنّ للسياق دوره وأثره في إضفاء المعنى على العبارات أو توجيه معناها في اتّجاه محدّد[2]. والسياق عند عددٍ من المفسّرين من أهم القرائن التي تتحكم في توجيه معنى الآية، ومن هنا نجد أنّ العلامة الطباطبائي مثلًا، يقدِّم السياق على ظهور الأخبار والروايات[3]. ووجه الاهتمام بالسياق والاعتماد عليه في التفسير هو أنّه من الأسس التي يقوم عليها ظهور الآية، وبالتالي يرجع إلى قاعدة الاستظهار العرفية التي هي من الأصول العقلائيّة.


 


[1] انظر: الكافي، ج 1، ص 15.

[2] ثمة أقوال وتعريفات عدّة للسياق وما ذكرناه نرى أنّه الأوفى في شرح معناه وتعريفه. للمزيد انظر: البرهان في علوم القرآن، ج 2، ص 313؛ دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى، ص 103.

[3] من باب المثال، انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج 17، ص 7 و9.

 

68


43

تفسير سورة براءة

تحضر قاعدة السياق بوضوح في هذا التفسير؛ بحيث يرجّح على ضوء السياق أحد الاحتمالات التفسيرية الممكنة على غيره من الاحتمالات، كما وردت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآية 13، وكذلك في تفسير الآيتين 47 و53.

 

وفي بعض الحالات يُعتمد على السياق لنقد بعض النظريّات التفسيرية، ومن ذلك نقده لرأي بعض المفسِّرين للآية 111 من سورة التوبة لتعميمهم شراء نفوس المؤمنين وتفسيره بجميع الواجبات البدنية.

 

وقال في تفسير الآية 71 في ما يرتبط بعبارة "سيرحمهم الله": "استند بعض المفسِّرين إلى حرف السين في "سيرحمهم" ليفسِّروا الرحمة بالرحمة الأخرويّة، كما فعلوا مع صفتي الرحمن والرحيم؛ ولكن عندما نتأمّل في سياق الآية يتبيّن لنا أنّ هذا القول يقتضي إضافةً إلى الآية من قبيل: "سيرحمهم الله في الآخرة"، أو "في الجنّة". وهذا يخالف السياق، فإنّنا إذا أردنا أن نفسِّر كلام الله حقّ تفسيره من دون التبرّع بإضافة قيد إليه، علينا أن نبقيه على إطلاقه ونفسِّر الرحمة بالرحمة في الدنيا والآخرة".

 

والاهتمام بالسياق نلاحظه في تفسير الآية 82 أيضًا؛ حيث ردّ على من يفسِّر الأمر بـ"الضحك قليلًا" بـ"التكليف به"، بأنّه ناجمٌ عن عدم الالتفات إلى سياق الكلام. كما استند إلى السياق أيضًا لتفسير الإعراض الثاني المذكور في قوله تعالى: ﴿لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم﴾ في الآية 95. وإلى هذه الموارد يمكن إضافة مورد آخر هو تفسير التفضيل في قوله تعالى في الآية 67: ﴿الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا﴾، بأنّه تفضيل بالقياس إلى الحضر... ومن الموارد السياقية التي نودّ ذكرها تفسيره الآية 103 حيث استند إلى السياق لحمل الفعل "تطهِّرهم" الوارد في الآية على المذكر في مقابل احتمال التأنيث.

 

5- قاعدة "التأسيس أولى من التأكيد"

يولي سماحته ظاهرة التكرار الملحوظة في القرآن اهتمامًا، ويُنعِم النظر في هذه الحالات لاكتشاف السبب الداعي إليها والغاية منها. ومن الظواهر المنهجية التي تستحقّ التوقّف عندها في هذا التفسير اعتماد قاعدة ترجيح التأسيس على التأكيد.

 

 

69

 


44

تفسير سورة براءة

وعلى ضوء هذه القاعدة حاول في كثيرٍ من الموارد البحث عن المعنى الذي يمكن استفادته من الآية المكرّرة؛ كي لا تكون مجرّد تكرار لأختها. وفي عددٍ من الموارد نلاحظ أنّه يوجِّه نقده إلى من ادّعى التكرار من المفسِّرين السابقين عليه.

ومن موارد تطبيق هذه القاعدة، ذكر الكفّار بعد ذكر المنافقين في الآية 68؛ وقد حاول الإجابة عن سؤالِ: إذا كان المنافق كافرًا فلماذا يُذكر أوّلًا ثم يُذكر الكافر مرّة أخرى بعده؟ كما نلاحظ الاستناد إلى هذه القاعدة لتفسير قوله تعالى: ﴿ولهم عذابٌ مقيمٌ﴾، بعد قوله عزّ وجلّ: ﴿نار جهنّم خالدين فيها﴾... إلى غير ذلك من الموارد.

 

6- قاعدة "أصالة عدم التقدير"

حاصل هذه القاعدة أنّ تفسير الكلام من دون تقديرِ كلمةٍ أو زيادتها، هو الأصل الذي ينبغي أن يكون معتمدًا في تفسير كتاب الله. وهذا ما فعله مفسِّرنا في عدد من الموارد حيث تجنّب إضافة أيّ كلمة أو تقديرها لاستفادة معنًى ما، خاصّةً عندما يمكن فهم الكلام من دون هذا التقدير. ومن ذلك ما أشرنا إليه قبل قليل في ما يرتبط بالآية 71؛ حيث تُفسَّر الرحمة بالرحمة في الآخرة، ويرفض سماحته هذا الرأي لاقتضائه إضافة قيدٍ إلى الآية من دون داعٍ يدعو إليه.

 

7- قاعدة "التعريض"

ثمة موارد في القرآن الكريم يظهر منها لأوّل وهلة أنّ المخاطب بها هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحال أنّ المخاطب الحقيقي هو غيره. وورد التعبير عن هذه القاعدة في بعض الأخبار بعبارة: "إيّاك أعني واسمعي يا جارة"[1].وقد اعتمد الله عزّ وجلّ هذا الأسلوب في الخطاب في عدد من الموارد في القرآن الكريم، ومن أبرز حالاته وأشهرها الآيات 22-24 من سورة الإسراء. ولهذا الأسلوب من الخطاب


 


[1] بحار الأنوار، ج 90؛ ص 145.

 

 

70


45

تفسير سورة براءة

ثماره وآثاره الإيجابية على المخاطب. وعدم الالتفات إلى هذه القاعدة في الخطاب القرآني له آثار سوء تترتّب عليه؛ حيث تحسب بعض الآيات خطابًا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو أجلّ من أن يُخاطب بهذه الطريقة. ومهما يكن من أمرٍ، فقد التفت مفسِّرنا إلى هذه القاعدة في تفسيره وحمل بعض الخطابات الموجّهة بحسب الظاهر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيره عملًا بقاعدة التعريض، ومن ذلك الآية 85. فالنهي عن الإعجاب بأموال المنافقين هو نهي لأصحابه وليس له.

 

8- الالتفات إلى التناسب المضموني للآيات

من العناصر المهمّة في التفسير الالتفات إلى التناسب المضموني وعلى مستوى المحتوى بين الآية وما قبلها وما بعدها. وهذا يكشف في عددٍ من الحالات عن وحدة السياق واختلافه، وعن وجه الحكمة في ترتيب الآيات في السورة الواحدة بالطريقة التي هي عليها في المصحف الشريف. وقد حرص مفسِّرنا الجليل على تطبيقه هذه القاعدة في التفسير، وراعى هذا التناسب لاستنباط دلالة الآية على وجهها الصحيح. ومن أمثلة ذلك ما فعله في تفسير الآية 58 حيث ربط بينها وبين الآية 60 على أساس وحدة المضمون والمحتوى ليوحِّد المعنى المقصود من الصدقة في الآيتين. وثمّة أمثلة أخرى نترك ذكرها بالتفصيل لفطنة القارئ ونكتفي بالإشارة إلى مواردها وهي: الربط على أساس التناسب بين الآيتين 68 و71، والآية 71 لتوسعة المقصود من الرحمة على أساس الترابط المضموني، وأخيرًا الآية 72.

 

9- الالتفات إلى التركيب الإعرابي ودوره في المعنى

يؤدّي الاختلاف في الإعراب وتشكيل حركة آخر الكلمات في اللغة العربية إلى اختلاف المعنى، ولا يخلو كتاب الله من موارد اختلفت قراءتها من الناحية الإعرابية، ومن أمثلة ذلك الآية 15 من سورة التوبة، حيث قرئت كلمة "يتوب" بفتح الباء وبضمّها. وبناءً على الفتح تكون الجملة جواب شرطٍ، أو عطفًا على

 

71

 


46

تفسير سورة براءة

الجمل السابقة، وبناءً على الضمّ يُحتمل أن لا تكون الواو للعطف بل للاستئناف.

 

10- الاستفادة من مبادئ الدين ومحكماته

لا شكّ في أنّ عددًا من الأفكار والمبادئ الدينية يمكن أن يكون قرينة قويّة تصلح للاعتماد عليه في التفسير، وخاصّة في الآيات المتشابهة من خلال ردّها إلى المحكمات الدينية أو الكتابية. وقد استفاد مفسِّرنا من هذه القاعدة في عدد من الموارد منها توسعة النهي عن كنز المال لما هو خارج حدود بحث الزكاة، وذلك بالاستناد إلى أنّ من مسلّمات الدين دعوته لنشر العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وحصر تحريم الكنز بالامتناع عن أداء الزكاة، قد لا يكفي لتحقيق هذه الغاية الدينية.

 

11- تقديم ظهور الآية على مفاد الروايات

يصرّح سماحة السيد دم ظله في تفسير الآية 60 بأنّ ما تفيده الآية بحسب الظهور العرفيّ مقدّمٌ على ما تدلّ عليه الروايات التفسيريّة. ويضيف أنّ الدلالة الظهورية للآية هي الخيار الأوّل، وإنّما نلجأ إلى الروايات والأخبار في حالة عدم انعقاد ظهور عرفيٍّ للآية، أو في حالات انعقاد ظهور لها في الإطلاق أو العموم، ثم وردت رواية مخصّصة أو مقيّدة؛ وذلك لأنّ عموم القرآن وإطلاقه يقبلان التخصيص والتقييد. وهذه الإشارة تفيد أنّه يقبل تخصيص القرآن وتقييده بخبر الواحد.

 

12- عدم حجّية فتوى الفقهاء في تفسير الآية

من المباني التفسيرية المعمول بها في هذا التفسير عدم حجّية فتاوى الفقهاء في التفسير، سواء كانوا من الإمامية أو من أهل السنّة. وهو يصرّح بهذا المبنى في تفسير الآية 60 أيضًا، ويبيّن أنّ الخيار الأوّل في التفسير وفهم كتاب الله هو الظهور العرفيّ المنعقد للآية، وفي المرتبة الثانية الأخبار والروايات المنقولة عن أهل البيت عليهم السلام، في ما إذا كانت مفسِّرة لما لم ينعقد له ظهورٌ، أو انعقد ولكن كان عمومًا أو إطلاقًا ثم وردت رواية مقيّدة أو مخصّصة. وهذا المبنى من المباني الأساسية التي

 

 

72

 


47

تفسير سورة براءة

تحمي المفسِّر من التورّط في الأخطاء التفسيريّة نتيجة تقليده لهذا الفقيه أو ذاك وجعل فتواه معيارًا في التفسير.

 

13- الاستفادة من "الاطّراد" وكثرة الاستعمال في فهم مفردات القرآن

يمكن تحديد المراد من بعض المفردات القرآنية، على ضوء كثرة ورودها في سياقٍ محدّد يوجِّه دلالتها في اتّجاه معيّن. وقد اعتمد مفسِّرنا الجليل هذه القاعدة لشرح بعض المفاهيم القرآنية، ومن ذلك مفهوما الزكاة والصدقة، في تفسير الآية 60.

 

14- منهج القرآن في وصف عقائد الأشخاص

يرى مفسِّرنا الجليل في تفسير الآية 30، أنّ طريقة القرآن في تعريف عقائد الأشخاص ووصفها، هي أنّه عندما يتبنّى مجموعة من الأشخاص معتقدًا أو فكرةً ثم لا يعارضها الآخرون، فإنّ تلك العقيدة تُنسب إلى الجميع على حدٍّ سواء. ويستشهد لهذه الفكرة بالآيتين 30 و65 من سورة التوبة.

 

د) الخصائص والمميّزات

ثمّة خصائص ومميّزات يتحلّى بها هذا الجهد التفسيريّ، مضافًا إلى ما ذكرناه تحت عنوان المنهج، والاتّجاه، والمباني والقواعد. وسوف نشير في ما يأتي إلى أهمّ هذه الخصائص:

1- استنباط المبادئ الكلّية والمعايير

من القضايا التي حظيت بالعناية والاهتمام في هذا التفسير، استنباط المبادئ العامّة والكليّة للإسلام من آيات القرآن الكريم، مضافًا إلى تطبيقها على مصاديقها المعاصرة في عددٍ من الحالات. وتتنوّع هذه المبادئ العامّة بين مبادئ عامّة للشريعة

 

 

73

 


48

تفسير سورة براءة

ككلّ، وقواعد عامة فقهيّة، أو أصل من أصول الفقه، وفي بعض الأحيان معايير وملاكات أحكام.

 

ومن النماذج التي يمكن أن يُشار إليها:

1- استنباط مبدأ التزاحم[1] وتقديم الأهمّ على المهمّ من الآيتين 3 و4 من سورة التوبة، وهذا المبدأ من الأصول المهمّة في علم أصول الفقه.

 

2- في تفسير قوله تعالى: ﴿وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر﴾[2]، طرح مبدأً عامًّا حاصله أنّ ملاك القتال هو الطعن في الدين، وإعاقة الدعوة إليه، وبناءً على هذا المبدأ كلّ محاولة لتغيير الأرضية الفكرية للمجتمع الإسلاميّ بطريقة لا يرتضيها الإسلام، هي طعنٌ في الدين.

 

3- يستفيد من الآيتين 12 و13، أنّ الإسلام لا يكتفي في بعض الحالات بالأمر والنهي عن الشيء بشكلٍ مباشرٍ، بل يتصدّى أحيانًا للخلفيات والدوافع.

 

4- يستفيد من الآية 13 أنّ الكفر وحده لا يبرّر القتال، بل العدوان هو السبب الذي يبرّر الردّ على العدوان بدفعه ومواجهته، وبناءً على هذا قد يتضرّر الإسلام من بعض الفاسقين أو المنافقين المتظاهرين بالإسلام أكثر ممّا يتضرّر من الكفر والكفّار.

 

5- في تفسير الآية 27 أشار سماحته إلى المعيار الذي على أساسه تُصنّف المعصية بأنّها كبيرةٌ.

 

6- يستفيد من الآية 59 أنّ مصلحة المجتمع مقدّمة على مصلحة الفرد...

 

7- يستنتج من الآية 94 أنّ من مبادئ التواصل في الإسلام عدم قبول كلام الفاسق.


 


[1] المراد من التزاحم المبدأ الذي يقضي بتقديم التكليف الأكثر أهميّة على الأقل أهمية، في حالات التعارض بين التكليفين وعجز المكلّف عن الإتيان بهما معًا. كما لو تعرّض شخصان للغرق واستطاع المكلّف إنقاذ أحدهما فقط، ففي هذه الحالة يقدم الأهمّ منهما على الأقل أهمية.

[2] سورة التوبة: الآية 12.

 

74


49

تفسير سورة براءة

 

8- يستفيد من الآية 107 أثناء تحليله لحادثة مسجد ضرار أنّ الإسلام لا يهتمّ بالظاهر على حساب المضمون؛ ولأجل ذلك يقضي بهدم المسجد على الرغم من كونه بحسب الظاهر بيت الله، إذا كانت العبادة فيه ظاهرًا لا مضمون له.

 

2- طرح موضوعات مستقلّة

يتعرّض هذا التفسير لبعض الموضوعات المستقلّة بمناسبة تبرّر طرحها وتفصيل القول فيها. وهذا النوع من الاستطرادات قد يكون موضوعًا قرآنيًّا يحتاج إلى بسط القول فيه، أو موضوعًا اجتماعيًّا مهمًّا يستحقّ التوقّف عنده، أو شبهة أو إشكالية ينبغي التعرّض لحلّها، أو فهمًا خاطئًا لآية من كتاب الله يستأهل التصحيح. وهذه بضعة أمثلة لهذا النوع من الاستطرادات.

 

تعرّض في تفسير الآية 34 لتحليل فلسفة المال والنقد، وللأسباب التي أدّت إلى اعتماد الذهب والفضّة. ويستنتج من هذا الاستطراد أنّ بعض أحكام الذهب والفضة المذكورة في الآية تنطبق على النقد المتداول في عصرنا.

 

في تفسير هذه الآية نفسها تعرّض لقضية منع الإسلام من تركيز الثروة في أيدي جماعة محدّدة، وعرض بعض الآليات التي تحول دون ذلك، ومنها: تحريم القمار والربا، حيث هما وسيلة لتحصيل مال كثير من دون جهد اقتصاديّ معادل؛ الربط بين توزيع الإرث في الإسلام، وتفكيك الثروات الكبيرة إلى حصص أقل؛ وتشريع الضرائب على أشكالها من خمسٍ وزكاة وغيرهما.

 

في تفسير الآية 103، وفي سياق الحديث عن الأهداف المعنوية لتشريع الإنفاق في الإسلام، يتعرّض للمذهب الرأسماليّ الذي يجعل مصلحة الفرد هي المعيار، بينما المعيار في الإسلام هو مصلحة الجماعة والفرد على حدٍّ سواء، وهذا يكشف برأيه عن اعتدال الإسلام ووسطيّته.

 

وفي بعض الحالات يصرّح مفسِّرنا بأنّ هذه القضايا التي يعالجها هذا التفسير

 

75


50

تفسير سورة براءة

ليست من المطالب التفسيريّة، ولكن لا بد من طرحها والبحث فيها. وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أنّ الأسلوب المعتمد في معالجة هذه الموضوعات هو في الغالب أسلوب التفسير الموضوعيّ.

 

3- الاستفادة من التمثيل لشرح الآية

التمثيل من الأساليب المناسبة لتوضيح الأفكار العميقة، وتقديمها بطريقة بسيطة تسهّل فهمها، وتسمح باستقرارها في عقول المخاطبين وضمائرهم. وقد اعتمد هذا التفسير هذا الأسلوب في التعامل مع الأفكار.

 

وثمّة أمثلة كثيرةٌ نشير إلى بعضها، في ما يأتي:

1- شبّه الامتحان الإلهيّ بطريقة المدرِّب الرياضي، عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا﴾[1]، ولم يشبّهها بطريقة المعلّم النظريّ في الامتحان، وذلك أنّ المعلّم النظريّ هدفه اكتشاف مستوى الطالب، بينما المدرِّب هدفه تعزيز قدراته وتربيته، وعلى هذا النحو تكون الاختبارات الإلهيّة.

 

2- في تفسير الآية 34 يشبّه المال في المجتمع بالدم في بدن الإنسان، ووجه الشبه المقصود هو أنّ كلًّا منهما يجب أن يبقى في حالة جريان ليصل إلى جميع الأعضاء بطريقة عادلة ومنصفة...

 

3- في تفسير الآية 38، شبّه خلود الأفكار الإسلاميّة إثر تضحيات المجاهدين بالحجر الذي يستقر بطريقة طبيعية ولا يجرفه السيل. وهذا المثال هو من باب تشبيه السنن الاجتماعية بالسنن الطبيعية.

 

4- في تفسير قوله تعالى: ﴿فما متاع الحياة الدنيا من الآخرة إلا قليل﴾[2]، يشبّه السالك إلى الآخرة بالسائر نحو البحر، فهذا الأخير على الرغم من أنّه يسير نحو البحر إلا أنّه يستفيد في سفره من الجداول، والسائر إلى الله كذلك لا


 


[1] سورة التوبة: الآية 16.

[2] سورة التوبة: الآية 38.

 

76


51

تفسير سورة براءة

يستغني عن الاستفادة من متاع الحياة الدنيا...[1]

 

4- طرح المباحث الاجتماعيّة

في سورة التوبة عددٌ من الآيات التي تخبر عن أوضاع المجتمع الإسلاميّ في السنوات الأخيرة من حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وقد توقّف مفسّرنا الجليل عند هذه الخاصّة وتصدّى في بعض الأحيان لبعض المباحث الاجتماعية بالاستعانة بآيات من سور أخرى، وعلى الخصوص ذلك النوع من المباحث التي يمكن تطبيقها على عصور عدّة. وبعبارة أخرى: إنّ كثيرًا من الإشارات الاجتماعيّة في سورة التوبة وغيرها من سور القرآن الكريم، تحكي عن القوانين الاجتماعية التي لا ترتبط بمجتمع بعينه.

 

ومن أمثلة ما تصدّى له مفسّرنا الجليل، بيانه للفئات الاجتماعية التي تعارض على الدوام دعوات الأنبياء والمصلحين، وهذه الفئات هي المثلّث الاجتماعي الذي يمكن تسميته بالطاغوت، وهي: أهل السلطة، والأغنياء، وعلماء البلاط وطلّاب الدنيا. وقد فصّل القول في هذا الموضوع الاجتماعيّ، بمناسبة تفسير الآية 34 من سورة التوبة.

 

وفي تفسير الآيات 97-99، تعرّض لخصائص أهل البدو وأهل الحضر، على ضوء الإشارة القرآنيّة، وأوضح أنّ القرآن في هذه الآيات وما يشبهها يعطينا دروسًا في علوم: الاجتماع، والنفس، والإناسة، على الرغم من أنّه ليس كتابًا تخصّصيًّا في هذه العلوم؛ بل هو فوق ذلك وأعلى شأنًا، فهو كتاب هداية، وهدفه الأساس هو تعليم الإنسان كيف يعيش...

 

وفي تفسير الآية 103، في سياق شرحه لمفهوم التزكية الوارد في الآية، يشرح كيف يؤدّي أداء الزكاة إلى نموّ المجتمع الإسلاميّ وزكاته، إثر الإنفاق على المصالح العامّة من أموال الأغنياء...


 


[1] عرض كاتب المقدّمة اثني عشر موردًا كأمثلة للتشبيهات المستخدمة في هذا التفسير. وقد أعرضنا عن ترجمتها للسبب المتقدّم وهو الرغبة في الاختصار. (المترجم)

 

77


52

تفسير سورة براءة

5- تحليل الروايات المرتبطة بفضائل السور

يتعرّض مفسّرنا العزيز في بعض الحالات للروايات التي تتحدّث عن فضائل السور ويعمل على تحليلها. ومن ذلك أنّه ورد في بعض الأخبار أنّ قراءة سورتي التوبة والأنفال تذهبان النفاق أو تحميان منه. وهو يرتضي كما يظهر هذه الرواية ويحاول تحليل ذلك على ضوء موضوع السورتين؛ حيث إنّهما تعرضان أحوال المنافقين، ما يستدعي الالتفات إلى خصائصهم عند القراءة وتأمّل قارئهما في أحواله ورصد مدى إخلاصه أو نفاقه.

 

6- تحليل فلسفة الأحكام القرآنية

أحكام القرآن وتشريعاته تابعةٌ للمصالح والمفاسد، كما هو معلوم. وبعض هذه المصالح بيّنها الله عزّ وجلّ في كتابه[1]، وبعض هذه الحكم أو المصالح على الرغم من السكوت عنها، فإنّه يمكن اكتشافها والتعرّف إليها، وخاصّة ما كان منها ذا طابع اجتماعيٍّ. ولاكتشاف هذه المصالح آثارٌ، أهمّها إقناع المخاطب بها، يُضاف إلى هذا الأثر أنّ بيان المصالح المترتّبة على الأحكام يدفع بعض الشبهات المثارة في وجهها.

 

وليس بيان هذه المصالح من الأعراف السائدة في ميدان التفسير؛ ولكنّ مفسِّرنا الجليل يهتمّ بهذا البعد، ويحاول اكتشاف تلك المصالح والحكم المترتّبة على الأحكام، على ضوء التجارب الاجتماعية المعاصرة. والأمثلة كثيرةٌ نكتفي بالإشارة السريعة إلى بعضها:

1- في تفسير الآية 17 بيّن الأسباب التي أفضت إلى تشريع تحريم بناء المساجد من قبل المشركين.

 

2- في تفسير الآية 54 عالج قضية قبول الأعمال، وبيّن أنّ الأجر والثواب في الآخرة ليس هو الهدف الوحيد للعبادة والأعمال الصالحة.

 

 


[1] انظر: سورة البقرة: الآية 219؛ وسورة المائدة: الآيتان 90-91.

 

78


53

تفسير سورة براءة

3- تعرّض للآثار المترتّبة على التوكّل في تفسير الآية 51.

 

4- بيّن في تفسير الآية 60 أهداف تشريع الزكاة وغيرها من أشكال الإنفاق في الإسلام.

 

5- شرح في تفسير الآية 72 الأسباب التي من أجلها يكرّر الله تعالى في القرآن وعوده للمؤمنين.

 

6- علّل في تفسير الآية 80 الأسباب التي تكمن وراء التشدّد مع المنافقين بحيث ينهى الله عن الاستغفار لهم. ولم يكتفِ سماحته ببيان المصاديق المتنوّعة للأحكام والتشريعات القرآنية؛ بل قدّم أفكارًا عامّة تعالج قضية تعليل الأحكام، وبيان الأسباب التي أدّت إلى السكوت عن بعض العلل وبيان بعضها الآخر.

 

7- بيان أهداف الأخبار التاريخية في القرآن

يقول سماحته في سياق تفسير الآية 107 التي تبيّن قصّة مسجد ضرار، في مجال بيان الأهداف المتوخّاة من نقل الأحداث التاريخيّة في القرآن: "قد يلاحظ المدقّق في هذه القصّة أنّ الله تعالى اهتمّ بنقل قصّة ليس فيها من الأهميّة ما يدعو إلى نقلها؛ ومع ذلك تحدّث عنها القرآن في أربع آيات. ولعلّ النظرة الأولى تقضي بكفاية ما هو أقل لنقل هذه الواقعة التاريخيّة والإخبار عنها؛ وذلك أنّه ليس من عادة القرآن التفصيل في نقل الوقائع التاريخيّة؛ بل إنّ كثيرًا من وقائع سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مسكوتٌ عنه في القرآن. ومن هنا نقول بثقة إنّ تفصيل الكلام في الأحداث التاريخيّة يراد منه التعليم واستفادة العبر من هذه الأحداث".

 

8- انتقاد المفسِّرين بالرأي الذين يحملون آراءهم على القرآن

ينتقد مفسِّرنا الجليل، عند تفسيره الآية 12 من سورة التوبة، المفسِّرين الذين يوجِّهون دلالة الآية وفق آرائهم وميولهم. وهذا الانتقاد يكشف عن مقاربته

 

79


54

تفسير سورة براءة

التفسيرية وهي الحرص على الحياد في مقام التفسير، بعيدًا عن التأثّر بالمتبنَّيات الخاصّة، وإعطائها القيمومة على التفسير، وهذه الانتقادات تتكرّر في أكثر من مورد، منها:

1- في تفسير الآية 111 ينتقد الذين يفسِّرون شراء الله تعالى من المؤمنين أنفسهم، بالعبادات البدنية، ويرى أنّ السياق يفيد نوعًا محدّدًا من هذه العبادات وهي عبادة الجهاد.

 

2- في تفسير الآية 40 ينتقد صاحب المنار على اختراعه بعض الفضائل للخليفة الأوّل، ويقسو عليه في نقده إيّاه؛ ولكنّه لا يقصر نقدَه على المفسِّرين من أهل السنّة؛ بل نجده يحمل هذه النظرة النقدية حتّى تجاه بعض مفسّري الإمامية.

 

3- في تفسير الآية 43 يطرح عددًا من الآراء في المقصود من العفو عن النبيّصلى الله عليه وآله وسلم وينتقد أكثرها، ويختار رأيًا يرى أنّه الأصوب. إلى غير ذلك من الأمثلة التي يمكن للقارئ الفطن الالتفات إليها.

 

ومن الموارد المشار إليها أعلاه وغيرها ممّا لم نشر إليه، يتبيّن أنّ المباني التي يستند إليها مفسِّرنا في نقده لسائر الآراء، هي:

- احترام ظاهر الآية

 

- الالتفات إلى السياق

 

- ملاحظة سائر الآيات وفق منهج التفسير بالقرآن

 

- ملاحظة الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام

 

- ردّ الأخبار غير المعتبرة

 

- الالتفات إلى المعاني اللغوية للكلمات والمفردات

 

- ملاحظة المفاهيم القرآنية ومعاني الاصطلاحات الخاصّة

 

 

80

 


55

تفسير سورة براءة

- التحليل التاريخي لأحداث صدر الإسلام

 

- الالتفات إلى المبادئ الإسلامية المستفادة من الآيات المحكمة

 

- التحليل العقلي

 

- نفي التكرار المحض عن القرآن

 

9- الإبداعات التفسيريّة

 

من خصائص هذا التفسير أنّه يتضمّن بعض الآراء الجديدة التي يمكن تصنيفها في دائرة الإبداعات الخاصّة به. ونشير إلى بعض هذه الآراء الجديدة في ما يأتي:

1- في تفسير الآية 38 عرض أقوال المفسِّرين في المقصود من قلّة متاع الحياة الدنيا في الآخرة وبيّن وجهة نظر خاصّة به.

 

2- في تفسير الآية 112 عرض آراء المفسّرين في السياحة وحملها على السياحة في النفس.

 

3- في تفسير الآية 43 عرض المراد من العفو عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ طرح رأيًا جديدًا في الموضوع.

 

4- في تفسير الآية 29 عرض المقصود من الفتنة، وطرح وجهة نظرٍ مستفادة من أخبار أسباب النزول.

 

5- في تفسير الآية 69 بيّن وجهة نظر المفسِّرين في شدّة قوّة المحكيّ عنهم، ثمّ طرح احتمالًا آخر... ومن أهمّ عناصر التجديد في هذا التفسير التوقّف عند المفاهيم القرآنية واكتشاف المقصود منها قرآنيًّا، ومن الأمثلة توسعة مفهوم الزكاة لتشمل ما هو أوسع من الزكاة بحسب الاصطلاح الفقهيّ.

 

10- بيان مصاديق الآية

من خصائص هذا التفسير أنّه يتعرّض لبيان مصاديق الآية؛ ما يؤدّي إلى زيادة

 

 

81

 


56

تفسير سورة براءة

الفعالية والتأثير. وثمّة أمثلة عدّة لهذه الخصيصة، منها بيان مصاديق الغلظة في تفسير الآية 73، ومصاديق العذاب في تفسير قوله تعالى: ﴿يعذّبهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة﴾ في الآية 74، ومصاديق تعذيب المنافقين بالأموال والأولاد في تفسير الآية 85، ومصاديق الخيرات في عند تفسير الآية 88.

 

11- التدقيق في الكلمات واكتشاف دلالاتها

يتوقّف المفسر الجليل عند المفردات والعبارات القرآنية بهدف اكتشاف دلالاتها وتمييز الفوارق الدلالية بينها، وقد أشرنا إلى بعض ما يمكن إدراجه ضمن هذا البند. وهنا نشير إلى نماذج أخرى، منها:

في تفسير الآية 71 يقارن بين عبارة "بعضهم من بعض" الواردة في وصف المنافقين، وعبارة "بعضهم أولياء بعض" الواردة في وصف المؤمنين. والأمر نفسه يلحظ في ما يرتبط بتعبير "يقيمون الصلاة" وبين الفعل "يصلّون"، وكذلك يتوقّف عند الدعوة إلى طاعة الله والرسول بعد الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة...، مع أنّ هذه الأوامر هي مصاديق لطاعة الله والرسول. وفي تفسير الآية 73 تساءل عن سبب تقديم الأمر بجهاد الكفّار مع أنّ البحث عن المنافقين. وفي تفسير الآية 86، يتساءل عن تعبير الله عزّ وجلّ عن المنافقين بعبارة "أولو الطول"، مع أنّ الكلام عن استئذان المنافقين، ويؤكّد أنّ كلّ عبارة أو كلمة ترد في القرآن مقصودة ولها دلالة محدّدة. وفي تفسير الآية 91، يتساءل عن سرّ التعبير بالمغفرة والرحمة في ما يرتبط بالمؤمنين المعذورين عن الجهاد لعدم توافر الزاد بين أيديهم، ويجيب عن هذا التساؤل بتحليل المقصود من المغفرة، ويبيّن معناها في هذا المورد.

 

وفي بعض الحالات يتوقّف هذا التفسير عند ذكر حرفٍ أو عدم ذكره، ليستنبط دلالة ذلك ومرماه، ومن الأمثلة:

في تفسير الآية 34، يقارن بين عبارَتيْ: "والذين يكنزون الذهب" و"الذين يكنزون الذهب" (مع الواو أو بدونها). وفي تفسير الآية 102 يتساءل عن الفارق الدلاليّ بين ذكر الباء وعدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾

 

 

82

 


57

تفسير سورة براءة

ليكشف عن الفارق الدلاليّ بين الآية كما هي في القرآن وبين تعبير "بآخر". وكذلك يبيّن الفارق في المعنى في الآية 103 بين نسبة التزكية إلى الأشخاص ونسبتها إلى المال.

 

12- ترتيب وتصنيف مطالب الآيات

في موارد عدّة يعرض المفسّر لعدد من الآيات ويصنّف المطالب والمضامين الواردة فيها، بهدف تمييز المطالب الأساسيّة عن غيرها، وبهدف بيان التناسب بين الآيات. ومن ذلك أنّه يقول في ما يرتبط بالآيتين 41-42: "وبالمناسبة فإنّ في هاتين الآيتين ثلاثة مطالب عامّة ومهمّة، ومطالب أخرى جانبية". ثم يعمد إلى فهرسة هذه المضامين وتصنيفها.

 

وهذه الطريقة في التعامل التفسيريّ مع الآيات تترتّب عليها فوائد جمّة، أهمّها إبراز الرسائل الأساسية للآيات، وتمييزها عن المطالب الهامشية الأقلّ أهمّية، وهذا يساعد المفسِّر والمتلقّي على توضيح آلية التعامل مع هذه المطالب.

 

13- الالتفات إلى القواعد والأحكام الفقهيّة

على الرغم من تصنيف هذا التفسير في دائرة الاتّجاه الاجتماعي الهدايتي، فإنّه يولي اهتمامه ببعض الأبعاد الفقهيّة التي تتعرّض لها الآيات. وهذا يكشف بوضوح عن الخلفية الفقهيّة التي يستند إليها المفسّر.

 

ومن أمثلة هذه الخصيصة أنّ الآية 39 من سورة التوبة تقول: ﴿إلا تنفروا يعذِّبكم عذابًا أليمًا﴾ والسؤال الذي يُطرح هنا هو: ألا تتعارض هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها﴾؟ وتصدّى لمعالجة التعارض الموهوم بين الآيتين بالإشارة إلى مصاعب الجهاد ومتاعبه، مع بقائه في دائرة الإمكان والقدرة.

 

وثمّة موارد في القرآن الكريم تُبيّن فيها بعض الأحكام الفقهية الجزئية، مضافًا إلى القواعد، ومن الأمثلة ما ورد في الآية 111 التي تُفسَّر بحالة اتّخاذ الكفّار بعض المؤمنين دروعًا بشريّةً، ومن ذلك أيضًا التمييز بين صحّة العمل وقبوله في تفسير الآية 53. وقد توقّف مفسِّرنا عند الأمرين.

 

83

 


58

تفسير سورة براءة

ومن الأمثلة أيضًا توقّفه مليًّا في تفسير الآية 71 عند مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخاصّةً عند شرط الأمن من الضرر، كما توقّف عند طبيعة وجوب الأمر والنهي، وأنّه عينيٌّ أو كفائيٌّ.

 

وفي تفسير الآية 73 توقّف عند مبدأ الجهاد لتحليل دلالات الاصطلاح الفقهيّ، وأشار إلى عددٍ من الآراء المطروحة بين الفقهاء، وقارن بين الصورة القرآنية للجهاد والتفصيلات الفقهيّة التي استنبطها الفقهاء حوله. وممّا يقرّره في ختام البحث أنّ مفهوم الجهاد في القرآن يختلف عن المعنى الاصطلاحي الفقهيّ، فحتّى لو سلّمنا بالشروط التي يذكرها الفقهاء للجهاد، فإنّ الجهاد بالمعنى القرآنيّ ليس مشروطًا بهذه الشروط كحضور المعصوم وما سوى ذلك ممّا سوف يلاحظه القارئ لهذا التفسير.

 

وفي تفسير الآية 74 قارن في مسألة الصلاة على الميت بين حالة كونه مؤمنًا وحالة كونه منافقًا، ليستفيد من ذلك تأييد ما ورد في سبب نزول الآية. ومن الأمثلة أيضًا توقّفه في قضية الزكاة في الآية 103 عند الأعيان التي أوجب الفقهاء الزكاة فيها، وعرضه اختلاف الأقوال في حصر وجوب الزكاة بالأعيان المعروفة أو تعميم ذلك إلى غيرها.

 

وأخيرًا يُلاحظ في هذا التفسير بعض النقد الموجّه إلى بعض الفتاوى والآراء الفقهيّة، وذلك من زاوية معارضة هذه الفتاوى لما يُستفاد من ظاهر هذه الآية أو تلك، ومن الأمثلة ما ورد في تفسير الآية 29 من سورة التوبة.

 

14- البحث في الاصطلاح القرآنيّ

ثمة كلمات في القرآن الكريم استُخدِمت في معانٍ تختلف عن معانيها العرفية اللغوية. وهذه الكلمات هي اصطلاحات أو مفاهيم لها في القرآن حمولة معنوية محدّدة. وهذه الحمولة المعنوية أو الدلالة القرآنية الخاصة يمكن اكتشافها ونيلها، بواسطة التأمّل في موارد الاستعمال وخاصة إذا كثُر استعمال هذه الكلمات في سياقات تساعد على استظهار هذا المعنى المختلف عن المعنى اللغويّ.

 

 

 

84

 


59

تفسير سورة براءة

ومن خصائص هذا التفسير اهتمامه بهذا النوع من المفردات والمفاهيم القرآنية، والأمثلة كثيرة نشير إلى بعضها في ما يأتي:

ففي تفسير الآية 34 وبعد شرحه للمعنى اللغوي لكلمة "كنز"، يشير إلى أنّ هذه الكلمة هي مفهوم قرآني لا يُشترط في صدقه إخفاء المال تحت الأرض؛ بل الكنز في القرآن هو إخراج المال من دائرة استفادة عامّة الناس منه، والقرينة التي يُستفاد منها هذا المعنى هي عبارة: "لا ينفقونها في سبيل الله". وعليه فالكنز في القرآن هو عدم إنفاق المال في سبيل الله، وبالتالي من ينفق أمواله على شهواته المحرّمة ورغباته وميوله السخيفة يصدق عليه أنّه يكنز المال.

 

وفي الآية نفسها نلاحظ أنّه يفتح بحثًا مفهوميًّا اجتماعيًّا يبيّن فيه بمساعدة المفاهيم القرآنيّة ما يسمّيه بمثلّث السلطة في المجتمعات الإنسانية:

الأول: هو مفهوم "الملأ"، وهم الحاشية الذين يحيط السلطان نفسه بهم، وهم الأدوات التي يحكم بواسطتها. ومن هؤلاء "هامان" في بلاط فرعون.

 

الثاني: "المترفون"، وهم الأغنياء وأصحاب الثروات، وقد لا يكون هؤلاء ممّن يحيطون بالسلطان؛ ولكنّ بينهم وبين السلطان مصالح متبادلة. ومن رموزهم القرآنيّة "قارون".

 

الثالث: الأحبار والرهبان، وهذه الطبقة هي رجال الدين المسمّاة في الفكر الإسلامي بوعّاظ السلاطين، والدور الأساس الذي يؤدّيه هؤلاء هو إضفاء المشروعية على سلطة الحاكم وتصرّفات ضلعي المثلّث السابقين. ويقبع على قمّة هذا الهرم المثلّث السلطان المعبّر عنه أحيانًا بالطاغوت، مع صدق هذا المفهوم على سائر الأضلاع أيضًا.

 

وثمّة أمثلة أخرى تستحقّ التوقّف عندها، نشير إليها سريعًا. فمنها مفهوم "الولاية" الذي حظي بوقفة بحثيّة بيّن فيها مفسِّرنا أنواع الولاية وأقسامها ودلالتها في القرآن. ومن ذلك أيضًا مفهوم "الزكاة" ويرى سماحته أنّ المعنى القرآنيّ يختلف عن المعنى الاصطلاحي الفقهيّ، ويستدلّ لذلك بمؤشِّرات عدة.

 

85

 


60

تفسير سورة براءة

ومنها أيضًا مصطلح "الجهاد"؛ حيث يُفهم منه عادةً معنى القتال؛ ولكنّ سماحته يلفت إلى أنّ المعنى القرآني أوسع دلالة وأشمل، ومن المؤشِّرات التي يستند إليها، أمر الله في القرآن الكريم بمجاهدة المنافقين، مع أنّ سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يُسجّل فيها أنّه خاض معهم معركة حربية. ومن ذلك أيضًا المفاهيم الآتية: "الإيمان" و"الإسلام"، و"الصدقة"، و"الكفر"...

 

15- المسائل العقدية- الكلاميّة

بيّنّا من قبل أنّ الاتّجاه الأساس لهذا التفسير ليس اتّجاهًا عقديًّا كلاميًّا؛ بل يغلب عليه الطابع الاجتماعيّ، ولكنّ تبنّي الاتّجاه الاجتماعي في التفسير يقتضي في بعض الحالات التوقّف عند بعض القضايا العقدية وخاصة الشبهات التي توجّه إلى الدين لمناقشتها. وهذا ما يدعو سماحته إلى الخوض في مثل هذه الأبحاث؛ يُضاف إلى هذا أنّ بعض الآيات تستدعي الخوض في مسائل اعتقاديّة بالنظر إلى الموضوعات التي تتحدّث عنها.

 

ومن أهمّ المباحث التي تستحقّ الإشارة إليها، ما يأتي:

ففي تفسير الآية 19 توقّف عند قضية إيمان أبي طالب مع شيءٍ من الاختصار. كما توقّف في تفسير الآية 30 عند بعض معتقدات اليهود والمسيحيين وخاصة عند فكرة أبوّة الله تعالى للإنسان. وفي تفسير الآية 40 توقّف عند مفهوم العصمة وبيّن حدودها وشرح ما يمكن أن يطرأ على النبيّ من حالات البشر وما لا يمكن أن يطرأ عليه. وفي تفسير الآية 68 فتح بحث المعاد الجسمانيّ. وفي تفسير الآية 71 كشف عن عقيدة المشركين في الله على ضوء عدد من آيات القرآن. وعند تفسير الآية 72 بيّن على ضوء عدد من آيات القرآن نِعَم الجنّة وطبيعتها....

 

وعلى الرغم من طرح هذه القضايا في هذا التفسير، فإنّ سماحته يرى أنّ الخوض في النقاشات الكلامية النظرية في تفسير القرآن خطأٌ كبيرٌ وقع فيه عدد من المفسِّرين، وهو يرى أنّ البحث الكلاميّ له محلّه الخاصّ به. ثم إنّه يشير إلى

 

 

86

 


61

تفسير سورة براءة

أنّ أهم المخاطرات التي يقع فيها المفسِّر ذو الاتّجاه الكلاميّ هو مخاطرة حمل رأيه وموقفه الكلاميّ على القرآني وتقويله إيّاه. هو ينتقد عددًا من المفسِّرين الذين يرى أنّهم تورّطوا في هذه المخاطرة ومنهم الفخر الرازي ورشيد رضا.

 

16- الأبحاث النفسية

يتعرّض سماحته لبعض المباحث النفسية بمناسبة الإشارة إلى مثل هذه الموضوعات في الآية مورد التفسير، والهدف الأساس هو تعميق فهم الآية. وثمة أمثلة كثيرة نشير إلى بعضها:

في تفسير الآية 26 وبمناسبة ورود كلمة "سكينة" في الآية فتح بحثًا نفسيًّا في هذا الموضوع، ليبيّن الحالات التي تعرض للنفس الإنسانية. في تفسير الآية 79 بحث في تأثير الإثراء وكنز المال على كدورة النفس وظلمانية الروح. وفي تفسير الآية 80 بحث عن الحالة النفسية للأشخاص الذي يشعرون بالحبّ تجاه من لا يستحقّ المحبّة. وأشار إلى أنّ هذه الحالة موجودة عند كثيرٍ من الناس؛ ولكنّ هذه العاطفة برأيه تحتاج إلى توجيه. وفي تفسير الآيتين 80 و81 أشار إلى الحالات النفسية التي يعيشها المتخلّفون عن الجهاد. في تفسير الآية 86 أشار إلى الحالة النفسية التي تعرض للأغنياء المنافقين الذي يبخلون ويحرصون على الشعور براحة الضمير. وفي تفسير الآية 117 تحدّث عن آليّات تقوية الإرادة في التعاليم الإسلامية.

 

17- بيان الدروس القرآنية

ثمة آيات في القرآن الكريم فيها دروس مهمّة وعبر، ومثل هذه الآيات حظيت باهتمام هذا التفسير والتوقّف التفصيلي عندها، ففي تفسير الآية 107 وبمناسبة الحديث في الآية عن مسجد ضرار توقّف مليًّا عند هذه الإشارة القرآنية وبيّن ما فيها من دروس وعبر على مستوى الفرد والمجتمع.

 

 

87

 


62

تفسير سورة براءة

18- الالتفات إلى قواعد أصول الفقه

من خصائص هذا التفسير الاهتمام بقواعد أصول الفقه الإسلامي التي يمكن استنباطها من القرآن، أو الاستفادة منها في تفسير آياته. ومن باب المثال نشير إلى موردين:

الأوّل: قاعدة تخصيص القرآن بخبر الواحد: أشار سماحته إلى هذه القاعدة في تفسير الآية 60 وبحث في مسألة تخصيص القرآن أو تقييده بخبر الواحد، واستفاد من هذه القاعدة في تفسير هذه الآية.

 

الثاني: قاعدة المفهوم والمنطوق: ومن الأمثلة عن تأثير أصول الفقه في تفسير القرآن، قاعدة المفهوم والمنطوق، والاستفادة من مفهوم المخالفة في فهم الآية وقد استفيد من هذه القاعدة في تفسير الآية 14.

 

ومن موارد حضور أصول الفقه وقواعده في التفسير الحديث عن قاعدة التزاحم في تفسير الآية 29، مع الإشارة إلى الفرق بين التزاحم والتعارض وذكر أمثلة لكلّ واحد من الأمرين.

 

وفي تفسير الآية 67 وفي سياق الحديث عن "الأمر بالمنكر" أشار إلى أنّ المقصود من المنكر هنا ما يشمل الشرعيّ والعقليّ. وبهذه المناسبة بحث في قاعدة "ما أمر به العقل أمر به الشرع"، وبيّن الشروط التي تجعل حكم العقل مقبولًا ومحلّ تأييد الشرع.

 

19- نقد الأخبار الموضوعة

من خصائص هذا التفسير اهتمامه بنقد الأخبار الموضوعة، ومن الأمثلة على ذلك توقّفه عند ظاهرة الوضع في باب فضائل الخلفاء في عهد معاوية. وفي سياق تفسير الآية 34 فتح البحث في أخبار كعب الأحبار في باب إطلاق يد الناس في أموالهم بعد دفعهم الزكاة.

 

88


63

تفسير سورة براءة

مباني النقد

وبعد النظر في موارد النقد المتعددة في هذا التفسير يتبيّن أن المباني التي يستند إليها في ردّ بعض الروايات أو الحكم عليها بالوضع ما يأتي:

1- التعارض وعدم الانسجام مع ظاهر الآية، وذلك كما في حالة الروايات الواردة عن كعب الأحبار في تفسير الآية 34. وكذلك الأخبار التي تؤمِّن القرشيّين من العذاب في تفسير الآية 71. وفي تفسير الآية 67 ثمّة تصريح بأنّه قبل النظر في سند الرواية التفسيرية لا بدّ من النظر في مدى انسجام مضمونها مع ما يظهر من دلالة الآية.

 

2- تعارض الرواية مع الروايات المعتبرة، يشير سماحته في تفسير الآية 34 إلى أنّ تعارض الرواية مع عدد من الروايات المعتبرة سبب من أسباب ضعفها ومبرّرٌ للحكم عليها بالوضع. وفي تفسير الآية 71 يذكر الأخبار التي تضمن للهاشميين الأمن من العذاب، فيردّها بالاستناد إلى معارضتها عددًا من الأخبار والروايات المعتبرة. ويُستند إلى هذا المبنى في الأخبار التفسيرية الواردة في الآية 73، والآية 84.

 

3- ضعف السند، من المباني التي يُستفاد منها في هذا التفسير لردّ الأخبار التفسيرية ونقدها، ففي تفسير الآية 73 يردّ الرواية التي تذكر قراءة مختلفة للآية.

 

4- يستفيد سماحته في بعض الموارد من التاريخ لنقد الأخبار ومن ذلك نقد الروايات الواردة في قراءة: "جاهد الكفّار بالمنافقين"؛ حيث يستند إلى سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لردّ هذه القراءة.

 

5- نقل الرواية عن غير المعصوم. من المباني التي يُستند إليها لردّ بعض الأخبار كونها مرويّةً عن غير المعصوم. ومن المواضع التي يصرّح فيها بهذا المبنى تفسير الآية 73، والآية 34، والآية 79. ومن الأسباب التي يدعم بها شكّه

 

 

89

 


64

تفسير سورة براءة

في مثل هذه الروايات احتواؤها على بعض المطالب غير الصحيحة أو الغريبة.

 

6- عدم انسجام الرواية مع مقام المعصوم. ثمّة رواياتٌ يتوقّف سماحته فيها بسبب ما تتضمّنه من أمور لا تنسجم مع مقام المعصوم، سواء كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأئمّة عليهم السلام. ومن ذلك ردّه لخبرٍ مفاده عدم إدراك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معنى آية من القرآن الكريم. فلا يقبل للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون، بحسب تعبيره، مساويًا في مقامه العلميّ والمعرفيّ لأحد أعراب عصره.

 

7- تصنيف الرواية في باب اختراع الفضائل. وهذا أيضًا من المباني التي يستند إليها سماحته لردّ بعض الأخبار، ففي تفسير الآية 80 ردّ بعض الأخبار؛ بسبب أنّ عهد معاوية كان عهد اختراع عددٍ من الفضائل ونسبتها إلى بعض الصحابة. وبعد الكلام على التفاصيل التاريخيّة لهذه الظاهرة يخلص إلى أنّ معرفة هذه التفاصيل تثير الشكّ في النفس في صحّة الكثير من الفضائل التي نُسِبت إلى هذا الصحابيّ أو ذاك.

 

8- "معارضة حكم العقل" من المباني التي يستند إليها سماحته لردّ بعض الأخبار؛ من ذلك ردّه الرواية المشهورة التي تُنسب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي رواية: "أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم"، فهو يرى أنّ هذه الرواية بغضّ النظر عن ضعف سندها لا تنسجم مع حكم العقل الذي يرى أنّ طريق الحقّ واحدٌ، والصحابة قد اختلفوا، فلا يُعقل أن يدعونا النبيّ إلى الاقتداء بأيّ واحد من المختلفين.

 

9- "عدم انسجام الرواية مع الكرامة الإنسانيّة"، ويستند إلى هذا المبنى لردّ بعض الأخبار في تفسير الآية 29 على الرغم من صحّة سندها؛ لأنّ مضمونها لا ينسجم مع موقف الإسلام من كرامة الإنسان حتّى لو كان غير مسلمٍ. ومن هذا المبنى يظهر أنّه يرجّح النقد المتني المضمونيّ على النقد السندي.

 

وأخيرًا نشير في هذا السياق إلى أنّه يرى أنّ انسجام بعض الروايات مع طريقة بعض الصحابة وسيرتهم كأبي ذرٍّ مثلًا، مؤيّد لصحّة الرواية.

 

90

 


65

تفسير سورة براءة

20- نقد الترجمات

من خصائص هذا التفسير اهتمامه بالترجمات الفارسية لمعاني القرآن الكريم. وفي كثيرٍ من الحالات يذكر الترجمة ويوجّه إليها نقده، ومن الأمثلة نقده لترجمة عبارة "إحدى الحسنيين" في الآية 52، حيث المعتمد في الترجمات الفارسية غالبًا عبارة يرى سماحته أنّها ليست ترجمة دقيقة.

 

21- تربية الطلّاب وتنمية قدراتهم الفكريّة

يُلاحظ في هذا التفسير اهتمامه بتطوير قدرات المتلقِّين ودعوتهم إلى متابعة البحث ومراجعة المصادر، وترغيبهم بالتفكير في هذه القضية أو تلك من القضايا التي تكون محلّ البحث. ومن ذلك أنّه عند تفسير الآية 29 يذكر بعض النقاط التفسيرية ويدعو المتلقّين إلى متابعة البحث لاكتشاف نقاطٍ أخرى. والأمر نفسه يتكرّر عند تفسير الآيتين 40 و80؛ حيث يدعو إلى مزيد من التدبّر وإلى مراجعة الروايات التفسيرية.

 

22- المصادر التفسيرية

يكشف التأمّل في أنحاء هذا التفسير عن الدقّة في مراجعة المصادر والاستفادة منها، على الرغم من توجيه النقد إلى بعض هذه المصادر. وبعبارة أخرى: لا يظهر للمدقّق في هذا التفسير أنّ صاحبه يرى أيّ تنافٍ بين الاستفادة من المصادر والتجارب التفسيرية السابقة، وتوجيه النقد إليها عند الاختلاف معها، وبالتالي هذا التفسير تفسير اجتهاديٌّ بعيد عن التقليد والتعصّب.

 

وتفاسير مجمع البيان والميزان ونور الثقلين (كمصدر للروايات التفسيرية) لها السهم الأوفر من الاهتمام، وإلى جانب هذه التجارب التفسيرية تحضر أيضًا تجارب من تفاسير أهل السنّة مثل: المنار، وفي ظلال القرآن وغيرهما...

 

كما تحضر المصادر اللغوية كمفردات الراغب الأصفهاني، ومجمع البحرين

 

91


66

تفسير سورة براءة

للطريحي، كما يشير إلى ذلك في تفسير الآية 60. ولا يخلو هذا التفسير من الاستناد إلى بعض الموسوعات ودوائر المعارف، على الرغم من قلّة الاستناد إليها بالقياس إلى التفاسير المعروفة. ونقطة الضعف التي يراها في هذه الموسوعات هي أنّ بعضها من عمل المستشرقين، مع الإلفات إلى بعض النقاط الإيجابية التي تسمح بالاستفادة منها. ومن هذه النقاط استنادها إلى مصادر لغوية وأدبية يمكن أن يكون لها دورٌ في فهم الآية.

 

ومن الكتب التي أشير إليها أو دُعي إلى الاستفادة منها في هذا التفسير: كتاب عباس محمود العقّاد معاوية بن أبي سفيان في الميزان (في تفسير الآية 34)، ومفردات الراغب الأصفهاني (في تفسير الآية 72)، وكتاب جواهر الكلام للفقيه محمد حسن الجواهري، وشرح اللمعة ومسالك الأفهام للشهيد الثاني (في تفسير الآية 73)، ومنتهى المطلب للعلامة الحلي(في تفسير الآية 73)، وتفسير علي بن إبراهيم القمي (في تفسير الآية 83).

 

 

92

 


67

تفسير سورة براءة

حول سورة براءة

 

زمان النزول ومكانه

لا شكّ في أنّ سورة براءة بتمامها نزلت في المدينة. وينقل في بعض مصادر أهل السنّة أنّ آيتين منها نزلتا في مكّة، ويروون أنهما نزلتا في قضية الاستغفار لأبي طالب. ونحن نرى عدم صحّة هذا القول، بالنظر إلى أنّ أبا طالب كان آمن بالإسلام، وكان حامي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمدافع عنه في جميع الشدائد، ولم يتركه في أمرٍ ألمّ به طوال حياته. وبناءً على هذا تكون هاتان الآيتان أيضًا كسائر السورة من الآيات المدنية. هذا، ولكنّ بعض المفسِّرين يستثنون من السورة قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى آخر السورة[1].

 

وقد فُتِحت مكّة في السنة الثامنة للهجرة. ونزلت هذه السورة في السنة التاسعة[2]، وحجّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الوداع في العام العاشر للهجرة[3].

 

بنية السورة

ثمّة اختلاف في استقلال هذه السورة عن سورة الأنفال أو كونها تابعةً لها. يقول العلامة الطباطبائي: "وقد اختلفوا في كونها سورة مستقلّة أو


 


[1] انظر: مجمع البيان، ج 5؛ والآيتان هما الآيتان الأخيرتان من السورة.

[2] المصدر نفسه.

[3] المصدر نفسه.

 

93


68

تفسير سورة براءة

جزءًا من سورة الأنفال، واختلاف المفسِّرين ينتهي إلى اختلاف الصحابة ثمّ التابعين فيه، وقد اختلف في ذلك الحديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام غير أنّ الأرجح بحسب الصناعة ما يدلّ على أنّها ملحقة بسورة الأنفال"[1].

 

أوّل السورة

لا يخفى أنّ هذه السورة لا تبتدئ بالبسملة، وقد فسّر بعضهم ذلك بكونها تكملةً لسورة الأنفال وليست سورة مستقلّة حتّى تُفتتح بالبسملة كسائر السور المستقلة. وثمة رواية عن أمير المؤمنين عليهم السلام تبرّر عدم افتتاح السورة بالبسملة بأنّ اسم الله للأمان والرحمة ونزلت براءة لدفع الأمان بالسيف، وفي هذا إشارة إلى الآية المعروفة بآية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾[2]. هذا ولكنّ هذا الكلام مبنيٌّ على استقلال السورة عن سورة الأنفال.

 

أسماء السورة

يذكر المرحوم الشيخ الطبرسي[3] لهذه السورة عشرة أسماء، ولكلّ واحد من هذه التسميات مناسبة ومبرّر، ونحن بدورنا ننقل هذه الأسماء مع بيان مبرّراتها:

1- براءة: وذلك بالنظر إلى مطلعها الذي يشير إلى براءة الله من المشركين.

 

2- التوبة: وسبب هذه التسمية كثرة الحديث في السورة عن التوبة. ونحن نرى أنّ للتوبة معانيَ متنوّعة أوسع من معناها المتداول،


 


[1] الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 146.

[2] انظر: مجمع البيان، ج 5، ص 5-6.

[3] أحد أهمّ مفسِّري الإمامية وهو الفضل بن حسن الطبرسي الملقّب بأمين الإسلام، (460-548هـ.ق.)

 

94


69

تفسير سورة براءة

وسوف نبيّن ذلك إن شاء الله.

 

3- الفاضحة: وذلك لأنّها تكشف ما استتر من أحوال المنافقين وأوضاعهم. والنفاق غدّة متورّمة مليئة بالقيح تودي بصاحبها وبالمجتمع إلى الموت. وهذه السورة تتولّى فضح المنافقين وكشف ما استتر من أحوالهم: "عن سعيد بن جبير قال، قلت لابن عبّاس سورة التوبة. فقال: تلك الفاضحة. ما زال يقول حتّى خشينا أن لا يبقى منهم أحدٌ إلا ذكره"[1].

 

4- المُبعثِرة: وقد سُمِّيت بذلك لأنّها تنبش أسرار المنافقين وتكشفها. وقد ورد هذا المعنى في رواية عن ابن عباس[2].

 

5- المُقَشْقِشة: القشقشة هي الإبراء من المرض. يُقال: قشقشه إذا برأه، وتقشقش المريض من علّته إذا أفاق وبرئ منها. وقد ورد في الخبر أنّها سُمِّيت بهذا الاسم لأنّها تبرئ من قرأها من النفاق والشرك؛ لما فيها من الدعاء إلى الإخلاص[3]. وذلك أنّ المنافق يؤمن بأفكار مخالفة للمجتمع الذي يعيش فيه، وللدين الذي يتظاهر به؛ ولكنّه لا يظهر ما في نفسه ويدّعي الالتزام بلوازم الدين وواجباته، وفي السر هو غير ذلك. وهذه السورة تقدِّم معيارًا يصلح للتمييز بين الإيمان والنفاق، ويستطيع الإنسان بواسطته أن يعرف نفسه، وبالتالي تسعفه هذه المعرفة في التخلّص من آفة النفاق.

 

6- المدمدِمة: أي المهلِكة. وقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿فدمدم عليهم ربّهم﴾[4]، وهو بهذا المعنى. وسبب تسمية هذه السورة بهذا الاسم أنّها تضمّنت الإذن بالقتال، وذلك مقدِّمة لهلاك الكافرين على أيدي


 


[1] مجمع البيان، ج 5، ص 5.

[2] المصدر نفسه.

[3] انظر: تفسير العيّاشي، ج 2، ص 46.

[4] سورة الشمس: الآية 14.

 

95


70

تفسير سورة براءة

المسلمين. والمؤمن أيضًا قد لا يلتفت إلى تورّطه في مرض النفاق، فيؤول أمره إلى الهلاك.

 

7- البحوث: ورد في الرواية عن أبي أيّوب الأنصاريّ سمّاها بذلك؛ لأنّها تتضمّن ذكر المنافقين والبحث عن سرائرهم.

 

8- الحافرة: عن الحسن لأنّها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسترونه.

 

9- المثيرة: وقد سُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنّها أثارت مخازيهم ومقابحهم.

 

10- سورة العذاب: وسُمِّيت بهذا الاسم لأنّها نزلت بعذاب الكفّار. وقد نُقل هذا الاسم عن حذيفة بن اليمان[1].

 

فضل سورة التوبة

1- روى أبي بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من قرأ سورة الأنفال والبراءة، فأنا شفيعٌ له وشاهدٌ يوم القيامة أنّه برئ من النفاق، وأعطي من الأجر بعدد كلّ منافق ومنافقة في دار الدنيا عشر حسنات، ومُحِي عنه عشر سيّئات ورُفِع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلّون عليه أيّام حياته في الدنيا"[2].

 

2- روى العيّاشي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "من قرأ سورة الأنفال والبراءة في كلّ شهرٍ لم يدخله نفاقٌ أبدًا، وكان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام حقًّا، ويأكل يوم القيامة من موائد الجنّة معهم حتّى يفرغ الناس من الحساب"[3].

 

3- في كتاب ثواب الأعمال بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: "من قرأ

 


[1] انظر: مجمع البيان، ج 5، ص 6.

[2] المصدر نفسه، ج 4، ص 794.

[3] المصدر نفسه؛ تفسير العيّاشي، ج 2، ص 73؛ تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 176.

 

96


71

تفسير سورة براءة

سورة الأنفال وسورة البراءة في كلّ شهرٍ لم يدخله نفاقٌ أبدًا، وكان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام"[1].

 

الخطوط العامّة للسورة

موضوعات سورة التوبة هي:

أ- العلاقات بين المسلمين والكفّار والمشركين

ب- كيفية الجهاد والقتال بين المسلمين والكفّار والمشركين

ج- قتال أهل الكتاب

د- التعريف بالمنافقين وتحريض المؤمنين على مواجهتهم

هـ- تحريض المؤمنين على القتال، وتحديد الموقف من المتخلّفين عن الجهاد

و- تحديد الموقف من ولاية الكفّار وعدم ولايتهم

ز- الزكاة وبعض ما يرتبط بها

 

وقسم كبير من آيات هذه السورة مخصّصٌ للحديث عن جهاد الكفّار والمنافقين.

 

محتوى السورة

في هذه السورة عددٌ من المباحث المرتبطة بزوايا وأبعاد عدّة للمجتمع عمومًا والمجتمع الإسلاميّ خاصّةً، وهي مباحث جديرة بالتأمّل والاهتمام. والسورة من أوّلها إلى آخرها تتضمّن أحكامًا ذات طابعٍ اجتماعيٍّ، والمواقف التي ينبغي للمجتمع الإسلاميّ أن يأخذها تجاه بعض الجماعات والقضايا.


 


[1] ثواب الأعمال، ص 106.

 

97


72

تفسير سورة براءة

الإسلام هو مجموعة من المواقف في مقابل مواقف ورؤى، ويمكن تعميم هذا الحكم لجميع الأديان. فعندما يعتنق شخصٌ مّا دينًا، ينبغي أن يتبدّل موقفه من الذين لا يؤمنون بهذا الدين. ويمكن تقسيم المواقف التي تدعو إليها هذه السورة إلى أقسام:

القسم الأوّل: بيان موقف المسلمين من الكفّار والمشركين في الجزيرة العربية، وقد حدّدت هذه السورة طبيعة المواقف الواجب على المسلمين اتّخاذها مواجهة المشركين والكفّار.

 

القسم الثاني: الموقف من أهل الكتاب (اليهود والمسيحيّين).

 

القسم الثالث: المواقف الإسلاميّة من المنافقين؛ وذلك لأنّ تهديد هؤلاء يفوق تهديد الآخرين خطورةً، ولذلك كانت مواجهة هذا الخطر مهمّة، وما زالت حتّى عصرنا هذا.

 

القسم الرابع: خطابُ الله وعتابه للذين لا يأخذون المواقف المشار إليها أعلاه، بقوله: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾[1].

 

القسم الخامس: التمييز بين الناس وتقسيمهم إلى فئات وجماعات. المجتمع الإسلاميّ لا يقرّ الطبقية التي نعرفها في بعض الأنظمة الاجتماعية؛ ولكنّ هذا لا يعني أنّ جميع الناس وجميع أعمالهم عند الله سواء: ﴿فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾[2]، ويقول عزّ وجلّ أيضًا: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾[3].

 

وتُختم السورة بالحديث عن بعض الأمور المرتبطة بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، وموقعه في المجتمع الإسلاميّ، وواجب أصحابه تجاهه. وفي السورة أيضًا بعض الحديث عن الجهاد وفضله وفضل المجاهدين.


 


[1] سورة التوبة: الآية 38.

[2] سورة النساء: الآية 95.

[3] سورة الزمر: الآية 9.

 

98


73

تفسير سورة براءة

أقسام المشركين

تبيّن هذه السورة أنّ الكفّار والمشركين من قريش وغيرها، ينقسمون إلى أقسام أربعةٍ، لكل قسمٍ منهم حكمه الخاصّ:

القسم الأوّل: هم الذين ليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهدٌ وميثاق. وحكم هؤلاء الإمهال إلى أن تنتهي الأشهر الحرُم.

 

القسم الثاني: هم الذين بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهدٌ وميثاق؛ ولكنّهم نقضوا عهدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحكم هؤلاء الإمهال أربعة أشهرٍ.

 

القسم الثالث: هم الذين بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهدٌ وميثاق غير مقيّدٍ بوقتٍ محدّد؛ ولم ينقضوا عهدهم. وحكم هؤلاء أيضًا الإمهال إلى أربعة أشهرٍ.

 

القسم الرابع: هم الذين ليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهدٌ وميثاق، موقّت بأجل؛ ولم ينقضوا عهدهم. وحكم هؤلاء أن لا يُتعرَّض لهم قبل انتهاء أمد عهدهم. وبعد انقضاء مدّة المعاهدة يمهلون أربعة أشهرٍ، وبعدها لا يُجدّد العهد معهم.

 

أجواء نزول السورة:

وُقِّع صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة. وقد حقّق هذا الصلح منافع ومصالح مهمّة للمسلمين، وترتّبت عليه بركاتٌ مهمّة؛ ولكنّ المشركين لم يلتزموا ببنود معاهدة الحديبية. وحاصل القصّة أنّ معركة دارت بين قبيلة متحالفة مع المشركين وجماعة متحالفة مع المسلمين، وانتصرت قريش لحلفائها، ما دعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للخروج إلى فتح مكّة.

 

وفي السنة الثامنة دخلت مكّة تحت سيطرة المسلمين. وبعد فتح مكّة عزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله عز وجل على تطهير الجزيرة العربية من لوث الشرك.

 

99

 


74

تفسير سورة براءة

وحيث إنّ الخطّة الإسلامية كانت تقضي باستقرار الإسلام في دولة مركزيّة مستقرّة يمكن تطبيق تعاليم الدين فيها، تمهيدًا لنشره في سائر أرجاء المعمورة، كان لا بدّ من اتّخاذ هذا القرار، أي قرار تطهير الجزيرة العربية من رجس الشرك، ومن العناصر التي استدعت هذا الإجراء أنّ بعض القبائل التي هادنت المسلمين بعد فتح مكّة بدأت تبدر منها أفعال تدلّ على نقض تعهّداتها.

 

ومن هنا، أوفد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عددًا من المسلمين للحج، وأمّر عليهم أبا بكرٍ وأرسل معه الآيات الأولى التي نزلت من سورة براءة ليتلوها في موسم الحج على الملإ لتصل إلى أسماع المشركين. وحاصل ما تتضمّنه هذه الآيات إعلان براءة الله من المشركين ودعوة الكفّار الذين نقضوا عهودهم إلى الإيمان أو الاستعداد للمناجزة. وهذا إعلان صريح بأنّ المجتمع الإسلاميّ لم يعد يتحمّل وجود عدوٍّ داخليٍّ يتربّص به الدوائر. ويتضمّن هذا الإعلان التهديديّ الإمهال لفسح المجال للتفكير.

 

وخلال مسيره من المدينة إلى مكّة وصل أبو بكرٍ إلى أحد المنازل فلحق به في ذلك المنزل أميرُ المؤمنين لينقل له عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بتسليم ما بيده من سورة براءة ليكون هو الحامل لها إلى المشركين ليتلوها على أسماعهم. وحتى هذه النقطة القصّة متّفقٌ عليها بين الجميع. ومن هذه النقطة فصاعدًا، ثمة أكثر من رواية بين محدّثي الشيعة ومحدّثي أهل السنة.

 

فقد ورد في رواية أنّ أبا بكر عاد من ذلك المنزل إلى المدينة ليسأل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أأنزل الله فيَّ شيئًا؟ قال: لا إنّ الله أمرني أن لا يؤدّي عنّي إلا أنا أو رجل منّي[1].

 

وفي رواية أخرى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أخذ سورة براءة؛ ولكنّ أبا بكرٍ بقي أمير الحج وتابع مساره إلى مكّة.

 

ويروي المرحوم الطبرسي: "روى أصحابنا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولّاه أيضًا


 


[1] تفسير القمي، ج 1، ص 281-282.

 

100


75

تفسير سورة براءة

الموسم، وأنّه حين أخذ البراءة من أبي بكرٍ رجع أبو بكرٍ"[1].

 

وحمل أمير المؤمنين عليه السلام سورة براءة وتلا على مسامع الحجيج من المسلمين والمشركين رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأضاف: "يا أيّها الناس إنّي رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافرٌ، ولا يحجّ البيت مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان له عهد عند رسول الله، فله عهده إلى أربعة أشهرٍ، ومن لا عهد له فله مدّة بقية الأشهر الحرم.."[2]..

 

وفي السنة التاسعة للهجرة وبفضل صلح الحديبية انتشرت أفكار وتعاليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شبه الجزيرة، واستطاع الناس سماعها وتناقلها والتعمّق فيها وفهمها. وكانوا حتّى ذلك الحين لا يعرفون مفاد تعاليم هذا الرسول ولا برامجه؛ وذلك أنّ الدعاية السلبية التي كان يؤدّيها المشركون حالت بينهم وبين فهم الدين وتعاليم الإسلام.

 

وسمح صلح الحديبية للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإيفاد أصحابه إلى سائر أنحاء شبه الجزيرة وأطرافها، لتغيير الصورة التي كانت قريش وغيرها قد نشرتها بين الناس، وتصحيح صورة الإسلام ودعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وجعل فتح مكّة التي كانت مركزًا أساسًا من مراكز المشركين، جعل مكّة قاعدة للدعوة وتبليغ تعاليم الإسلام. ومن هنا، يمكن القول إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صار في السنة التاسعة للهجرة على رأس دولة مستقلّة، يعمل على تنفيذ أحكام الله عز وجل من دون قلقٍ أو خوفٍ من القوى المنافسة من تيّار الشرك. وقد أفسح هذا الاستقرار الداخلي المجال للاشتباك مع الإمبراطورية الرومانية على حدودها مع الدولة الإسلامية، وذلك في تبوك.

 

ولم يخلُ هذا النجاح من المكدِّرات، فقد بدأت بعض القوى الداخلية وبعض المشركين من قريش وغيرها، بالقيام ببعض التحرّكات المضادّة لحراك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبدأت بعض القبائل العربية تروّج الشائعات المضادّة


 


[1] مجمع البيان، ج 5، ص 8.

[2] المصدر نفسه، ص 9.

 

101


76

تفسير سورة براءة

للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كأن يتوقّعوا له عدم العودة حيًّا من حربه مع الروم في تبوك، ومن هنا بدأوا بإثارة القلاقل ضدّ المجتمع الإسلاميّ.

 

وعلى الرغم من هذا التواطؤ وهذه الشائعات المغرضة، عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مظفّرًا من معركة تبوك. وبدأ بمحاسبة مثيري الفتن في غيابه والمشوّشين عليه. ومن الإجراءات التي أقدم عليها إحراق مسجد ضرار لأنّه كان يمثّل مركزًا لما يمكن تسميته بالطابور الخامس، وسوّاه بالأرض، وأبلغ سائر الناس سورة براءة لاقتلاع جذور الشرك والكفر من داخل المجتمع الإسلاميّ. وهو بهذه الإجراءات يريد كسر شوكة نوعين من الأعداء الخارجيّين والداخليّين.

 

الاختلاف في الأحكام بين هذه السورة وغيرها:

ثمّة اختلاف بين الأحكام الواردة في سورة براءة والأحكام الواردة في سائر سور القرآن حول المشركين والكفّار؛ وذلك أنّ تغيّر الأوضاع والظروف المحيطة بالمجتمع الإسلاميّ استدعى تغيير التكتيك. وهذا التغيير دفع بعض الناس إلى الاعتقاد بأنّ بعض الآيات ناسخةٌ لآيات أخرى. والحال أن لا نسخ بين آيات هذه السورة وآيات سور أخرى.

 

وتوضيح ذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدأ دعوته التنويرية وحيدًا في مجتمع مشحونٍ بالكفر والشرك الذي كان يخيّم على العالم كلّه، وشيئًا فشيئًا بدأ هذا النور بالانتشار أشبه بنار يشعلها شخصٌ في دائرة محدّدة ثمّ تأتي ريح توسّع دائرة النار والنور وتزدهر شعلة الإسلام.

 

والمجتمع الإسلاميّ بدأ من الصفر إثر مجاهدات النبيّصلى الله عليه وآله وسلم، وقد استطاع خلال 23 سنة من الجهاد المتواصل أن يؤسّس مجتمعًا مختلفًا عن سابقة كلّ الاختلاف. وكانت الاستراتيجيا المعتمدة عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واحدةً من بداية الدعوة إلى لحظة وصوله إلى أوج الاقتدار، على الرغم من اختلاف التكتيك

 

 

102

 


77

تفسير سورة براءة

 بين فترة وأخرى. وكلّ خطة تكتية تمثّل نقطة في الخطّ الطويل الذي يشكّل النظام الاستراتيجي العام.

 

وفي ما يأتي نفهرس التكتيكات المتنوّعة التي اعتمدها النبيّصلى الله عليه وآله وسلم: في فترة من الفترات كان يصلّي خفية مع خديجة عليها السلام وعليّ عليه السلام في زاوية من الزوايا، في مرحلة الدعوة السريّة فيأتي شخصٌ ينضمّ إلى هذه الحلقة القليلة العدد.

 

وبعد ذلك ينتقل من مرحلة السرّ إلى مرحلة الإصحار بالدعوة والجهر بها، ويقتضي التكتيك هنا الإعلان وترك التخفّي، فيأتي إلى المسجد الحرام ليعلن دعوته على الملإ، على الرغم من مخالفة المشركين وتمتماتهم المعارضة والممانعة. وفي حالات أخرى يقصد القبائل فيطرق أبوابها ليدعوها إلى الإسلام؛ وذلك أنّه لم يكن قد أسّس المجتمع الإسلاميّ بعد. وكخطوة في سبيل تحقيق هذا الهدف يدور على القبائل؛ بل يرسل بعض أصحابه لفعل الشيء نفسه في الحبشة.

بعد مدّة يعزم على الهجرة إلى المدينة، وبعد ذلك يدخل في معارك وحروب مع المشركين، وأثناء هذه المرحلة يدخل معهم في صلح الحديبية، وبعد ذلك يعزم على فتح مكّة، فتنزل سورة البقرة، وسورة الفتح و... وكلّ هذه الخطوات التكتية تصبّ في خدمة الهدف الاستراتيجي الكبير.

 

وإذا نظرنا إلى أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه العين وانطلقنا من أنّ كلّ أفعاله محسوبة بدقّة، نكتشف أنّ كلّ هذه الإجراءات والأعمال هي خطوات تكتية تهدف إلى تحقيق غاية أساس، وأنّ الخطوة الثانية ليست ناسخة للخطوة السابقة ولا ملغية لها. وبعبارة أخرى: إنّ كثيرًا من أفعال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرتبطة بظروفها. وفي هذا العصر ينبغي أن يُسار على السيرة نفسها، فإذا كانت الظروف مثل ظروف الحديبية لا بدّ من الدخول في هدنة، وإذا كانت الظروف تقتضي المواجهة والجهاد لا بدّ من العمل بما تقتضيه الظروف.

 

 

103


78

تفسير سورة براءة

بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿1﴾ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿2﴾ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿3﴾ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا و َلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿4﴾ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿5﴾ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴿6﴾

 

 

105

 


79

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

الآيات الأولى من هذه السورة التي تُلِيت بواسطة أمير المؤمنين عليه السلام تعبّر عن اسم السورة وعنوانها، وخاصّة الآية الأولى منها التي هي بمنزلة عنوان للبيان الإلهيّ حيث يقول تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

 

"بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ": أي هذه براءة، والبراءة هي الاشمئزاز والانفصال عن شيء روحًا وفكرًا. وهذه البراءة معلنةٌ من الله تعالى ورسوله تجاه المخاطبين بهذه الآية.

 

"مِن" في الآية لابتداء الغاية، وعلى الرغم من أنّ الفعل برئ يحتاج غالبًا أو دائمًا إلى الحرف "من" ليصل إلى المتبرّأ منه، فيقال "برئ مِن..".. ولكنّها في هذا المورد تفيد ابتداء الغاية، وبالتالي تفيد أنّ هذه البراءة التي يعلنها سفير رسول الله، ليست منه وإنّما هي من الله ورسوله.

 

وإلى من يوجّه هذا الإعلان؟ تكمل الآية وتقول: "إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ"، ولم يتعرّض أكثر المفسِّرين لشرح حرف الجرّ "إلى"، وربّما كان ذلك لوضوح معناه وهو انتهاء الغاية، في مقابل "مِن" التي تقدّم أنّها لابتدائها، وعليه يكون المعنى أنّ هذا الإعلان مبدأ الله تعالى وغايته والمخاطب به هو المشركون الذين عليهم أن يسمعوه ويدركوا مفاده. إذًا "من" في الآية تبيّن أنّ الإعلان من الله، و"إلى" تكشف عن المخاطب المراد وصول الإعلان إليه. ومرجع الضمير في "عاهدتم" هو المسلمون والنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

 

"فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ

 

106

 


80

تفسير سورة براءة

اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ": الكلمة الأولى في الآية فعل أمرٍ، فهم مدعوّون إلى السير والتنقّل في الأرض مدّة أربعة أشهر، وفي هذه الفترة هم في أمان من التعرّض لهم. ولكنّ الآية تكمل على نحو التهديد وتقول لهم: ولكن إذا أردتم المخالفة فاحذروا فإنّ الله غالبٌ، ورسول الله سوف يفضحكم، ولن يكون نصيب الكافرين إلا الخزي والعذاب.

 

ما أشدّ وقع هذا الكلام! المجتمع الذي يشعر بالقدرة يستطيع مخاطبة أعدائه بهذه اللهجة الواضحة، ويمهلهم أربعة أشهر.

 

والآية هي رسالة لنا أيضًا تبيّن أنّ الإسلام ليس دين الابتسام الدائم. وهذا الإسلام الذي يعرف جنوده كيف يتعاملون برأفة مع المغلوبين والمهزومين، هو نفسه الإسلام الذي يخاطب الكافرين بقوله: "وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ". وسبب الخطاب بهذا الأسلوب أنّ الحساب هو حساب الإسلام والإسلام غالبٌ. ومن هنا يخاطب الكافرين بأنّكم إن لم تسلّموا لإرادة الله، وإذا عزمتم على مواجهته سبحانه، فإنّ الخزي والذلّ سوف يكون نصيبكم.

 

وبعد إعلان البراءة في أوّل السورة يُمهل الكافرون أربعة أشهر، ولحن الخطاب في السورة يختلف عن الخطاب المتعارف، فالله عزّ وجلّ يعطي المهلة قبل إعلان الحرب.

 

"وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ": تصف هذه الجملة حال الكافرين وتخبر عن أنّهم ليسوا على حال من القوّة والقدرة بحيث يعجر الله عن النيل منهم، ولا هم يقدرون على الفرار من قبضته، وكذلك تنبئ الآية الكافرين بأنّهم لن يستطيعوا في هذه المهلة المعطاة لهم حشد الجيوش لمواجهة الإسلام.

 

ما يخالف الإسلام ويعارضه يخالف الفطرة والطبيعة التي خلق الله الخلق عليها. وكلّ ما تحقّق وفق الدين في تاريخ البشرية موافقٌ لفطرة العالَم، ومطابقٌ لفطرة الإنسان، ولمّا كان الإنسان هو الأصل حظي ما يُطابق فطرته

 

 

107

 


81

تفسير سورة براءة

بالخلود والبقاء وما خالفها يذهب جفاءً. وبالتالي لن يترتّب على الإمهال مدّة أربعة أشهر بقاء الكفر؛ بل الكفر مآله إلى الزوال والانعدام، لمخالفته الفطرة الإنسانيّة.

 

"وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ": مآل الكافرين بحسب هذه العبارة من الآية هو الخزي والذلّ. وهذا من القوانين الإلهية التي تحكم حركة التاريخ منذ القدم. فما يخفيه الكافرون فترة من الزمان سوف ينكشف ويفضي إلى ذلّ الكافرين وخزيهم.

"الكافرين": الكفر هو الستر والكافر هو الساتر. والكافرون بحسب أصل المعنى اللغوي للكلمة هم الذين يسترون، وأمّا ماذا يسترون ويخفون؟ فهذا حديث ذو شجون: هم يسترون وجه نعمة الله، ويسترون حقائقهم الحيوانية القبيحة... ولكن القانون الإلهي والسنّة الجارية في التاريخ تقضي بأن يكشف الله كلّ ما يجهد الكافرون لستره ويفضي ذلك إلى فضحهم. وكلمة "الكافرين" في هذه الآية عامّة تشمل كلّ من ينطبق عليه هذا الوصف، سواء في ذلك المعاصرون لصدر الإسلام والذين أتوا من بعدهم وما زالوا يأتون نسلًا بعد نسل.

 

رسالة الأشهر الأربعة

إذًا حمل أمير المؤمنين عليه السلام الرسالة بالنيابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإمهال الكافرين مدّة أربعة أشهر، ووقف بين الناس وأبلغ هذه الرسالةَ التهديدَ، فما هو المعنى الذي يتضمّنه هذا الإمهال بحسب مقاييس ذلك الزمان؟

 

إنّي أرى أنّ هذا الإمهال في حدّ ذاته هو معجزة من معجزات الإسلام الحقيقية. ففي ذلك اليوم كان المعيار لتبرير قتل الناس هو القدرة على فعل ذلك. فمن كان قادرًا على قتل امرئ لم يكن يرى حرجًا في قتله. ويبدو مع الأسف أنّ هذا المبدأ ما زال جاريًا في جميع الدول حتّى في عصرنا هذا. إذًا

 

 

108

 


82

تفسير سورة براءة

تُليت هذه الرسالة في وقت القدرة على القتل والنيل من الأعداء، وفي زمن لم يكن للرحمة فيه محلّ ولا موقع. وكان الإسلام في ذلك الوقت قد وصل إلى أوج قوّته، وكانت شبه الجزيرة العربية تحت سيطرته آمنة وادعة تحت سلطة الدولة الإسلاميّة، في هذه الظروف يعطي الإسلام مهلة أربعة أشهر للكافرين. هذه هي روح الإسلام الواقعيّة. وهذا هو الإسلام الذي ربّى جنوده على أنّهم حين يمتشقون السيف، ينبغي أن يقاتلوا بروحية طلب السعادة والعزّة للأعداء. وهذا الإمهال مصداقٌ من مصاديق هذه السيرة الحسنة. جاء الإسلام ليصنع من الإنسان إنسانًا، وقد أثبت التاريخ وحركة الدعوة الإسلامية صدق هذه الدعوى.

 

بداية المهلة ونهايتها

ثمّة اختلافٌ في بداية الأشهر الأربعة، بين من يرى أنّها تبدأ من أوّل شهر شوّال وتنتهي في آخر محرّم، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تتمّة الآية التي تشير إلى انسلاخ الأشهر الحرُم؛ ولكن هذا الرأي غير صحيح. والصواب هو أنّ بداية المهلة من حين الإبلاغ؛ فعندما يرسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سفيره لإبلاغ هذه المهلة ينبغي أن يبدأ العدّ من حين الإبلاغ، ولا يصحّ أن تُحتسب المدّة السابقة من المهلة، وعليه تكون نهاية الأشهر الأربعة هي العاشر من ربيع الثاني. وفي الأخبار والروايات ما يؤيّد هذا التفسير[1].

 

"وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ": اختلف المفسِّرون في المراد من "الحجّ الأكبر" على آراء عدّة[2]، هي: 1- عيد الأضحى في السنة التاسعة

 


[1]  مجمع البيان، ج 5، ص 12.

[2] معرفة بعض الأمور لا تترتّب عليها فائدة؛ مثلًا كمعرفة اليوم الذي وقعت فيه الحادثة الفلانيّة. وعندما لا يتوقّف فهم الآية على معرفة تاريخ واقعةٍ ذُكِرت فيها، لا أرى لهذه المعرفة ضرورةً؛ ولكن لمّا كان ذُكِر التاريخ في الآية يحسن البحث في تحديد هذا التاريخ مع مراعاة الاختصار. (منه حفظه الله)

 

109


83

تفسير سورة براءة

 للهجرة؛ "لأنّه أعظم وأكبر يومٍ جُمع فيه" 2- يوم عرفة؛ 3- اليوم الذي يلي عيد الأضحى؛ 4- ليس المقصود يومًا محدّدًا؛ بل المراد جميع أيّام الحجّ، كما عندما يُقال يوم صفّين، فإنّه لا يقصد يوم محدّد بل أيام الحرب كلّها. وقد ورد في بعض الأخبار أنّ عليًّا عليه السلام قرأ هذه الآيات في تلك السنة أكثر من مرّة[1]. ويبدو أنّ الوجه الأوّل هو الأكثر انسجامًا مع مفاد الروايات.

 

"بريء": من عهد المشركين[2]، أي لا التزام ولا مسؤولية تجاههم.

 

"وبشر الذين كفروا": البشارة هي "كل خبر يظهر أثره في بشرة المستمع والمخبر له"، ولا تعني البشارة بالضرورة الخبر السارّ.

 

وهذه الآية تريد أن تبيّن أنّ معركة الإسلام هي مع الغدر وقلّة المروءة، وبالتالي عندما يحكم على المشركين بالقتل، فإنّما يضحّي بهم من أجل سعادة الإنسانيّة؛ لأنّهم خلقوا السدود والحواجز التي تحول بين الناس وسعادتهم وإنسانيّتهم. وكأنّ الآية تقول لهم أنتم أشبه بالغيوم التي تحجب شمس الإسلام، ولولا هذا لأُمهلوا وأُجِّلوا كما أُمهِل غيرهم وأُجِّل[3].

 

"فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ": تبيّن هذه الآية حكم المشركين بعد انتهاء المهلة المعطاة لهم، وحكمهم هو القتل أينما ثُقِفوا؛ حتى لو كان ذلك في الحرم، وهذا مبدأ عامٌّ في الإسلام يُسمّى بمبدأ التزاحم، ويقضي هذا المبدأ بأنّه عند التعارض بين واجبين أحدهما أكثر أهمية من الآخر يقدّم الأهمّ، وكذلك إذا


 


[1] تفسير العيّاشي، ج 2، ص 74.

[2] مجمع البيان، ج 5، ص 12.

[3] لم نعثر على تفسيره للآية الرابعة، ولكنّ حكم هؤلاء الأشخاص ورد في بحث أقسام المشركين، ص99.

 

110


84

تفسير سورة براءة

 تعارض محرّمان يُقدّم الحرام الأهمّ ويرتكب الأقل أهمية تجنّبًا للأكثر أهميّة.

 

"الانسلاخ": كناية عن الانتهاء. والسلخ في الأصل كشط الإهاب عن ذيه[1]. أي نزع الجلد عن صاحبه كما في سلخ جلد الحيّة. ثمّ استُعمِل مجازًا في انتهاء المدة وانقضاء الزمان.

 

"الأَشْهُرُ الْحُرُمُ": يرى بعض المفسِّرين أنّ المقصود من هذه الأشهر هو الأشهر المعروفة التي يحرم فيها القتال[2]؛ لكنّ سياق الآية يفيد أنّ المقصود هو أشهر المهلة المعطاة للكافرين.

 

"وَخُذُوهُم": يرى بعضٌ أنّ الواو في هذه العبارة هي واو العطف، والمعنى هو الأمر بقتلهم وأسرهم؛ ولكنّ هذا التفسير لا ينسجم مع لحن الخطاب في الآية. فالأخذ والحصر والترصّد المدعوّ إليه في الآية كلّه من مقدّمات ما يُراد بهم وهو القتل. وكأنّ الآية تقول: اقتُلوهم ولكنّ قتلهم ليس بهذه الدرجة من السهولة، فربّما يحاولون الفرار وعليكم نصب المكامن لهم وترصّدهم لاعتقالهم واقتلاع شوكة الكفر. وهذا الرأي هو الذي يميل إليه مفسِّرو الإمامية[3].

 

وقد يُسأل: لماذا يجب قتلهم؟ وفي الجواب عن هذا التساؤل نلفت إلى أنّ هذا الحكم كان مسبوقًا بالمقدّمات. فالإسلام لم يأتِ ليقتل الناس؛ بل بُعِث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لإحياء البشريّة؛ والحياة هي حقٌّ لجميع البشر، ومن هنا إذا تحوّل بعض الناس إلى عائق ومانع من وصول هذا الحقّ إلى أصحابه، لا بدّ من مواجهته ورفع خطره عن حياة غيره من الناس أصحاب الحقّ في الحياة.

 

تحقّق الحياة لجميع الناس له مقدّماتٌ: أُولاها وجود دولة إسلامية مستقلّة؛ وثانيتها أن يقدر الإسلام على طرح مشروعه من دون مزاحم


 


[1] العين، ج 4، ص 198.

[2] مجمع البيان، ج 5، ص 15.

[3] مجمع البيان، ج 5، ص 15.

 

111


85

تفسير سورة براءة

وعائق يحول دون وصول صوته إلى آذان الناس. وهنا إذا كان تحوّل شخص ما إلى غيمة تريد حجب شمس الإسلام، ومنع ضوئها من الوصول إلى المتعطّشين له، ففي هذا الحالة لا بدّ من رفع خطره، وهذه القضايا لا ينبغي التعامل معها على أساس العواطف. فالعواطف مقبولة إلى أن تتعارض مع المنطق والحقّ.

 

"وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ": تبيّن هذه الآية حكم اللجوء واستجارة أحد المشركين بالنبيّ، وهي تدعوه صلى الله عليه وآله وسلم إلى إمهال المشرك الذي يطلب الأمان وإجارته.

 

وتثير هذه الآية في الذهن سؤالًا هو: كيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى قتل المشركين؛ لأنّهم كما قلنا قبل قليل تحوّلوا إلى سدّ يقف في وجه سعادة البشريّة، ثم في هذه الآية يؤمر المسلمون بإعطاء الأمان لمن يطلبه حتّى لو كان ذلك في ميدان القتال؟ وخاصّة أنّ الآية تتابع وتبيّن أنّه لو ادّعى الرغبة في سماع آيات الله، ثمّ بعد سماعها بقي مصرًّا على الكفر أو بدر منه الغدر والخديعة، فلا تقتلوه بعد تأمينه؛ بل ساعدوه للوصول إلى مكانٍ آمنٍ، بحيث يخرج عن دائرة سلطتكم.

 

ومن هذه الآية وأشباهها يُعرف خطأ الصورة التي يرسمها الغربيّون عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه رجلٌ يحمل السيف بيد والقرآن بأخرى. فهم يدّعون أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرض القرآن والإسلام على الناس، ومن لا يقبل عنده الخيار الآخر وهو السيف والقتل. ما أبعد هذه الصورة عن واقع حال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم!

 

يصوّر الإمام الصادق عليه السلام سلوك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في القتال بقوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يبعث سريّةً دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا باسم الله وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملّة رسول الله. لا تغلّوا، ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًّا ولا امرأة ولا تقطعوا شجرًا، إلا أن تضطرّوا إليها. وأيّما رجل من أدنى المسلمين وأفضلهم نظر إلى رجل من المشركين، فهو جارٌ حتّى يسمع كلام الله؛ فإن تبعكم فأخوكم في دينكم،

 

112

 


86

تفسير سورة براءة

وإن أبى فأبلغوه مأمنه ثم استعينوا بالله عليه"[1].

 

وهذه الرواية تبيّن أنّ القتال والحرب في الإسلام هو من أجل الله، وليس من أجل الغنيمة والسيطرة. وبعبارة أخرى: راية الحرب وشعارها هو اسم الله تعالى.

 

كلمة "بالله" في الرواية تعني أنّ جميع القوانين والأسباب والمسبّبات خاضعة للإرادة الإلهية، وهي تجري لمصلحتكم. عالم الخلق هو عالم الفطرة؛ يعني جميع الظواهر تسير وفق قوانين دقيقة. والإنسان أيضًا ينبغي أن يسير وفق الفطرة؛ ولكنّ الفارق بين الإنسان وغيره من الظواهر الطبيعية أنّه صاحب إرادة واختيار، فهو قادرٌ على السير في غير الاتّجاه المرسوم له، ولو سار وفق القوانين المرسومة لوصل إلى السعادة بالضرورة.

 

والدِّين الصحيح هو الدِّين الذي يدعو الإنسان إلى تنظيم حركته على أساس القوانين الطبيعية والفطريّة، ويرسم خططه وفقها. والإسلام يريد للإنسان أن يتطابق مع قواعد الفطرة وقوانينها. ومثل هذا المخطّط ينسجم مع جميع قوانين العالم، وكلّها تصبّ في مصلحته. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يرى أنّ بين يديه بذورًا صالحةً يمكن أن تنمو في الظروف المساعدة؛ لأجل هذا توقّع صادقًا السيطرة على إيوان كسرى.

 

"في سبيل الله"؛ أي في سبيل الحريّة والسعادة وفي سبيل النور. وكل ما يصل خيره إلى جميع الناس هو في سبيل الله. "سيروا في سبيل الله..".؛ أي انطلقوا من أجل البشريّة كلّها، وبهدف تحقيق العدالة لجميع الناس.

 

"لا تمثّلوا" هذا نهي عن التمثيل وهو التنكيل بالقتلى بعد موتهم، وكأنّ هذا الكلام المرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يقول جاء الإسلام ليرفع الأشواك من طريق البشريّة، ولا ينبغي له أن يضع الأشواك في طريقها؛ ومن هنا النهي عن كلّ ما لا ينسجم مع الأهداف والغايات التي كان القتال من أجلها.


 


[1] تهذيب الأحكام، ج 6، ص 138؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص 58.

 

 

113


87

تفسير سورة براءة

"ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًّا ولا امرأة ولا تقطعوا شجرًا، إلا أن تضطرّوا إليها". هذه ضوابط وقواعد للقتال والحرب في الإسلام، فالإسلام يحرّم إبادة الموجودات، والأصل الأوّل هو تحريم الإيذاء والاعتداء، حتى على الكائنات غير الحيّة.

 

والقسم الأخير من الرواية يبيّن أنّ المسلم يمكن أن يجير ويعطي الأمان للكافر بغضّ النظر عن موقعه الاجتماعيّ بين المسلمين، وإذا أعطي الكافر الأمان وأمهل حتّى يسمع كلام الله وآيات القرآن الكريم، فإنْ آمن والتحق بالمسلمين فبها ونعمت؛ وإن بقي مصرًّا على الكفر فإنّه لا يُقتل بذريعة احتمال عدم القدرة على النيل منه إذا وصل إلى مكانٍ آمنٍ، بل يُترك ويترك أمره إلى الله الذي على المسلمين أن يستعينوا به على أعدائهم.

 

 

114

 


88

تفسير سورة براءة

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿7﴾ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿8﴾ اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿9﴾

 

 

116


89

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

بعد إعلان البراءة وتلاوة رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والإعلان عن المهلة المعطاة للمشركين، وأنّ بعدها لن يبقى للمشركين أيّ عهد أو أمانٍ، كشفت الآيات السابقة عن أنّ الخيار المتاح هو الاستجارة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلب الأمان منه.

 

وهذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها تقدّم الجواب عن السؤال الذي قد يُطرح في أذهان بعض الناس، وهو أنّه لماذا يدين الإسلام المشركين إلى هذا الحدّ، ويحكم عليهم بهذا الحكم؟ مع أنّه دين الوفاء بالعهود والمواثيق، ومع أنّ الله عزّ وجلّ يدعو في آية أخرى إلى الالتزام بالعهود والوفاء بها؛ حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾[1]، فلماذا أجاز نقض العهد مع المشركين؟

 

وحاصل رسالة هذه الآيات هو عدم إمكان استمرار العهد والميثاق بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين، وإذا وقعت معاهدة بين الطرفين فإنّها سرعان ما سوف تُنقض.

 

يُضاف إلى ذلك أنّ طبيعة الإيمان وطبيعة الشرك لا تلتقيان؛ وبالتالي فلن يلتقي المشركون مع المسلمين، حتّى لو حصل وتوافق الطرفان في معاهدة فإنّ المشركين سوف يستغلّون أوّل فرصة للغدر بطرف المعاهدة معهم. وعليه فإنّ المقابلة بالمثل هي عملٌ عقلائيٌّ مقبولٌ.

 

نعم إنّ الإسلام استفاد في مسيرته ومساره من بعض التكتيكات، ففي


 


[1] سورة المائدة: الآية 1.

 

 

118


90

تفسير سورة براءة

بعض الحالات كان يواجه بعض العقبات فيحوّل طريقه في اتّجاهٍ آخر، ثمّ يعود إلى مساره المستقيم المرسوم له. وليس هذا التحوّل وتحويل وجهة السير انحرافًا عن البغية والهدف المقصود. والمعاهدة مع المشركين هي مصداقٌ من مصاديق هذا التحوّل الموقّت، في جادّة الوصول إلى المقصد.

 

"كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ": تتضمّن هذه الآية استثناءً من حكم الآية السابقة. وهذا الاستثناء ينطبق على المشركين الذين لم ينقضوا عهودهم للمسلمين. فهؤلاء تجب مقابلة وفائهم بالوفاء، فإذا آمنوا بعد انتهاء مدّة المعاهدة معهم فهم إخوانٌ في الدين، وإلا فينطبق عليهم حكم الآية الآتية التي تقول: ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾[1].

 

وفي هذه الآيات يرسم القرآن الكريم أسلوب التعامل مع المشركين وقضية العهد والميثاق معهم، ويكشف بجمالٍ عن بعض المفاهيم المرتبطة بعلم النفس الاجتماعيّ.

 

المحور الأساس للاعتقاد بالله

التوحيد والاعتقاد بالله يدوران حول هذا المحور وهو: أنّ كلّ من في العالم هو من الله، وأنّ جميع قوى العالم وقدراته خاضع لإرادة الله وفي قبضته، وقد أمر الله بحصر الطاعة به تعالى دون غيره: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إلّا إيّاه﴾[2]. وكلّ الأنبياء أتوا لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، والتخلّي عن عبادة الآلهة المصنوعة بيد الإنسان.

 

ويعتقد بعض الناس أنّ كلّ شيء بيد هذا الصنم أو ذاك، وهذه الآلهة أو تلك، ويعتقدون أنّ هذه الآلهة


 


[1] سورة التوبة: الآية 12.

[2] سورة يوسف: الآية 40.

 

 

119


91

تفسير سورة براءة

شريكةٌ لله تعالى، حتّى إنّ بعضهم كان يعتقد أنّ الله أشبه بلوحةٍ لا حول لها ولا طول كاللوحات التي توضع فوق مداخل البيوت. وبعض الناس لا يؤمنون بالتوحيد في الأمر والنهي؛ بل يعتقدون بوجود شريك له عزّ وجلّ، يتقاسم وإيّاه. ومن هنا كانوا يوزّعون العبادة بين الله و"هُبَل"، و"اللات"، و"عزّى".

 

"إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ": هذا القسم من الآية يستثني جماعة محدّدة، ويرى بعض المفسِّرين أنّ المقصودين بهذا الاستثناء هم الذين وقّعوا صلح الحديبية مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولكن ليس مهمًّا معرفة من هم هؤلاء من بين المشركين. والإسلام يقول هؤلاء ما داموا وفوا بعهدهم فإنّنا نفي لهم، إلى أن يبيّن حكمهم كما بيّن حكم سائر الفئات.

 

"كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ": تكشف هذه الآية عن أن المستقبل لن يشهد أيّ معاهدة بين المسلمين والكفّار.

 

"الظهور" هو الغلبة وكلمة "إلّ" في اللغة "كلّ حالة ظاهرة من عهد حلف وقرابة.."[1].. و"الذمّة" هي كلّ ما يلتزم به الإنسان، وفي الاصطلاح العهد والميثاق.

 

"وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ": فسّروا الفاسق في هذه الآية بالذي ينقض العهد والميثاق. والفسق هو الخروج عن حجر الدين، من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره[2]. ووجه استعمال هذه الكلمة في نقض العهد أنّه خروج وتحلّل من الالتزامات التي تترتّب على العهود والمواثيق.

 

"اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ": تتحدّث الآية عن المعاملة الخاسرة التي يدخل المشركون فيها وهي التجارة


 


[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص 81. (المترجم)

[2] مفردات ألفاظ القرآن، ج 1، ص 636.

 

120


92

تفسير سورة براءة

بآيات الله، والصدّ عن سبيله، وتبيّن أنّ هذا العمل من أسوإ الأعمال التي يمكن أن يقدم عليها الإنسان.

 

وآيات الله هي أدلّة التوحيد. وكلّ ما في هذا العالم ممّا يدلّ على وجود الله ووحدانيّته هو من آيات الله. وما فعله المشركون هو أنّهم باعوا أو اشتروا هذه الآيات بثمنٍ بخسٍ. مثلًا ما فعله أبو سفيان قبل معركة أحد هو أنّه دعا الناس إلى مائدة من اللحم والمرق وطلب منهم الالتزام بقتال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معه. وفي الفترات الزمنية اللاحقة لتلك الفترة ثمّة من يفعل الشيء نفسه فينطبق عليه قوله تعالى: "اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً". وأهل الكتاب فعلوا الشيء نفسه على الرغم ممّا عندهم من المؤشّرات الكاشفة عن صدق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه النبوّة[1].

 

 


[1] لم يتوافر لنا تفسير الآيتين 10 و 11.

 

121


93

تفسير سورة براءة

 

وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ
فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ
لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴿12﴾

 

 

122


94

تفسير سورة براءة

مواجهة أئمّة الكفر

"نكث" مصدر، وهو النقض بعد الفتل، سواء كان حبلًا أو غزلًا، ونكثُه إعادته قطنًا بعد أن كان خيطًا أو شبهه. "نكثوا أيمانهم"، أي نقضوا عهودهم. وموضوع هذه الآية أولئك الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد ولم يفوا بعهودهم لهم.

 

"إنّهم لا أيمان لهم": لا تبرّر هذه الآية قتال الناكثين عهودهم بأنّ قلوبهم خالية من فضيلة الوفاء والالتزام؛ بل تبرّر ذلك بأنّهم تورّطوا في نقض العهد والميثاق، وبالتالي لا يجب على المسلمين الالتزام بما كان بينهم وبينهم، وتدعوهم إلى قتالهم لعلّهم يلتفتون فيتراجعون عن خطإهم.

 

وفي هذه الآية بضع نقاطٍ تبيّن حدود الآية وتوضّحها.

 

النقطة الأولى: هي في قوله تعالى: "فقاتلوا"، حيث يأمر الله فيها بقتال الذين يطلقون العنان لألسنتهم في الطعن في المسلمين والبحث عن عيوبهم. فهل الإسلام يجوّز مواجهة الكلام بالقتال؟

 

والجواب بالنفي، فالإسلام ليس ضيّقًا إلى حدّ مواجهة الكلمة بالسيف؛ وذلك أنّ التاريخ نقل لنا حالات عدّة كان قادة الإسلام والمسلمين في أوج قوّتهم وشوكتهم، ومع ذلك تحمّلوا وصبروا على الأذى، عملًا بقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾[1].


 


[1] سورة النحل: الآية 125. والجدال المدعوّ إليه في هذه الآية ليس جدالًا مع المؤيّدين، بل هو جدال مع علماء اليهود والنصارى. والآية تكشف عن أنّ الجدال بالتي هي أحسن يحوّل العدوّ إلى صديق. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌّ حميمٌ﴾ فصّلت الآية 34، وهذه الآية تكشف عن أنّ معارضي النبيّصلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا من أهل المودّة واللطف معه. (منه حفظه الله)

 

 

124


95

تفسير سورة براءة

معنى الطعن في الدين هو التشويش على الإسلام وإثارة غبار الشبهات والشكوك في أذهان الناس بحيث يؤدّي ذلك إلى عدم وصول صوت الإسلام إليهم، ويقفل قلوبهم دونه، وإلا فإن الذمّ أو الكلام السيّئ لا يستدعي القتل، وهو هنا بسبب الحيلولة دون نور الإسلام إلى الناس.

 

وبناءً عليه، نحن نفهم من هذه الآية أنّ المقصود من الطعن في الدين هو محاولة تشويه صورة الدين وإسقاطه من عيون الناس؛ حتّى لو كان بصورة المدح.

 

النقطة الثانية: هي أنّه تعالى يقول: ﴿فقاتلوا أئمّة الكفر﴾، الآية تتحدّث عن القادة والأئمة في معسكر الكفر، فهي لا تدعو إلى قتال جميع الناس، ولا تدعو إلى قتال الكفر بما هو كفر؛ وإنّما تدعو إلى قتال القادة والأئمّة في الساحة المقابلة. ومن هنا، فإذا كانت قبيلة خزاعة قد نقضت العهد، فلا يتحمّل المسؤولية البقّال وصغار الكسبة الذين لم يشاركوا في النقض ولم يكن لهم فيه يدٌ، بل من يتحمّلها هو القيادات الذين عبّرت عنهم الآية بالأئمة، فهم الذين يسدّون طريق الإيمان ومسار الدعوة.

 

والأئمة هم القادة والرؤساء، وقد وردت أخبار وروايات عدّة تتضمّن كلمة الإمام بهذا المعنى، منها: "لأعذّبن كلّ رعيّة في الإسلام دانت بولاية إمام جائر... ولأعفونّ عن كلّ رعيّة في الإسلام دانت بولاية إمامٍ عادلٍ"[1]. فالإمام بحسب هذه الرواية وبحسب الآية هو القائد الذي يتولّى إدارة أمور الناس. و"أئمة الكفر" في مقابل أئمّة الدين والإيمان.

 

ومن دواعي الأسف ومثيراته أنّ بعض الناس لا يهتمّون بإدراك مرامي آيات كتاب الله ومقاصده؛ بل تجدهم يهتمّون بما يؤمنون به ويحاولون تحميل القرآن إيّاه. ومن هنا، قال بعض هؤلاء إنّ معنى الآية "وإن نكثوا وطعنوا في دينكم بعد النكث فقاتلوهم".


 


[1] الكافي، ج 1، ض 376.

 

125


96

تفسير سورة براءة

وهذا التفسير يرتكز على جعل المفعول به للفعل "فقاتلوا" هو عينه مرجع ضمير الفاعل في "نكثوا"، وبالتالي يكون المعبّر عنه بأئمة الكفر هو نفسه. وهذا التفسير غير صحيح.

 

وإذا قيل في الاستدلال على هذا التفسير إنّه من باب الإظهار بدل الإضمار؛ أي استعمال تعبير "أئمّة الكفر" بدل الضمير "هم"، لبيان أنّ الذين نكثوا وطعنوا هم أئمّة الكفر؛ نقول في الردّ: أوّلًا: لا تلازم بين نقض العهد والميثاق والكفر؛ ثانيًا: ليس في نقض العهد خصوصيّة تستدعي قتال المشركين؛ فقد نقض اليهود العهد مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الفترات ولكنّه تعامل معهم بالرفق واللين. وحقيقة الأمر ووجه الصواب فيه هو أنّ انطباق عنوان "إمام الكفر" على شخصٍ أو جماعة يبرّر الدعوة إلى قتاله.

 

"إمام الكفر" هو المنظِّر والأيديولوجي الهادي والمرشد إلى الكفر. فلا تقول الآية قاتلوا أهل الكفر إذا نقضوا العهد؛ بل هي تبيّن حكمًا اجتماعيًّا ذا طابع عالميٍّ. وعلى أي حال إمام الكفر وقائده هو الذي ينقض العهد وليس الإنسان العاديّ المتواضع حتّى لو كان كافرًا. تقول الآية: إذا نقضوا العهد فقاتلوا أئمّة الكفر؛ لأنّهم الغدّة الاجتماعية المتقيّحة التي تسدّ باب الهداية في وجوه الناس وتحول بينهم وبين الإيمان.

 

يقول أحد المستشرقين المسيحيّين: "إنّ معارك الإسلام وحروبه كانت مع الدول والرؤساء والطبقة الحاكمة، ولم تكن مع الشعوب والأمم". فمن هو الذي يمنع تشويهُه صورةَ الإسلام الناسَ من الإيمان؟ هل هو الإنسان العاديّ؟ لا؛ القيادات الاجتماعية هي التي تستطيع سدّ باب الهداية بالطعن في الدين وتشويه صورته.

 

النقطة الثالثة: تختم الآية بقولها: "لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ"، الهدف الأساس للجهاد بحسب هذه الآية هو التراجع والاهتداء إلى الإسلام؛ ولا يهدف الإسلام إلى الانتقام من الطاعنين في الدين حتى لو كانوا أئمّة الكفر، كل ما يريده الإسلام هو هداية هؤلاء المشركين إلى الإسلام، وإعادتهم إلى الجادّة.

 

 

126

 


97

تفسير سورة براءة

وهذا من المؤشِّرات التي تكشف عظمة الإسلام.

 

وقد يُسأل: كيف يمكن لقادة الكفر أن يتراجعوا؟ هل يمكن أن يصدر ذلك منهم؟ والجواب عن هذا السؤال هو بالإيجاب؛ لأنّ كثيرًا من الناس ميّالون إلى السلطة، فحيثما مالت دفّة القوّة والسلطة مالوا معها. وهذه هي طبيعة النفوس الضعيفة التي تجذبها السلطة، كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس[1]. وعلى الرغم من أنّ هذه الحالة ليست صحيحة ولا صحّيّة؛ ولكن هذا هو الواقع، فعندما تقوى شوكة الإسلام يرى كثيرٌ من أهل الكفر عدم إمكان متابعة طريق العناد، وعقم الإصرار على الكفر والدعوة إليه. ومن هنا يدعو الإسلام إلى قتال أئمة الكفر على أمل تراجعهم لعلّهم ينتبهون فينتهون.

 

وهذه العبارة إشارة إلى العلاقة بين الشوكة والهداية، وإشارة إلى قدرة القوّة على جذب أصحاب النفوس الضعيفة. وهذا عين ما يقوله بعض المفكِّرين المعاصرين: "لو أنّ دولة قويّة للإسلام تنشأ وتقام في زاوية من زوايا العالم، فسوف يكون أثرها وقدرتها على جذب النفوس أقوى من أثر مئات المبلِّغين والدعاة".

 

النقطة الرابعة: موضوع الآية هو بعض الجماعات من الكفّار الذين كانت بينهم وبين الدولة الإسلامية عهود فلم يرعوا عهودهم ولم يلتزموا بمقتضياتها.

 

يظنّ بعض الناس أنّ الكافر هو كل من لا يؤمن بالله تعالى، أو يشرك به فقط. وهذا غير صحيح. فالكفر معناه التغطية. فالكفارة سُمّيت كفّارة؛ لأنّها تغطي الذنب وتستره، والكافر هو الذي يستر الحقيقة ويستر نعمة الله ويحول دون ظهورها. وكذلك من يضيّع نعمة الله ولا يشكرها أو يصرفها


 


[1] ترجمنا هذا التشبيه الأخير بتصرّف. ففي اللغة الفارسية شيء يسمّونه "كَهْرُبَا" وهذه الكلمة مركّبة من كلمتين هما "كاه" و"ربا"، الأولى معناها القشّة والثانية معناها الجذب.

 

127


98

تفسير سورة براءة

في غير محلّها هو كافر أيضًا؛ وعليه يمكن القول: إنّ كلّ من يضيّع ما أنعم الله به عليه، ولا يعمل بمسؤوليّاته تجاه الله تعالى هو كافرٌ، فدائرة الكفر أوسع ممّا يظنّ بعض الناس. نعم كان كثير من الكفّار، بهذا المعنى، من المشركين في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 

حديث:

قال حنان بن سدير: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "دخل عليّ أُناسٌ من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير، فقلتُ: لهم كانا إمامين من أئمّة الكفر. إنّ عليًّا يوم البصرة لمّا صفّ الخيول، قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتّى أُعذر في ما بيني وبين الله عليه السلام وبينهم، فقام إليهم، فقال: يا أهل البصرة! هل تجدون عليّ جورًا في حكم؟ قالوا: لا؛ قال: فحيفًا في قَسمٍ؟ قالوا: لا؛ قال: فرغبةً في دنيا أصبتُها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم عليّ فنكثُتم بيعتي؟ قالوا: لا؛ قال: فأقمتُ فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟ قالوا: لا؛ قال فما بال بيعتي تُنكث وبيعة غيري لا تُنكث! إنّي ضربت إلى الأمر أنفه وعينيه، فلم أجد إلا الكفر أو السيف. ثمّ ثنى إلى أصحابه فقال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والذي فلق الحبّ وبرأ النسمة، واصطفى محمّدًا بالنبوّة، إنّهم أصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت"[1].


 


[1] تفسير العيّاشي، ج 2 ، ص 78؛ وتفسير نور الثقلين، ج 2، ص 189.

 

128


99

تفسير سورة براءة

أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ﴿13﴾ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿14﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿15﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿16﴾

 

 

 

130


100

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

تقدّم في بدايات البحث أنّ الآيات الأولى من سورة التوبة توجّه الخطاب إلى الكفّار والمشركين وسائر الحاضرين في مكّة في تلك السنة. يرى بعض المفسِّرين أنّ الإعلان الإلهيّ المشار إليه سابقًا يقتصر على الآيات الأولى من السورة فقط، ويرى بعضٌ أنّ هذا الإعلان محصور بالآيات الخمس الأولى دون سائر السورة، ويرى آخرون أنّ ما بين ثلاثين إلى أربعين آية من سورة التوبة تشتمل على الإعلان المذكور. ووفق هذه الآراء يكون لسائر آيات السورة مناسبة أو مناسبات مختلفة، وربّما تكون نزلت قبل آيات الإعلان ولكنّها قرئت في تلك المناسبة، وربّما بعض آيات السورة لم تقرأ في ذلك الموقف؛ وبناءً عليه لا يمكن الحسم في عدد الآيات التي تُليت أو عدد الآيات المرتبطة بتلك المناسبة مباشرةً.

 

ويبدو لنا أنّ هذه الآيات التي نحن الآن بصدد تفسيرها، ليست من الآيات التي تولّى أمير المؤمنين عليه السلام أمر تلاوتها على أسماع الكافرين والمشركين؛ وذلك لأنّ الخطاب فيها موجّهٌ إلى المؤمنين وليست على صلة بأجواء الآيات الأولى من السورة. وهذه الآيات الثلاث تحرِّض المؤمنين على قتال الكفّار.

 

وفي هذه الآيات نقاطٌ على درجة عالية من الدقّة، قلّما توجد في آية تبيّن حكمًا من الأحكام. وبعض هذه النقاط ناظرةٌ إلى الرؤية الكلّية والعامّة للإسلام.

 

 

132

 


101

تفسير سورة براءة

وفي هذه الآيات يلاحظ المفسِّر بيسرٍ جمال الأسلوب في مجال دعوة المؤمنين إلى مواجهة الكافرين، مع تضمّن الآيات عددًا من المطالب في عدد قليل من الكلمات.

 

يدعو الله المؤمنين إلى قتال الكافرين ويخبرهم أنّهم يده التي يقاتلهم هو بها، وما أجمل أن تكون يد الإنسان هي يد الله، ويخبرهم أيضًا بأنّه تعالى سوف يتولّى إذلال الكافرين، وتأمين النصر عليهم، ليتحقّق بذلك شفاء صدور عدد من المؤمنين. ويعلن الله تعالى في هذه الآيات فتح باب التوبة لمن يرغب فيها، ويبيّن علمه واطّلاعه على تفاصيل الأشياء من صغير أمور هذا العالم إلى كبيرها. أضف إلى ذلك أنّه عزّ وجلّ حكيمٌ، والحكيم هو الصانع المتقِن، أو هو الذي يفعل الفعل عن إدراكٍ ومعرفةٍ. أو هو من يشتمل فعله على فنٍّ وجمال لا يقبل الزوال. وعبر التاريخ ذهب الكثير ممّا فعله الآخرون وبقي إحكام صنع الله ظاهرًا لا يقبل الزوال.

 

خطاب الاستفهام أو بلاغة الآية

يقول تعالى في الآية الأولى: "أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ". خطابٌ بليغٌ وعلى درجة من الفصاحة والوضوح يدعو الله فيه المؤمنين إلى قتال المشركين والجهاد في مواجهتهم. ويمكن إصدار الأمر بأكثر من صيغة وأسلوب، فأحيانًا يكون الأمر صريحًا ومباشرًا، كأن نقول لأحدهم: "صلِّ"! وأحيانًا نوجّه إليه الخطاب بالصلاة بطريقة الاستفهام بأن نقول له: "ألا تصلِّ؟". والطريقة الثانية بشهادة أهل الخبرة في مثل هذه الأمور أكثر بلاغة ووقعًا في النفس. ومن الواضح أنّ الآية استُخدِم فيها الأسلوب الثاني؛ حيث وجّه الله أمره بالجهاد بأسلوب الاستفهام، فكأنّه يقول لهم: ألا تريدون قتال أولئك الذين نكثوا عهودهم...؟

 

 

133


102

تفسير سورة براءة

تمهيد الإسلام لإبلاغ الأحكام

لا يكتفي الإسلام في مجال تبليغ الأحكام بإصدار الأوامر والنواهي وإبلاغها إلى الناس؛ بل يفعل كلّ ما يساعد الناس على امتثال هذه الأوامر والنواهي، ويبيّن كلّ ما هو مؤثِّر على هذا الصعيد. مثلًا عندما يخبرنا الله بأنّ القتل جريمة محرّمة في الإسلام، يمهّد لامتثال هذا التشريع بعدد من التشريعات والتوصيات في مجالات عدّة، ويسدّ باب ارتكاب الجريمة في وجوه الناس إلى درجةٍ كبيرةٍ. ومن هنا، لمّا كان عدم الاهتمام بتطبيق القوانين في المجتمع سببًا من أسباب ارتكاب الجرائم، فإنّ الإسلام حرص كلّ الحرص على تطبيق هذه القوانين؛ بهدف المحافظة على سلامة المجتمع والحيلولة دون تحوّله إلى بيئة مساعدة على الإجرام.

 

ومن الأمثلة على ما نقول أنّ الإسلام بيّن جميع الوسائل المساعدة على الوقاية من جريمة السرقة في المجتمع. ومن أدوات حماية المجتمع من هذه الجريمة تشريع حدّ السرقة وهو قطع يد السارق، في حال توافرت الشروط المأخوذة لتطبيق هذا الحدّ على السارق. وبعد بيان هذه الوسائل وتشريع آليّات الدفاع نهى الإسلام عن السرقة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الضجيج الاعتراضيّ على هذا التشريع لا قيمة له.

 

التذكير بجرائم الكفّار لتشجيع المسلمين على الجهاد

وهذه الآية تتضمّن مضافًا إلى الدعوة إلى الجهاد، فتح ملفّ الكفار والمشركين وجرائمهم، لإعداد المسلمين نفسيًّا لمجاهدتهم؛ وذلك لأنّ شوكة المسلمين وضعف العدوّ، ربّما يدعوان المسلمين إلى التقاعس عن قتال المشركين المنتشرين هنا وهناك في أطراف الدولة الإسلاميّة. فالقوّة وضعف العدوّ قد يدعوان إلى التكاسل عن الجهاد؛ ومن هنا كأنّ هذه الآية تدعو المسلمين إلى العودة بالذاكرة إلى الملف الأسود للعدوّ ، وتقليب

 

134

 


103

تفسير سورة براءة

صفحاته الآثمة من إخراج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونقض العهود والمواثيق، وبدئهم بقتال المسلمين.

 

إيذاء المسلمين أقبح من الكفر

تبيّن الآية الجرائم الخطيرة التي ارتكبها الكفّار في حقّ المسلمين. أوّلًا: ذكرت الآية ثلاث جرائم ارتكبها المشركون، وتشير بشيء من الخفاء إلى أنّ هذه الجرائم هي من أخطر ما ارتكبوه وأقدموا عليه؛ ثانيًا: هذه الجرائم المذكورة في الآية كلّها جرائم ارتُكبت في حقّ المسلمين، وهذا يوحي أنّ هذه الجرائم عند الله أخطر من الكفر نفسه وأشدّ.

 

وبالنظر إلى المعيار المستفاد من الآية لا ينبغي مثلًا أن نقول: الإمبراطور الروماني أسوأ من عبد الملك؛ لأنّ عبد الملك بن مروان مسلم وذاك مسيحيّ؛ وذلك لأنّ المعيار في المفاضلة بين الطرفين هو مقدار الأذى الذي صدر من هذا وذاك ضدّ المجتمع الإسلاميّ. وهذا ما يُستفاد من الآية؛ حيث إنّها تحكم على الكفّار بهذا الحكم بالنظر إلى ما صدر عنهم تجاه المسلمين.

 

وما يؤيّد هذا المدّعى قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[1]. فهذه الآية تحدّد المعيار والضابطة التي على ضوئها يؤخذ الموقف من الكفّار، وهذا المعيار هو عدوانهم على المسلمين وليس كفرهم. وبعد أن ذكّر الله المسلمين بجرائم الكفّار طرح عليهم السؤال عن الخشية منهم والخوف من مواجهتهم، وبيّن لهم أنّ الله أحقّ بالخشية والخوف من المشركين.


 


[1] سورة الممتحنة: الآيتان 8-9.

 

 

135


104

تفسير سورة براءة

مواجهة الخوف، بالالتفات إلى التوحيد

النقطة الأخرى التي تستحقّ التوقّف عندها هي ما تتضمّنه جملة "أتخشونهم؟". الخوف جزء من الطبيعة البشريّة الموجودة في كلّ فردٍ من أفراد الإنسان؛ ولكن على الرغم من ذلك فإنّ الإسلام يشتمل على تدابير احترازية تقهر الخوف من داخل الإنسان، وتحول دون تحوّله إلى قيد. فالخوف عدوٌّ داخليٌّ يأكل الإنسان من داخله، ويفرّغه من محتواه. وحقيقة الأمر الخوف هو عميلٌ للعدوّ يكمن في أعماق المحارب ويعمل لمصلحة العدوّ. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "...ثمّ إنّ الرعب والخوف من جهاد المستحقّ للجهاد والمتوازرين على الضلال ضلالٌ في الدين.."[1]..

 

والعارف بمنطق الدين يفهم أنّ الخوف والتوحيد لا يجتمعان، والموحِّد الحقيقيّ لله لا يخشى أيّ سلطة غير سلطة الله تعالى. والإسلام يرى أن لا قوّة في العالم تستأهل الخشية؛ وبناءً عليه، فإنّ الخوف إذا وُجِد في قلوب المؤمنين يكشف عن ضعف اعتقادهم بالتوحيد. فمع التوحيد الحقيقيّ، لا موجب ولا مبرّر للخوف. وهذا معنى ما ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام عن أنّ الخوف من جهاد المستحقّ للجهاد ضلالٌ في الدين.

 

وفي هذه الآية يلفت الله تعالى نظر المسلمين إلى أنّ الخوف من أسباب تقاعسهم عن الجهاد، ويطرح عليهم السؤال الآتي: هل يقعدكم الخوف من العدو عن الجهاد؟ أم أنّ ما يقعدكم عنه هو خوفكم على أرواحكم وأولادكم وأموالكم ومواقعكم التي أنتم فيها؟

 

وفي ختام الآية يخاطبهم الله عزّ وجلّ بقوله: "فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ". وفي هذا الخطاب درجة عالية من الصراحة تخيّر المسلمين بين الاعتراف بعدم الإيمان في حال الخوف، أو تحدّي الخوف إن صدقوا في دعواهم الإيمان. وبعبارة أخرى تبيّن هذه العبارة في الآية أنّ من لوازم الإيمان


 


[1] الكافي، ج 5، ص 38.

 

 

136


105

تفسير سورة براءة

وعلاماته زوال الخوف من غير الله تعالى من القلوب العامرة بالإيمان.

 

تعلن هذه العبارة من الآية بصراحة أنّ على المؤمن أن يخشى الله وحده، وأن لا يعمل بخلاف أوامره، وأنّه تعالى هو القدرة الوحيدة التي تستحقّ أن يُخشى منها، ولا تنبغي الخشية من مخلوقاته سبحانه. وتلفت نظر المسلمين إلى أنّ الخشية ينبغي أن تكون من عقاب الله في الآخرة وليس من جهاد العدوّ في ميدان القتال.

 

وإذا دقّقتم النظر سوف تلاحظون أنّ القضية في هذه الآية هي الاختيار بين أمرين: إمّا الضرر الموقّت في الدنيا، وإمّا الخوف من العدوّ وعدم الخوف من الله، وفي هذه الحالة لن يحصل الخائفون على ما يطلبون، وسوف يقعون في عكس ما خافوا منه، فإنّ العدوّ لا يمكن أن يتعايش مع الإسلام، وبالتالي إن لم تقاتلوه سوف يستأصلكم من جذوركم؛ وبالتالي إذا كنتم تطلبون الحياة فلن تنالوها بالخوف من العدوّ والتردّد في قتاله. يُروى عن عليّ عليه السلام: "فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين"[1].

 

بلى، الحياة مع الذلّ موتٌ، والحياة من دون عقيدة ومُثُلٍ عليا هي الموت بعينه، والموت هو ذهاب هذه المعاني السامية والبقاء على الأرض مع التجرّد منها، والحياة هي بقاء هذه القيم السامية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[2].

 

إذًا، يلفت هذا التساؤل "أتخشونهم"؟ نظرَ المسلم ويحذّره من أنّ الخوف هو جاسوس العدوّ الذي يعشّش في القلب، وهو سبب الانهيار والتخاذل عن مواجهة العدوّ. ومن الطبيعيّ أن يزيل هذا الخطابُ الخوفَ من قلوب المسلمين. وقد خاطب الله تعالى المسلمين بقوله: "أتخشونهم" عندما اكتملت سيطرة المسلمين على الجزيرة العربية كلّها؛ فهذه الآية لم تنزل قبل


 


[1] نهج البلاغة، الخطبة رقم 51.

[2] سورة آل عمران: الآية 169.

 

137


106

تفسير سورة براءة

ثماني أو تسع سنوات من تاريخ نزولها، يبدو أنّ المسلمين في تلك الفترة لم يكن للخوف إلى قلوبهم سبيلٌ، أمّا عند نزول الآية فلعلّ الخوفَ بدأ يشقّ طريقه إلى قلوبهم. فما الذي يجعل المسلم لا يخاف وهو في حالة الضعف، ثمّ يتسرّب الخوف إلى قلبه وهو في حالة القوّة والشوكة؟

 

السرّ هو أنّ المسلمين في العهد الأوّل كانوا يرون ضعفهم ويرون تفوّق العدوّ في العدد والعدّة عليهم، ومن هنا كانوا يخوضون غمار المواجهة بعزمٍ راسخٍ، وكانوا يعلمون أنّهم لو تقاعسوا عن مؤازرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ العدوّ لن يبقي عليهم ولن يذرَ، فكانوا يهبّون إلى الجهاد رغبةً في حماية أنفسهم وطلبًا لتأسيس المجتمع الإسلاميّ، ونقل مثُله وأفكاره إلى أرض الواقع.

 

وأمّا في السنتين التاسعة والعاشرة للهجرة الشريفة، فإنّهم بدأوا يشعرون بقوّتهم ويرون ضعف العدوّ بأمّ أعينهم، وهذه الحالة من أشدّ الأمراض فتكًا بالمجتمعات. وهذه الحالة المرضية تُرى في كثير من المجتمعات والجماعات عبر التاريخ؛ حيث إنّ التجربة التاريخية كشفت عن عدد من الحالات سواء في ذلك الدول أو الجماعات، تبدأ من الصفر وتصل إلى أوج قوّتها، ثمّ تنحدر ثانية إلى حيث انطلقت، وتدخل في مرحلة الانحطاط.

 

التعاليم الإسلاميّة للوقاية من الانحطاط

في الإسلام تعاليم كثيرة تهدف إلى وقاية المجتمع من الانحطاط بعد وصوله إلى مرحلة الشوكة والقوّة، ومن هذه التعاليم بل أهمّها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه القيمة الاجتماعية تحدّد مسؤوليّات أعضاء المجتمع الإسلاميّ تجاه الأمّة والدولة، وبالعكس.

 

ومن التعاليم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[1]، وهو تكليف يبيّن مسؤوليةً في اتّجاهين بين أعضاء المجتمع الإسلامي. هذا


 


[1] سورة العصر: الآية 3.

 

138


107

تفسير سورة براءة

ولكنّ المسلمين ابتلوا بما ابتُليت به الأمم والدول الأخرى، فخرج قطار مسيرتهم عن سكّته المرسومة له، ولا يكشف هذا الخروج والانحطاط عن خللٍ أو عيبٍ في الإسلام، بل عن عيبٍ في المسلمين، حيث لم يعملوا بالمقدار اللازم لرفع جميع أسباب الانحطاط من بين ظهرانيهم.

 

وصفوة القول في هذه العبارة إنّها تبيّن نمط التفكير الإسلاميّ في هذا المجال وهو: عدم الإذن الإلهيّ للمسلمين بالخوف من غير الله تعالى.

 

تحقّق الإرادة الإلهيّة بمجازاة الكافرين بجهاد المؤمنين

"قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ": تخبر هذه الآية عن العذاب الإلهيّ المقرّر للكافرين، وتجعله على عاتق المؤمنين. فلا يريد الله أن ينزل عذابه على الكافرين المستحقّين للعذاب من عالم الغيب؛ بل أوكل هذه المهمّة إلى المؤمنين، وجعلهم واسطة لتحقّق هذه الإرادة الإلهيّة.

 

وهذه الآية تكشف عن خطأ الاعتقاد الرائج بين الناس، وهو الاعتقاد بأنّ الله يجب عليه أن يفعل بيده كلّ ما يريد، ومن مساوئ هذا الاعتقاد الخاطئ الإحساس بعدم تحمّل المسؤولية عن بذل الجهد والتشمير عن ساعد الجدّ. وقد كان تجلّى هذا الاعتقاد غير الصحيح وتجسّد بأشكال عدّة فمرّة أخذ اسم الاعتقاد بـ"الجبر"، ومرّة تعنون بعنوان "انتظار الفرج"، وأفضى بأشكاله وألوانه إلى جمود المجتمع الإسلاميّ؛ بل إلى انحطاطه وتراجعه، وهو في الواقع غطاءٌ ظاهره شرعيّ لتبرير تخلّي المسلمين عن أداء واجباتهم.

 

وقد انتشرت عقيدة الجبر على يد بني أميّة، حيث قال ابن زياد في الكوفة للإمام السجّاد عليه السلام: "أليس الله قد قتل عليّ بن الحسين؟"[1]. كما قال يزيد عين هذا الكلام أو مثله في الشام[2]. وصدر مثل هذا الكلام عن معاوية مرارًا؛


 


[1] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 116.

[2] المصدر نفسه، ص 120.

 

139


108

تفسير سورة براءة

حيث نُقِل عنه قوله المشهور: "إنّ لله جنودًا من عسلٍ"[1]. وينقل المؤرّخون أنّ اثنين أو ثلاثة من المعارضين لعقيدة الجبر قتلوا في عهد الدولة الأمويّة[2]. وقد اشتغلت أيدٍ كثيرة من المسلمين ومن غير المسلمين على ترويج الاعتقاد بأنّ "على الله أن يفعل كلّ ما يريد فعله"[3].

 

بحثٌ روائيٌّ

عن أبي الأغرّ اليمني قال: إنّي لواقفٌ يومَ صفّين إذا نظرتُ إلى العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شاكٍ في السلاح على رأسه مغفرٌ وبيده صفيحة يمانية وهو على فرس أدهم؛ إذ هتف به هاتفٌ من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم يا عباس هلمّ إلى البراز! قال: ثم تكافحا بسيفيهما مليًّا من نهارهما لا يصل واحدٌ منهما إلى صاحبه لكمال لأمتِه[4] إلى أن لاحظ العباس وهيًا[5] في درع الشامي فأهوى إليه بالسيف فانتظم به جوانح[6] الشامي وخرّ الشاميّ صريعًا بخدّه وسما العبّاس في الناس وكبّر الناس تكبيرة ارتجّت لها الأرض، فسمعتُ قائلًا يقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾"" فالتفتُّ فإذا هو أمير المؤمنين عليه السلام[7].

 


[1] الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 81.

[2] من أمثال: معبد الجهنيّ وغيلان الدمشقي. انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 456، و ج 5، ص 363.

[3] انظر: تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 190.

[4] اللامة أو اللأمَة هي الدرع. (المترجم)

[5] الوهي هو الشق. (المترجم)

[6] الجوانح جمع الجانحة: وهي الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر. (المترجم)

[7] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 190-191.

 

140


109

تفسير سورة براءة

آثار القتال مع الكفّار

قبل هذه الآية حرّض الله المسلمين على القتال من جهات عدّة. ومن ذلك قوله تعالى في آية سابقة: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ﴾، وقد قلنا إنّ هذا الخطاب أوضح من خطاب "قاتلوا". وهذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها تتضمّن شكلًا من أشكال التحريض على القتال؛ حيث يقول تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فما هو هذا العذاب؟ هل هو الأسر؟ أو هو شيءٌ آخر؟

 

لبعض المفسِّرين كلامٌ لا بأس من الإشارة إليه، على الرغم من عدم دلالة ظاهر الآية عليه، وهو أنّ العرب لا يعبِّرون عن الأسر والقتل بالعذاب. وبالتالي ينبغي أن يكون هذا "العذاب" شيئًا آخر. وكذلك لا يُراد من "العذاب" آلام الحرب ومصاعبها كالجرح وغيره من أشكال الأذى والتعب التي تصيب المقاتلين في الحرب.

 

"وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ": يعد الله في هذه العبارة بأنّ الخزي سوف يكون من نصيب الكفّار والنصر من نصيب المسلمين.

 

"وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ": وهذا أيضًا وعد بالراحة النفسية التي ينالها المؤمنون بعد هزيمة الكافرين وما يصيبهم من الأذى والخزي.

 

وفي هذه الآية نقطتان تستحقّان التوقّف:

النقطة الأولى: "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ"، تشتمل الآية من حيث التركيب النحويّ على طلب "قاتلوهم" وجواب الطلب "يعذِّبْهم الله"، وهذا مثل قولنا "صلِّ تَزْكُ" أو تطهرْ، ومعنى هذه العبارة الأخيرة إذا صلّيت تصل إلى حالة الطهارة أو التزكية. وبناءً على هذا معنى الآية هو: إنّكم إذا قاتلتموهم فإنّ الله سوف يعذّبهم بأيديكم. والمفهوم المخالف[1] لهذه الجملة هو: "إن لم تقاتلوهم


 


[1] المفهوم المخالف هو المدلول الالتزامي للكلام، وذلك عندما يُقيّد الكلام بقيدٍ فإنه يفيد أنّ زوال هذا القيد يؤدّي إلى عدم تحقّق ما تقيّد به.

 

141


110

تفسير سورة براءة

لا يعذّبهم الله، ولا ينصركم عليهم، ولا يشفي صدور قومٍ مؤمنين".

 

ومن طبيعة الإنسان حبّه نيل ما يريد نيله بأسهل السبل والوسائل. فإذا خيّر الإنسان الذي يريد أن يصير عالمًا، بين أن يدرس مدّة عشرين سنة وأن يأخذ كبسولة دواء يتحوّل بها فجأة إلى عالِمٍ، فإنّه يختار الطريق الثاني، ولعلّ هذا يؤدّي إلى اضطراب الحوزات العلمية وسعي الجميع طلبًا لهذا الدواء السحريّ. هذه هي طبيعة الإنسان يحاول الوصول إلى المقصد من الطريق الأقصر والأسهل، ويحاول ما استطاع تجنّب الصعوبات والمشاقّ، وهذا الميل الفطريّ يعيق الكثير من المشاريع ويحرم الإنسان من كثيرٍ من أسباب النجاح، ومع الأسف فإنّ بعض الأمور لها طريق واحد هو الطريق الوعر.

 

في صدر الإسلام كان جميع المسلمين يودّون لو أنّ الله يسلّطهم على الكفّار، وعندما كانت السلطة على المسلمين بيد أبي جهل وابنه عكرمة، وأبي لهب وأبي سفيان، وكان ينال المسلمين من أذاهم ما ينالهم، وكانوا يحاصرون تجارتهم وأرزاقهم بل وزواجهم أيضًا، في ذلك الزمان كانوا يريدون المواجهة والمقابلة بالمثل، وكانوا يتصوّرون وجود طريقين لتحقيق هذا الهدف؛ أحدهما: وهو الطريق الطبيعي والمباشر وهو التشمير عن سواعد الجدّ وخوض ميدان المواجهة مع الكفّار وتحمّل شدائد الحرب وتجرّع غصصها. والطريق الثاني: هو أن يستيقظوا صباح يوم من الأيّام فيجدوا أنّ الله أنزل عذابه على الكفّار وأهلكهم، وقتل محاربيهم والمسلمون مشغولون عنهم بشيء آخر.

 

تعلن الآية الكريمة أنّ الطريق الثاني خيالٌ ساذجٌ. فليس من سنن الله في التاريخ والمجتمعات أن ينام الإنسان ثم يستيقظ فلا يرى لعدوه أثرًا ولا عينًا. فإذا أردتَ أيّها الإنسان أن ينتصر كلامك المحقّ، وأن ينتشر ما تتبنّاه من أفكار وتعاليم دينيّة، وأن تسيطر على عدوّك وتحول دون خطره، الطريق لهذا كلّه هو التوجّه إلى الميدان ومواجهة العدوّ، وليس النوم في الفراش الوثير. نعم بالتأكيد للميدان تبعاته ففيه الكثير من الآلام والجراح،

 

142


111

تفسير سورة براءة

واحتمال الموت، ولكن ليس ثمة خيارٌ منطقيٌّ آخر. فانتصار الفكر مرهونٌ بالتضحيات، وإذا انتهت طريق التضحيات إلى الموت، فليعلم هذا المضحّي أنّه يموت هو لكنّ فكره يبقى خالدًا حيًّا.

 

بلى، هذه الآية إعلان صريح عن أنّ النتائج المطلوبة تتوقّف على التضحيات المناسبة، فشجرة النصر لا تثمر إلا عندما تُسقى بالتضحيات والمعاناة، ولا تتحقّق النتائج إذا طلبها الإنسان وهو نائم على فراشه الوثير. يُروى عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود"[1].

 

النقطة الثانية: توقظ الآية دوافع المسلمين بطريقة غير مباشرة؛ حيث إنّها تدعوهم إلى المواجهة وتبيّن لهم الآثار والنتائج المترتّبة على هذه المواجهة، وهي: التعذيب والنصر وشفاء الصدور. وهذه النتائج تبعث في القلوب الهمّة والنشاط، فكلّ مسلمٍ يرغب في أن يكون وسيلة لتحقيق إرادة الله، ويرغب في أن يرى عدوّه وعدوّ الله منهزمًا.

 

كثيرًا ما لا تتوافر الدوافع لأداء الأعمال المهمّة، وبالتالي ولأسباب عدّة يبتعد الإنسان عن الخيارات الصحيحة، فيموت في نفسه الميل نحو الأهداف الصحيحة. في الحالات الطبيعية يميل الإنسان إلى الغلبة على عدوّ الله وعدوّه، ولكن نتيجة التلقينات الخاطئة أو الميل إلى الدعة وطلب الراحة، تموت في نفسه هذه الرغبة، وهذا من الحالات السيئة التي يواجهها الإنسان في حياته. وهي أشبه بحالة المريض الذي يئس من الشفاء وفقد الثقة في الطبيب، فمثل هذا الإنسان لا يتوقّع له الشفاء والتحسّن. وهذه الآية تهدف إلى معالجة هذا المرض النفسيّ، وهو مرض القعود عن الأهداف والغايات، وتستند الآية إلى العواطف الكامنة في النفس الإنسانية لإيقاظ همم المسلمين وإحياء دوافعهم: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.


 


[1] نهج البلاغة، الخطبة 56.

 

143


112

تفسير سورة براءة

اختلاف القراءات

"وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء": هذه الجملة من الآية تُقرأ بضمّ "الباء" وفتحها. بناءً على قراءة الفتح تكون الجملة جواب الشرط (المقدّر المشار إليه آنفًا)، ويمكن أن يكون الفتح من باب العطف على الجمل السابقة، والمعنى هو أنّه على ضوء قتالكم إيّاهم قد يقبل الله توبة كثيرٍ من الكافرين.

 

وبناءً على الاحتمال الثاني أي احتمال الضمّ، لا تكون الواو حرف عطفٍ؛ بل استئنافية[1]؛ والمعنى بناء على هذا الاحتمال هو أنّ توبة الكفّار وقبول الله إيّاها لا تترتّب على قتالكم؛ أي قاتلوهم حتّى تشفى صدوركم، ثمّ يُقتل من يُقتل منهم على أيديكم، ومن يبقى منهم فقد يتوب ويقبل الله توبته: "والله عليمٌ حكيمٌ".

 

سنّة الامتحان والاختبار

"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ": تسأل هذه الآية المسلمين عن ظنّهم بأنّ الله سوف يتركهم قبل أن يعلم المجاهدين منهم والذين لم يختاروا أحدًا سوى الله ورسوله ليكون لهم معتمدًا ومستندًا؟[2] والجواب عن هذا السؤال بالنفي؛ فلن يُترك المسلمون قبل أن يمتازوا وفق الأسس المبيّنة في الآية، والله خبير ومطّلعٌ على ما يفعل المسلمون.

 

والمفهوم من الآية هو أنّ الله لن يترك المسلمين قبل أن تمتاز الفئة التي قطعت كلّ صِلاتها بغير الله ورسوله وانصرفت إلى الجهاد، وهذه الفئة سوف تظهر بالتدريج نتيجة الغربلة التي يتعرّض لها المسلمون والامتحانات التي يتجاوزونها، وسوف يؤدّي ذلك إلى ظهور هذه الجماعة وتميّزها داخل المجتمع الإسلاميّ.

 


[1] الاستئناف هو الابتداء وقطع الصلة بين ما بعد الواو وما قبلها.

[2] سوف يأتي شرح هذه الفكرة لاحقًا.

 

 

144


113

تفسير سورة براءة

وهذه الآية هي واحدة من الآيات التي تتحدّث عن قانون الاختبار والامتحان الإلهيّ لجميع الأمم والجماعات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[1]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾[2]، وهذه الآيات وغيرها تبيّن هذا المبدأ الإلهيّ الذي يقضي بأنّ الامتحان والاختبار هو الوسيلة التي تؤدي إلى تمييز الصادقين في دعواهم الإيمان والمخلصين في إيمانهم، عن الكاذبين الذين يدّعون الإيمان زورًا.

 

الامتحانات الإلهية وأهدافها

قيل الكثير في ما يرتبط بالامتحان، والامتحان أو الابتلاء من المفاهيم القرآنية المركزيّة. وقد قلنا سابقًا إنّ فهم الموضوعات القرآنية يتوقّف على وضعها في سياقها القرآنيّ. ويُستفاد من الرجوع إلى القرآن الكريم أنّ الامتحان من السنن الإلهية الثابتة، ولا يمكن أن ينجو المؤمن من الاختبار والتعرّض للامتحان.

 

فما هو الامتحان؟ وكيف يمتحن الله الناس؟ وهل يمكن أن لا يمتحن الله خلقه؟ وما هو دور الامتحان في عالم الخلق وعالم الإنسان؟ وهل الهدف من الامتحان هو التضييق والتشديد، أم ثمّة هدف آخر؟

 

هذا الموضوع أي فهم فكرة الامتحان وحتميّتها وموقعها في نظام الخلق من المسائل الأساسية التي يجب الاشتغال عليها. لا يهدف الامتحان الإلهي إلى معرفة أو اكتشاف ما هو مجهولٌ كما يمتحن الأستاذ طلّابه ليختبر مدى فهمهم لما علّمهم إيّاه؛ بل الامتحان الإلهيّ هو خطوة في مسار التربية والتدريب. فإذا أراد المدرِّب الرياضي تدريب بعض الأشخاص على تسلّق الجبال، فإنّه يخضعهم لتدريبات وامتحانات قاسية، ولكنّ الهدف من هذه الامتحانات هو


 


[1] سورة آل عمران: الآية 142.

[2] سورة العنكبوت: الآية 2.

 

 

145


114

تفسير سورة براءة

متابعة التدريب والتربية، وليست الغاية مجرّد الاختبار للمعرفة.

 

والامتحان الإلهيّ هو "تحمّل المصاعب من أجل الوصول إلى الهدف". فمن أراد الانتقال من مكان إلى آخر، عليه قطع المسافة الفاصلة بين المكانين، وقطع المسافة هذا وتحمّل صعوبات الانتقال هو الامتحان الذي يساعد الإنسان لوصوله إلى المقصد المطلوب. وكما إنّ الوصول إلى قمة الجبل يتوقّف على الجهد والسعي والمثابرة، فإنّ الوصول إلى قمّة الإنسانيّة يحتاج إلى تجاوز الاختبارات واحدًا بعد آخر، فمن دون الامتحان لا يصل الإنسان لا إلى قمة الجبل ولا إلى أوج الإنسانيّة.

 

فليس الهدف من الامتحان أن نتعرّف إلى أنفسنا، ولا أن يتعرّف الله إلينا ويكتشف قدراتنا، بل الهدف هو التربية والتدريب، فأن تصير عالمًا يعني أن تدرس كثيرًا وعلى الدوام، وهذا الجهد العلمي هو الامتحان نفسه. فليست المسألة أن لا تدرس ثمّ بعد الامتحان تكتشف أنك لم تصر عالمًا. فالفهم والمعرفة هو النتيجة القهرية للامتحان الذي يحصل أثناء العمل وبذل الجهد. فالقضية الأساس هي: من لا يبذل الجهد لا يصل إلى القمّة.

 

وقد أرسل الله الأنبياء إلى البشر ليأخذوا بأيديهم إلى السعادة والكمال ويوصلوهم إلى الحدّ الأعلى من الإنسانيّة. وهذا هو دور الأنبياء، وهذا ما فعلوه عبر التاريخ، ومن واجبكم الالتحاق بهذه القافلة ومتابعة المسيرة إلى الأمام، ومساعدة هذه القافلة قدر المستطاع بتمهيد الطريق لها. وقد انطلقت هذه القافلة مع بداية الحياة البشريّة، ويجب أن تبقى سائرة إلى يوم القيامة. وكان السائرون في هذه القافلة أطفالًا صغارًا قليلي البضاعة في العلم والمعرفة، إلى أن جاء الأنبياء وتطوّرت البشرية على ضوء هدايتهم.

 

ومسار هذه القافلة فيه الكثير من الصعوبات والمسالك الوعرة وقطّاع الطرق، وقد يلوح لبعض السائرين طريق سهلة؛ ولكنّها في بعض الأحيان لا توصل إلى المنازل التي قرّرها الأنبياء. فيلفت الأنبياء نظر البشرية إلى ضرورة تجنّب هذه الطريق وتغيير المسار والانحراف عنه إلى مسارهم.

 

 

146


115

تفسير سورة براءة

وعلى الإنسان أن يسير ويتغلّب على العوائق ولا ينحرف عن المسار المرسوم له، وعليه عدم الالتفات إلى قطّاع الطرق الذين يواجههم، ويتابع سيره بوقار وسكينة، وكل ما يواجهه في مسيره هو امتحانٌ واختبار يتعرّض له. وبين السير وعوائقه يكتشف الإنسان نفسه، ومن الطبيعيّ أنّ الله يطّلع على أحوال الإنسان ويراه.

 

والمسألة الأهم هي تجاوز الامتحانات الإلهيّة وعبور الموانع والتغلّب عليها، وعدم الخضوع للأهواء والميول التي قد تعيق الإنسان في سيره نحو الهدف المرسوم له. ولا شكّ في أنّ العناية الإلهيّة لها دورٌ فاعلٌ في هذا المجال.

 

وأحد أشكال النجاح في الامتحان هو عندما يصل الإنسان في مساره إلى مفترق طرقٍ، أحدهما طريق الأنبياء، والآخر هو الطريق المعبّد الممهد المزوّد بوسائل النقل المريحة والمنازل الفاخرة. والنجاح هو اختيار طريق الأنبياء حتّى لو كان وعرًا مليئًا بالأشواك، فعلى الإنسان ألّا يتراجع خشية على أقدامه من شوك الطريق.

 

وعليه، إنّ الآيات التي أشارت إلى الامتحان الإلهيّ بأشكال مختلفة، كل آية منها تبيّن وضعًا خاصًّا من الأوضاع والحالات التي قد تعرض للإنسان في الطريق، والإنسان معرّضٌ في كلّ محطّة للتراجع والخوف من متابعة السير. وأحد أشكال الامتحان المبيّنة في هذه الآية هو الامتحان بالجهاد.

 

شروط كمال الإيمان

يُفهم من هذه الآية الشريفة أنّ من شروط كمال الإيمان "الجهاد في سبيل الله". والشرط الآخر هو تولّي الله ورسوله والمؤمنين دون غيرهم، وأنْ لا يعلّق الإنسان آماله على الكفّار بجعلهم أولياء يثق بهم ويعتمد عليهم.

 

 

147

 


116

تفسير سورة براءة

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿17﴾  إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿18﴾

 

 

149


117

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

هاتان الآيتان من الآيات المشْكِلة (المعقّدة)؛ لذا طُرحت احتمالات عدّة في تفسيرهما. ويبدو أنّ هاتين الآيتين والآيات الثلاث اللاحقة لهما من الآيات التي تلاها أمير المؤمنين عليه السلام "يوم النحر"[1] على أسماع المشركين. وعلى الرغم من هذه الملاحظة إلّا أنّه لا تسليم بنزول هذه الآيات في هذه المناسبة؛ بل من المحتمل نزولها قبل يوم تلاوتها. وتشتمل هاتان الآيتان مضافًا إلى الحكم القانوني أو بيان الواقع والإخبار عنه على عدد من المطالب.

 

منع المشركين من عمارة المساجد

"مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله": المعنى الأوّلي للآية واضحٌ وهو عدم الإذن للمشركين بعمارة المساجد. فما المراد من العمارة في هذه الآية؟ أحد معاني العمارة الترميم. وتُستخدم كلمة عُمْر في المدة التي يعيشها الإنسان بالنظر إلى أنّ بدن الإنسان ينمو ويتطوّر على مدى عمره. وما يوجب عمارة جسم الإنسان هو روحه. ومن هنا، ما يُسمّى بالعمر هو الوقت الذي تكون الروح فيه في الجسد. وكذلك سُمِّيت العمرة بهذا الاسم؛ لأنّها تؤدّي إلى عمارة بيت الله. وقد حثّ الدين على الحجّ إلى بيت الله لحمايته من الخراب.

 

والآية تفيد المعنيين معًا، وحاصل ما تدل ّ عليه هو منع المشركين من ترميم المساجد وبنائها، ومنعهم من عمارتها بمعنى الإقامة فيها والدخول إليها لأداء عباداتهم الشركية فيها.


 


[1] يوم عيد الأضحى ويُسمّى بهذا الاسم لنحر الأضاحي فيه.

 

150


118

تفسير سورة براءة

وفي الآية قراءتان إحداهما بالجمع "مساجد الله"، والأخرى أفردت فيها المساجد. وعلى الجمع يشمل الحكم المسجد الحرام وغيره من المساجد، وعلى الإفراد يختصّ الحكم بالمسجد الحرام. هذا ويمكن القول إنّ الآية نزلت في المسجد الحرام، ولكنّ حكمها ينطبق على سائر المساجد.

 

"شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ": تشير الآية إلى إقرار المشركين على أنفسهم بالكفر إمّا باللسان وإمّا بالعمل. وإمّا أنّهم يدّعون الإيمان ولكنّهم في مقام العمل يجعلون لله شريكًا أو شركاء. ومثل هؤلاء لا بدّ أن يحكم عليهم ببطلان العمل، وبالتالي ستكون النار هي الجزاء المستحقّ لهم: "أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ".

 

المعاني المحتملة للآية

في تفسير الآية احتمالات عدّة:

الأوّل: أن تكون الآية في مقام الإخبار عن واقع حال المشركين. وهذا التفسير غير صحيح؛ لأنّنا لا نعدم مشركين أنفقوا من أموالهم على عمارة المساجد أو تولّوا عمارتها وبناءها.

 

الثاني: الاحتمال الثاني هو أن تكون الآية بصدد بيان حكم شرعيٍّ قانونيٍّ يقضي بمنع المشركين من بناء المساجد بعد نزول الآية، وبالتالي يُحصر شرف بناء المساجد بالمؤمنين، وعلى المؤمنين منع المشركين من نيل هذا الشرف.

 

وهنا سؤال يُطرح حول الصلة بين هذا الحكم القانونيّ وإعلان البراءة في هذه السورة؟

 

من المعروف أنّ مشركي قريش ينتسبون إلى النبيّ إبراهيم وابنه إسماعيل عليه السلام اللذين رفعا القواعد من البيت كما يخبرنا القرآن الكريم. ومن هذه الجهة كان المشركون يرون أنّهم ورثة هذين النبيّين في الولاية على المسجد الحرام وبنائه وإدارة أموره. وقد استبدل الإسلام قواعد القرابة

 

 

151


119

تفسير سورة براءة

والوراثة في مثل هذه الأمور وربطها بالقرابة الفكرية والمعنوية، بدل القرابة القومية والنسبية. ومن هنا، وإن لم يكن جميع المسلمين على صلة نسبية أو قومية بالنبيّ إبراهيم عليه السلام غير أنّ الإسلام عدّهم الورثة الحقيقيّين له[1].

 

وإذا قبلنا الاحتمال الثاني، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الإسلام كان بصدد إخراج الشرك من جزيرة العرب، وقد اقتضت عظمة الإسلام أن يخبر المشركين قبل الإقدام على هذا الإجراء والبدء بتنفيذه.

 

ووفق هذا الاحتمال يكون معنى الآية: ليس من حقّ المشركين المشاركة في عمارة المساجد، مع اعترافهم بشركهم وكفرهم، ومن شروط عمارة المساجد الإيمان بالله وتنزيهه عن الشريك. وهذا هو سرّ الإشارة إلى هذا التشريع القانونيّ في سياق هذا الإعلان الموجّه إلى المشركين؛ وذلك أنّ المشركين كانوا يتذرّعون بسقاية الحجيج لدعوى الأولوية على غيرهم في إدارة المسجد الحرام، والقرآن الكريم يصرّح في تقويم أعمالهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. ومن الآن فصاعدًا على من يريد المشاركة في عمارة المسجد الحرام أن يتحلّى بالمواصفات المطلوبة ومنها الإيمان وعدم الشرك.

 

الاحتمال الثالث: في عبارة "مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ..". أنّ المشركين لا يتحلّون باللياقات الكافية لعمارة المساجد[2]، وذلك لأنّهم يعملون بغير ما يريده الله تعالى، وبالتالي لن تجديهم عمارتهم وسوف تذهب جهودهم سدى. وبناءً على هذا الاحتمال يكون معنى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أنّ الكافر من الأساس لا فائدة ترتجى منه ولا جدوى لأعماله.

 

الاحتمال الرابع: أنّ قوله تعالى: "مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ..". معناه بيان نفي الحكم عن الزمن الماضي، وليس نفي الحكم بالنسبة إلى الأزمان القادمة.


 


[1] انظر: سورة إبراهيم: الآية 68.

[2] تفسير الصافي، ج 2، ص 327.

 

152


120

تفسير سورة براءة

وبالتالي يكون معنى الآية أنّ المشركين لم يكن ينبغي لهم المشاركة في عمارة المساجد، وما فعلوه في ما مضى ذهب سدى ولن ينالوا من ثماره شيئًا.

 

هذا بالنسبة للاحتمالات الواردة في تفسير الآية؛ ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّنا عندما نقول في الآية احتمالات عدّة لا يعني ذلك أنّ علينا قبول أحد هذه الاحتمالات وحده؛ بل يمكن استفادة هذه المعاني جميعًا من الآية. ثمّ إنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ﴾ يُراد منه المعنى أو المعاني المقابلة لما يُستفاد من هذه الآية.

 

شروط عمارة المساجد

"إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ"، تتضمّن هذه الآية خمس خصائص لا بدّ من توافرها في من يقدم على عمارة المساجد: 1- الإيمان بالله؛ 2- الإيمان بالمعاد؛ 3- إقامة الصلاة؛ 4- أداء الزكاة؛ 5- عدم الخوف ممّا سوى الله.

 

"فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ": تخبر الآية بلهجة الرجاء عن اهتداء المتّصفين بما تضمّنته الآية من صفات. وعسى في اللغة العربية تدلّ على الترجّي؛ ولكن لمّا كان التوقّع والاحتمال غير وارد في ساحة علم الله، فإنّ المراد من هذه العبارة هو الإخبار. والمهتدي هو من عرف طريق السعادة والكمال الإنسانيّ، وليس الاهتداء بالمعنى الاصطلاحيّ. والمراد هو الاهتداء إلى ما أتى جميع الأنبياء السابقين للدلالة عليه.

 

وفي الآيات اللاحقة حديث على بعض القيم الإسلامية الأصيلة، وبعض القيم الموهومة عند سائر الناس.

 

وفي الآية نقطتان، إحداهما تُستفاد من الآية نفسها، والثانية تُستفاد من الربط بينها وبين الآيات الأخرى.

 

النقطة الأولى: تفيد الآية أنّ الأعمال أشبه ما تكون بالجسد الذي يحتاج

 

153

 


121

تفسير سورة براءة

إلى روح حتّى تترتّب عليه الفوائد المرجوّة منه، والعمل كذلك لا بدّ له من روح، وروح الأعمال هي: الإيمان بالله، وقصد القربة، وأداء الأعمال طلبًا لوجهه تعالى. وهذه المواصفات والخصائص هي التي تجعل الروح تدبّ في الأعمال التي تصدر عن الإنسان.

 

العمل الذي يصدر عن الإنسان غير المتحلّي بهذه الخصائص، لن يكون عمله بتلك المنزلة من القيمة والجدوى والشرف. صحيحٌ أنّ جسد الإنسان أشرف من جسد الحيوان، ولسنا نقصد سلب هذه الكرامة عن الإنسان، إلّا أنّ ما يضفي على العمل الإنسانيّ شرافته هو تلك الروح التي تُنفخ في الأعمال تبعًا لوجود تلك الخصائص.

 

وثّمة نماذج كثيرة نراها في حياتنا تنطبق عليها هذه القاعدة. فقد تصدر عن الناس أشياء كثيرة تبدو بحسب الظاهر خدمة لخلق الله أو لشريعته تعالى؛ ولكنّ الله لا ينظر إليها بعين الرضا والقبول ولا يعطيها هذا التقويم الذي يبدو لها بحسب ظاهرها. وهذه نقطة مهمّة لنا أيضًا، فقد يستحوذ علينا الإعجاب بأعمالنا ما يجعلنا ندخل في دوّامة العجب الكاذب. مثلًا قد يبني الإنسان مسجدًا؛ ولكن قد لا تكون دوافعه إلهيّةً، ولا يحظى عمله بحسب النظام القيمي الإسلاميّ، بشرف القبول والتقويم الإيجابيّ. وهذا معنى كون العمل جسدًا يتوقّف نيله شرف القبول على حلول الروح فيه. ولسنا نقصد أنّ هذا العمل لا قيمة له، ولكنّه ليس كامل القيمة.

 

معيار إلهية العمل

وبناءً على ما تقدّم إذا أقدم أحدهم على عملٍ يقصد به خلاص البشرية والمجتمع، يكون عمله لله ولو لم يلتفت إلى هذه النية أثناء العمل. مثال ذلك: إنّما أمر الله بالإحسان إلى الفقراء لأنّه يريد أن يزيل الفقر من المجتمع البشريّ، فعندما يقدم أحد أعضاء المجتمع على مساعدة الفقراء لرفع الفقر عنهم، يكون بصدد تحقيق ما يريده الله تعالى؛ حتى لو لم يلتفت إلى الله أثناء

 

 

154


122

تفسير سورة براءة

العمل. أمّا إذا كانت له أغراضٌ شيطانية من وراء الإحسان، فأحسن إلى الفقراء بهذه النية، عندها يبطل إحسانه ويفقد قيمته.

 

دور القيم في مصير المجتمع

النقطة الثانية في هذه الآية يمكن أن تُستفاد من ضمّها إلى آيات أخرى. وهذه النقطة هي بيان القيم الإسلاميّة. القيم هي مجموعة من الأمور تكتسب قيمتها نتيجة التفاهم بين أعضاء مجتمع من المجتمعات. فربّما يكون العلم قيمة في مجتمع، ما يؤدّي إلى تقديم العالِم في هذا المجتمع على غيره من الناس. وتختلف المجتمعات في ما تضفي عليه قيمة، فربّما تكون كثرة الأولاد في مجتمعٍ ما قيمةً، أو الأصنام قيمة، وهكذا كما كان عليه الحال في المجتمع الجاهليّ.

 

مثلًا عبد المطّلب لم يحظَ بقيمة في المجتمع المكّي إلا بعد أن صار أبًا لأولاد، عندها فقط اختاره أهل مكّة لرئاستها. وقد كانت الأمور تسير على هذا النحو في إيران وعدد من البلاد والمجتمعات، وما زال الأمر على هذا المنوال حتّى في عصرنا هذا. وبين القيم والأمور القيّمة في المجتمع ورقيّ هذا المجتمع أواصر وثيقة، فالمجتمعات تسير نحو ما تراه قيّمًا وتسعى لتحقيقه. فعندما تكون القوّة والسلطة هي القيمة، نرى أنّ أعضاء هذا المجتمع ينجذبون نحو السلطة ويسعون للحصول عليها أو الاستكثار منها. وعندما يكون الجنس هو القيمة، سوف يغرق المجتمع في وحول الشهوات واللذّات الجنسية. وهذا ما يحصل في أيّامنا هذه في مهرجانات انتخاب ملكة جمال إيران، وهذا يجعل كلّ فتاة تحلم في نومها بأن تكون يومًا مّا ملكة جمال إيران وتضع على رأسها ذلك التاج[1]. وحاصل الكلام هو أنّ القيم هي التي ترسم شكل المجتمع وتضفي عليه ملامحه وتحدّد له مصيره ومقصده.

 

 


[1] إشارة إلى ما كان يجري في زمان الشاه، قبل انتصار الثورة الإسلامية.

 

155


123

تفسير سورة براءة

والآية وردت لتحدّد بعض القيم، وقرّرت أنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد ليست في مستوى الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر. وهذا لا يعني أنّ السقاية ليست عملًا جيّدًا؛ ولكن الإسلام يقرّر أنّ قيمة العمل الجيّد أيضًا تتوقّف على الروح الدافعة نحوه، وبالتالي الإيمان المطلوب ليس مطلوبًا في نفسه فقط، بل هو مطلوب أيضًا لما يترتّب عليه من نتائج في الاجتماع البشريّ.

 

155


124

تفسير سورة براءة

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿19﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿20﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴿21﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿22﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿23﴾ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿24﴾

 

158


125

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

هذه المجموعة من الآيات موضوعها الأساس هو بيان مجموعة من القيم الإسلامية الأصيلة، في مقابل القيم الموهومة عند أهل الجاهلية.

 

سبب النزول

في سبب نزول الآية التاسعة عشرة اختلافٌ طفيف بين ما ورد في كتب الإمامية وما ورد في كتب أهل السنّة. فقد ورد في بعض الأخبار أنّ العبّاس لمّا أسِر يوم بدرٍ، أقبل عليه أناس من المهاجرين والأنصار، فعيّروه بالكفر، وقطيعة الرحم، فقال: ما لكم تذكرون مساوئنا، وتكتمون محاسننا؟ قالوا: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم والله لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفكّ العاني. فأنزل الله تعالى: "ما كان للمشركين أن يعمروا..". إلى آخر الآيات[1]. لتبيّن له أنّ هذه الأعمال لا قيمة لها إذا لم يتحلَّ فاعلها بالإيمان.

 

وورد في بعض الأخبار[2] أنّها نزلت في الإمام عليٍّ بن أبي طالب عليه السلام، والعبّاس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، وذلك أنّهم افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وبيدي مفتاحه ولو أشاء بتُّ فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية، والقائم عليها. وقال عليّ عليه السلام: ما أدري ما تقولان، لقد صلّيتُ إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. وقيل إنّهم


 


[1]  مجمع البيان، ج 5، ص 28.

[2] المصدر نفسه، 27 و28.

 

160


126

تفسير سورة براءة

جعلوا النبيّ حكمًا بينهم فنزلت الآية.

 

نعم من يحقّ له الفخر هو ذلك الشخص الذي يدافع عن الدين في الوقت الذي يتكاتف جميع الخلق ضدّه، ومع ذلك يشمّر عن ساعد الجدّ وينهض للدفاع عن الدين وترويجه، ولا ينتظر المعجزة الإلهيّة، بل يعمل على تثبيت الدين وبسط سلطته ونشره في الأرض.

 

وفي رواية أخرى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ناشد الناس يسألهم هل يعرفون أحدًا غيره نزلت فيه هذه الآية؟[1] نعم من حقّ عليٍّ عليه السلام أن يفتخر بأنّه أوّل الناس إسلامًا في وقت عزّ فيه المؤمنون، ولم يكتفِ بالإيمان؛ بل بذل الجهد ولم يدّخر وسعًا في سبيل الدفاع عن الدين.

 

وهذه الآية تبيّن مطلبًا كليًّا عامًّا وهو أنّه في منطق الإسلام وعند الله سبحانه، لا شيء من الأعمال يمكن أن يُقاس بالإيمان به عليه السلام، وبالتالي تستنكر الآية على المشركين جعلهم هذين المنصبين في درجة الإيمان، والحال بحسب منطق الآية أنّ معيار الشرف والقيمة هو في الإيمان قبل أيّ شيء آخر.

 

"وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ": تخبر هذه الآية عن أنّ الله لا يهدي الظالمين من الناس. والمقصود من الظالمين في الآية إمّا الذين يحسبون أنّ هذه الأعمال البسيطة تقع في درجة الإيمان بالله، وإمّا أولئك الذين يشغلون أنفسهم وغيرهم من الناس بأعمال تافهة، ويشغلون أنفسهم بذلك عن القيم الواقعيّة.

 

تفوّق القيم الإلهيّة على القيم الموهومة عند الناس

يتابع القرآن الكريم في مقام بيان عدم التساوي بين القيم الأصيلة وهي: "الإيمان بالله، واليوم الآخر، والجهاد في سبيل الله"، وأعمال من قبيل: "سقاية الحاج، وعمارة المسجد"، فيقول: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ


 


[1]  انظر: الاحتجاج، ج 1، ص 140.

 

161


127

تفسير سورة براءة

فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ".

 

وتوضيح ذلك، أنّ الإسلام أتى بفكرٍ جديدٍ معارض للفكر الذي كان سائدًا في المجتمع الجاهليّ. ولم يكن الإيمان بالله تعالى في تلك المرحلة التاريخيّة أمرًا سهلًا قليل التكاليف؛ بل كانت تبعاته كثيرة على المؤمنين في تلك المرحلة من تاريخ الأمّة الإسلاميّة، وذلك لأنّ المؤمنين كانوا يسيرون بعكس التيّار السائد، وكان يعني ذلك تحمّل كلّ أشكال الظلم الذي كانت تمارسه قريش على المؤمنين، من رجم بالحجارة وجلد بالسياط.

 

في تلك المرحلة ثمّة من آمن بحسب الظاهر؛ ولكنّه في مقام العمل كان يهادن المشركين، ولم يتعرّض لأذاهم ولم يذق مرارة ظلمهم وتعذيبهم. والتاريخ يعيد نفسه، ففي عصرنا الحاضر ثمّة من يتماشى مع الظلم ويهادنه تحت عنوان التقيّة. وأنا أرى أنّ تسمية هذه المهادنة باسم التقيّة ظلمٌ لهذا المفهوم. العبّاس عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واحدٌ من هؤلاء. هذا ولكن أتمنّى أن لا يفهم أحدٌ أنيّ أعارض مفهوم التقيّة؛ بل أنا أعارض وأخالف بعض التفسيرات الخاطئة لهذا المفهوم.

 

وثمّة من يصرّ على أنّ العبّاس مؤمنٌ على الرغم من أنّه لم يخطُ خطوةً من أجل الإسلام؛ بل أتى لمحاربة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وأمّا عندما يصل إلى أبي طالب الذي دافع عن الإسلام وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وضحّى بكلّ شيء من أجله، وتحمّل الكثير من الآلام والمشاقّ، يحكم عليه بعدم الإيمان، وهذا ظلمٌ لأبي طالب.

 

إنّ مثل هذا الإيمان المنسوب إلى العبّاس ليس فضيلةً، ولو أنّه قُتِل في المعركة في مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لجرت عليه أحكام الكفّار.

 

وثمّة طائفة ثانية من الناس آمنت بالله، وبقيت في مكّة إلى أن صدر الأمر بالهجرة وتحمّلت هذه الطائفة من المؤمنين العذاب، ونالها من أذى قريشٍ ما نالها، وثبت هؤلاء المؤمنون وصبروا حتّى صدر الأمر بالهجرة من مكّة إلى المدينة لتأسيس المجتمع الإسلاميّ، وهؤلاء يمكن وصفهم

 

162

 


128

تفسير سورة براءة

بالمسلمين العلويّين؛ حيث إنّ عليًّا بن أبي طالبٍ عليه السلام كان رمزهم والمجسّد لجميع تضحياتهم وأشكال ثباتهم، كيف لا وهو الذي ضحّى بكلّ شيء في سبيل الله.

 

وعلى الرغم من أنّ الجهاد بالمال والنفس أمرٌ ممكنٌ ومقدور، ولولا أنّه مقدور وممكنٌ لما كلّف الله به، على الرغم من إمكانه، فإنّه في مقام العمل والتطبيق تكليفٌ شاقٌّ؛ لأنّه يستدعي التضحية بالمال الذي بذل الإنسان الكثير من التعب لجمعه، وهو تعريض للنفس لخطر الموت وتقديمها قربانًا على مذبح الدين.

 

والحديث عن هذه الأمور يبدو سهلًا، ولكنّ صعوبته تظهر عندما تبدأ السياط بالتلوّي على ظهره. وهؤلاء الذين يثبتون تحت ظلال السيوف والسياط هم الذين يستحقّون التقدير، وأمّا من لا يكلّفه إيمانه الكثير من التضحيات فهو لا يصل إلى مرتبة أولئك، ولا ينال درجتهم.

 

ولعلّه يمكن القول إنّ صيغة التفضيل[1] المذكورة في الآية في قوله تعالى: "أَعْظَمُ دَرَجَةً" ليس فيها معنى التفضيل على الحقيقة؛ لأنّ غيرهم ليس عنده ذلك الفضل حتّى يشترك معهم ويكونوا هم أعظم درجةً منه.

 

"وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ": هؤلاء الفائزون هم الذين فازوا بالوصول إلى هدفهم الذي هو الهدف الأساس من الخلق، وأما أولئك الذين يحسبون أنّهم يفوزون بطلب الراحة والسكون والميل إلى الدعة، فهم مخطئون في منطق الإسلام ومنظومته القيمية.

 

والآية اللاحقة تبيّن منزلة هذه الفئة الثانية التي نتحدّث عنها حيث


 


[1] صيغة التفضيل المعبّر عنها في اللغة العربية بـ"أفعل التفضيل"، تدلّ على الاشتراك بين طرفين في صفة وتفوّق أحد الطرفين على الآخر في هذه الصفة؛ ولكن في بعض الحالات قد تُستعمل لبيان الفضل وليس لبيان التفضيل.

 

163


129

تفسير سورة براءة

يقول تعالى: "يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ". وفي هذه الآية يبشِّر الله هذه الطائفة من المؤمنين بنيل رحمته والتمتّع برضوانه، والرضوان من الله هو أعظم ما يمكن أن يناله الإنسان من ثواب: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ﴾[1]. ومن الصفات التي تذكرها هذه الآية للجنّة ونعمها، أنّها نعمٌ خالدةٌ هم مقيمون فيها إلى ما شاء الله، فلا تشبه من هذه الناحية نعمَ الدنيا التي مهما طالت فإنّها سوف تزول في نهاية المطاف. فهم ضحّوا بالنعم المعرّضة للزوال فأثابهم الله نعمًا خالدةً لا يعرف الزوال طريقًا إليها، وهم خالدون فيها إلى الأبد: "خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا". فبحسب هاتين الآيتين من كتاب الله النعم خالدة والمنعّمون خالدون، ومن هنا لا تكرار في الآية كما ربّما يُتوهَّم.

 

في جملة "إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" إشعارٌ بالحصر، ومعنى الآية أنّ من عنده أجرٌ عظيمٌ هو الله وحده، وما سوى الله مهما كبر ثوابه وعظُم لن يكون عظيمًا، عظمة جميع العطايا غير الإلهية نسبيّةٌ، فهي تبدو عظيمة في نظر بعض الناس ولكنّ واقعها أقلّ ممّا تبدو.

 

كان الكلام في الآية 20 على الإيمان والهجرة. والهجرة وغضّ النظر عن الأوطان أمرٌ ثقيلٌ؛ لأنّ العلاقات والروابط العائليّة أشبه ما تكون بالقيد الذي يشدّ المدعوّ إلى الهجرة والمطالَب بها نحو الاستقرار. ومن هنا، نجد أنّ الله عز وجل يدعو إلى الهجرة ويشجّع عليها بالإلفات إلى هذه النقطة تحديدًا حيث يقول تعالى في مقام تحديد ضوابط العلاقات والقرابات ومدى السماح لها بالتأثير في حركة الإنسان واستقراره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾. تنهى هذه الآية عن اتّخاذ الأقارب أولياء إن هم رجّحوا الكفر على الإيمان.


 


[1] سورة التوبة: الآية 72.

 

164


130

تفسير سورة براءة

معنى الولاية

يختلف المفسِّرون في معنى الولاية ومعنى كلمة "وليّ"؛ والمعنى الذي تفيده كلمة ولاية هو العلاقة بين شخصين مهما كان الدافع إلى هذه العلاقة. فإذا كانت هذه العلاقة بين العبد وسيّده ففي هذه الحالة يكون السيد "مولى" لعبد، وفي بعض الحالات توجب الصلة بين طرفين أن يرث أحدهما الآخر، وفي حالة ثالثة يكون الدافع نحو هذه العلاقة هو المحبّة. وفي بعض الحالات تكون هذه العلاقة بين الحاكم ورعيّته فيُسمّى الحاكم بـ"الوليّ" أو "الوالي".

 

وفي القرآن الكريم آيات عدّة تنهى المؤمنين عن اتّخاذ من سوى الله ورسوله والمؤمنين أولياء. وهذه الآيات تفيد دعوة المسلمين إلى المحافظة على علاقتهم وروابطهم بالله ورسوله والمؤمنين، وتدعوهم إلى أن يكونوا في صفّهم وجبهتهم، وتنهاهم عن الكون في الضفّة المقابلة لهم مع اليهود والنصارى أو مع الكفّار والمشركين، حتّى لو كانت بينهم وبين هؤلاء صلة قرابة أو علاقة مهما كان نوعها وسببها.

 

والعلاقة بالآباء والأمّهات والإخوة وغيرهم من الأقارب، هي رابطة مبنية على الدم والنسب، ومثل هذه الصلة محترمة في الإسلام؛ ولكنّ رابطة الإيمان والعلاقات الناشئة عنه بحسب الرؤية الإسلامية هي الأوثق والأعمق. فلو كانت بينك وبين شخصٍ عشرات الصلات والروابط، ولم يكن هذا الشخص متّحدًا معك في الفكر، فليست هذه الروابط بشيءٍ. وقد ورد في عدد من الأخبار والروايات عن أهل العصمة والطهارة، أنّ بين المؤمن والمؤمن قرابة وصلة وثيقة[1]. والأخ قد ينبغي قطع العلاقة به بحسب الرؤية الإسلامية إذا كان في الجبهة المقابلة لجبهة الإيمان.

 

وهذه الآيات تؤسّس لهذه القاعدة وتدعو المؤمنين إلى قطع علاقاتهم


 


[1]  انظر: بحار الأنوار، ج 64، ص 73.

 

165


131

تفسير سورة براءة

بأقاربهم حتى لو كانوا آباءً وأمّهات، إن هم رجّحوا الكفر على الإيمان. وبحسب هذه الآية تكون جميع الروابط والعلاقات الطبيعية بين الناس فرعًا، ويكون الأصل والأساس هو "القرابة الفكرية".

 

"وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ": تختم هذه الآية ببيان أنّ من يعمل عكس القاعدة الأساس المشار إليها، ويتولّى أقاربه الذين استحبّوا الكفر على الإيمان، يكون ظالمًا لنفسه ودينه وعقيدته، كما يكون ظالمًا لعباد الله المؤمنين.

"قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ": ماذا يحصل عندما نزن ونقيس حاصل العلاقات القومية والقرابية المبنية على صلة الدم؟ الأب هو محلّ افتخار الإنسان وهو منشأ وجوده، وهو من له حقّ الاحترام والمحبّة على ابنه. وبعده يأتي الابن الذي هو ثمرة حياة الإنسان وهو الذي يجعل الإنسان من نفسه درعًا له يحميه من المخاطر التي قد تواجهه ويفديه بنفسه. وبعدهما يأتي الأخ وهو الشريك في الأصل والمنشأ، وأخيرًا الأزواج الذي يساعدون أزواجهم على قضاء حاجاتهم الطبيعية، ويمثّل كلّ واحدٍ منهما الستر للآخر.

 

وكما هو ملاحظٌ فإنّ الكثير من الدوافع والعواطف في مجال القرابة والتولّي يمكن اختصارها بهذه الكلمات الواردة في الآية: الآباء، والأبناء، والأزواج، والأموال التي حصّلها الإنسان بشقّ النفس في بعض الحالات، وهي التي قد تكون وسيلة مساعدة لتأمين الدنيا والآخرة. فإذا كانت هذه الأشياء التي هي فيها راحة الإنسان وطمأنينته أحبّ إليه من الله ورسوله وأهمّ من الفكر والجهاد في سبيل الله، وإذا نظرت في قلبكَ أيّها الإنسان فوجدت أنّه يميل إلى هذه الأمور ويتعلّق بها أكثر من تعلّقه بالله ورسوله، فعليك انتظار أمر الله فيك: "فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ".

 

فما هو هذا الأمر المطلوب توقّعه وانتظاره؟ يبدو أنّه غامضٌ قليلًا. ومن

 

 

166

 


132

تفسير سورة براءة

هنا قال بعضهم إنّ الآية بصدد الوعيد بالعذاب في الدنيا. وقال آخرون إنّه التهديد بالاستبدال بأن يأتي الله بمن يقبل هذا الفكر ويضحّي من أجله. ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ الواضح من لحن الخطاب في الآية أنّها في مقام التهديد.

 

الجهاد هو قبول تحمّل أشكال العذاب إلى أن يصل الأمر إلى الشهادة. ولكن كيف يمكن أن يحبّ الإنسان هذه الأمور أكثر من محبّته لأبيه وابنه وأخيه وزوجه...؟ وحيث إنّ الله طالبنا بهذا وكلّفنا به نستنتج أنّه ممكنٌ، ولكنّ المطلوب أوّلًا هو معرفة الله حقّ معرفته، ثم بعد ذلك يقدر الإنسان على حبّ الجهاد والتضحية في سبيل الله أكثر من حبّه لأبيه وابنه...

 

"وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ": تكشف هذه الآية عن حرمان الله الفاسقين من هدايته، والفسق هو خروج الرطب من قشره، وفي الآية معناه خروج الإنسان من ربقة الإيمان.

 

167

 

 


133

تفسير سورة براءة

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴿25﴾ ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ﴿26﴾ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿27﴾

 

168


134

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

ينقل بعض المفسِّرين أنّ هذه الآيات هي تكميل للمطالب الواردة في الآية 23. ويرى آخرون أنّ مفاد هذه الآية ومؤدّاها أوسع وأشمل ممّا ورد في الآية 23، وبالتالي لا ضرورة تقتضي عدّها تكميلًا أو تتمّة لما ورد فيها.

 

وعلى أيّ حال، ليس حسم هذا الأمر مهمًّا بالنسبة لنا؛ إذ نرى أنّ كلّ آية من هذه الآيات، بيانٌ مرحليٌّ للوصول إلى ذاك الهدف. ويعتقد بعض المفسِّرين أنّ الآية 23 تمهيد لآيات حنين. ويبدو أنّ هذا الكلام غير صحيحٍ؛ لأنّ ما قيل أوّلًا لا تتّضح فيه حيثية التمهيد والتقديم؛ بل هو مضمونٌ أصليٌّ وأساس، وعليه لا تكون آية يوم حنين تتمّةً له.

 

الحرفان اللام و"قد" في قوله تعالى: "لقد نصركم الله" يفيدان التأكيد، والمعنى: إنّ الله نصركم في حالات عدّة، ووقائع مختلفة، ويوم حنين واحدٌ من هذه الأيام والوقائع.

 

ويمكن الاستفادة في تعيين المقصود من الكثرة من الأخبار الواردة، في الوقائع والحروب التي خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة المشركين. ومن هذه الأخبار أنّ المتوكّل[1] لمّا سُمَّ نذر إن عوفي أن يتصدّق بمالٍ كثيرٍ، فلمّا عوفي سأل الفقهاء عن حدّ المال الكثير فاختلفوا عليه. فقال بعضهم: مئة ألف، وقال بعضهم: عشرة آلاف. فقالوا فيه أقاويل مختلفة، فاشتبه عليه الأمر فقال رجل من ندمائه، يقال له صفعان: ألا تبعث إلى هذا الأسود فتسأل


 


[1]  من الأمور اللافتة في هذه الرواية أنّ المتوكّل وهو المستبدّ المعاند لله وللإسلام، والذي حاول حرف الإسلام عن مساره، وتابع طريق أجداده، وخطا خطوات واسعة لهدم الإسلام، هذا الرجل يعتقد بالنذر والعهد. (منه دام ظلّه)

 

170


135

تفسير سورة براءة

عنه! فقال له المتوكّل: من تعني ويحك؟ فقال: ابن الرضا؛ فقال له: وهو يحسن من هذا شيئًا؟ فقال: إن أخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا، وإلا فاضربني مئة مقرعة؛ فقال المتوكّل: قد رضيت... فعرضت القضية على الإمام الهادي عليه السلام، فقال: الكثير ثمانون، فقال له السائل: يا سيدي إنّه يسألني عن العلّة فيه. فقال له الإمام عليه السلام: إن الله عزّ وجلّ يقول: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة"، فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين[1].

 

إذًا يُستفاد من هذه الرواية أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين واجهوا المشركين في ثمانين موطنًا.

 

إشارة إلى معركة حنين

"وَيَوْمَ حُنَيْنٍ": خُصَّ هذا اليوم بالذكر لشدّته على المسلمين، مضافًا إلى أنّ هذه الآية نزلت وقد مضى على واقعة حنين سنة أو أقلّ.

 

"إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ": لعلّه من الطبيعيّ أن يثير الإعجابَ اجتماع اثني عشر ألفًا في جيش المسلمين. وعشرة آلاف من هذا الجيش أتوا من مكّة، وألفان منهم كانوا حديثي الإسلام.

 

"فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا": هذا ولكنّ هذه الزيادة في العدد لم تنفعكم الشيء الكثير. والمقصود من الإغناء في الآية هو المنفعة والفائدة التي ترتّبت على اجتماع هذا العدد الكبير في عسكر المسلمين.

 

"وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ": صارت الأرض على رحابتها وسعتها ضيّقةً عليكم. "رَحُبَ" أي كان رحبًا واسعًا. وسبب الضيق أنّ العدوّ حاصركم من كلّ مكانٍ وضيّق الأرض عليكم فلم يعد لكم منها ما يسعكم.

 

"ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ": يُستفاد من الحرف "ثمّ" الذي هو للتراخي أي لبيان


 


[1]  انظر: الكافي، ج 7، ص 463-464؛ روضة المتّقين، ج 8، ص 49.

 

171


136

تفسير سورة براءة

الفاصلة الزمانية بين فعلين، يُستفاد منه أنّ المسلمين ثبتوا في بداية الأمر ولم يفرّوا من المعركة في أوّل وقت اندلاعها.

 

"ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ": وبعد أن ولّيتم وفررتم من القتال أنزل الله السكينة والاطمئنان على رسوله وعلى المؤمنين، وأمدّكم بجنود من عنده لا ترونهم.

 

وهؤلاء الجنود إمّا هم الملائكة، أو هم الحالات النفسية التي تبدّلت فتحوّلت إلى يقظة وثبات، وهذه الحالات هي أيضًا من جنود الله، ولا فرق بين أن ينصر الله المؤمنين بالملائكة التي تنزل لتقاتل معهم، أو ينصرهم بالتصرّف في حالتهم الروحية والنفسية. والآية عامّة لا إشارة فيها إلى الملائكة. وفي مقابل إنزال السكينة والجنود لمصلحة المؤمنين أنزل الله العذاب على الكافرين وجزاهم بما يستحقّون.

 

لقد أبدع الله نظام الخلق على قاعدة الحقّ، والدين الإلهيّ من أهمّ تجلّيات هذا الحقّ. والحقّ أشبه بشجرة تمتدّ جذورها في أعماق الأرض وتضرب فروعها وأغصانها في عنان السماء. وأمّا الباطل فهو أشبه بشجرة لا جذور لها، ولذلك فهي تنهار في مواجهة أوّل عصفة ريح، أو هي كالأعشاب الضارّة التي تنبت حول الحقّ، فتحاول إعاقة نموّه وتطوّره. ومن هنا فإنّ تطوّر الحقّ ونموّه يحتاج إلى استئصال هذه الأعشاب الضارّة ومنعها من إعاقة مسار تطوّره، وأظهر مصاديق الباطل المعيق للحقّ "الكفر والشرك": ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء... وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار﴾[1].

 

وفي هذا الميدان تقضي السنّة الإلهيّة بنصرة أهل الإيمان، ما داموا من أهل الثبات والصبر في مواجهة الشرك والكفر.


 


[1] سورة إبراهيم: الآيتان 24 و26.

 

172


137

تفسير سورة براءة

وجنود الله قد يكونون من الملائكة الذين لا يراهم الناس، كما حصل في معركة بدر؛ حيث نزلت الملائكة لنصرة المؤمنين؛ ولكنّ الله له جنودٌ من أنواعٍ شتّى، من قبيل: الوعي ويقظة الضمير، والعواطف المعنوية والرغبة في التضحية، والعزم والثبات، وكلّ هذه الصفات تنبع من داخل المؤمن.

 

وينبغي أن يُعلم أنّه ثمّة سننٌ أخرى في العالم، منها السنّة التي مؤدّاها هزيمة الجماعة التي تُبتلى بالغرور. لو اغترّ المسلمون بعددهم وعدّتهم، وغفلوا عن يد الله التي تدير الأمور وراء الأسباب الظاهريّة، ولو أنّهم علّقوا قلوبهم بالأسباب الماديّة بدل الاتّكال على الله والاعتماد على عنايته، لو أنّهم أصابهم هذا الخلل، لوكلهم الله إلى أنفسهم، ليذوقوا مرارة الغفلة، وليعلموا أنّ الملجأ والركن الذي يمكن أن يأوي إليه الإنسان على الدوام هو الله تعالى وحده.

 

في بداية معركة حُنين اغترّ المسلمون بعدّتهم، فشملتهم السنّة الإلهيّة وجرت عليهم، وتركهم الله لأنفسهم، فاستولى عليهم الخوف والرعب من العدوّ، ولم تغنِ عنهم كثرة العدد شيئًا، وضاقت عليهم الأرض على رحابتها وسعتها، وعزم بعضهم على الفرار وتخلّوا عن الدفاع عن النبيّصلى الله عليه وآله وسلم، وظهرت في جيش المسلمين إرهاصات الهزيمة؛ ولكن أيقظهم نداء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله السكينة عليهم، وأنزل الله جنوده لنصرتهم، وبدّل الله حالهم من الهزيمة إلى النصر، ونزل العذاب على عدوّهم وذاق طعم الهزيمة الذي أوشك أن يذوقه المسلمون.

 

هذا ولكنّ من السنن الإلهيّة الثابتة أنّ الكفر والشرك لا يدومان في معركتهما مع الإيمان، وما دام من يحمل الإيمان في ساحة المواجهة فإنّ الشرك سوف يضعف ويُذل. وفي المقابل، كتب الله أن يقوى الحق يومًا بعد يومٍ إلى أن يعمّ الدنيا على يد الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، فلا يبقى في عهده أثرٌ للباطل ولا دولة.

 

وينبغي الالتفات إلى أنّ التقدّم قد يُساء تفسيره في بعض الحالات. ثمّة

 

173

 


138

تفسير سورة براءة

صعود وهبوط في مسيرة الحقّ، وليس المسار دائمًا في أرض سهلة لا حزونة ولا وعورة فيها. ففي بعض الحالات قد يتراجع الحقّ وينهزم لفترة من الزمان على يد الباطل، ما يؤدّي إلى يقظة أهل الحقّ وعودتهم إلى رشدهم.

 

والهبوط في بعض الحالات من لوازم التطوّر والتقدّم، وهذا أشبه بالبناء الذي لا يمكن أن يبنى على وجه الأرض؛ بل لا بدّ من الحفر في الأرض لوضع القواعد وتثبيت البناء عليها. ومن هنا فإنّ الحكم بالتقدّم أو بالتراجع ينبغي أن يكون مبنيًّا على النظرة الشاملة التي يُلاحظ فيها المسار كلّه، ولا يصحّ أن نبني أحكامنا على التبدّل المؤقّت في المسارات. وليس هذا خاصًّا بالإسلام والحقّ، فكلّ الثقافات والاختراعات والاكتشافات تواجه بعض العقبات ثمّ تعود وتنطلق من جديد.

 

"ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ": تاب تعني عاد ورجع، غاية الأمر أنّ توبة العبد إلى الله هي رجوعه إليه سبحانه بالاستغفار والتراجع عن الذنب. وتوبة الله على العبد تعني قبول الله توبة العبد ورجوعه. والتوبة في هذا المورد المذكور في الآية لها معنًى دقيق. فأولئك الذين فرّوا من المعركة وأداروا ظهورهم للعدوّ، عليهم أن يعودوا من جديد إلى الميدان، وليست توبتهم بأن يقول أحدهم "أستغفر الله" وهو ما زال مولِّيًا ظهره للعدو. فالتوبة هي العودة إلى ساحة المعركة بعد مغادرتها. وهذا هو ملاك التوبة في الإسلام ومعيارها. فعندما عادوا عاد الله إليهم، وهذه هي القاعدة في أفعال الله أن تجري بأسبابها وعللها، إلا في حالات الاستثناء والموارد الخاصّة.

 

أسلوب الإسلام في تطبيق الأحكام

بعد وضوح سبب نزول الآيات ومناسبة نزولها، لا بدّ من الالتفات إلى سرّ نزولها. الآيات من الآية العاشرة فما بعدها تحثّ المسلمين وتحضّهم على الجهاد في سبيل الله. وقد قلنا إنّ الإسلام لا يكتفي بمجرّد إبلاغ الأحكام وبيانها؛ بل يهتمّ أيضًا بأسلوب التطبيق والتنفيذ، ويبيّن بأسلوب جميل كيفية

 

174

 


139

تفسير سورة براءة

رفع الموانع من تحويل هذه الأحكام النظرية وتجسيدها على أرض الواقع. وبعض هذه الموانع والمعيقات قد تكون في طريقة التفكير عند الناس وقد تكون صفة نفسية أو روحيّة عندهم، وقد تكون موانع ومعيقات خارجية.

 

ومن الأساليب التي ترفع الموانع بيان علل الأحكام. والإشارة إلى منافع الأحكام والأوامر الإلهية، ومضارّ المنهيّات، هي أيضًا من هذه الأساليب التي يعتمدها الله تعالى. فقد قال تعالى في المصالح المترتّبة على الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾[1]. وقال في المفسدة المترتّبة على الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[2]. ويصبّ هذان البيانان وما يشبههما في مصلحة تسهيل الالتزام بتطبيق الأحكام الإلهيّة، وإقامة دين الله.

 

والأسلوب نفسه اعتُمد في مجال الدعوة إلى "الجهاد في سبيل الله". فقد بيّن القرآن الكريم معيقات الاشتغال بتلبية هذه الدعوة الإلهيّة، وعمل على رفع هذه المعيقات بحكمة بالغةٍ. ومن هذه الموانع التعلّق بالقيم الظاهريّة الرائجة في المجتمع، كسقاية الحجيج وعمارة المسجد الحرام، وعدّها هي القيمة بدل أن تكون القيمة هي "الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله". وفي السياق نفسه ذمّ الله الركون إلى العلاقات القرابية والتعلّق القلبيّ بالماديّات.

 

وطرح القيم الحقيقية بدل القيم الظاهريّة سببه أنّ انشداد الإنسان إلى القيم الفارغة والتعلّق بها، ينزع من قلبه الحماسة إلى الجهاد في سبيل الله، ويربّي في نفسه الميل إلى الدعة وطلب الراحة.

 

ومن موانع الجهاد ومعيقاته حالة اليأس وانعدام الأمل التي لا بدّ من مواجهتها واقتلاعها من النفس الإنسانيّة؛ وذلك لأنّ هذه الحالة تحول

 


[1] سورة العنكبوت: الآية 45.

[2] سورة المائدة: الآية 90.

 

175


140

تفسير سورة براءة

بين الإنسان والحضور في الساحة، وحتى لو شهد المجاهد الحرب بهذه الروحية فإنّه لا يرى النصر ولا يذوق حلاوته. والآيات المذكورة تواجه هذه الحالة وتلفت إليها.

 

وقد تُليت هذه الآيات في وقت لم يكن قد بقي من عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من حوالى أربعة عشر شهرًا، وقد كان يعلم ماذا سوف يواجه المسلمين بعد وفاته من أحداث وحالات روحية. ولم تكن التكاليف الدينية خاصّة بالسنوات التي قضاها صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين؛ بل إنّ هذا الدين هو دين الله إلى الأبد، والمجتمع الإسلاميّ سوف يبقى إلى ما شاء الله له البقاء، وبالتالي لا بدّ من بيان ما ينفع المسلمين في مستقبل حياتهم وحياة مجتمعهم.

 

وحيث إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان عارفًا بهذا الأمر، كان حريصًا على تزويد المسلمين بما ينفعهم في مواجهة الأحداث التي سوف تطلّ برأسها بعد حين من وفاته، ولذلك كان يكرّر بعض المسائل في المجامع العامّة وعلى ملإٍ من الناس.

 

وفي هذه المدة التي كانت قد بقيت من عمره الشريف حدثت وقائع استُغلّت في تحقيق هذا الهدف، منها واقعة الغدير، ومنها أيضًا واقعة حنين. والهدف هو أن لا يخسر المسلمون دينهم في اليوم التالي لفقدهم نبيّهم... وذكر قصّة حنين هو مثال يهدف إلى إيصال هذه الرسالة، وهي رسالة بعث الأمل بالنصر الإلهيّ والتحذير من اليأس وخمود شعلة الأمل في النفوس، والتحريض على مواجهة الكفّار.

 

والرسالة الأخرى التي تضمّنتها الآيات هي التحذير من الاغترار بالكثرة العددية؛ لأنّ كثرة العدد ليست هي العنصر الحاسم في تحقيق النصر.

 

والإلفات إلى نزول السكينة والطمأنينة على عسكر المسلمين، من البشائر الإلهية لأهل الإيمان والثبات. والسكينة هي موهبة إلهيّة يمنّ الله بها على النفس الإنسانية فتؤدّي إلى قدرتها على الثبات في مواجهة المهالك

 

176

 


141

تفسير سورة براءة

والأزمات. وعندما يهبّ هذا النسيم على الوجوه الإنسانيّة يمسح عليها بالسعادة والنصر.

 

السكينة هي مركّب من سمات وحالات روحية عدّة، هي:

الحالة الأولى هي الهدوء الروحيّ، ويقابلها الاضطراب والتشويش والقلق.

 

الحالة الثانية هي حالة الوثوق والثقة واليقين، ويقابلها حالة الشكّ والتردّد، وهذه الأخيرة هي الحالة التي ترافق السالك من بداية مساره إلى أن يصل إلى مقصده، وهي ناجمة عن التفكير في المستقبل وعدم وضوح الرؤية تجاهه، وعندما تصيب هذه الحالة الإنسان تدعوه دائمًا إلى التردّد والشكّ في صحة خياراته.

 

الحالة الثالثة هي حالة الاستقرار، ويقابلها حالة التزلزل. حالة الاستقرار ناجمة عن متانة البنى الفكرية، وهو ما يمنع الإنسان من السقوط هنا وهناك. فالبناء الذي أحكمت قواعده يبقى ثابتًا راسخًا في الأرض مهما واجه من أعاصير ورياح.

 

يُستفاد من مجموع الآيات الواردة في السكينة أنّها حالة مركّبة من هذه الحالات الثلاث، فهي تستبطن الهدوء الروحي، والثقة، والاستقرار.

 

والحالة الرابعة التي ربّما تكون جزءًا من السكينة أو عنصرًا فيها هي "الميل إلى الاستقرار وعدم التأثّر بالمؤثّرات الخارجيّة"، وهذه الحالة تدعو الإنسان إلى الثبات وعدم الانجذاب إلى هذه الجهة أو تلك. وهذه الحالة من آثار رسوخ الإيمان في القلب، وتؤدّي هذه الحالة في الوقت نفسه إلى تعميق الإيمان، وهي ذات مراتب عدّة، يصل الإنسان إلى أعلاها عندما يتجلّى الإيمان في قلبه. وعليه فإنّ السكينة التي تنزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلى درجة من السكينة التي تنزل على قلب غيره من المؤمنين.

 

يقول بعض المفسِّرين: "أثر السكينة في قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو أنّه كان واثقًا

 

177

 


142

تفسير سورة براءة

من أنّ الكفّار لن يدركوه. ومن الطبيعي أن يترك هذا الاعتقاد في نفس النبيّ الخارج للبحث عن مكانٍ وموضع يمكن تثبيت عقيدة التوحيد فيه، من الطبيعي أن يطبع قلبه بطابع الهدوء والاطمئنان".

 

في بداية معركة حنين فرّ عددٌ من المسلمين من مواجهة الكفّار؛ ولكنّهم سرعان ما انتبهوا واستأنفوا القتال وعادوا إلى ساحة الجهاد، وعند ذلك نزلت السكينة على قلوبهم.

 

ينبغي أن يُعلم أنّ الإيمان الذي ينمو على العواطف والأحاسيس لا يدوم، وسرعان ما يزول من النفس عند أوّل هزّة يواجهها. ولو أنّ جميع المسلمين اعتنقوا الإسلام تحت تأثير الخطاب الحماسيّ للقرآن، لما استطاعوا تحمّل مرارات عذاب أبي جهل. بل كان الإسلام قد نفذ إلى قلوبهم فكرًا وهدفًا، وكان عندهم وعيٌ وإدراك خاصٌّ له. ومع الأسف نحن الآن بعيدون عن ذلك المستوى من الإدراك الذي كان عند عددٍ منهم، وقد تركت الأحداث التاريخيّة أثرها في نفوسنا.

 

الثابتون في معركة حنين

ثمّة روايات عدّة تخبر عن عدد الأشخاص الذين اتّصفوا بالثبات في معركة حنين، ففي بعض الأخبار أنّ عددهم كان أقلّ من مئة شخص. وأعلى رقم محدّد ورد في المصادر التاريخية هو ثمانون شخصًا. وأقلّ تعداد ورد في المصادر الشيعية والسنّية هو أربعة أشخاص، هم: أمير المؤمنين عليه السلام، والعبّاس، والفضل بن العبّاس، وعبد الله بن مسعود، وهو من المهاجرين ذوي الشأن في الإسلام. وثمة شكٌّ في آخرين. وبعض المفسِّرين ينظر إلى هذه الحادثة بعين التعصّب، وينسب إلى الشيعة ما لا يصحّ.

 

178

 


143

تفسير سورة براءة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿28﴾

 

180


144

تفسير سورة براءة

نجاسة المشركين

"إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ": بين كلمتي نجِس ونجَس فرق، فالثانية مصدرٌ والأولى صفة مشتقّة من المصدر. فمعنى كلمة نجَس هي كون الشيء منشأً للنجاسة والخبث. ومع كون هذه الكلمة مصدرًا فقد جعلت صفة للمشركين في الآية. وهذا أسلوب معروفٌ في اللغة العربية، حيث يوصف الشيء بالمصدر للمبالغة في الوصف. وهذا يشبه العدول عن قولنا "زيدٌ عادلٌ" إلى قولنا "زيد عدلٌ"، فهذه العبارة الأخيرة تتضمّن المبالغة في وصفه بالعدالة. والأمر نفسه يُقال في الآية التي وصف المشركون فيها بأنّهم نجَسٌ من باب المبالغة ولتأكيد نسبة النجاسة إليهم.

 

"فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا": ولمّا وُصِف المشركون بالنجاسة بهذا المستوى المذكور في الآية، كان من الطبيعي أن يُنهَوا عن الاقتراب من المسجد الحرام. تحدّثنا سابقًا عن خطّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التي تقضي بإخراج المشركين من الجزيرة وعدم السماح بغير فكر التوحيد بالبقاء والانتشار فيها. وأَولى الأماكن بالطهارة من الشرك هو مكّة قاعدة التوحيد. هذه هي الخطّة، ولكنّ عدالة الإسلام وسماحته قضت بأن لا يفاجأ المشركون بهذا القرار؛ بل يُعطوا فرصةً، ومن هنا تتحدّث الآية عن منعهم من الاقتراب من المسجد الحرام بعد عامهم هذا.

 

المعارضون لخروج المشركين من مكّة

لقد عارض فريقان إخراجَ المشركين من مكّة، أحد هذين الفريقين هو

 

182

 


145

تفسير سورة براءة

المشركون أنفسهم؛ حيث كانت مكّة مدينتهم ومسجدها مستقرّ أصنامهم. والفريق الثاني هو بعض المسلمين الذين كانت تربطهم بالمشركين علاقات اقتصادية كالبيع والشراء والدلالة، وعندما يُمنع المشركون من الدخول إلى مكّة سوف يخسرون هذا المورد من موارد رزقهم.

 

يُضاف إلى ذلك أنّ طبيعة الحياة الاقتصادية لقريش كانت تقوم على قاعدة "رحلة الشتاء والصيف"، فإذا منع المشركون من دخول مكّة، ربّما يمنعون قوافل أهل مكّة من المرور في مناطق سكناهم، وبالتالي يتعرّض المسلمون للحصار الاقتصاديّ. لهذا وجد بعض المسلمين أنّ منع المشركين من دخول مكّة يضرّ بمصالحهم الاقتصاديّة.

 

أخذ الله تعالى هذه الملاحظات والهواجس بالاعتبار عند تشريع هذا الحكم وقال سبحانه: "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"؛ وفي هذا المقطع من الآية يبين الله للخائفين على مصالحهم الاقتصاديّة بأنّ الرزق من عنده، ويقول لهم إذا خفتم من الفقر المترتّب على منع المشركين من الدخول إلى مكّة فإنّي أضمن لكم الغنى بفضلي. وإذا كنتم ترون أنّ هذا الحكم سوف يسدّ عليكم بابًا من أبواب الرزق، فإنّ الله سيفتح لكم أبوابًا أخرى من الرزق، وهو العالم بمصالحكم، وهو الذي يدبّر ويدير أموركم بحكمته.

 

على الإنسان أن يلاحظ هذه الآية ويلتفت إليها، عندما يرى أنّه على مفترق طرقٍ وبين خيارين: إمّا الحياة المرفّهة الماديّة، وإما العمل بأحكام الله وتشريعاته التي قد تترتّب عليها بعض المشقّة وضيق ذات اليد.

 

183

 


146

تفسير سورة براءة

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿29﴾

 

184


147

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

تقدّم في بداية تفسيرنا لهذه السورة أنّ عددًا من آياتها يبيّن الموقف الواجب اتخاذه تجاه الكفّار والمشركين. وهذه الآية هي واحدة من عدد من الآيات التي تحدّد موقف المسلمين من أهل الكتاب (اليهود والنصارى). وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الروايات تدخل المجوس أيضًا في أهل الكتاب[1].

 

تبيّن هذه الآية حكم القتال مع أهل الكتاب بطريقة تختلف عن حكمه مع المشركين. وفي الآيات اللاحقة سوف يأتي الحديث عن فلسفة القتال بين المسلمين وأهل الكتاب، وعن الأسباب الاجتماعية التي تدعو أهل الكتاب إلى التسليم المطلق لأحبارهم وعلمائهم والنتائج المترتّبة على هذا التسليم، وعن فلسفة ظهور الإسلام، وغير ذلك من الموضوعات التي تعرّضت لها الآيات الآتية. وهذه الآية واحدة من سبع آيات بينها شيءٌ من الاشتراك، فهذه الآية تحدّد الحكم، والآيات اللاحقة تشرح هذا الحكم وتبيّن مجموعة من الأمور المرتبطة به.

 

يرى بعض المفسِّرين أنّ هذه الآية تمهّد لمعركة تبوك. وعلى الرغم من إمكان صحّة هذا الأمر إلا أنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ الفاصل الزمنيّ بين نزول هذه الآية ومعركة تبوك هو ما يقرب من سنتين. وقد قيل في تبرير


 


[1] المقصود من أهل الكتاب هو أهل الأديان الذين يعتقدون بواحد من الأديان السماويّة التي نزل الوحي على نبيّها وله كتابٌ يؤمنون به. واليهود والنصارى والزرادشتيّون من أهل الكتاب. وكذلك الصابئة أيضًا هم من أهل الكتاب بحسب ما انتهى إليه البحث حولهم. ولا إشكال في معاشرة هؤلاء الناس وفق قواعد الأخلاق. (انظر: آية الله الخامنئي، رسالة أجوبة الاستفتاءات، ص 68، السؤال 316.)

 

185


148

تفسير سورة براءة

هذا الربط رغم الفاصل الزمانيّ، إنّ معركة تبوك هي المعركة الأولى التي كانت الإمبراطوريّة الرومانية طرفًا فيها، وهذا يستدعي التمهيد المبكّر وإعداد جيش المسلمين روحيًّا قبل الدخول في الحرب.

 

"قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ": تدعو الآية إلى قتال الذين لا يؤمنون بالله ولا يعتقدون حرمة ما حرّم الله ورسوله. والمجتمع الإسلاميّ كغيره من المجتمعات ينبغي أن يخضع أعضاؤه لمجموعة من القوانين والمقرّرات التي تحدّد ما هو مسموحٌ به وما هو ممنوعٌ ومنهيٌّ عنه.

 

والآية تدلّ على نهي أهل الكتاب عمّا تنهاهم عنه شريعتهم، ولكن ثمّة نقاش في دلالتها على تحريم المحرّمات الإسلاميّة عليهم، وهنا ينبغي القول: "إنّ كل ما هو محرّم على المسلمين في المجتمع الإسلاميّ على اليهود والنصارى الالتزام بحرمته وعدم ارتكابه". وهذا المنع أمرٌ طبيعيٌّ؛ وذلك لأنّ أيّ مجتمع يستقبل بعض الأشخاص من غير نسيجه الاجتماعيّ يلزمهم بأحكامه ومقرّراته، وذلك في مقابل ما يُعطى من حقوق وامتيازات وحماية من الدولة الإسلاميّة. وليس في هذا الإلزام ظلمٌ أو جورٌ عليه؛ بل هو ممّا يقتضيه العرف والسيرة العقلائيّة، وبه يتحقّق صلاح المجتمع واستقراره.

 

وبناءً على هذا الفهم، يجب على أهل الكتاب الالتزام بأنظمة المجتمع الإسلاميّ وقواعده، وهذا الالتزام هو واحدٌ من شروط عقد الذمّة بين المسلمين وأهل الكتاب.

 

مبرّر مقاتلة أهل الكتاب

لمّا كان الاعتقاد بالله ويوم الجزاء من الأصول المسلّمة في جميع الأديان السماويّة، لا يمكن حمل الآية وتفسيرها بأنّها تتحدّث عن بعض الطوائف التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر؛ بل ينبغي فهم الآية على أنّها تدعو إلى قتال أهل الكتاب لانحرافهم عن عقيدة التوحيد الحقيقية التي أتى بها

 

186


149

تفسير سورة براءة

أنبياؤهم، وإدخالهم في دينهم بعض الخرافات التي تتنافى مع التوحيد.

 

إله اليهود هو من يُسمّونه "يَهْوَه"، وهم يصوّرونه إلهًا إسرائيليًّا يحبّ شعبه ويكره الأغيار. ويهوه هذا إله طبقيٌّ قوميٌّ، فبين العقيدة اليهودية بالإله وعقيدة التوحيد الصافي بونٌ شاسعٌ. وعقيدة التوحيد المشار إليها هي العقيدة التي تبيّنها سورة التوحيد وغيرها من آيات القرآن الكريم التي تقدّم الفهم الصحيح لله تعالى.

 

"وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ": تتابع هذه الآية بيان الصفات التي يتّصف بها هؤلاء، ومن صفاتهم أنّهم لا يعلنون الطاعة والتسليم للحقّ والقواعد المنسجمة مع الفطرة ونظام الخَلْق. وهذه العبارة من الآية تقدّم مبرّرًا آخر لقتال أهل الكتاب، وهذا المبرّر هو أنّ هؤلاء يديرون ظهورهم ويعلنون التمرّد على المبادئ التي أتى بها الإسلام وقدّمها لهم كما يقدّم الطبيب الدواء لمريضه.

 

والعبارة الآتية من الآية تحدّد المقصودين الذين تنطبق عليهم أحكامها، والعنوان الوارد في الآية هو أوسع من دائرة اليهود والنصارى، حيث إنّ الآية تقول: "مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ".

 

"حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ": تبيّن هذه الآية الأجل الذي ينبغي أن تنتهي عنده الحرب مع أهل الكتاب؛ وهو أن يسلّموا بدفع الجزية ويلتزموا بأدائها. وبناءً على هذا فإنّ بين قتال المشركين وقتال أهل الكتاب فرقًا. والجزية من مادة "جزي"، وهي مبلغٌ من المال يدفعه اليهود والنصارى في مقابل استقبالهم في المجتمع الإسلامي وتأمين الحماية لهم واستفادتهم من المزايا والتقديمات التي تؤدّيها الدولة الإسلاميّة لمواطنيها.

 

فلسفة الجزية

في توضيح مفهوم الجزية ينبغي القول إنّ في زمان التوحّش حيث كانت إراقة الدماء ثمنًا للسلطة، وفي تلك المرحلة التاريخية التي كانت مجموعة من الأمم البدائيّة والمتوحّشة تتنافس في ما بينها وتتزاحم، بزغ نور الإسلام،

 

187

 


150

تفسير سورة براءة

لتنحسر ظلمات الظلم من المجتمعات الإنسانية، ويمتدّ ظلّ العدل على الأرض، ولا دين غير الإسلام يمكن أن يحقّق هذا الرفاه وهذه العدالة للبشريّة.

 

ومن نماذج العدالة الاجتماعية في الإسلام أنّ بعض جنود معاوية أغاروا على بلدة واعتدوا على بعض النساء المسلمات والمعاهدات، وعندما وصل خبر هذا الاعتداء إلى أمير المؤمنين عليه السلام علّق عليه بقوله: "فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً"[1].

 

في مثل هذا المجتمع كان يجب على الدولة الإسلاميّة أن تتعهّد بحماية مواطنيها سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، وحماية أموالهم، ودفع مبلغ من المال بعنوان الجزية مقابل هذه الحماية ليس بالشيء الكثير. وفي مقابل الجزية المفروضة على غير المسلمين، نجد أنّ واجبات المسلمين تجاه المجتمع الإسلاميّ أكبر بكثير، وذلك أنّ المسلم مطالبٌ بدفع الزكاة والخمس، ومطالبٌ بالمشاركة في الجهاد وغيره من الواجبات الدفاعيّة، وكل هذه الأمور لا يُطالب بها أهل الذمّة، ومسؤوليّاتهم تجاه المجتمع الإسلاميّ أخفّ وأقلّ مؤونة. وعليه يمكننا القول إنّ التكليف بدفع الجزية لا يتنافى مع العدالة، بل هو في الحقيقة من تجلّيات الرحمة الإسلاميّة. وأخيرًا بهذا التوضيح يتبيّن أنّ ما يروّجه بعض المستشرقين حين يقولون إنّ الإسلام يطالب غير المسلمين بالمال دون غيرهم من الناس، هو فرية بعيدة عن الواقع، ومجانبة للصواب.

 

مقدار الجزية

تختلف التقارير التاريخية الواردة في تحديد مقدار الجزية. وهنا لا بدّ من الالتفات إلى أنّ بعض هذه التقارير التاريخية والدراسات المنجزة حولها لا تخلو من الأغراض غير النزيهة.


 


[1] نهج البلاغة، الخطبة 27.

 

188


151

تفسير سورة براءة

ويبدو أنّ متوسّط الجزية يعادل حوالى عشرة دراهم في السنة تدفع عن الرجال الأصحّاء القادرين على القتال، وأمّا الأطفال والنساء والمجانين وكبار السنّ فقد كانوا معفيّين من دفع الجزية ولا يطالبون بها. هذا هو تشريع الجزية في حال كان الفقراء في إيران في ذلك الزمان يدفعون للطبقة الحاكمة أكثر من هذا المبلغ، وقد كان الأغنياء يعفون من دفع الضرائب ولا يُطالبون بها. وعندما جاء الإسلام عمّم هذا الحكم على جميع الناس فقيرهم وغنيّهم، وقد كان في ذلك شفاءٌ لصدور الطبقات الاجتماعية الضعيفة من الناحية الاقتصاديّة.

 

"عَن يَدٍ": يختلف المفسِّرون في المراد من هذه العبارة، وقد طُرح احتمالان في تفسيرها، أحدهما: أن يدفعوها بأيديهم مباشرة؛ والثاني: أن تكون صفة للمسلمين ويكون المعنى: "عن قدرةٍ لكم"، أي أن يدفعوها مع قدرتكم وسلطتكم.

 

ويمكن طرح احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من العبارة أن الجزية المطلوب دفعها يجب أن تكون مقدورًا عليها لهم ومتناسبة مع ما يستطيعون دفعه لا أقلّ ولا أكثر، ولعلّ هذا الاحتمال أقرب إلى الصواب من الاحتمال الثاني، ويمكن استفادته من بعض الأخبار الواردة في هذا الشأن[1].

 

"وَهُمْ صَاغِرُونَ": أي يجب عليهم دفع الجزية وهم ممتثلون طائعون لا يمكنهم التمرّد على هذا القانون الإسلاميّ. وقد فسّرت كلمة "صاغرون" بطريقة خاطئة وأدّى ذلك إلى استنباطات فقهيّة غير صحيحة. فثمة من فهم الصَّغار في الآية بمعنى الإذلال. وبناءً على هذا الفهم أفتى بعض الفقهاء بأنّه ينبغي إذلال الذميّ عند دفع الجزية بأن يكون الآخذ جالسًا والذميّ مطأطئ الرأس حاني الظهر، أو بأن يقبض الآخذ لحيته ويضربه؛ وهذا الفهم غير صحيح والآثار المترتّبة عليه كذلك. ولا يُستفاد من كلمة "صاغر" معنى الإذلال أبدًا.

 


[1] وسائل الشيعة، ج 15، ص 149.

 

189


152

تفسير سورة براءة

الـ"صاغر" هو الشخص الذي يرضى لنفسه أن يكون في المرتبة الدنيا، ومثاله: من يقدر على متابعة الدراسة والوصول إلى المراتب العلمية العالية، مثل هذا الشخص إذا لم يدرس مع قدرته على الدرس هو صاغر، أي رضي المرتبة الدنيا وتكاسل عن طلب المعالي. وهذا المعنى لا يتضمّن الإذلال ولا يقتضيه.

 

والأمر نفسه يُقال في من يعرض عليه الإسلام، ولا يقبله، ويرضى بأن يحرم نفسه من هداية الإسلام، فمثل هذا الشخص لن يكون في مرتبة واحدة مع المسلم ولن ينال درجته. وبناءً عليه يُطالب بطاعة الدولة الإسلاميّة وأداء الضريبة لها مقابل تعهّدها بحمايته وحماية أولاده وأمواله.

 

وينبغي الالتفات إلى أنّ شوكة الإسلام وقوّته في قوّة مبادئه ومبانيه الفكريّة، وفي عملانيّة تشريعاته وأحكامه، وفي وجود الضمانات التنفيذية لهذه التشريعات، وليس في تكبّره واستبداده. وقد نهى الإسلام بصراحة عن الكبر حيث يقول تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾[1]. وسيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام تكشفان عن احترام الكرامة البشرية للناس. والإنسان بما هو إنسانٌ محترمٌ في الإسلام، ولأجل هذا احتضن أهل الكتاب بهدف جذبهم نحوه، ومن لوازم هذا الاحتضان السلوك الحسن.

 

ولعلّ منشأ هذا الخطأ في فهم الآية والحديث عن إذلال أهل الكتاب عند دفع الجزية هو سيرة الأمراء والحكّام من بني العبّاس وغيرهم، ما أدّى إلى أنّ هذه السيرة المعمول بها حُسبت من الإسلام.

 

بحث روائيُّ في الجزية

أشرنا من قبلُ إلى ورود بعض الروايات والأخبار التي يمكن بواسطتها تحديد الجزية كمًّا ونوعًا. وبين هذه الأخبار ما يحوم حوله الشكّ ولا يمكن التصديق به، ومن ذلك الأخبار التي تدعو إلى إذلال الذميّ عند أدائه الجزية، وحتّى لو كانت هذه الروايات معتبرة السند؛ غير أنّ منافاة


 


[1] سورة لقمان: الآية 18.

 

190


153

تفسير سورة براءة

مضمونها ومؤدّاها لروح التعاليم الإسلاميّة وعمل عظماء الإسلام، فإنّها تردّ ولا يمكن القبول بها، ولا مشكلة في أن ننكر صدورها عن المعصوم. ولمّا كان البحث بحثًا علميًّا فإنّه لا مانع من نقل هذه الرواية ومناقشتها لتتضّح صورة القضية:

"قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حدّ الجزية عن أهل الكتاب؟ وهل عليهم في ذلك شيء موظّفٌ لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره؟ فقال: ذاك إلى الإمام[1]، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ما له وما يطيق، إنّما هم قوم فَدَوا أنفسهم من أن يُستعبدوا، أو يُقتلوا، فالجزية تؤخَذ منهم على قدر ما يطيقون. فإنّ الله تبارك وتعالى قال: ﴿حَتَّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صَاغِرُونَ﴾. وكيف يكون صاغرًا، وهو لا يكترث لما يؤخذ منه؟! حتى يجد ذلًّا لما أُخِذ منه فيألم لذلك، فيسلم"[2].

 

صدر الرواية يبيّن أنّ على أهل الكتاب دفع الجزية للإمام وهو حاكم المجتمع الإسلاميّ. إلى هنا لا مشكلة في الرواية؛ ولكن في القسم الأخير منها تبيّن ضرورة شعور الذميّ بذلّ دفع الجزية وبأن تكون فوق ما يطيق حتّى يضطرّ إلى الدخول في الإسلام، ونحن نرى أنّ هذا المعنى لا ينسجم مع التعاليم الإسلاميّة، فالإسلام الذي يحصل تحت الضغط لا قيمة له وليس إسلامًا حقيقيًّا.

 

الإسلام يعني التسليم لله تعالى، ولا يعني الأسْرَ والاستعباد. الإسلام هو تكامل روحي وروحك بالمعارف الإسلاميّة والعمل بمقرّرات الشريعة والالتزام بها. والتسليم المطلوب والممدوح هو التسليم الناجم عن المعرفة والرغبة. وما يهدف إليه الإسلام هو التطوير والتقدّم المعنويّ والأخلاقيّ للمجتمع، وليس مجرّد زيادة عدد المسلمين، وتوسعة رقعة انتشار الإسلام في الجغرافيا.


 


[1] المقصود من الإمام هنا هو حاكم المجتمع الإسلاميّ وقائده.

[2] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 203.

 

 

191


154

تفسير سورة براءة

وممّا يؤسف له أنّ جغرافيا المجتمعات الإسلاميّة توسّعت في التاريخ الإسلاميّ المبكّر؛ ولكنّ الفكر الإسلاميّ لم ينتشر. وما الفائدة أن يزداد عدد الأشخاص الذين يحملون الإسلام على وثيقة هويّتهم، ولا يزداد عدد الذين يحملون الإسلام فكرًا وهويّة حقيقيّة؟! ولأجل هذا نستبعد أن يكون الهدف من الجزية إدخال أهل الكتاب في الإسلام تحت ضغط الأعباء الاقتصاديّة.

 

وبعد انتشار نور الإسلام واتّساع دائرة شعاعه، وارتفاع جميع الموانع نتيجة التضحيات والمجاهدات، وظهور عظمة الإسلام وأهميّته للناس، بعد هذا كلّه لم يبقَ أيّ داعٍ يدعو إلى إكراه الناس على الإيمان.

 

وتشهد طريقة المسلمين في صدر الإسلام، كما طريقة الدول والحكومات الإسلاميّة بأنّهم لم يمارسوا الإكراه والجبر على الناس، ولم يفرضوا على اليهود ولا على النصارى اعتناق الإسلام، ولو فعلوا هذا لما بقي مسيحيٌّ أو يهوديٌّ في المجتمع الإسلاميّ. والصورة المعبِّرة التي نقلها لنا التاريخ أنّه لم يكن الإسلام يُعارض أن يعيش رجلٌ يهوديٌّ في جوار أمير المؤمنينعليه السلام إذا كان يؤدّي واجباته تجاه المجتمع الإسلامي ويلتزم قوانينه.

 

الإسلام أشبه بدواء ناجع فمتى عرف المرضى في أنحاء الأرض صفته هذه وآثاره، أقبلوا عليه من دون تردّد، ولا يحتاج أحدهم إلى إجبار على تناوله، شرط أن ترفع الموانع التي تحول دون الوصول إليه. والشاهد الذي يؤكّد عدم ممارسة الإكراه على الإسلام، أنّ الدول التي حكمت المسلمين على الرغم من ممارستها كثيرًا من ألوان الظلم، إلا أنّها لم تجبر غير المسلمين على الدخول في الإسلام، وظلّ هؤلاء يعيشون في نقاط عدّة من العالم الإسلاميّ يمارسون عقائدهم بعيدًا عن أيّ إكراه.

 

والآن وبالنظر إلى جميع هذه الملاحظات كيف يمكن أن نقبل أنّ الإمام عليه السلام يجيز تحديد أيّ مقدار من الجزية على أهل الكتاب حتّى يضطرّوا إلى إعلان الإسلام؟! يبدو أنّ علينا "ردّ هذه الرواية إلى أهلها" حتى لو

 

 

192

 


155

تفسير سورة براءة

كانت صحيحة السند، لمخالفتها ظاهر كتاب الله.

 

وورد في رواية أخرى يُسأل فيها الإمام الصادق عليه السلام، ومورد السؤال في الرواية هو مقدار الجزية الذي يؤخذ من نصارى تغلب، ويبدو أنّه كان يؤخذ منهم ضعفا ما هو مقرّر، وليس في هذه الرواية أيّ إشارة إلى الإذلال، ويمكن أن يُستفاد منها أنّ الجزية تجعل بالتراضي مع أهل الكتاب ولا تفرض عليهم دون أن يكون لهم خيارٌ فيها:

"قال محمد بن مسلم: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أرأيت ما يأخذ هؤلاء من الخمس من أرض الجزية، ويأخذون من الدهاقين جزية رؤوسهم، أما عليهم في ذلك شيء موظّف؟ فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم وليس على أموالهم شيء، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شيء، فقلت: فهذا الخمس؟ فقال: هذا كان صالحهم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"[1].

 

يبدو أنّ الخليفة الثاني تراضى مع نصارى تغلب أن يضاعفوا الدرهم الذي كانوا يؤدّونه إليه. ويعفيهم بذلك من الجزية. وبحسب هذه الرواية يبدو أنّ مقدار ما كان يؤدّيه أهل الكتاب يختلف من حالة إلى أخرى، فأصحاب الأرض كانوا يؤدّون خمس حاصل الأرض، والدهاقين كانوا يدفعون على الأشخاص.

 

وهذا الاختلاف في مقدار الضريبة المفروضة على غير المسلمين، من اختراع عمر بن الخطّاب، وهذا ما دفع السائل إلى الاستفهام من الإمام الصادق عليه السلام عن حدّ الجزية وعن جواز اختلافها بين شخص وآخر. فيجيب الإمام بقوله: "وليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم وليس على أموالهم شيء، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شيء.."..


 


[1] الكافي، ج 3، ص 567.

 

 

193


156

تفسير سورة براءة

وفي تعبير "ما أجازوا على أنفسهم"، احتمالان، وكلا الاحتمالين يفيد إعطاء أهل الكتاب شيئًا من الصلاحية في التوافق على الجزية.

 

الاحتمال الأول أن يكون المراد هو إعطاء أهل الكتاب صلاحية تحديد المقدار الذي يقدرون على دفعه.

 

والاحتمال الثاني هو عين معنى الجزية. ولما كانت الجزية بمعنى العوض، فإنّ الإمام يريد أن يقول إنّ البديل عن الجزية يجب أن يكون مساويًا للجزية وليس أكثر منها.

 

ومن هنا يسأل الراوي لماذا يؤخذ منهم الخمس؟ فيبيّن الإمام أنّ ذلك على أساس صلحٍ عقده النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معهم. وأنّ عمر يتابع العمل وفق ذلك الصلح. وعلى أيّ حال ثمة من يحمل الرواية على التقية.

 

ومهما يكن من أمرٍ فإنّه ليس في الرواية أيّ إشارة إلى الإذلال، كما إنّ مقدار الجزية تُرك لأهل الكتاب وللتراضي معهم. وبالتالي ما نراه في بعض الكتب الفقهيّة لا يُستفاد من الآية، ولا ينسجم مع تكريم الإسلام للإنسان بغضّ النظر عن دينه ومعتقده. وعليه لا يمكن الإفتاء أو العمل بما هو مخالف للقرآن ولسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وربّما يثير هذا الكلام سؤالًا هو: كيف ينسجم هذا التسهيل مع مضمون الآية حيث يصف تعالى المؤمنين بأنّهم: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار﴾؟

في الجواب عن هذا السؤال يمكن القول: إنّ هذه الآية ناظرة إلى حالة الحرب، وذلك أنّهم نقضوا عهدهم مع المسلمين.

 

 

194

 


157

تفسير سورة براءة

 

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿30﴾ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿31﴾

 

 

195


158

تفسير سورة براءة

فلسفة مواجهة أهل الكتاب

بعد الدعوة إلى قتال أهل الكتاب في الآية السابقة، تتولّى هاتان الآيتان بيان السبب الذي دعا إلى الدعوة السابقة، ولو على نحو التلويح. والسبب المستفاد من الآية هو أنّ اليهود يقولون: "عزيرٌ ابن الله"، والنصارى يقولون: "المسيح ابن الله"، وتبيّن الآية أنّهم يقولون ذلك بأفواههم، وهذا التعبير يفيد عند العرب عدم صحّة الكلام وأنّه غير مستند إلى الدليل.

 

وهذا وجه شبهٍ بين هاتين الفئتين والمشركين، وبالتالي لا ينبغي الاعتراض على الإسلام بالتساؤل عن السبب الذي يجعله يشرّع قتال أهل الكتاب؛ والآية تقول هم مشركون، واعتقادُهم هذا، شكلٌ من أشكال الشرك؛ حيث إنّهم ينسبون الولد لله ويجعلونه شريكًا له. وهذا يبرّر الدعوة إلى قتالهم كقتال المشركين.

 

وثمّة فرقٌ بين تعبير "قتلهم الله" وبين تعبير "قاتلهم الله"، ذلك أنّ التعبير الأوّل يفيد الدعاء عليهم بالموت والقتل، بينما التعبير الثاني يفيد استمرار اللعن والإبعاد عن العناية الإلهية.

 

"أنّى يؤفكون": هذا تساؤل استنكاريٌّ يفيد معنى كيف يشيحون بوجوههم عن الحقّ؟! والإفك هو كلّ كلامٍ مخالفٍ للواقع، وفي هذا السياق يدلّ على الإعراض عن الحقّ وتضييعه.

 

تاريخ عقيدة أبوّة الله عند اليهود

"وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ": تفيد الأبحاث التي أجراها المفسِّرون

 

 

197

 


159

تفسير سورة براءة

والمستشرقون أنّ هذا الاعتقاد لم يكن مقبولًا عند اليهود جميعًا؛ ومبرِّر نسبة القرآن هذه العقيدة إلى اليهود هو أنّ الرافضين لها لا يُقبل منهم السكوت عليها، ولمّا لم ينكروا ولم يرفضوا هذه العقيدة فيمكن نسبتها إليهم وشراكتهم مع المؤمنين بها فيها. والأمر نفسه نلاحظه في نسبة الاعتقاد بغل ّ يد الله إلى جميع اليهود[1]، مع أنّ بعضهم لم يكن ينسب هذا الأمر إليه تعالى.

 

وعُزير اسمه في لغة اليهود عزرا، وقد تغيّر في اللغة العربية إلى هذه الصيغة. كما إنّ اسم السيد المسيح هو يسوع، ولكن سُمِّي عيسى في اللغة العربية.

 

والعهد القديم، وهو الكتاب الشامل للتوراة وغيره من الأسفار يحتوي على سفرٍ باسم عزرا. وهو الشخص الذي جدّد العهد القديم بعد ضياعه. وذلك أنّ بخت نصّر ملك بابل عندما فتح فلسطين وخرّب هيكل سليمان أحرق التوراة وأسر اليهود. وبعد عودة اليهود إلى فلسطين عمل عزير على تجديد التوراة وإعادة كتابتها وجمعها من جديد، ولهذا وصفه اليهود بأنّه ابن الله. وينبغي الالتفات إلى أنّ هذا المعتقد اليهودي يختلف في دلالته عن الاعتقاد ببنوّة عيسى لله في التراث والفكر المسيحيّ.

 

وحاصل الكلام أنّ هذه الآية تبيّن علّةَ الدعوة إلى قتال أهل الكتاب؛ لدفع الاعتراض على التشريع الذي تضمّنته الآية السابقة؛ وهذا الاعتراض يُطرح بصيغة أنّه كيف لا يفرّق الإسلام بين المشركين وأهل الكتاب الذين يشتركون مع المسلمين في جزء من العقيدة الإسلامية. والجواب هو أنّ الإسلام لا يستطيع مهادنة من ينحرف عن الحقّ، حتّى لو كان لا يطلب الباطل بحسب الأصل. وسوف يأتي أثناء الحديث عن الآية اللاحقة الآثار والأضرار التي ترتّبت على تحريف التوراة والإنجيل.


 


[1] سورة المائدة: الآية 64.

 

 

198


160

تفسير سورة براءة

الاختلاف في معنى أبوّة الله بين اليهود والنصارى

يعتقد المسيحيّون أنّ السيد المسيح هو ابن الله، ويؤمنون بالعقيدة المعروفة بعقيدة التثليث، ويعبِّرون عن أجزاء عقيدتهم هذه بـ"الآب والابن والروح القدس"، وفي الواقع ينسبون إلى عيسى شكلًا من الجزئية لله المؤلّف من أقانيم ثلاثة. وهذا المعنى من البنوّة لا يعتقده اليهود، ويبدو أنّ البنوّة المنسوبة لعزير ترتكز على تجديد دين اليهود وإعادة تدوين التوراة. وهذا المعنى الأخير ينسبه المسيحيّون إلى عددٍ من الأنبياء، فقد وصف إبراهيم وسليمان وغيرهما من الأنبياء في الإنجيل بهذا الوصف.

 

هذا، بينما نرى أنّ القرآن الكريم يصف النبيّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله، مع كلّ ما لهذا الرسول من العظمة والاحترام في الإسلام، وسرّ هذا الوصف وسرّ التأكيد عليه في القرآن أن لا يتحوّل المسلمون إلى الاعتقاد بمحوريّة الشخص، على الرغم ممّا لهذا الشخص من خصائص.

 

العقائد الباطلة عند أهل الكتاب

بعد إعلان القرآن الكريم الموقف من اليهود والنصارى وبيانه مبرّر هذا الموقف منهم، يعرض فصلًا آخر من فصول عقائدهم، ويكشف عن وجوههم للمسلمين فيقول: "اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ". ودلالة الآية واضحة تفيد أنّهم أعطوا أحبارهم ورهبانهم منزلة إلهيّة.

 

و"الأحبار" جمع "حَبْر" وهو العالِم، وهو مصطلح يستخدمه اليهود للتعبير عن علمائهم الأقوياء. وهؤلاء الأحبار هم الذين كانوا يقولون للمشركين قبل بعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّهم ينتظرون نبيًّا يبلغون معه الفتح[1]. وعندما ظهر النبيّ ذهبت عنهم شخصيّاتهم المزيّفة، وظهروا على حقيقتهم،


 


[1] انظر: سورة البقرة: الآية 89.

 

199


161

تفسير سورة براءة

وأنكروا أن يكون النبيّ الذي كانوا ينتظرون[1].

 

رهبان جمع راهب. وهو أحد المناصب المسيحيّة، والراهب في الأصل هو الشخص الذي تجلبب بلباس الخوف والخشية من الله، وتَرَك الدنيا. ولكن في الاصطلاح هو الشخص الذي يدعو إلى الدين المسيحيّ.

 

وتأخذ الآية على أهل الكتاب أنّهم بدل أن يصفوا الله عزّ وجلّ، بأنه "ربٌّ"، فقد جعلوا هذا الوصف لأحبارهم ورهبانهم، كما وصفوا به عيسى بن مريم عليها السلام؛ والحال أنّهم لم يؤمروا في كتبهم المقدّسة بغير الاعتقاد بربوبيّة الله تعالى، وقد نهوا عن الاعتقاد بربوبيّة الآلهة المتعددين.

 

"لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ": تعلن هذه العبارة من الآية عن نزاهة الله عز وجل من الشرك. والربّ في اللغة من مادة "ربو" أو "ربب"[2]. والربّ هو الذي يتولّى إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حدّ التمام. وتأتي هذه الكلمة في معنى صاحب وحاكم. ويذكر الراغب الأصفهانيّ أنّ كلمة ربّ لا تقال على الإطلاق من دون تقييد إلا لله تعالى، المتكفّل بمصلحة الموجودات. ولكن مع إضافتها إلى كلمة أخرى يصحّ استعمالها في حقّ غيره تعالى، فيقال ربّ العالمين، كما يُقال ربّ البيت.

 

وخلق الله العالمَ ليس على نحو أن يكون الله قد خلق العالمَ ثمّ بعد ذلك تركه وأعرض عنه؛ بل هو عزّ وجلّ يدبّر الوجود ويرعاه حالًا فحالًا. وكما يحصل الأمر على هذا النحو في عالم التكوين، كذلك يحصل في عالم التشريع. فلو اعتقد شخصٌ بأنّ أحدًا غيرَ الله يدير أمورَه في عالم التكوين، أو أنّ أحدًا له هذا المنصب وهذه الصلاحيّة في عالم التشريع، يكون قد اعتقد بربوبيّة غير الله تعالى، وتنطبق عليه هذه الإدانة المستفادة من الآية الشريفة.


 


[1] انظر: الآية نفسها.

[2] مفردات ألفاظ القرآن، ص 337.

 

 

200


162

تفسير سورة براءة

التلازم بين الربوبية والألوهية

تُستخدم في القرآن الكريم كلمتان للتعبير عن الله تعالى، إحداهما "ربّ" والأخرى "إله". فالربّ هو المربّي الذي يتولّى إنشاء الشيء حالًا فحالًا، كما مرّ آنفًا نقلًا عن الراغب الأصفهانيّ، وربّما يُظنّ أنّ مفهوم الربوبية لا صلة مباشرة له بالعبادة. أمّا كلمة "إله" فهي تفيد معنًى آخر، وقد اختُلف في المادة التي اشتُقَّت منها هذه الكلمة، ومهما يكن مصدر الاشتقاق فإنّ هذه الكلمة تعني "المحبوب". والإله: "جعلوه اسمًا لكلّ معبودٍ".

 

وبناءً عليه عندما يُنظر إلى هاتين الكلمتين يُلاحظ ولو أوليًّا، الاختلافُ بينهما في الدلالة. فقد يكون الموجود ربًّا، ولا يكون إلهًا، أو يكون إلهًا ولا يكون ربًّا؛ أي يكون مربّيًا ومشرِّعًا وآمرًا وناهيًا ولا يكون معبودًا. نعم هذان المعنيان يبدوان مختلفين؛ ولكن في الخارج وفي واقع الحال ليس بينهما اختلافٌ، فكلّ من يُتّخَذ ربًّا للمجتمع فقد عُبِد، وكلّ من يُعبد فقد جُعِل ربًّا. وعليه نحن ندّعي أنّ معنى العبادة والحبّ متضمّنٌ في معنى الربوبيّة والعكس صحيحٌ. وعليه عندما تُفسّر الألوهية بالعبادة، فإنّ بينها وبين الربوبيّة اتّحادًا. وعندما تُفسِّر الربوبية بالطاعة والأمر والنهي، فإنّ هذا المعنى يتضمّن نوعًا من العبادة أيضًا.

 

يقول تعالى في القرآن على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[1]، ففي هذه الآية يشير موسى عليه السلام إلى إنعام الله عليه بأن جعل بني إسرائيل عبيدًا مطيعين له تعالى. فقد استُخدِمت العبادة للدلالة على معنى العبادة. وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا"[2]. ولا تعني هذه الكلمة لا تعبدْ غير الله ولا تقدِّسْه؛ بل تعني لا تطع غيره تعالى، وهذا ما كان يفهمه المؤمنون في صدر الإسلام من هذه الحكمة العلويّة.


 


[1] سورة الشعراء: الآية 22.

[2] نهج البلاغة، الكتاب 31.

 

201


163

تفسير سورة براءة

ومهما يكن من أمرٍ فإذا لم نستطع إثبات وحدة المعنى بين العبادة (الألوهية) والطاعة (الربوبية)، فإنّنا ندّعي التداخل بينهما واشتراكهما في الحدود، وفي كثير من الدلالات التي تتضمّنها كلّ واحدة من الكلمتين.

 

ويُستنبط من هذه الآية أنّ أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، وهذا المعنى المشار إليه في الآية هو العبادة التي يشار إليها عندما يكون الحديث عن الألوهيّة. وبالتالي تفيد الآية أنّ الله أمرهم بحصر العبادة به تعالى وحده؛ ولكنّهم تجاوزوا الحدّ وعمّموا العبادة لتشمل الأحبار والرهبان والمسيح بن مريم عليهما السلام.

 

العبودية المذمومة في القرآن

ما هي العبادة التي يذمّها القرآن وينهى عنها؟ هل عبادة أهل الكتاب لأحبارهم ورهبانهم، غير جائزة ومنهيٌّ عنها؟ ظاهر الآية يفيد هذا المعنى بوضوحٍ. هل كان يجوز لليهود والنصارى استفتاء أحبارهم ورهبانهم في أمور دينهم، والعمل بما يفتون؟ إذا كان يحرم عليهم ذلك فمن أين يأخذ هؤلاء تعاليم دينهم؟

 

ينبغي أن يُقال في الجواب عن هذه الأسئلة: إذا كان شخصٌ مّا متخصّصًا في مجال معيّنٍ، لا مشكلة في الرجوع إليه والعمل برأيه، وبالتالي لا مشكلة في الرجوع إلى الأحبار والرهبان للتعرّف إلى تعاليم الدين من التوراة والإنجيل. وأما طاعتهم في ما يكون مخالفًا لحكم الكتابين فهي غير جائزةٍ، وهي شكلٌ من أشكال العبادة المذمومة التي يذمّها الله تعالى، بحسب هذه الآية.

 

202

 


164

تفسير سورة براءة

بحثٌ روائيٌّ

1- "عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب، فقال لي: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك! قال: فطرحته، ثمّ انتهيتُ إليه، وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾، حتى فرغ منها، فقلتُ له: إنّا لسنا نعبُدهم! فقال: أليس يحرِّمون ما أحلّ الله فتحرِّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه؟ قال: فقلت بلى. قال: فتلك عبادتهم"[1].

 

2- "عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عز وجل عن قول الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾؟ فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم؛ ولكن أحلُّوا حرامًا، وحرّموا حلالًا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون"[2].

 

3- "عن علي بن محمّد عن ابن أبي عمير عن رجلٍ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أطاع رجلًا في معصية الله فقد عبده"[3].

 

4- "عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾ قال: أما والله ما صاموا لهم ولا صلّوا؛ ولكنّهم أحلّوا حرامًا وحرّموا عليهم حلالًا فاتّبعوهم"[4].

 

5- "عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، أما المسيح فعصوه[5] وعظّموه في أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله وأنّه ابن الله، وطائفة منهم قالوا:


 


[1] مجمع البيان، ج 5، ص 43.

[2] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 209.

[3] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 209.

[4] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 209.

[5] ورد في بعض المصادر "فبعضٌ" بدل "فعصوه". انظر: الميزان في تفسير القرآن، عند تفسيره هذه الآيات. وهو ينقل هذا الحديث عن تفسير علي بن إبراهيم القمي.

 

203


165

تفسير سورة براءة

ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله، وأما أحبارهم ورهبانهم فإنّهم أطاعوا وأخذوا بقولهم واتّبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أربابًا بطاعتهم لهم وتركهم أمر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتّبعوه وأطاعوهم وعصوا الله ورسوله. وإنما ذُكِر هذا في كتابنا لكي نتّعظ بهم، فعيّر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بما صنعوا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾"[1].

 

 


[1] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 209-210.

 

204


166

تفسير سورة براءة

 

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿32﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿33﴾

 

 

205


167

تفسير سورة براءة

موقف أعداء الدين وبرنامجهم

ورد مضمون هاتين الآيتين في الآيتين الثامنة والتاسعة من سورة الصف، مع اختلاف ضئيلٍ في العبارة؛ حيث يقول تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. والعنصر المشترك بين الموردين هو الحديث عن السعي لإطفاء نور الدين الإلهيّ، بعد الإشارة إلى أهل الكتاب. وثمّة روايات وردت في تفسير هذه الآيات تبيّن أنّ المقصود منها هو أهل الكتاب[1].

 

مفاد هاتين الآيتين هو بيان موقف الإسلام من أعدائه من سائر الأديان، وبيان برامج أعداء الإسلام ومخطّطاتهم تجاهه، سواء في عصر صدر الإسلام وبداية ظهوره، أم في العصور اللاحقة. كما تبيّن هاتان الآيتان الحالة الطبيعية والقهرية للدين.

 

وتصنّف هاتان الآيتان الناس إلى صنفين تجعل أحدهما في مقابل الآخر، وترسمان صورة الطرفين في ذهن المستمع، وتقيمان نوعًا من الموازنة بين الطرفين مخبرةً عن الطرف الذي سوف تكون له الغلبة في نهاية المطاف.

 

تشبّه الآية الأولى دين الله بالشعلة الوهّاجة الدائمة التي تزداد ألقًا وإشراقًا كلّ لحظة، وسنةً بعد سنةٍ، وتشبّه محاولة الأعداء مواجهة هذه الشعلة بمن يحاول إطفاء هذا النور، ولا يملك لذلك إلا وسيلة العاجز وأداته، وهي النفخ عليها بفمه لعلّه يستطيع إطفاءها، ولكنّه يعجز عن


 


[1] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 209-213.

 

207


168

تفسير سورة براءة

ذلك ولا يكون له ما يريد. وهذا المعنى الأخير يُستفاد من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.

 

تحقير الكفّار

تخبر هذه الآية عن الطريقة التي يعتمدها أعداء الدين لمواجهته، وهي طريقة النفخ بالفم. وهذا الأسلوب في التعبير من عجائب التعبير وبليغه، في الدلالة على العجز والحقارة؛ وذلك أنّ النفخ يمكنه أن يطفئ النور أو النار الضعيفة الواهية، أمّا النور القويّ فلا يمكن أن يؤثّر فيه النفخ.

 

أضف إلى ذلك أنّ العرب لا يعبّرون بالإطفاء عن محاولة إخماد النار بوسيلة كبيرة. وهذا أيضًا تعبير يفيد التصغير والتضعيف. وهو شبيه بقولنا: فلانٌ يضرب الجبل بيده الضعيفة الحقيرة! وهذا التعبير يدلّ بطريقة بليغة على التصغير. وكأنّ الآية تفيد هذا المعنى: إنّ هؤلاء المساكين يحاولون إطفاء نور الإسلام على عظمته وقوّة نوره بالنفخ عليه بأفواههم.

فشل مؤامرات الأعداء في إطفاء شعلة الدين

 

"وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ": بلى إنّ الله لا يرضى لدينه ونور دينه إلا أن يتمّ ويكتمل. في آية سورة الصف يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ وفي هذه الآية يقول عزّ وجلّ: ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (فالجملة هناك اسمية وهنا فعليّة). والنور في الحالتين منسوبٌ إليه سبحانه. وهذا السراج المنير أشعله الله خالق الكون، وهو الذي يتولّى زيادة نوره وشعلته، ويرعى انتشاره وكماله بعنايته ولطفه. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فماذا يمكن أن يؤثّر نفخ العاجز في هذا النور؟!

 

"وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ": إنّ نور الله سيبقى مضيئًا حتى لو كره الكافرون له ذلك. والكفر في اللغة هو التغطية. ومن هنا، يُسمّى المزارع في اللغة بالكافر؛ لأنّه يغطّي الحبّ بالتراب عند زراعته. والكافر يفعل الشيء نفسه

 

208


169

تفسير سورة براءة

تجاه الدين؛ حيث يحاول تغطيته وحجب نور الله. وفي مقابل تغطية الكفّار وعلى خلاف ميلهم يريد الله لنوره أن يتمّ ويشرق على الأرض كلّها، من دون أن يستطيع هؤلاء إطفاء هذا النور أو حجبه.

 

وخلاصة الكلام: أنّ الآية تقول إنّ الله عزّ وجلّ يريد لهذا الدين ولهذا النور أن يكتمل بالاستناد إلى القانون القهريّ الطبيعيّ، ولهذا الدين أن يتكامل ويتمّ. وهذا التكامل لا بدّ من فهمه.

 

تكشف هذه الآية عن أنّ الدين في حالة تكامل، وهو يسير نحو التمام والكمال. وجذور الدين أشبه بالشجرة التي تنمو في أعماق أرواح الناس وتنتشر فروعها وأغصانها في أرجاء الدنيا. وحقيقة كلّ الأديان السماوية على هذا النحو، أي إنّها تبدأ بالتكامل والتطوّر من اليوم الأوّل لظهورها بإرادة الله تعالى، وهذه القاعدة تشمل جميع الأديان، ومنها الديانة المسيحيّة. والإسلام أيضًا بدأ بعدد قليل من الأشخاص كانوا ثلاثة أشخاصٍ، ثمّ بدأ هذا الدين ينتشر وتتسع دائرة انتشاره، وأخذت جذوره تتعمّق، ولا ترضى الإرادة الإلهية لدينه تعالى أن لا ينمو ويتطوّر.

 

علّة معارضة الدين عبر التاريخ

والأمر الجدير بالالتفات إليه والتعلّم منه، هو أنّه عندما يُطرح مشروعٌ إصلاحيٌّ جادٌّ في المجتمع، ترتفع الأصوات المناهضة له وتشرئبّ الأعناق لمواجهته. وهذه المخالفات ومحاولات الإعاقة لها أشكالٌ مختلفة، وتظهر بصورٍ عدّة.

 

في عصر الإسلام تولّى اليهود والنصارى إعاقة تطوّر الإسلام، ففي البدايات دفعهم حبّ الرئاسة إلى تحريف البشائر بالنبيّ الآتي التي تتضمّنها كتبهم، وذلك بهدف تضليل الناس ومنعهم من التعرّف إليه، من خلال تطبيق العلامات المذكورة له في تلك الكتب.

 

والشكل الثاني لهذه المحاولات هو إثارة الشبهات في أذهان المسلمين

 

209

 


170

تفسير سورة براءة

والمسيحيّين والتعريف بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بطريقة خاطئة. والشكل الثالث هو الدخول في المواجهات الحربية مع الإسلام في معارك عدّة كمعركة بني قريظة[1]، وبني قينقاع[2]، وبني النضير[3]، إلى المعركة مع الروم في مؤتة[4] وتبوك[5]، والطرف الثاني في هذه المعارك هم أهل الكتاب.

 

التشجيع في زمن غربة الإسلام

ماذا كان يعني الإسلام بحسب النظرة الظاهرية إلى الأمور في عهده الأوّل؟ الإسلام كان بضع كلمات، نزل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الجبل [غار حراء] فأعلن عن بطلان هذه الآلهة المخترعة، بطلان عبادة الأصنام، وبطلان

 


[1] غزوة بني قريظة هي المعركة الأخيرة التي خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة مع اليهود، وقد وقعت في السنة الخامسة للهجرة، بعد أن نقض بنو قريظة عهدهم وتحالفوا مع المشركين في معركة الخندق.

[2] بنو قينقاع هم قبيلة من اليهود كانت تسكن المدينة في عصر صدر الإسلام. وقد دخلوا وقتها في معاهدة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لكنّهم ما لبثوا أن نقضوا عهدهم، ما اقتضى الدخول في الحرب معهم ومحاصرتهم إلى أن استسسلموا.

[3] بنو النضير من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة في السنوات الأولى للهجرة. تعاهدوا مع المسلمين على الدفاع عن المدينة في حال تعرّضها للهجوم من المشركين، ولكنّهم نقضوا العهد، فأجلاهم المسلمون عن المدينة.

[4] من أكبر السرايا في تاريخ صدر الإسلام، وقد شكّلها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثامنة للهجرة، لتخوض الحرب مع جيش الروم. وقد وقعت هذه المعركة إثر مقتل مبعوث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على يد حاكم مؤتة. وتعاقب على قيادة جيش المسلمين ثلاثة من صحابة النبيّ هم: جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، استشهدوا جميعًا، ولمّا رأى المسلمون مقتل قادتهم، وقلّة عديدهم بالقياس إلى عديد الروم، انسحبوا بقيادة خالد بن الوليد وعادوا إلى المدينة.

[5] غزوة تبوك هي آخر الحروب التي خاضها المسلمون في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد وقعت في رجب وشعبان في السنة التاسعة للهجرة، في منطقة تبوك (وهي في الأردن الحالي) والهدف من هذه الحرب هو مواجهة التحرّكات العسكرية للروم على ثغور المسلمين. في تلك المعركة عزم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على التحرّك إلى تبوك؛ ولكنّ بعض الصحابة عارضوا هذا الحراك وامتنعوا عن الخروج مع العسكر، وكان للمنافقين دورٌ كبيرٌ في تثبيط المسلمين. ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصرّ على الخروج فخرج المسلمون ومكثوا أيّامًا في تبوك ثم عادوا من دون الدخول في مواجهة مع الروم.

 

 

210


171

تفسير سورة براءة

اختراعها وتقديسها. وأعلن وجوب الإيمان بالله الواحد، والامتناع عن تقديم القرابين للأصنام وتقديمها لله وحده، وحصر الطاعة به عزّ وجلّ.

 

عندما طرح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا الكلام تشكّل سيلٌ من ردود الأفعال المعارضة له. هذا ولكنّ كلّ من نهض بالمعارضة نال جزاءه عاجلًا أم آجلًا. فالجميع حصلوا على ما يستحقّون، واتسع نطاق الإسلام على خلاف ميل المعارضين وعلى عكس إرادتهم؛ وذلك بسبب واقعيّة كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبسبب الدعم الإلهيّ له. وكم تحمّل صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى، فقد عانى من الغربة وقتل الأقارب، نُفي وحوصر ثلاث سنوات، وأخرج من بلده وتعرّض للضرب، اضطرّوه إلى الهجرة من وطنه إلى المدينة، لم تسمع القبائل العربية كلامه ولم تصغِ إلى صوته. أصرّ مع عدد قليل من المؤمنين به على الدعوة إلى الإسلام مدّة ثلاث عشرة سنة. وبعدها استطاع تأسيس دولة صغيرة في يثرب، ومن اليوم الأوّل تعرّضت حركته لمحاولات التخريب والإضعاف على يد المنافقين واليهود، وحاول الأعداء الداخليّون والخارجيّون إعاقة انتشار الإسلام والحيلولة دون توسّعه، وبعد سبع سنوات من الجهاد والتواصل مع القبائل التي دخلت في الإسلام أو لم تدخل نزلت هذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها.

 

الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات كان وقتًا صعبًا على الإسلام؛ حيث كان في أول مراحل انتشاره، وكان يتعرّض للمقاومة والرفض ومحاولات التخريب، بدءًا من الإعاقة إلى تحريف التوراة الدالّة على نبوّته، وإلى الحروب مع الروم. ثم ما هي طبيعة البيئة التي كان الإسلام ينشط فيها؟ كانت البيئة الحاضنة لهذا الدين نقطة صغيرة في زاوية صغيرة في الجزيرة العربية. وشتّان ما بين هذه الدولة المتواضعة والدول والإمبراطوريّات العظيمة التي كانت تنافسه!

 

تشبّه هذه الآية تلك السنوات الثلاث عشرة، وتلك الدولة المتواضعة التي تتعرّض للهجوم من كل ناحية، تشبّهها بالنور المتصل بالله تعالى، وما

 

211


172

تفسير سورة براءة

يتصل بالله لا نفاد له. وكل القوى المعارضة لا تتجاوز حدود أن تكون نفخًا في مواجهة هذا النور. ولتكن أكثر من نفخة، فلتكن إعصارًا، فهل يضير الإعصار الشمسَ أو يستطيع إطفاء نورها؟!

 

هذا التشبيه المشحون بالمعنى يعلّمنا أنّ الدين وكلمة الحقّ ثابتة، تنبع من أعماق الفطرة الإنسانيّة، والشجرة التي تضرب جذورها في أعماق الأرض لا يمكن أن تجفّ. وكلّ مخالفات البشر سوف تؤول إلى الزوال، فالإنسان نفسه فانٍ وأعماله المعارضة للحقّ تخضع لمبدأ الفناء والزوال نفسه. وأهمّ دواعي الفشل في معارضة الحقّ أنّ هذه المعارضة تحاول أن تعاكس قوانين الخلق، وما يعارض قوانين الخلق لا يمكن أن يستمرّ: "لا تستوحشوا في طريق الحقّ لقلّة أهله"[1]، و"للباطل جولة وللحق دولة"[2]، نعم طريق الباطل روّاده كثر؛ ولكنّ الحق ينتصر في نهاية المطاف. وعلى أتباع الحقّ والسائرين في دروبه أن يعلموا بأنّ كل المحاولات الهادفة إلى منع الحقّ من الانتشار سوف تفشل.

 

"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ": هذا الحقّ الذي أرسل الله رسوله به هو الإسلام وما يحتويه من شرائع وأحكام وإخبارات عن العقاب والثواب، وكل ما سوى الدين المرسل من الله باطلٌ بعيد عن الحقّ يستحقّ أتباعه العذاب.

 

"لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ": أي ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجّة والغلبة والقهر لها، حتى لا يبقى على وجه الأرض دينٌ إلا مغلوبًا، ولا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجّة، وهم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجّة[3]...


 


[1] نهج البلاغة، الخطبة 201.

[2] عيون الحكم، ص 403.

[3] مجمع البيان، ج 5، ص 38.

 

 

212


173

تفسير سورة براءة

معنى غلبة الإسلام الأديانَ وزمان هذه الغلبة

مفاد هذه الآية عميقٌ ومؤثّرٌ في معرفة الدين وأحكامه. قد تقولون: إذا كان الله يريد لدينه الغلبة والتفوّق على سائر الأديان، فلماذا لم يحصل هذا الأمر حتى هذه اللحظة؟ فعلى الرغم من السعي في نشر الإسلام، ومع ذلك بقيت سائر الأديان حتى عصرنا هذا؛ بل إنّ الإسلام دخل إلى بعض البلاد ثمّ استؤصل وأُخرِج منها كما حصل في الأندلس، وغيرها من المناطق في بلاد أفريقيا حيث بعض المسلمين متأثّرون إلى درجة كبيرة بالمسيحيّة والمسيحيّين.

 

وقد تقولون أيضًا: إنّ هذه الغلبة المقدّرة مؤجّلة إلى آخر الزمان، في عهد دولة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وإذا كان الأمر كهذا، فلماذا هذه المسافة الزمانية الطويلة التي تفصل بين ظهور الإسلام وانتشاره وغلبته في آخر الزمان؟

 

في الجواب عن هذه الأسئلة ينبغي أن نقول: إنّ الله أرسل رسوله بهذا الدين وزوّده بالحجج والبراهين التي تمكّنه من التغلّب على سائر الأديان، وبهذه الحجج والبرامج تزول كلّ الألوان وتبهت ويبقى لون دين الله ثابتًا لا يتغيّر.

 

والآن نسأل: ما هو الدين؟ الدين هو "مجموعة التعاليم التي يدير الناس حياتهم وفقها"، شكل الحياة يُسمّى دينًا وشريعة. والدين والشريعة لهما معنى واحد، فحتّى أولئك الذين يعيشون في مجاهل الأمازون يخضعون في حياتهم لمجموعة من التعاليم التي يمكن تسميتها بالدين.

 

هذا والدين الصادر عن الله هو "دينٌ إلهيٌّ"، والدين الذي اخترعه الناس ولم يستندوا فيه إلى الله هو "دينٌ بشريٌّ"، وإذا كان صادرًا عن الطاغوت فهو "دينٌ طاغوتيٌّ"، وبناءً على هذا الفهم لمصطلح الدين لا يمكن العثور على جماعة بشريّة من دون دينٍ.

 

وقد أتى الدين الإلهيّ لتحرير الناس من ألوان التديّن التي يخضعون

 

 

213

 


174

تفسير سورة براءة

لها، ليحصروا الخضوع والطاعة بهذا الدين الإلهيّ الجديد. وحاصل دعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي: اتركوا أنماط الحياة التي تعيشونها، وألقوا تقاليدكم القديمة جانبًا، وأحلّوا هذا البرنامج الجديد للحياة محلّ تلك البرامج القديمة.

 

وكلّ كلامٍ جديدٍ قاله الإسلام يهدف إلى تغيير القوالب التي كان الناس يصوغون حياتهم على أساسها، وإعادة صياغة حياتهم من جديد على ضوء القالب الجديد الذي أتى به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه هي القاعدة في الأديان الإلهيّة، كلّ دينٍ جديد يأتي يدعو الناس إلى إعادة برمجة أمورهم على ضوئه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.

 

الدين البشريّ والطاغوتيّ لا دوام لهما. أمّا دين الحقّ فإنّه يتطابق مع طبائع بني آدم وطبيعة العالَم، وهذا الدين هو الذي من شأنه البقاء والدوام، وإذا قبله الناس يمكنه إدارة حياتهم بالطريقة المثلى وبأحسن الوجوه. وهذا هو الفرق بين الحقّ والباطل.

 

والمجتمع المتديّن هو المجتمع الذي يحكم فيه الدين حياة الناس، ويمثّل برنامجًا لها. فعندما يكون الدين برنامجًا للحياة يمكن أن نصف المجتمع بأنّه متديّنٌ. يجب علينا أن نعرف دين الحقّ، لنميّز المشرك عن غير المشرك، فالحقّ مصدره الله وحده، والبرنامج هو البرنامج الإلهيّ فحسب. وعليه فإنّ من يتّبع دين الحقّ هو الموحّد الحقيقيّ، أمّا من يميل أو يرغب في إدارة حياته وفق الأهواء والرغبات الجامحة، فهو مشركٌ. من يعارض الدين مشركٌ. فقد بعث الله الأنبياء بالأديان لتحلّ محل سائر أنماط الحياة وأشكالها. وهذه الآية تثير في النفوس الاطمئنان والأمل بمستقبل البشريّة.

 

 

214

 

 


175

تفسير سورة براءة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿34﴾ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿35﴾

 

 

215


176

تفسير سورة براءة

منهج الإسلام في بيان الأحكام

أشرنا أكثر من مرّة إلى أنّ من منهج الإسلام في بيان المواقف والأحكام، أن يهتمَّ ببيان سبب الحكم أو الموقف قبل الإعلان عنه أو بعده، وهذا يمهّد السبيل لتطبيق هذا الموقف أو الحكم في الواقع الاجتماعيّ. فالقاعدة المعتمدة في بيان الأحكام في الإسلام هي أن يُعمَل أوّلًا على تأسيس الأرضية المساعدة للحكم، ثم بعد ذلك يُبيَّن الوجهُ والمبرّرُ الذي يدعو إلى تشريع الحكم أو اتّخاذ الموقف، وبعد هذين الأمرين أو قبلهما يُعلن عن التشريع ويصدُر الحكم، وهذا يساعد الناس على تعميق إيمانهم بهذا التشريع، ويسهِّل عليهم الالتزام به وتطبيقه في حياتهم الاجتماعيّة.

 

وقد جرى القرآن الكريم على هذه القاعدة في آيات الجهاد والقتال. فقد بيّن الله تعالى حكم القتال مع أهل الكتاب، ثمّ بيّن العلّة التي دعت إلى هذا التشريع، والعلّةُ هي بُعْدُ هؤلاء عن الدين السماويّ وانحرافهم عنه، حتّى لو كانوا يدّعون الانتساب إلى الدين السماويّ والانتماء إليه.

 

في الآية الرابعة والثلاثين حدّثنا الله عن الرهبان والأحبار وموقفِهم في مواجهة الإسلام، وذلك أنّهم أوّلُ من شهر العداء للإسلام بين أهل الكتاب، بالنظر إلى تولّيهم الأمور الدينيّة في مجتمع الكتابيّين. ومن هنا، تصدّى القرآن لهم أوّلًا، وأعلن الموقفَ منهم قبل غيرهم من الناس.

 

وفي هاتين الآيتين أيضًا يتصدّى القرآن للحديث عن ثلاث فئات اجتماعيّة هي: الأحبار والرهبان وأصحاب الثروة المترفون. ويبيّن لنا دورهم في المجتمع، وبرنامجهم العملي والاجتماعيّ، وموقفهم من الإسلام.

 

 

217


177

تفسير سورة براءة

كلمتا الأحبار والرهبان كلمتان قصيرتان؛ ولكنّهما تتضمّنان الكثيرَ من المعاني التي تستحقّ التأمّل والنظر، والأثرياء هم فئةٌ اجتماعيةٌ لها دورٌ جديرٌ بالبيان والتوضيح، خاصّة في ما يرتبط بموقفها من الإسلام. وفي هذه الآية يبيّن لنا الله تعالى عقاب هؤلاء الأفراد في الآخرة.

 

في القسم الأوّل من الآية يخاطب الله أهلَ الإيمان ويبيّن لهم أنّ كثيرًا من الأحبار والرهبان يتورّطون بأكل أموال الناس بطرقٍ غير مشروعةٍ، ويجعلون من أنفسهم وتصرّفاتهم العملية سدودًا تحول بين الناس والإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾.

 

وفي القسم الثاني من الآية يحدّثناعز وجل عن الأثرياء الذين يراكمون الذهب والفضة ويمتنعون عن إنفاقها في سبيل الله، ويهدّدهم بعذاب الآخرة الذي ينتظرهم يوم القيامة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وقد ينطبق هذا القسم من الآية على الأحبار والرهبان؛ إذ إنّ بعضَهم، بالنظر إلى تجارته بالدين والقضايا الدينية، يدخلُ في طبقة الأثرياء وأصحاب الكنوز وينطبق عليه حكمهم.

 

والاختلاف بين هاتين الفئتين، أي فئة رجال الدين وفئة الأثرياء في موقفهم من الإسلام، هو في العنوان. فالأحبار والرهبان وقفوا في وجه الإسلام بسبب حبّهم للرئاسة، والأغنياء دفعتهم ثرواتهم إلى هذه المواجهة.

 

الآية وعدم تعميم الأحكام السلبية

ينبغي التوقّف عند نقاطٍ مهمّة، لفهم الآية ولتوضيح بعض المسائل الاجتماعيّة. ومن هذه النقاط المرتبطة بالآية أنّها تتحدّث عن كثيرٍ من الأحبار والرهبان، وكأنّ الله عز وجل يريد أن يبيّن لنا أنّ هذه الصفة ليست جزءًا من طبيعة هذه الفئة الاجتماعيّة؛ بحيث تكون الدوافع الاقتصادية وطلب

 

218

 


178

تفسير سورة براءة

الرئاسة سببًا يدعو جميع الأحبار والرهبان إلى مواجهة الإسلام، والوقوف في وجهه. وهذا من اللطف الإلهيّ حيث إنّه تعالى لم يعمّم هذا الحكم على جميع أفراد هذه الجماعة البشريّة؛ بل اعترف سبحانه لبعض الأفراد بالصلاح والاستعداد لتلبية نداء الإسلام. وهذا ما حصل في التاريخ الإسلاميّ المبكِّر عندما اعتنق "عبد الله بن سلام"[1] الإسلامَ ودعا قومَه إليه ودخل بدعوته عددٌ منهم في الإسلام. ومهما يكن من أمرٍ فإنّ هذه الآية تعلِّمنا عدم تعميم الأحكام السلبية من أفراد جماعة من الجماعات مهما كانوا كثيرين، إلى جميع الأفراد مهما قلّ عدد المختلفين عن الأكثريّة.

 

تحريم التكسّب بالطرق غير المشروعة

المطلب الثاني في الآية هو النهي عن "أكل المال بالباطل"، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه في الإسلام عمومًا وفي هذه الآية بشدّة. وأكل المال بالباطل، هو اكتساب المال من الطرق غير المشروعة، مثل الاسترباح بالقمار والسرقة، أو تقاضي المال على إضلال الناس عن الحقّ، أو الإضرار بالناس بجرحهم أو قتلهم وتقاضي المال على ذلك. وهذه الطرق جميعًا تعدّ في منظومة الكسب الإسلاميّة أكلًا للمال بالباطل؛ لأنّ جميع هذه الوسائل طرقٌ غيرُ صحيحةٍ ومحرّمةٌ.

 

طريقة الأحبار والرهبان في "أكل المال بالباطل"

ما هي وسائل هؤلاء الأحبار والرهبان لتحصيل المال واكتسابه؟ يذكر بعض المفسِّرين أنّ العناوين التي يحصل بها بعض الأحبارِ والرهبانِ على المال متعدّدة، منها الهدية والرشوة على القضاء؛ بحيث يأخذون من أحد الطرفين


 


[1] عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، كنيته أبو يوسف، وكان من كبار أحبار اليهود من بني القينقاع. ويُقال إنّه من أحفاد النبيّ يوسف عليه السلام، ويعدّ واحدًا من علماء اليهود. وقد كان له موقف معادٍ لأمير المؤمنين عليه السلام، ويذكر في تاريخ حياته امتناعه عن بيعة الإمام عليّ بعد مقتل عثمان.

 

219


179

تفسير سورة براءة

ليحكموا لمصلحته، ومن هذه الوسائل أخذ المال لتبديل بعض الأحكام[1].

 

ومن الواضح أنّ تغيير الأحكام من بعض هؤلاء لم يكن يحصل بطريقةٍ مباشرةٍ؛ بحيث يأخذون المال فيصدرون حكمًا مخالفًا للحكم الحقيقيّ، فيقولون مثلًا: لا صلاة في الدين أو لا صيام؛ بل كثيرًا ما كانوا يمهّدون الأرضية بتلبيس الحقّ على أهله وإعطاء الحرام صفةَ الحلال بعد ذلك. وتصويره بصورة الحكم الشرعيّ.

 

وقد كان لبعض هؤلاء حسابٌ مفتوحٌ مع الأثرياء والمترفين في مقابل تبديل الأحكام وفق مصالحهم. ومن النماذج في التاريخ الفقهيّ الإسلاميّ "القاضي أبو يوسف"[2]، فقد كان هذا الفقيه يفتح الأبواب المغلقة لهارون الرشيد ليبرّر له العلاقة ببعض النساء اللواتي يعشقهنّ. وقد ولّاه هارون الرشيد القضاء، لِمَا رأى من استعداده وقدرته على إلباس الباطل لبوس الحقّ.

 

وأنا أدعوكم إلى فتحِ آفاق الآية والنظر إليها بهذه العين. فليست أبوابُ أكلِ المال بالباطل والحرام مقصورةً على القمار والربا والسرقة. فكلّ تناولٍ للمال بطريقةٍ غير مشروعةٍ هو أكلٌ للمال بالباطل، كالرشوة وغيرها. ولهذه الآية مصاديقُ واضحةٌ ولها مصاديقُ خفيّةٌ، ومن مصاديقها الواضحة العامل الذي يتقاضى أجرًا على عددٍ من الساعات بينما هو يعمل عددًا أقلّ من العدد المطلوب منه، أو الذي يتقاضى أجرًا على عملٍ بشرط الإتقان فلا يتقنه. ومن المصاديق أيضًا لو دُعي إلى تكريم الرياضيين فأدخَل أحد الأشخاص نفسه بينهم وهو ليس منهم لينال الجوائز المخصّصة لهم، هذا أيضًا أكل للمال بالباطل.


 


[1] انظر: مجمع البيان، ج 5، ص 47.

[2] أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الأنصاريّ، أحد الفقهاء الذين أسهموا في بناء الفقه الحنفيّ وتحويله إلى مذهبٍ. وُلِد سنة 113 للهجرة، ودرس على أبي حنيفة 17 سنة، وبعد وفاة أبي حنيفة سنة 150 للهجرة، كان يُنظر إليه على أنّه أحد أبرز تلامذته. وهو من الفقهاء الذين اشتغلوا بالسياسة، له دورٌ مهمٌّ في إضفاء المشروعية على تصرّفات الخلفاء العبّاسيين. تُوفِّي عام 182 للهجرة.

 

220


180

تفسير سورة براءة

والآن طبِّقوا هذه الأمثلة على الأحبار والرهبان واستنتِجوا منها. المثال الأوّل كان عن العامل الذي يتقاضى الأجر على عملٍ لم يعمله أو لم يتقنه، فإذا طبّقنا هذا المثال على الأحبار والرهبان، فإنّ المال الذي يتقاضونه على أعمالهم الدينيّة يكون حرامًا وأكلًا للمال بالباطل إذا كان الناس يسمعون ويطيعون، ولم يستغلّ هؤلاء الفرصة ولم يبيّنوا أحكام الله أو بدّلوا غيرها بها، وأكلوا المال على فعلهم هذا، فهذا المال يكون حرامًا كمال العامل الذي لا يعمل.

 

كما يمكن تطبيق المثال الثاني أيضًا على هذه الفئة الاجتماعيّة، فالناس عادةً يهتمّون بتكريم أهل العبادة والصلاح وأهل العلم والتقوى، ويرون أنّ لهم حقًّا عليهم. فإذا أخذوا ما يُعطى لهم بهذا العنوان ولم يكونوا أهلًا له، يكون تناول هذه الجوائز والهدايا أكلًا للمال بالباطل. فمن لا يكون عابدًا ولا من أهل المحراب والصلاة، ويوهم الناسَ بأنّه كذلك، ويأخذ ما يُقدّم إليه بهذا العنوان، يدخل في خانة الذين يأكلون المال بالباطل.

 

وبناءً على ما تقدّم كلّه، يتبيّن أنّ المال الحرام وأكل المال بالباطل ليس محصورًا في الرشوة والربا؛ بل له مصاديقُ كثيرةٌ ومتعدّدةٌ. وإذا راجعنا تاريخ اليهود والنصارى، نجد عددًا كبيرًا من هذه الحالات، في مرحلتي ما قبل الإسلام وما بعده. وقد فعلتْها الكنيسة عندما باعت الناسَ صكوكَ الغفران، أو الأراضي في جنان الخلد. والأمر نفسه ينطبق على حالات تبديل الأحكام للفتِ نظرِ الناس، أو عقد مجالس الرقص بهدف جذب الشباب وإعادتهم إلى الكنيسة[1].

 

على أيّ حال مثل هذه القضايا كثيرةٌ في تاريخ أهلِ الكتاب، وكلامُ القرآن عن هذه الحالات حقٌّ. فقد كانوا يأكلون أموال الناس بدعوى استحقاقها، ولهذا تعرّض لهم القرآن وأشار إلى فعلتهم هذه.


 


[1] الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 249.

 

 

221


181

تفسير سورة براءة

الصدّ عن سبيل الله عند بعض علماء أهل الكتاب

"وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ": تشير هذه العبارة إلى أنّ الأحبار والرهبان كانوا يصدّون عن سبيل الله، مضافًا إلى أكلهم أموال الناس بالباطل. يقول المفسِّرون إنّ الأحبار والرهبان كانوا يحولون بين الناس والإسلام، ويمنعونهم من اعتناقه. وهذا المعنى في حدّ نفسه مقبولٌ كتفسيرٍ للآية. وثمّة معنًى أفضل يمكن حمل العبارة عليه، وهو سدّ الطريق إلى الإيمان وإلى الله، وذلك أنّ المعنى الأوّل لا يشمل أمثال "أبي يوسف" و"شريح القاضي"[1]، فهؤلاء لم يمنعوا الناس من الإسلام، أمّا إذا فسّرنا العبارة بالمعنى الثاني، فإنّها تتّسع ليدخل في دائرتها أمثال من ذكرنا.

 

المعنى الصحيح لعبارة: "وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ" هو المنع عن سبيل الله، وسبيلُ الله تارة يكون الإسلام وطورًا قد يكون ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وقد يكون ثالثةً أعمال البرّ والخير ومساعدة الفقراء، وهؤلاء الأحبار كانوا يفعلون كلّ هذه الأمور.

 

ومن ينظر في تاريخ الكنيسة بعد الإسلام، يرى أنّ رجالها غالبًا ما كانوا يتصرّفون بطريقةٍ تفضي إلى الإضرار بضعفاء قومهم وتنفع أعداءهم. وقد رأوا أنّ الإسلام أتى بفكرٍ جديدٍ يهدف إلى سعادة الناس وعزّتهم، ويعمل على نجاتهم وحلّ الاختلافات الداخلية بينهم، وينقّي علاقاتهم مع الآخرين. فعندما رأوا هذا المنهج الفكريّ الجديد، أعاقوا انتشاره وحالوا بين أتباعهم وبينه، ومثل هذا العمل يصدر عن غيرهم من المسلمين أيضًا أمثال أبي يوسف.

 

[1] هو قاضي الكوفة المعروف في التاريخ الإسلاميّ. وهو شريح بن الحارث، يمنيّ الأصل، تولّى القضاء في عهد عمر بن الخطّاب، ومارسه مدّة ستين سنةً، ولم يترك القضاء إلّا ثلاث سنوات في عهد عبد الله بن الزبير، وفي عهد الحجّاج بن يوسف الثقفي تقاعد عن القضاء وصار جليس بيته، إلى أن توفِّي عام 97 أو 98 للهجرة. كما إنّه اشتغل في القضاء مدّة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام. وعندما ولّاه الإمام عليه السلام هذا المنصب اشترط عليه عدم بتّ الأحكام قبل عرضها عليه. وفي الكتاب الثالث من كتب الإمام في نهج البلاغة تأنيب له، على بعض ممارساته.

 

222


182

تفسير سورة براءة

ومن مصاديق الصدّ عن سبيل الله عند الأحبار والرهبان أنّهم كانوا يعمدون إلى أحكام التوراة فيحرّفونها، فيخفون ما كان فيها من حقٍّ. ومن ذلك أنّهم أخفوا دلائل نبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة، ولم يؤدّوا واجبهم في اتّباع الحقّ والدعوة إلى العمل به. ودافعهم إلى هذا العمل يدور أمره بين الغرض الشخصيّ والجهل.

 

الترابط بين "الأكل بالباطل" و"الصدّ عن سبيل الله"

من الأمور التي تسهِم في حسن فهمنا للآية، فهمُ مبرّر الربط بين أمرين يبدو كلّ منهما غير الآخر، وهذان الأمران هما: "الأكل بالباطل" و"الصدّ عن سبيل الله"، فبين هذين العملين ترابطٌ عِلّيٌّ؛ حيث إنّ أحدهما قد يكون علّةً للآخر وسببًا. وذلك أنّ أوّل هذين الأمرين قد يكون دافعًا وسببًا للثاني، فالأحبار والرهبان كانوا يصدّون عن سبيل الله لأسباب ماليّة واقتصاديّة. وتتابعُ الآية الحديثَ عن ظاهرة أخرى موجودة في المجتمعات اليهودية والمسيحية أو غيرها من المجتمعات، وهذه الظاهرة هي ظاهرة "الكنز".

 

معنى "الكنز"

"الكنز" في اللغة مصدرٌ يدلّ على تكديس الثروات ومراكمتها، كما يفيد إخفاءها عن عيون الناظرين أيضًا. وهذا المعنى متداولٌ في اللغة الفارسية كذلك. وقد كانت العادة، بحكم الظروف الاجتماعيّة، تقضي بأن يدفن الإنسان أمواله تحت الأرض ليحفظها من الأعداء، ويستخدمها وقت الحاجة. ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذا المعنى أي الدفن والتكديس ليس بالضرورة أن يكون مقصودًا في الاستعمال القرآنيّ لهذه الكلمة.

 

فالكنز بحسب الاستعمال القرآنيّ هو "جمع الثروة وعدم تسييلها في خدمة المجتمع". والقرينة الدالّة على هذا المعنى القرآنيّ هي عبارة: "وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ"، فهذه العبارة تفيد أنّ المشكلة ليست في جمع الثروة

 

 

223


183

تفسير سورة براءة

ولا في الدفن بما هو دفنٌ؛ بل في عدم إنفاقها في سبيل الله. وبعبارة أخرى: عدم جعلها في خدمة الناس، ولو كانت المشكلة في الكنز نفسه بمعنى الدفنِ والجمعِ، لما كان لقيد عدم الإنفاق حاجةٌ في التعبير عن المقصود.

 

العبارة المذكورة التي تشير إلى عدم الإنفاق في سبيل الله، تبيّن أنّ الغنيّ المذموم هو ذلك الشخص الذي لا يرى إلّا نفسه، ولا يستخدم ماله إلا في مصالحه الخاصّة، وهو الذي يصرف أمواله على شهواته وملذّاته، ولا يجعل للآخرين من ماله نصيبًا. أو ذلك الشخص الذي يبني القصور المنيفة وناطحات السحاب ويستثمر في التجارة من دون أن يلتفت إلى من حوله من الناس.

 

وعلى ضوء ما تقدّم يظهر أنّ الآية لا تذمّ من يدفن أمواله تحت الأرض فقط؛ بل تستوعب أولئك الذين يجمّدون أموالهم ولا يسيّلونها في خدمة المجتمع.

 

والمؤشِّر الآخر الذي يفيد هذا المعنى المتقدّم هو الآية الثانية التي تصوّر حال هذه الفئة الاجتماعيّة، حيث يُقال لهم يوم القيامة، هذا ما كنزتم لأنفسكم، أي ما ادّخرتم لأنفسكم وحرمتم سائر الناس من ثرواتكم.

 

المراد من "الذهب والفضّة"

ويتضمّن ذكر الذهب والفضّة إشارة أخلاقيّة ذُكِرت في كتب التفسير؛ ولكن لا بدّ من الالتفات إلى انطباق هذا الحكم المعلّق على الذهب والفضّة على النقد المتداول في زماننا. فقد كان الذهب والفضّة يؤدّيان دور النقد في هذا العصر. فعندما أدرك الناسُ حاجة بعضهم إلى بعضهم الآخر، اهتدوا إلى حاجتهم إلى تبادل السلع والخدمات، فكانوا في البدايات يبادلون سلعةً بسلعةٍ، ومن كان يحتاج إلى الزيت مثلًا وعنده من القمح ما يفيض عن حاجته، كان يعطي القمح ويأخذ في مقابله الزيت من جاره المستغني عن مقدار من زيته وهكذا.

 

 

224

 


184

تفسير سورة براءة

وواجهت الناسَ مشكلةُ غموض التقدير في مبادلة الأجناس، إلى أن اهتدى الإنسان إلى ضرورة استخدام معيارٍ لتقويم الأشياء والسلع، فصار الذهب والفضّة معيارين لتقويم السلع وتثمينها، لما يتمتّع به هذان المعدنان من ندرة وقدرة على الدوام. وهذا ما يؤدّيه النقد في هذا العصر؛ بعد أن أعرض الناسُ عن استخدام الذهب والفضّة لصعوبة حملهما وحمايتهما، واستبدلوا النقد الورقيّ بهما.

 

وعليه فإنّ الآية لا تتحدّث عن الذهب والفضّة بما هما معدنان؛ وإنّما ذُكِرا بالنظر إلى دورهما ووظيفتهما التي يؤدّيانها في العلاقات الاقتصاديّة بين الناس. فالآية تذكر الذهب والفضّة من هذه الناحية، وينطبق حكمهما على ما يحلّ محلّهما ويؤدّي دورهما في التعامل التجاريّ.

 

وقد كان الأحبار والرهبان في عصر صدر الإسلام محلّ ثقة الناس الذين كانوا يقدّمون لهم النذور والهدايا بالنظر إلى حسن ظنّهم فيهم، كما كانوا يستأمنونهم على أموالهم في بعض الحالات.

 

فضيلة الزهد بين المسلمين في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

كان الزهدُ يعدّ فضيلةً وقيمةً من القيم الأخلاقيّة في زمان بعثة النبيّصلى الله عليه وآله وسلم. وكان بعض الأغنياء يفدون على النبيّصلى الله عليه وآله وسلم مع ما كانوا يحملونه من طباعٍ قاسيةٍ، ومع ما هم عليه من غرور الصحراء وقسوتها؛ ولكنّهم عندما كانوا يخالطون النبيّصلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويلاحظون بساطة عيشهم، كانوا يتأثّرون بنمط الحياة هذا، ويميلون إلى حياة الزهد وبساطة العيش.

 

تحوّل تكديس الذهب إلى فضيلة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

أظهر المسلمون في صدر الإسلام من الزهد ما يثير العجب والإعجاب، ولم يكن عامّة الناس يميلون إلى حياة الترف والتجمّل؛ ولكن بعد خوض المسلمين عددًا من الحروب وإصابتهم فيها الكثير من الغنائم، استطاع

 

225


185

تفسير سورة براءة

بعض الناس تسريب بعض هذه الثروات إلى جيوبهم؛ حتّى إنّ زيد بن ثابت خلّف وراءه بعد موته من الذهب والفضّة ما يُقطّع بالفؤوس[1]. وقد بدأ انحراف المسلمين عن منهجهم السابق منذ عهد الخليفة الثاني، ووصل إلى أوجه في عهد الخليفة الثالث عثمان. فقد أُخبِر عمرُ يومًا عمّا يفعله معاوية من جمع المال فقال: "هذا كسرى العرب"، وكان يُبرّر بعضَ سلوكه بمجاورته للروم واعتياد الناس على هذا النمط من العيش وكثرة الجواسيس في تلك البلاد[2].

 

وهذا الأسلوب في العيش غير مقبول في الإسلام، والإسلام لا يقرّ تقسيم المجتمع إلى طبقات تفصل بينها حواجز اجتماعيّة، وهو دينُ العدل والمساواة، فلا يقرّ الخليفةَ على مراعاة عادات الناس وتقاليدهم التي تدعو في بعض الحالات إلى التجمّل والترف. فعندما تمارس الطبقة الحاكمة مثل هذا السلوك يتحوّل إلى ميلٍ واتّجاهٍ عند الحاشية الذين يسعون إلى الاستئثار بما تصل إليه أيديهم من أموال. وبعد هذا التفصيل إذا تعاملنا مع عبارة: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" بحرفيّةٍ، فإنّ دائرتَها تضيق عن استيعاب ما راج بين المسلمين، ويقتصر مفادها على إدانة الأحبار والرهبان.

 

نظرة الإسلام إلى الثروة

بمناسبة السياق نرى من المناسب التوقّف قليلًا عند قضية المال والثروة لاكتشاف نظرة الإسلام إلى هذه القضية. فهل يوافق الإسلامُ الناسَ في نظرتهم إلى الأغنياء وأصحاب الثروات، وعلى إعطائهم القيمة بالنظر إلى ما يملكون من مالٍ؟

 

إنّ كثيرًا من الناس يحترمون أصحاب الأموال من أجل أموالهم، ويقدّمونهم بسبب ما يملكون من مالٍ، وهذا من الأخطاء الأخلاقية


 


[1] الغدير، ج 8، ص 284.

[2] انظر: سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 134.

 

 

226


186

تفسير سورة براءة

التي يقع فيها بعض الناس، والإسلام لا يقرّ الناس على هذا التقويم، وفي الرؤية الإسلاميّة أنّ الثروة يجب أن تجري في شرايين الاقتصاد الاجتماعيّ كما يسري الدم في جسد الإنسان ويصل إلى كلّ خلية من خلاياه. فالثروة أيضًا هي الدم الاجتماعي الذي يجب أن يصل إلى جميع أعضاء الاجتماع.

 

ويمكن تشبيه الثروة بالمائدة التي يجلس إليها مجموعة من الناس، فليس من الأدب ولا من الأخلاق في شيء أن لا يستطيع بعض الحاضرين الوصول إلى الأطعمة الموضوعة على المائدة المشتركة. فالإسلام في هذا المثال يقول عندما يمتلئ بطنك من الطعام لا يحقّ لك أن تبدأ بوضع الطعام في جيبك، وتدّخره إلى الغد. وممّا يكشف عن هذه الرؤية الإسلاميّة ما ورد في عدد من الروايات والأخبار ومن ذلك "المال مال الله"[1]، وهذه العبارة ليست مجرّد موعظة أو نصيحة أخلاقيّة، بل هي قاعدة قانونية حقوقيّة. طبعًا هذا لا يعني إلغاء حقوق أصحاب الثروات، بل يعني أنّ المال الموضوع على المائدة الإلهيّة يجب أن يصل إلى جميع البشر.

 

أساليب الإسلام للحدّ من تكديس الثروة

وهنا سؤال يستحقّ البحثَ عن جوابه، وهو ما هي الأساليب التي أقرّها الله تعالى للحدّ من تكدّس الثروات في يد عددٍ قليل من الناس؟ وما هي الإجراءات التي اعتمدها لتداول المال بين أيدي الناس جميعًا؟

 

أقرّ الإسلام عددًا من الإجراءات التي تحول دون الأمرِ الأوّل وتحقّق الأمر الثاني. ومن هذه الإجراءات منعه من تداول الثروة بطرقٍ غير مشروعة كالقمار والربا؛ لأنّ هذين البابين من أهمّ الأبواب لتراكم الثروة في أيدي عددٍ قليل من الناس، من دون أن يقوموا بنشاطٍ اقتصاديٍّ مجدٍ في المجتمع.

 

والطريق الثاني هو تشريع الزكاة وغيرها من الصدقات الواجبة، وإقرار


 


[1] وسائل الشيعة، ج 11، ص 500.

 

 

227


187

تفسير سورة براءة

الخمس والكفّارات، ما يؤدّي إلى الحيلولة دون تراكم الثروة وتضخّمها.

 

والطريق الثالث هو المفضي إلى نشر الثروات وتوزيعها إلى أيدي عددٍ من الناس بعد أن كانت في يدِ واحدٍ منهم، وذلك بتشريع أحكام الإرث التي تؤدّي إلى تقسيم أموال الميت على الورثة. وفي هذا إلفاتُ نظرٍ للإنسان ودعوة غير مباشرةٍ له إلى استخدام بعض ثروته في إعمار آخرته؛ ليؤمّن بها سعادته في تلك الدار.

 

والأمر الجدير بالعناية هو أنّه في حال الحاجة إلى ما يزيد عمّا ذُكر، على إدارة المجتمع الإسلاميّ أن تسعى إلى صرف المزيد على تحسين أوضاع الفقراء. وهذه النقطة هي واحدة من نقاط الاختلاف بين أبي ذرٍّ وعثمان.

 

وحاصل البحث في هذه القضية أنّ الإسلام يحدّد أساليب تحصيل المال كما يضع القواعد والقيود على طريقة التصرّف فيه بعد تحصيله.

 

بحث روائيُّ

يحضر منطقُ القرآن الذي بيّناه في ما تقدّم في عدد من الأخبار والروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام. ومن ذلك الرواية التي تخبر أنّ الإنسان يُسأل يوم القيامة عن ماله من أين كسبه وأين أنفقه؟[1]

 

ومن ذلك أيضًا رواية تبيّن مناقشةً دارت بين أبي ذرٍّ من جهة، وعثمان وكعب الأحبار من جهة أخرى، يكشف فيها أبو ذرٍ عن أنّ الإنسان لا يُكتفى منه بأن يكسب المال من الحلال، ويؤدّي زكاته ويحتفظ بما بقي منه دون أن ينفقه في سبيل الله. وقد استشهد أبو ذرّ بهذه الآية لإثبات وجهة نظره هذه[2].


 


[1] انظر: الشيخ الصدوق، الأمالي، ص 93، المجلس العاشر.

[2] سوف تُذكر هذه الرواية لاحقًا بنصّها الكامل.

 

228


188

تفسير سورة براءة

وقد بُذِلت مساعٍ كبيرة لصرف قوله تعالى: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" عن هذا المعنى، أو حصر إدانته بأحبار أهل الكتاب ورهبانهم؛ في محاولة لتبرئة ساحة المسلمين الذين كانوا يكنزون الذهب والفضّة. ومن هذه المساعي محاولة إسقاط الواو في أوّل هذه العبارة؛ بحيث تكون العبارة اللاحقة للواو صفة للأحبار والرهبان دون غيرهم.

 

ومن المحاولات أيضًا، الربط الحصري بين هذه العبارة والزكاة، ومن هنا كان كعب الأحبار يقول على مسمع عثمان إذا أدّى الإنسان زكاته المفروضة فلا يضيره أن يبني بيته لبنةً من الذهب وأخرى من الفضّة. ولا شكّ في أنّ هذا التفسير كان مرغوبًا فيه من الطبقة الحاكمة في ذلك الزمان؛ ولكنّ أمثال أبي ذرّ كانوا يرفضون هذا التفسير، ويرون أنّ هذه العبارة تبيّن حكمًا خارج دائرة الزكاة المعروفة.

 

والأخبار تؤيّد وجهة النظر هذه. وفي واحد منها ورد تحديد الثروة التي توجِب المساءلة بين يدي الله تعالى بألفي درهمٍ، وفي أخرى تحديدها بأربعة آلاف درهمٍ. وبالتالي ينطبق عليه حكم العبارة محلّ البحث في الآية.

 

النهي عن تكديس الثروة في الإسلام

والآن ماذا يُستفاد من مجموع ما تقدّم؟ ألا يُستفاد منه أنّ الإسلام ينهى عن تكديس الثروات ومراكمتها، أو عن إنفاقها على المصالح الشخصيّة فقط؟

 

هذا حكمٌ من أحكام الإسلام، أنّ الإنسان إذا اكتسب مالًا، فإنّه لا يحقّ له تجميده وكنزه، ولا يحقّ له حصر الاستفادة منه بنفسه. الآية الشريفة والروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام يُستلهم منها هذا المعنى، كما يمكن استفادة هذا المعنى بالتحليل العلميّ.

 

 

229

 


189

تفسير سورة براءة

الثروة وسيلة للكمال لجميع الناس

ولتأييد المعنى الذي بيّناه يمكن أن نقول: إنّ الله لم يخلق الإنسان عبثًا على هذه الأرض؛ بل خلقه من أجل غرضٍ وغايةٍ، هي الوصول إلى الحدّ الأعلى من الكمال المتاح للإنسان. وهو أشبه بغرسةٍ يضعها البستانيّ في أرضه ويتعهّدها بالعناية والرعاية حتى تصل إلى مرحلة الإثمار.

 

والله تعالى خلق الإنسان ليصل إلى الكمال الذي قدّره له. والوصول إلى هذا الكمال يتوقّف على مجموعة من الوسائل التي خلقها الله في الطبيعة وسخّرها للإنسان ليستخدمها من أجل نيل الكمال المقدّر له. وهذا يشبه ما لو كُلِّف شخصٌ بالذهاب إلى مكانٍ محدّدٍ، فإنّ الآمر الحكيم يضع في خدمة المكلَّف كل ما يساعده على الوصول إلى الهدف، من السيارة وقائدها الخبير إلى البنزين والطريق المعبّدة.

 

وقد فعل الله ما يشبه هذا الأمر، فقد أراد له الوصول إلى أعلى درجات الكمال، ووضع بين يديه كلّ ما يساعده للترقّي والصعود في مدارج الكمال. سواء في ذلك الإمكانات الموجودة في عالم الطبيعة، أو الاستعدادات النفسية والروحية والبدنية التي وفّرها له، والإرادة وقوّة العزيمة التي زوّده بها، والعواطف التي تسعفه عند الحاجة، كما أرسل له عددًا من الأنبياء يأخذون بيده ويساعدونه في مساره.

 

وقد زوّد الأرض بالقدرة على احتضان النبات فيها وتنميته ليتحوّل إلى طعامٍ يساعد الإنسان على النموّ، ويقدر الإنسان على تبديله والتصرّف فيه ليتحوّل إلى ما يشبه البنزين اللازم لحركة السيارة في المثال المتقدّم. كما زوّد الأرض وهي البيئة الحاضنة للإنسان باحتضان الكثير من الإمكانات المادية ليستثمرها في مساره ويستخدمها في رحلته نحو الكمال.

 

وخلاصة الكلام أنّ الإنسان خُلِق من أجل هدفٍ محدّدٍ، وهذا التكامل متوقّفٌ على وسائل وأدوات وفّرها الخالق سبحانه لمخلوقه القابل

 

230

 


190

تفسير سورة براءة

للتكامل. وهنا يُطرح هذا السؤال: هل يريد الله الكمال لبعض الناس أو يريده لهم جميعًا؟

 

لا شكّ في أنّ الجواب هو: إنّ الله يريد الكمال لجميع الناس، وليس لبعضهم دون بعضهم الآخر. وإرادة الكمال لجميع الناس تقتضي وضع الإمكانات المحتاج إليها بين أيدي الناس جميعًا. فعندما يُقال لعشرة أشخاصٍ مثلًا، المطلوب منكم أن تقطعوا المسافة الفلانيّة، فهذا يعني أنّ الإمكانات الموضوعة يجب أن تصل إلى الجميع ليستفيدوا منها ليصلوا جميعًا إلى المقصد في أقرب فرصةٍ ممكنةٍ. فإذا بكّر أحد هؤلاء العشرة واستخدم الأدوات المتاحة للوصول وترك الآخرين من دون ما يساعدهم على الوصول، يكون قد خان رفاقه وأجحف في حقّهم.

 

والثروة والأموال الموجودة في هذه الدنيا، سواء كانت أموالًا طبيعيّةً أو أموالًا أنتجها الإنسان بالاستناد إلى ما في الطبيعة، فكلّ تلك الأموال يجب أن لا ينحصر تداولها في أيدي عددٍ محدود من الناس؛ بل يجب أن تصل أيديهم جميعًا إليها. فالإنسان الذي يعيش في مجاهل الأمازون من حقّه أن يستفيد من خيرات الطبيعة كما يستفيد الإنسان المتحضّر الذي يعيش في أيّ مدينة من مدن الغرب. والفيلسوف والعالم يتساوى مع الجاهل في حقّه من الاستفادة ممّا خلق الله من إمكانات تساعد على التكامل.

 

بلى، الكمال مطلوبٌ من الجميع ولهم جميعًا، وقد خُلِقوا من أجل هذا، وكلّ الإمكانات والوسائل المساعدة مخلوقة لهم جميعًا، ليستفيد كلُّ واحدٍ منهم بمقدار عزمه وأعماله وإرادته، ويصل إلى الكمال المتاح له.

 

ونتيجة البحث في هذه الآية أنّه إذا صادر شخصٌ حقوق الآخرين واستولى على مقدّرات الطبيعة والإمكانات المتوافرة فيها، وحرم الآخرين من فرصة استثمار ما خلق الله، يكون قد فعل نفس ما فعله ذلك الذي استغلّ نوم زملائه وانطلق في رحلته قبلهم.

 

231

 


191

تفسير سورة براءة

وعلى الرغم من أنّ الآية لم تكشف عن هذا الفهم الذي عرضناه لها، بصراحة، وعلى الرغم من عدم ورود رواية صريحة في تفسيرها بهذا المعنى، فإنّنا نستفيد من الرؤية الإسلاميّة العامّة أنّ الكنز وتكديس الثروة بطريقةٍ فاحشةٍ في أيدي عددٍ قليلٍ من الناس، ظلمٌ واعتداء على حقوق الآخرين المطالبين بالسير للوصول إلى الهدف الذي حدّده الله تعالى للجميع. وعليه فإنّ ما ذكرناه ليس مطلبًا إضافيًّا ضممناه إلى الآية، فما يهمّنا هو الآية وقرينيّتها على المعنى المدّعى.

 

هذا ولكنّنا لا نقصد من المساواة المذكورة ذلك المعنى العاميّ البسيط، أي أن يأخذ كل شخصٍ 200 تومان كراتبٍ شهريٍّ. فهذا المعنى من المساواة لا يُستفاد من الآية ولا نقصد تحميله للإسلام.

 

بل ما نقصد هو أنّ الوجود كلّه هو مائدة الله المبسوطة للبشريّة كلّها، ومن حقّ جميع الجالسين إليها أن يتناولوا منها بمقدار حاجتهم. فإذا أخذ أحدٌ أكثر من حاجته، فهذا يلزم منه أن لا ينال الباقون ما يحتاجون إليه. فإذا جلستَ على رأس المائدة وأخذتَ بدل الصحن الواحد ثلاثة فهذا يعني أنّ اثنين من الجالسين بقيا من دون طعامٍ. وهذا هو معنى كلام أمير المؤمنين عليه السلام حين يقول: "فما جاع فقيرٌ إلى بما مُتِّع به غنيٌّ"[1].

 

لماذا لا نستفيد من أمثال هذه الروايات في الفقه؟ فهذه الروايات ليست مجرّد مواعظ أخلاقيّة في الإسلام. فعندما تَصِلُ إلى هذه المطالب، وتَدخُلُ إلى البحث الفقهيّ بهذه الذهنية، سوف تفهم كلام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يقول: "ما رأيتُ نعمةً موفورةً إلّا إلى جانبِها حقٌّ مضيَّعٌ". كما تفهم معنى قوله عز وجل: "فما جاع فقيرٌ إلى بما مُتِّع به غنيٌّ".

 

بهذا البيان عندما تأكل بالطريقة التي شرحناها أعلاه، سوف تكون النتيجة أن يبقى عددٌ من الضعفاء الفقراء جوعى على أطراف المائدة


 


[1] نهج البلاغة، باب الحكم، الحكمة 328.

 

232


192

تفسير سورة براءة

الإلهيّة. منطق الإسلام يقضي بأنّه لا يحقّ لك أن تملأ يديك الاثنتين وتترك أيدي الضعفاء خاوية وأصحابها جوعى.

 

والمراد من التوصيات الدينية المذكورة سابقًا هو التوازن. فعندما تأخذ شيئًا من إحدى كفّتي الميزان وتضعه في الكفّة الأخرى، من الطبيعيّ أن ترجُحَ هذه الكفّة الأخيرة. وهذا الفهم ليس مستندًا إلى الذوق الشخصيّ، بل هو جوهر الإسلام وحقيقته.

 

فإذا أراد كعب الأحبار أن يفتي عثمان ويقول له: إذا أدّيت زكاتك فافعل ما تشاء وابنِ القصورَ المنيفة، فإنّه يقول ذلك؛ لأنّه يهوديٌّ أسلم طمعًا لا اعتقادًا. وإنّ معرفة هذا الشخص تفتح لنا الكثير من الآفاق في مجال المعرفة الدينيّة، وتبيّن لنا أنّ الرجل أسلم من أجل المال، ومن أجله أدّى دور العالِم.

 

فعندما يسلِم كعب الأحبار ويُجعَلُ له من بيت المال نصيبٌ، ويُرفَع عنه عنوانُ أهلِ الذمّة، ويجلس إلى جانب الخليفة، ما الذي يدعوه إلى التردّد في إعلان إسلامه، هذا الإسلام الذي هو من أجل الطعام والشراب، ومن أجل المقام والمال، وإذا لزم الأمر وطُلِب منه أن يُفتي سوف يفتي غبَّ الطلب. ولكن فتوى أبي ذرٍّ مختلفة، فهو رفع العصا في وجهه وقال له: "يا ابن اليهوديّة ما لك والنظر في أحكام المسلمين..".. لهذا نحن نقبل فتوى أبي ذرٍّ وأئمّة الهدى عليهم السلام، على الرغم من أنّ هذا الكلام الذي قلناه قد لا يكون محلّ إجماع؛ ولكن هذه هي وجهة نظري.

 

مثلّثُ السلطة في مواجهة الدين

ثمّة فئاتٌ اجتماعيّةٌ تكرّر ذكرها في مواضع عدّة من القرآن الكريم، ومن هذه المواضع الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وذلك بالنظر إلى أهمّيّة التعرّف إليها واكتشاف أدوارها.

 

 

233


193

تفسير سورة براءة

وهذه الفئات التي تكرّر ذكرها في القرآن هي التي غالبًا ما تشكّل مثلّثَ السلطة في أيّ مجتمع من المجتمعات. وهذه الفئات هي التي تنهض لمعارضة دعوة الأنبياء كلّما ظهر نبيٌّ يحمل رسالة الله إلى عباده. وتتضامن هذه الفئات وتترابط مصالحُها؛ ولهذا وصفناها بأنّها مثلّثُ السلطة والقوّة في المجتمعات الإنسانيّة.

 

الفئةُ الأولى وهم الذين يسمّيهم القرآن الكريم بـ "الملأ"، وهم الحاشية التي تحيط بالحكّام. وهم الذين يشكّلون الأعمدة التي يستند إليها رأس هرم السلطة، مثل: فرعون والنمرود، فـ"الملأ"، بحسب المصطلح القرآنيّ، هم المحيطون بهذا الرأس والذين يحاصرونه، ويحافظون على وجوده وقوّته، وهو يستفيد من أفكارهم ووجودهم في حفظ سلطته وشوكته.

 

هامان واحد من رموز هذه الفئة في التاريخ السابق على ظهور الإسلام، والآية التي تقول: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾[1] تشير إليه. وقد تكرّرت شخصية هامان في التاريخ الإسلاميّ مرّاتٍ عدّة، حيث كان معاوية محاطًا بعدد من الشخصيّات المشابهة، مثل: عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه.

 

وإذا نظرتم في سيرة معاوية وتاريخه، فسوف تكتشفون أنّ خصائص شخصية هامان تنطبق على هؤلاء المشار إليهم وأمثالهم، وقد استند معاوية في بناء سلطته عليهم واستفاد من أفكارهم ومشورتهم.

 

الفئة الثانية التي تشكّل الضلع الثاني لهذا المثلّث هم الأغنياء والمترفون. وأعضاء هذه الفئة الاجتماعية على الرغم من أنّهم قد يكونون خارج دائرة الحاشية المذكورة أعلاه؛ ولكنْ بينهم وبين حاشية السلطان مصالحُ متبادلة ومنافعُ مشتركة. ومن هنا، نجد أنّ السلطان يستفيد منهم ويستخدمهم وهم يفعلون الشيء نفسه.


 


[1] سورة غافر: الآية 36.

 

234

 


194

تفسير سورة براءة

ومن نماذج هؤلاء قبل الإسلام قارون ذلك الشخص الذي يجسِّد في القرآن رمز الغنى الفاحش. وفي التاريخ الإسلاميّ ظهر مثل هؤلاء في عهد عثمان وفي عهد بني أميّة؛ حيث تشكّلت طبقة من الأغنياء والملّاك وأكلة الربا. وسرّ حاجة هذه الفئة الاجتماعية إلى رأس السلطة، أنّها تستفيد من سلطته وحمايته لتجميع الثروات التي تريد جمعها والاحتفاظ بها. والسلطة بدورها تستفيد من أموال هذه الطبقة عند الحاجة إليها على شكل ضرائب أو غير ذلك. ومن هنا، يظهر أنّ بين الفئتين مصالح متبادلة، وكلٌّ من الفئتين تخدم الأخرى وتساعدها على سدّ احتياجاتها. والكلمة التي تشير إلى هذه الفئة أي فئة الأغنياء هي "المترفون".

 

والفئة الثالثة أو الضلع الثالث من أضلاع المثلّث الذي نتحدّث عنه، هم أولئك الذين يبرّرون للفئتين السابقتين أعمالهم، ويُضْفُون الشرعيّة على سلوكهم بين الناس. مثلًا: يريد معاوية أن يسنّ قانونًا يبيح سبّ أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر، أو يريدُ يزيد خوض الحرب في مواجهة الإمام الحسين عليه السلام، فهما يحتاجان إلى من يبرّر لهما فعلهما ويقنع عامّة الناس بمشروعية هذا السلوك وصحّته. فيأتي شريح القاضي مثلًا ويفتي بأنّ الإمام الحسين عليه السلام نقض أصلًا من الأصول الدينية المسلّمة، فقد وردَ أنّه هو الذي أفتى بأنّ حركة الإمام عليه السلام هي حركة خروج على الإمام العادل يزيد، وهو يستحقّ القتل بحدّ الحرابة[1]، بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ...﴾[2]. والأمر عينه حصل من قبل في ما يرتبط بأمير المؤمنين عليه السلام.

 

وكذلك إذا استدعت حاجة أحد أضلاع هذا المثلّث الإغارة والاعتداء على أموال الناس، فلا يمكن الاستغناء عن مثل أبي يوسف القاضي، ليفتي


 


[1] أشار مترجم كتاب الألفين للعلامة الحلّي إلى هذا الأمر، ولكنّنا لم نعثر على هذه القضية في الكتاب، بل هي من تعليقات المترجم، ولا يمكن نسبتها إلى العلامة.

[2] سورة المائدة: الآية 33.

 

235


195

تفسير سورة براءة

لهارون الرشيد بجواز مصادرة الأموال وسدّ الحاجة بها. وإذا اشتهى هارون الرشيد أمَةَ أحد المارّة وأراد الحصول عليها، وكان صاحب الأمَةِ قد نذر أن لا يبيعها، ولم يرد مخالفة نذره أو حنث يمينه أو عهده؛ فهذا الأمر يدخل ضمن دائرة اختصاص أبي يوسف وصلاحيّاته، ليفتي للرجل بأنّ نذره ليس مشروعًا، وأنّ أمر الخليفة لا بدّ من أن يُطاع. وهذا شكلٌ آخر من أشكال تقديم الدعم للسلطة، يقع على عاتق أبي يوسف وأمثاله، ومن هنا نلاحظ أنّ خطّ أبي يوسف في القضاء كان هو المعتمد على امتداد الجغرافيا الإسلاميّة في الدولة العبّاسية.

 

وهذه الفئة الاجتماعية الثالثة هي التي يُرمَز إليها في القرآن ببعض الأحبار والرهبان أو كثيرٍ منهم. وقد تكرّرت الإشارة في القرآن إلى هذه الفئة أو الطبقة الاجتماعيّة، كما أشير إلى الفئتين السابقتين. وعندما تكتمل أضلاع هذا المثلّث يقبع الطاغوت على رأس الهرم. وعلى الرغم من أنّ جميع الأضلاع أي جميع هذه الفئات ينطبق عليها مفهوم الطاغوت، فإنّ الطاغوت الأكبر هو رأس السلطة، والفئتان الأخريان مستخدمتان لمصلحته.

 

ومن المهمّ أن نعلمَ أنّ طبع من يعبِّرُ عنهم القرآنُ بالملإ هو الوقوفُ في مواجهة الأنبياء على الدوام ومعارضتهم؛ أي لا يمكن لهذه الفئة بعد أن تحوّلت إلى "ملإ" إلا الوقوف في وجهِ حركةِ الأنبياء. ومن هنا، فإنّنا نلاحظ في القرآن أنّ كلمة "الملأ" تقترن بالتآمر على الأنبياء.

 

ومثال ذلك تكرّر الإشارة إلى ملإ فرعون في مواجهة حركة النبيّ موسى عليه السلام، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾[1]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾[2].


 


[1] سورة القصص: الآية 20.

[2] سورة الأعراف: الآية 127.

 

236


196

تفسير سورة براءة

ولا نجد في القرآن كلّه غير مرّةٍ واحدة يشير فيها الله تعالى إلى الملإ وهم إلى جانب أحد الأنبياء، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾[1]. فالملأ في هذه الآية يطالبون بالقتال في سبيل الله! والسؤال الأوّل الذي يخطر في البال هنا، هو: ماذا حصل حتّى يطالب الملأ بالقتال في سبيل الله؟! هل اختلّ أمرٌ من أمور حياتهم؟!

 

تتمّة الآية تكشفُ لنا هذا السرّ وتبيّن الجواب عن هذا السؤال. نبيّ الله يعرفهم جيّدًا، ويعلم أنّهم لم يكونوا يومًا مستعدّين للقتال في سبيل الله؛ لذلك يصرّح بشكّه في مطلبهم ويردّ على طلبهم بسؤال فيقول: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ﴾، فهو في هذه الآية يسألهم ألا تحتملون أنّكم سوف تفرّون من القتال إن فُرض عليكم؟

 

وها هم يكشفون عن مكنون نفوسهم، عندما يكشفون عن سرّ رغبتهم في القتال في سبيل الله، وذلك أنّهم أُخرِجوا من ديارهم: ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾[2]. نعم صودرت ممتلكاتهم وضياعهم وبيوتهم الفارهة، وحُرِموا من النعم التي كانوا يرفَلون فيها؛ فهم مفجوعون بالدنيا، وليسوا من أهل الله والقتال في سبيله، لا يريدون القتال من أجل الناس ودفاعًا عنهم، إنّهم يريدون القتال دفاعًا عن بيوتهم وأبنائهم.

 

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾[3]: وهذا المقطع من الآية يبيّن حالهم عندما استُجيب لطلبهم وكُتِب عليهم القتال، لم يثبت إلا عددٌ قليلٌ منهم، وذيل الآية فيه تهديد مبطّنٌ بل صريحٌ للظالمين منهم بأنّ الله يعلمهم.


 


[1] سورة البقرة: الآية 246.

[2] سورة البقرة: الآية 246.

[3] سورة البقرة: الآية 246.

 

237


197

تفسير سورة براءة

ولا نجد في القرآن كلّه غير مرّةٍ واحدة يشير فيها الله تعالى إلى الملإ وهم إلى جانب أحد الأنبياء، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾[1]. فالملأ في هذه الآية يطالبون بالقتال في سبيل الله! والسؤال الأوّل الذي يخطر في البال هنا، هو: ماذا حصل حتّى يطالب الملأ بالقتال في سبيل الله؟! هل اختلّ أمرٌ من أمور حياتهم؟!

 

تتمّة الآية تكشفُ لنا هذا السرّ وتبيّن الجواب عن هذا السؤال. نبيّ الله يعرفهم جيّدًا، ويعلم أنّهم لم يكونوا يومًا مستعدّين للقتال في سبيل الله؛ لذلك يصرّح بشكّه في مطلبهم ويردّ على طلبهم بسؤال فيقول: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ﴾، فهو في هذه الآية يسألهم ألا تحتملون أنّكم سوف تفرّون من القتال إن فُرض عليكم؟

 

وها هم يكشفون عن مكنون نفوسهم، عندما يكشفون عن سرّ رغبتهم في القتال في سبيل الله، وذلك أنّهم أُخرِجوا من ديارهم: ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾[2]. نعم صودرت ممتلكاتهم وضياعهم وبيوتهم الفارهة، وحُرِموا من النعم التي كانوا يرفَلون فيها؛ فهم مفجوعون بالدنيا، وليسوا من أهل الله والقتال في سبيله، لا يريدون القتال من أجل الناس ودفاعًا عنهم، إنّهم يريدون القتال دفاعًا عن بيوتهم وأبنائهم.

 

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾[3]: وهذا المقطع من الآية يبيّن حالهم عندما استُجيب لطلبهم وكُتِب عليهم القتال، لم يثبت إلا عددٌ قليلٌ منهم، وذيل الآية فيه تهديد مبطّنٌ بل صريحٌ للظالمين منهم بأنّ الله يعلمهم.


 


[1] سورة البقرة: الآية 246.

[2] سورة البقرة: الآية 246.

[3] سورة البقرة: الآية 246.

 

237


198

تفسير سورة براءة

أحد الاحتمالات في معنى "تولَّوا" أنّ الفاعل هو "الملأ"، وأنّهم في نهاية المطاف سوف يديرون ظهورهم ويتركون القتال والجهاد، وثمّة احتمالٌ ثانٍ هو أنّهم من أوّل أمرهم منصرفون، سوى قليل منهم، والأخبار الواردة لاحقًا هي عن هذه الفئة القليلة.

 

بعد أن أظهروا رغبتهم في القتال في سبيل الله، وبعدما تقرّر أن يتولّى نبيّ الله قيادة الجماعة، وأوكل هذه المهمّة إلى طالوت، بدأوا بتطويل اللسان على القائد المعيّن من قبل النبيّ، وقالوا في حقّه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾[1]. فهذه هي رؤيتهم والزاوية التي ينظرون إلى الأمور منها، معيارهم الأساس هو المال. لا قيمة للمعنويّات في حساباتهم؛ ولو بدّلنا المعيار وجعلناه شيئًا آخر سوف يكون هو الأحقّ بالملك: ﴿قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾[2]. طالوت عالمٌ ومستنيرٌ وواعٍ، يعرف الزمان والمكان، وهو في الوقت عينه مقتدرٌ، والفارق بينكم وبينه هو أنّكم أكلتم وغذّيتم أجسادكم، وهو عاش في البريّة وربّما كان أبوه راعيًا، تألّم وقاسى شمس الصحراء، هو صاحب استعداد وعنده القابلية لتولّي إدارة جماعتكم.

 

وبعد بضع آيات يخبرنا الله تعالى عن قصّةِ وصوله إلى نهرٍ وتنبيهه جنوده بأن لا يتناولوا من هذا النهر شيئًا، ويجعل هذا الماء وسيلة لامتحان جنوده، ويهدّدهم بأنّ من يشرب من ماء هذا النهر فهو بحكم الخارج من الجماعة، ومن لا يشرب منه سوى غرفةٍ يغترفها بيده، يكون بذلك قد أثبت انتماءه إلى هذه الجماعة، وفي ذلك يقول الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾[3].

 

 

 

 


[1] سورة البقرة: الآية 247.

[2] سورة البقرة: الآية 247.

[3] سورة البقرة: الآية 249.

 

 

238


199

تفسير سورة براءة

وفي هذه المحطّة أيضًا تبيّن أنّ الذين ثبتوا مع الجماعة حتّى هذه المرحلة عادوا فخرج أكثرهم، ولم يطيعوا قائدهم. فعندما وصلوا إلى النهر شرب أكثرُهم من مائه وأكثَرَ، وعبَرَ المؤمنون وأطاعوا قائدهم، والآن أتى دورُ من بقي من هؤلاء المسمَّين بـ"الملإ" الذين يُفترض بهم أن يتابعوا المسيرة ويثبُتوا في ساحة الجهاد؛ ولكنّهم لم يفعلوا وأعلنوا عجزهم عن المواجهة وعدم قدرتهم على قتال جالوت: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾[1].

 

والغرض من عرض هذه الآيات من سورة البقرة، هو بيان أنّه كلّما ذكر القرآن "الملأ" أشار إلى خصلةٍ سيّئة من خصالهم. وفي هذا الموضع أيضًا تبيّن أنّ من بقي منهم إلى ما قبل المحطة الأخيرة خرّب ولم يثبُت.

 

التفاوت الطبقي منشأ كثير من الجرائم

عندما تتّسع الهوّة بين الطبقات، بحيث تتمتّع طبقةٌ بالثروات وتحتكرها لمصلحتها، وتُحرم منها طبقةٌ أخرى ولا تنال إلا النزر اليسير، في مثل هذه الحالة تكثر الجرائم والجنايات الاجتماعيّة وتترتّب الكثير من الآفات على هذا الشرخ الاقتصاديّ الاجتماعيّ.

 

الأشراف والوجهاء في أيّ مجتمع قد يقدمون على بعض الذنوب، مثل الفساد، وشرب الخمر، والفحشاء، والظلم، والطغيان، والتخلّي عن العبودية لله. والطبقات الاجتماعيّة الأخرى ترتكب بدورها عددًا من الجرائم الاجتماعيّة، مثل: السرقة، والحسد، والغشّ، والرشوة، والكذب؛ وعليه فإنّ كثيرًا من هذه الآفات الاجتماعيّة المشار إليها ذات منشإ اقتصاديّ اجتماعيّ يرجع في نهاية المطاف إلى هذه الهوّة التي تفصل بين الفئات الاجتماعيّة.


 


[1] سورة البقرة: الآية 249.

 

239


200

تفسير سورة براءة

اقتضاء الترف للفساد والفحشاء

هذه هي حالة المترفين أيضًا. طبيعة الترف والإسراف تقتضي الفحشاء وتلازمها؛ ولهذا نجد القرآن أنّى ذكر الترفَ أشار إلى مساوئه، ويصل الأمر بهذه الظاهرة الاجتماعيّة، بحسب القرآن الكريم، إلى أنّها تؤدّي إلى زوال الحضارات وأفولها، وإلى انهدام البلاد وخرابها.

 

معارضة أكثر الأحبار والرهبان للأنبياء عليهم السلام

لا يقتضي طبع الأحبار والرهبان معارضة الأنبياء والوقوف في وجههم؛ بل هذا الموقف من الأنبياء عارضٌ على هذه الفئة الاجتماعيّة. فليس من ذاتيّات الحبر أو الراهب أن يقف في وجه الحقّ ويعارضه، والدليل على هذه الدعوى أنّ بعض الأحبار والرهبان كانوا عبر التاريخ سببًا لالتحاق عددٍ كبيرٍ من الناس بالأديان وميلهم إليها؛ ولكنّ هذه الفئة الاجتماعيّة تحتضن فيها الكثير من الأفراد الذين شوّهوا سمعتها عبر التاريخ أيضًا. وعليه فإنّ كلمة "كثير" الواردة في الآية تبيّن أنّ هذه السمة ليست جزءًا من ذاتيّات هذه الجماعة.

 

وهذه الآيات هي واحدة من آيات عدّة تتحدّث عن هذه الفئة. وفي آخر هذه الآية الشريفة أشار تعالى إلى طبقتين من الطبقات التي يقوم عليها المثلّث الذي ذكرناه آنفًا، وينبغي الالتفات إلى هذه الجماعات في القرآن كلّه.

 

وخلاصة القول إنّ آية ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ تشير إلى المترفين الذين يراكمون الأموال على تنوّعها، سواء كانت نقودًا ورقيّةً أو غيرها، وجملة ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ تشمل كلّ الأموال المراكَمَة التي تودع في المصارف أو تُحوّل إلى عقارات وأملاك وما سوى ذلك، فهذه الأموال ينطبق عليها مفهوم الكنز حتّى لو كانت في حالة حراكٍ وتداولتها الأيدي؛ ولكن لمّا كانت منفعتها محصورةً بصاحبها فإنّ ذلك يُعدّ كنزًا. والمراد من العذاب الأليم هو عذاب يوم القيامة، وهو ما تؤكّده الآية اللاحقة.

 

 

240

 


201

تفسير سورة براءة

"يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ"، في ذلك اليوم حين تُوضع تلك الأموال المعبّر عنها بالذهب والفضّة في الآية في ما يشبه الفرن وتُحرق بها وجوه أصحابها، في ذلك اليوم يُقال لهؤلاء الأغنياء تذوّقوا ما كنتم تدّخرونه، فهذه الحرارة وهذا الحريق هو تجسيدٌ لذلك العمل؛ أي عمل مراكمة المال والامتناع عن إنفاقه في سبيل الله.

 

هذا هو الذهب وهذه هي الفضّة التي كان الإنسان مستعدًّا للتضحية بكلّ شيء من أجلها، للتضحية بدينه وإيمانه وإنسانيّته من أجلها. وعليه الآن، أي في يوم القيامة، أن يتذوّقَ النتيجة التي آل إليها أمرُ ما ادّخره وكنزه.

 

"فَتُكْوَى": من الكيّ والفعل كوى، أي أحرق. وكانوا يقولون قديمًا آخر الدواء الكيّ، وهنا يمكن أن نعبّر بالطريقة نفسها: آخر العذاب أن يُكوى الإنسان بما كان يجمعه من أموال[1].

 


[1] لم يرد تفسير الآيتين، 36و37.

 

241


202

تفسير سورة براءة

ملحق بحثٌ روائيٌّ

لما أمَر عثمان بنفي أبي ذرٍّ إلى الربذة دخل عليه أبو ذرّ وكان عليلًا متوكِّئًا على عصاه، وبين يدي عثمان مئة ألف درهم قد حُمِلت إليه من بعض النواحي، وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون أن يقسمها فيهم، فقال أبو ذر لعثمان، ما هذا المال؟ فقال عثمان: مئة ألف درهم حُمِلت إليَّ من بعض النواحي، أريد أن أضمّ إليها مثلها، ثم أرى فيها رأيي.

 

فقال أبو ذر: يا عثمان أيّهما أكثر مئة ألف درهم أو أربعة دنانير؟ فقال عثمان: بل مئة ألف درهم، فقال أبو ذرٍّ: أما تذكر أنا وأنت قد دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشاءً فرأيناه كئيبًا حزينًا فسلّمنا عليه، فلم يردّ علينا السلام، فلمّا أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكًا مستبشرًا، فقلنا له: بآبائنا وأمّهاتنا دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيبًا حزينًا، ثم عدنا إليك اليوم فرأيناك ضاحكًا مستبشرًا؟! فقال: "نعم كان قد بقي عندي من فيء المسلمين أربعة دنانير، لم أكن قَسمتُها وخفتُ أن يدركني الموت وهو عندي، وقد قسمتُها اليوم فاسترحت منها"، فنظر عثمان إلى كعب الأحبار وقال له: يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدّى زكاةَ ماله المفروضة هل يجب عليه في ما بعد ذلك شيء؟ فقال: لا؛ ولو اتّخذ لبِنَةً من ذهبٍ ولبِنَةً من فضّةٍ، ما وجب عليه شيء. فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب، ثم قال له: يا بن اليهودية الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين، قول الله أصدقُ من قولك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

 

فقال عثمان: يا أبا ذر إنّك شيخٌ قد خرفتَ وذهب عقلك، ولولا صحبتُك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتلتُك، فقال: كذبتَ يا عثمان أخبرَني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: [لا يفتنونك يا أبا ذر و] لا يقتلونك، وأما عقلي فقد بقي منه ما أحفظ حديثًا سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك وفي قومك، قال: وما

 

 

242

 


203

تفسير سورة براءة

سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيَّ وفي قومي؟ قال: سمعته صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلًا صيّروا مالَ الله دُولًا وكتابَ الله دغلًا، وعبادَه خولًا والفاسقين حزبًا، والصالحين حربًا.

 

فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم هل سمع أحدٌ منكم هذا من رسول الله فقالوا: لا ما سمعنا هذا من رسول الله: فقال عثمان: ادعُ عليًّا فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فقال له عثمان: يا أبا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذّاب، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مَهْ يا عثمان لا تقل كذّاب، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صدق أبو ذر فقد سمعنا هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

فبكى أبو ذر عند ذلك فقال: ويلكم كلكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال ظننتُم أنّي أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نظر إليهم فقال: من خيرُكُم؟ فقالوا: من خيرُنا؟ فقال: أنا؛ فقالوا: أنت تقول إنّك خيرنا، قال: نعم خلفتُ حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الجبّة وهو عنّي راضٍ وأنتم قد أحدثتم أحداثًا كثيرة، والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني.

 

فقال عثمان: يا أبا ذرّ أسألك بحقّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه، فقال أبو ذر: والله لو لم تسألْني بحقّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمَا أخبرتُك، فقال: أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها فقال: مكّةُ حرمُ الله وحرمُ رسوله، أعبد الله فيها حتّى يأتيني الموت. فقال: لا؛ ولا كرامة لك، قال: المدينة حرمُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: لا؛ ولا كرامة لك، قال: فسكتَ أبو ذر، فقال عثمان: أيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ قال: الربذة التي كنتُ فيها على غير دين الإسلام، فقال عثمان: سِرْ إليها.

 

فقال أبو ذر: قد سألتَني فصدقتُك وأنا أسألك فأصدقني؟ قال: نعم، قال أبو ذر: أخبرني لو بعثتَني في بعثِ أصحابِك إلى المشركين فأسَرُوني،

 

 

243

 


204

تفسير سورة براءة

فقالوا: لا نفديه إلا بثلث ما تملك؟ قال: كنتُ أفديك. قال: فإن قالوا: لا نفديه إلا بنصف ما تملك؟ قال: كنت أفديك. قال: فإن قالوا: لا نفديه إلا بكل ما تملك؟ قال: كنت أفديك.

 

قال أبو ذر: الله أكبر! قال لي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما: يا أبا ذر، كيف أنتَ إذا قيل لك أيّ البلاد أحبُ إليك أن تكون فيها؟ فتقول: مكة حرم الله ورسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت، فيقال لك، لا؛ ولا كرامة لك، فتقول: فالمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقال لك: لا؛ ولا كرامة لك، ثم يُقال لك، فأيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ فتقول: الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام، فيُقال لك: سِرْ إليها، فقلتُ: إنّ هذا لكائنٌ يا رسول الله؟ فقال: أي والذي نفسي بيده إنّه لكائنٌ، فقلت: يا رسول الله أفلا أضع سيفي هذا على عاتقي فأضرب به قدمًا قدمًا؟ قال: لا، اسمعْ واسكتْ ولو لعبدٍ حبشيٍّ، وقد أنزل الله فيك وفي عثمان آيةٌ، فقلت: وما هي يا رسول الله؟ قال قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾[1].

 

 


[1] تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 95؛ تفسير القمي، ج 1، ص 51-54.

 

244


205

تفسير سورة براءة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴿38﴾ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿39﴾ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿40﴾

 

 

245


206

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

يخاطب الله في هذه الآيات المؤمنين، ويؤنّبهم على التقاعس عن الجهاد في سبيله، ويسألهم سؤال مستنكرٍ لماذا فضّلوا الحياة الدنيا على الآخرة على الرغم من أنّ المقارنة بين الحياتين تكشف عن قصر أمد الأولى وضآلة قيمتها بالقياس إلى الأخرى؟ وتحتوي هذه الآيات على بيانٍ كاملٍ شاملٍ لتحريض الناس على الجهاد، والاستعداد للتضحية في سبيل الله، ويمكن القول إنّ هذه الآيات كان لها دورٌ مهمٌّ في تأسيس البنية التحتية الفكرية للحرب في تاريخ الإسلام.

 

تقوية روحية الطاعة والاتّباع

هذه الآيات تعدّ من جهة فكرية وأخرى روحية مثيرةً للأمل في نفوس المسلمين، وهي تُعِدّهم لأداء التكاليف، ومن الناحية النفسية فيها ما يستحقّ التأمّل. يقوّي القرآنُ الكريمُ البعدَ الروحيَّ عند المسلمين؛ وذلك أنّ الأمل وإثارتَه في النفوس من العناصر الأساسية في تحقّق النصر، ومعاينةِ بشائره قبل حصوله. وهذا يبيّن حقيقة الدين ببضع جملٍ مختصرة، ويُفْهِمُ الإنسانَ أنّ الدينَ الذي هو مجموعة من الأفكار والتعاليم المنسجمة مع الفطرة الإنسانيّة، لا بدّ من أن يسير إلى الأمام، وأنّه لا يقبل الهزيمة بأيّ وجهٍ من الوجوه، وهو يتطوّر يومًا بعد يومٍ.

 

هذه النبتة يجب أن تنموَ وتثمر وسوف تثمِر حتمًا. الآن أنتم أيضًا مخاطبون، والقرآنُ الكريم يخاطبكم أنتم أهل هذا العصر. وإذا لم تسمعوا

 

 

247

 


207

تفسير سورة براءة

نداء القرآن ولم تلبّوا دعوته سوف يأتي غيركم ليحمل الراية ويرفع شارة النصر، ولن تنالوا السعادة التي أريدت لكم، وسوف يستفيد من نتائج الإسلام والدعوة الإسلاميّة من حمل رايتها وكان بديلًا عنكم.

 

وتتابع الآيات، من أجل تقوية عقيدة المسلمين وتمتين إيمانهم بالغلبة الدائمة للدين وبانتصارهم المحتوم، تتابع بنقل شاهدٍ من ماضي النبيّصلى الله عليه وآله وسلم، وتعرِض لهم وقائع سابقة من حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويذكّرهم الله عز وجل بأنّ هذا الواقف بينكم يحرّضكم على الجهاد ولا تستجيبون له، تولّى الله نصره على أعدائه في مرّات سابقةٍ، ولا تحسبوا أنّه سيتركه إذا أنتم تخلّيتم عنه هذه المرّة.

 

فسواءٌ لبّيتم دعوته إلى الجهاد أو لم تلبّوا، فإنّ النصر حليفه. وهذا الأسلوب في الحثّ على الجهاد له أثرٌ كبير من الناحية النفسية، ومن الطبيعيّ أن يضع المسلمين على الصراط المستقيم ويوجّههم نحو الحقّ.

 

سبب النزول

نزلت هذه المجموعة من الآيات بعد وقت غير طويل من عودة النبيّصلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من غزوة الطائف[1]. وفي ذلك الوقت بلغ النبيَّ أنّ الروم وهم أهل الدولة الوحيدة في ذلك العصر التي كانت قادرةً على منافسة الإمبراطوريّة الفارسية، بلغه أنّ الروم يستعدّون لخوض المواجهة مع الإسلام والمسلمين. وقد كانت تقتضي سياسة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يعمد إلى حركة عسكريّة تخطف أبصار الروم وتخيفهم؛ ولأجل هذا خطّط لتسيير جيش إلى تبوك لخوض المواجهة مع شرق الدولة الرومية.


 


[1] وقعت غزوة الطائف في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة. وذلك بعد أن بلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خبر مفاده أنّ قبيلتي هوازن وثقيف تستعدّان لمواجهة الإسلام. فجهز النبيّ جيشًا قوامه اثنا عشر ألف مقاتل وتحرّك من مكّة باتّجاه الطائف. وانجلت المعركة بعد حصار عن هزيمة المشركين وأصاب المسلمون غنائم كثيرةً وأسروا ستة آلاف أسير.

 

 

248


208

تفسير سورة براءة

وضعيّة الإسلام والروم إبّان معركة تبوك

كانت للروم في ذلك العصر دولةٌ لا نظير لها؛ وكان هدفهم إبعاد المسلمين عن حدودهم؛ لأنّهم رأوا أنّ انتشار الفكر الإسلاميّ وإقبال الناس على اعتناق الإسلام يشكّل تهديدًا لدولتهم ونفوذهم، وذلك أنّ التحاق الناس بالإسلام يؤدّي إلى تشكّل قوّة منافسةٍ لهم تهزّ استقرارهم الذي كانوا يشعرون به؛ وهذا الفكر الصحيح له القدرة على المنافسة وتهديد مراكز القوّة في البيئة المحيطة به.

 

وكانوا يرون أنّ القتال بين فئتين، إحداهما تعتنق فكرًا صحيحًا وبرنامجًا للدنيا والآخرة، وفئة ليس عندها برنامج فكريّ ولا تهتمّ سوى بالحياة الماديّة وما يرتبط بها، فإنّ النصر سوف يكون حليف الفئة الأولى. وأهل الفئة الثانية لا يفكّرون إلا بحفظ ما بأيديهم ولا يهتمّون إلا بـ"النقد"، فإذا رأوا أنّ القتال سوف يعرّض نقدهم للخطر، فلن يتنازلوا عنه مقابل ما يوعدون به "نسيئةً" مهما كانت قيمته، بينما أهل الفئة الأولى وبالنظر إلى قوّة إيمانهم واعتقادهم لا فرق عندهم بين ما هو بأيديهم وما هم موعودون به عند الله؛ لذلك هم مستعدّون للتضحية والفداء إلى النفس الأخير.

 

وينطبق هذا على المسائل العلمية أيضًا. الرومان خاضوا مواجهة كبرى مع المسيحيّة، وحاولوا وأدها في مهدها وكادوا يقضون عليها. فقد قتلوا الكثير من المسيحيين من دون أن يسمع بهم أحدٌ، قتلوهم في هذه الزاوية أو تلك، وفي هذه القرية أو المدينة أو تلك؛ والسبب هو أنّهم رأوا في المسيحية تهديدًا لإمبراطوريّتهم.

 

ويرجع انتشار المسيحيّة في عصرنا هذا إلى هذه الحروب التي أدّت إلى تشتّت المؤمنين بها في البلاد، كما كان لهذه الحروب آثار سلبيّة حيث أدّت إلى تحريف الكتاب المقدّس. وقد رأى الرومان أنّ المسيحيّة على الرغم من قلّة عدد أتباعها في ذلك العصر، وعلى الرغم من انتشارهم وتشتّتهم في البلاد،

 

 

249


209

تفسير سورة براءة

تغلّبوا على الإمبراطوريّة بشكلٍ أو بآخر، أو على الأقل لنقل لم تستطع السيطرة عليها، فأرادت هذه الدولة أن لا تتكرّر تجربتها مع المسيحية مع الإسلام.

 

دخل الإسلام والإمبراطورية الرومانية في مواجهة جادّة بعد مضيّ ما بين 300 إلى 350 سنة على ظهور الإسلام. ولكنّ هذه المواجهة تختلف عن المواجهة التي خاضها الرومان مع المسيحيّة، وأحد وجوه الاختلاف هو أنّ المسيحيّين لم يكن لهم قيادة مركزيّة ودولة موحّدة تجمعهم، بينما هذه الدولة كانت متوافرة عند المسلمين، وتجسّد الإسلام اجتماعيًّا منذ بداياته بدولة سيطرت على جزيرة العرب وبدأت تتوسّع خارج حدود الجزيرة، ويبدو أنّ الرومان بدأوا بالالتفات إلى قوّة الإسلام منذ فتح مكّة. كما خاض الرومان مواجهة تاريخية مع الإسلام قبل سنة من فتح مكّة تقريبًا، وذلك في معركة مؤتة التي تواجه فيها ثلاثة آلاف من جنود المسلمين مع عشرات الآلاف من العسكر الرومانيّ.

 

وعلى الرغم من استشهاد جعفر بن أبي طالب[1] وقائدين آخرين في هذه المعركة، إلا أنّ الرومان شاهدوا بسالة المسلمين واستعدادهم للثبات حتّى الموت.

 

بدأ المسلمون يتلمّسون قوّتهم ويشعرون بقدرتهم على مواجهة الرومان. يُضاف إلى ذلك أنّ الإسلام أثار الرعب في قلب الإمبراطورية الرومانية، ومع خوفهم وربّما نتيجة خوفهم وخشيتهم من الإسلام، وجدوا أنّه لا بدّ من المواجهة المبكِّرة والقضاء على هذا الخصم قبل فوات الأوان. وعلى ضوء ذلك كلّه بدأوا بتجهيز جيش لقتال الإسلام وتعاونوا في سبيل ذلك مع عددٍ من القبائل العربية مثل قبيلة غسّان[2] التي كانت تقطن على


 


[1]  جعفر بن أبي طالب، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وُلِد قبل عشرين عامًا من البعثة. وكان رأس المهاجرين إلى الحبشة وقائدهم، استُشهد في السنة الثامنة للهجرة في معركة مؤتة. وهو مدفونٌ في الأردن الحالي، وله قبر يُزار.

[2] قبيلة عربية من قبائل الأزد، أصلها يرجع إلى اليمن.

 

250


210

تفسير سورة براءة

حدود الحجاز، ويمكننا تسمية هذا التعاون استغلالًا من قبل الرومان لهذه القبائل، وذلك أنّ الإسلام لم يكن في نيّته القضاء على هذه القبائل أو التعرّض لها، ولكنّ الرومان لو انتصروا فإنّه لن يثنيهم شيء عن استغلال مواردهم الطبيعية والاستفادة من خيرات بلادهم. ولكنّ هذه القبائل خُدِعت ووقفت مع الرومان في مواجهة الإسلام.

 

ظروف معركة تبوك

كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حالة ضيقٍ عند وصول الأخبار عن الحشد الرومانيّ، وبوصول الخبر إليه ازداد ضيقًا؛ وذلك لأنّ جيش المسلمين كان قد عاد للتوّ من معركة الطائف. وكان الجميع في حالة تعبٍ وإرهاقٍ. يُضاف إلى هذا أنّ الوقت كان قريبًا من جني محصول النخيل. ووقت جني المحصول في الحجاز أوائل الخريف، ومن هذا يُعلم وقت اندلاع الحرب مع الروم.

 

اجتمعت عناصر عدّة في ذلك الوقت، شمس الحجاز الحارقة، والعنصر الاقتصاديّ وأهمّيّة التمر بالنسبة للحجازيّين في ذلك الزمان، فهو المحصول الزراعي الأساس لهم، والتعب والإرهاق الناجم عن المشاركة في معركة الطائف. هذه العناصر دفعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى التفكير في المخارج، فلعلّ المسلمين يتقاعسون عن الخروج إلى الحرب.

 

يُضاف إلى ذلك كلّه أنّ هذه الحرب تختلف عن سائر الحروب التي خاضها المسلمون من قبل. فمعركة بدرٍ وأحد والخندق خاضها المسلمون على أرضهم قريبًا من المدينة؛ أمّا هذه المعركة فهي تحتاج إلى سفر[1] في الصحراء بحرارتها ورمالها اللاذعة، حتى يصلوا إلى أطراف بلاد الشام.

 

وفوق ذلك كلّه وضعية العدوّ، فالطرف المقابل هو جيش كثير العدد وكبير العدّة. وكان على المسلمين وقيادتهم تحدّي هذه الصعوبات كلّها


 


[1] ـ منطقة تبوك تبعد عن المدينة حوالى 670 كليومترًا.

 

251


211

تفسير سورة براءة

وتجاوزها. وهنا تجب ملاحظة لحن الآية وبساطة التعبير فيها. ولكنّ السفر إلى تلك البلاد على درجةٍ عاليةٍ من الصعوبة، وفي نظر الناس العاديّين هو شكلٌ من أشكال الانتحار والإقدام على التهلكة. كان على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يرافقهم حوالى ثلاثين فرسخًا[1] ليخرجهم من ظلال بيوتهم وبساتينهم وبرْدِ مياههم إلى حرّ الصحراء، وليتخلّوا عن فترة استراحتهم، ويخلّفوا وراءهم موسم التمر السنويّ، ويتركوا أُسَرَهم ويسافروا، وليس السفرُ سفرَ نزهةٍ أو سياحةٍ؛ بل سفرُ قتالٍ وشهادةٍ.

 

تأنيب المتقاعسين عن الجهاد

في هذه الظروف كان لا بدّ من النفير والدعوة إلى الخروج للقتال، ولكن ثمّة من تقاعس وأبى الخروج، فنزلت هذه الآيات، تؤنّب المتقاعسين وتوبّخهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾، بعد السؤال عن السبب يطرح الاحتمالات بطريقة السؤال أيضًا ويقول لهم: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾، يقول لهم: هل فضّلتم الحياة الدنيا على الآخرة؟ هل رجّحتم الحياة الفانية على الحياة الباقية الخالدة؟ إنّه احتمالٌ غريب. هل يمكن أن تكون الحياة الدنيا أفضل وأرجح من الآخرة؟! ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾؛ فمتاع الحياة الدنيا ومتعها مهما طالت سوف تنتهي بعد أمدٍ.

 

لنفرضْ أنكّ بقيتَ إلى جانب زوجتك وأطفالك، وجنيتَ محصولك، وتظلّلتَ بشجر بساتينك وارتويتَ بنهر من الماء، واسترحتَ وسُررتَ وارتحتَ من حرّ الصحراء، ولم تعانِ وعثاء السفر وويلات الحرب، ونلتَ الحياة بدل تجرّع غصص الموت؛ ولكن ما هي نهاية المطاف؟ ما هي العاقبة؟ هل ستبقى في هذه الدنيا إلى الأبد؟ ماذا ستفعل في تلك الدار التي تنتظرك؟ ما حجم الحسرات التي سوف تتجرّعها عندما تجد أنك حرمتَ نفسك

 


[1] يعادل الفرسخ 5200 متر تقريبًا.

 

252


212

تفسير سورة براءة

من لذّات رضوان الله ومرافقة أوليائه؟ ما هو الموقف عندما تكتشف أنّك سددتَ على نفسك دروب الكمال والعزّة؟ في ذلك اليوم عندما تجد بعض أقرانك يرفلون بحلل العزّ والكمال والسعادة، أيّ إحساس سوف يعتريك؟

 

عندما يسمع المسلم المعتقد تلك الآية في وقت نزولها سوف يعود إلى الحياة لو كان ميتًا، وسوف يستيقظ لو كان نائمًا. وقد حصل ذلك واستيقظ بعض أهل الغفلة، ودبّت فيهم روح جديدة، وشدّ عددٌ منهم رحال السفر، ولم يتخلّف عن الركب غير جماعة من المنافقين، يُقال إنّ عددهم بلغ الستّين، وكانوا يتحيّنون مثل تلك الفرصة. عزم الجميع على السفر حتّى أولئك الذين لم يكن لديهم راحلة أو وسيلة سفر، حتى هؤلاء اصطفّوا يبكون إلى أن سُمِّي بعضهم بـ"البكّائين"[1]، يتحسّرون على عجزهم عن اللحاق بقافلة السعادة.

 

في هذه الأجواء ثمّة من آثر الحياة الدنيا، وفضّل البقاء في مزرعته، وواحد[2] من هؤلاء كانت له زوجتان، وعنده بستانٌ جميل، نظر فوجد أنّ أهله يعدّون الطعام وهم جميعًا على أهبة الاستعداد للبدء بتناول الطعام، عندما وجد نفسه في قلب هذا المشهد أفاق من غفلته وتساءل: كيف يمكن له أن يأنس بالحياة المتاحة له في المدينة ورسول الله وأصحابه يقاسون حرّ الصحراء؟ وفكّر في الجواب الذي سيدلي به عندما يقف في محكمة العدل الإلهية، فوجد أن لا مبرِّر يمكن الاستناد إليه. فسارع للحاق بمن سبقه إلى ساحة الشرف[3].


 


[1] يُروى أنّ سبعة من فقراء المدينة أتوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له: يا رسول الله احملنا، فإنّه ليس لنا ما نخرج عليه، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فبكوا وسالت الدموع على خدودهم، فلمّا رأى بعض الموسرين هذا المشهد تبرّعوا بما توافر بين أيديهم ومكّنوهم من المشاركة في الجهاد. فنزل قوله تعالى في هذه المناسبة: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾. (سورة التوبة: الآية 92) (انظر: مجمع البيان، ج 5، ص 91؛ بحار الأنوار، ج 21، ص 218).

[2] أبو خَيْثمة، عبد الله بن خَيْثمة.

[3] مجمع البيان، ج 5، ص 137.

 

 

253


213

تفسير سورة براءة

والخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ موجّهٌ إلى الذين يؤمنون بالفكر الإسلامي، يسألهم الله كيف لكم أيّها الذين تؤمنون بتعاليم الإسلام، أن تسمعوا نداء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخروج والنفر ثم تتثاقلون عن الاستجابة وتلتصقون بالأرض؟! النفر هو الخروج الجماعيّ والحراك العامّ؛ والمقصود منه هنا هو التعبئة العامّة بهدف الخروج إلى القتال.

 

وقوله تعالى: "اثَّاقَلْتُمْ[1] إِلَى الأَرْضِ" يشير إجمالًا إلى عشق هؤلاء ومحبّتهم للحياة الدنيا وتعلّقهم بها، وتضْحيتهم بكلّ شيء من أجلها. وقد طُرِح في المقصود احتمالان؛ أحدهما: بطء المخاطبين في تلبيتهم الدعوة إلى النفر للجهاد، والاحتمال الثاني: هو ما أشرنا إليه، وهو ميلهم إلى الأرض وجنوحهم نحو الأسفل بدل التعالي والتكامل باستجابة دعوة الداعي إلى الجهاد. ولا تنافي بين المعنيين، فكلاهما مشارٌ إليه في الآية على نحو يكون الثاني سببًا للأول.

 

والاستفهام الاستنكاري التوبيخيّ[2] الوارد في السؤالين: "مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ..". و: "أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ"، يشير هذان السؤالان إلى نمط التفكير الإسلاميّ وطبيعة النظرة الإسلامية إلى الدنيا والآخرة؛ إذ يريد الله تعالى بهذين السؤالين لفْتَ نظر المسلمين إلى أنّ الحياة الدنيا لا يحسن أن ترجّح على الآخرة؛ بالنظر إلى الفارق بينهما، فمتاع الحياة الدنيا حتّى لو كان قريب المنال وكثيرًا، فإنّه سريع الزوال، أما متاع الآخرة فهو خالدٌ دائمٌ، ولا عاقل يفضِّل الزائل على الخالد. هذه هي الرؤية الإسلامية التي تختصر موقف الإسلام من الدنيا والآخرة.

 

 


[1] أصل الكلمة "تثاقلتم"، وبعد إدغام التاء في الثاء أضيفت الهمزة، فصارت الكلمة على نحو ما وردت في الآية الشريفة.

[2] الأصل في الاستفهام والسؤال طلب العلم بشيء؛ ولكنّ من الأساليب الأدبية في التعبير أن يُطرح السؤال ويُراد منه الاستنكار على المخاطب وتأنيبه أو توبيخه على موقفٍ أو فعلٍ.

 

254


214

تفسير سورة براءة

منهج القرآن في التربية والتعليم

يقوم منهج القرآن الكريم على الجمع بين بيان التعاليم وتقديمها والتربية الفكريّة عليها. وبعبارة أخرى: يجمع القرآن بين بيان الحقائق وبثّ روح الالتزام بها والتربية عليها. وهذا المنهج في التربية يثير في الإنسان روح المسؤولية ويجعله مستعدًّا للعمل وفق تلك الحقائق المبيّنة. وهذا المنهج هو الأسلوب الأمثل في التربية والتعليم.

 

تأنيب المؤمنين بهدف تربيتهم روحيًّا

أسلوب التأديب في القرآن يعيدُ الإنسان إلى ذاته، ويربّي فيه روحَه. فعندما يرضى الإنسان بالقليل من المتاع، فيُلفت نظره إلى ضآلة ما حصل عليه، ينتبه إلى الخسارة التي وقع فيها. وهذا تعليم وبيانٌ للواقعِ وحقيقةِ الأمر، وتربيةٌ في الوقت نفسه وتنمية للروح. والآية اللاحقة تفعل الشيء نفسه وتعلّم وتربّي بالطريقة عينها؛ حيث تشرح هذه الآية للمسلمين وتبيّن لهم أنّ حركة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لن تتوقّف إذا تخلّيتم عنه، فإنّ الله سيستبدل غيرَكم من الناس بكم، ويؤدّون ما كان يجب عليكم أداؤه تجاه رسول الله.

 

وخطاب "ما لكم"، لا يتناسب مع أهل الإيمان والذين وصلوا إلى مقام الإيمان. فالإنسان العاديّ قد يرجّح الدنيا على الآخرة، ويحرص على الأولى ويتخلّى عن الآخرة من أجلها، أما المؤمن فلا ينبغي له ذلك، وبالتالي ترمي هذه الآية إلى لفت نظر المسلمين إلى أنّهم تصرّفوا بغير الطريقة المتوقّعة منهم. وكأنّها تقول إنّ المتوقّع منك أيّها المؤمن هو ترجيح الآخرة على الدنيا، وما كان يُتوقّع منك التثاقل في السعي في أمور الآخرة! لأنّ من يدّعي الإيمان يعرف قيمة الدنيا وقيمة الآخرة وعليه أن يتصرّف وفق معرفته. ولو أنّ المسلمين المخاطبين بهذه الآية كانوا على حالة من الانسجام بين ما يعتقدون وما يفعلون لما خوطبوا بعبارة: "ما لكم".

 

وذلك الذي يعرف معنى الإسلام وحقيقته ويفهم طبيعة النظرة

 

255

 


215

تفسير سورة براءة

الإسلامية إلى الدنيا والآخرة، يُقال له: "لماذا؟" عندما يلتصق بالأرض ويتمسّك بها، ويُسأل هل غفلت عمّا تعتقد به تجاه الدنيا والآخرة؟ هل غرّتك الدنيا وشدّتك إليها وسُرَّ قلبك بها، فرضيت بها بديلًا عن الآخرة؟ لماذا لا تجيب داعي الله إلى الجهاد؟! "فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ".

 

إذا أردتَ الوصول إلى جنّة الخلد عليك أن تسير عشرات الفراسخ. ولكنّك رجّحت المقصد القريب على المقصد البعيد الأفضل!

 

قلّة فوائد الدنيا بالقياس إلى ثواب الآخرة

يرى المفسِّرون أن معنى قوله تعالى: "فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ"، أنّ متاع الدنيا بالقياس إلى الآخرة قليل، وهذه الدنيا بالقياس إلى الآخرة قليلة لا قيمة لها. وبالتالي يفسِّرون "في الآخرة" بمعنى "في جنب الآخرة"؛ ولكن يبدو لي أنّ التفسير الأصحّ هو "متاع الآخرة"، وبالتالي المقارنة بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة.

 

وتوضيح ذلك أنّ الهدف من مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا بما هي عليه من خصائص ومواصفات هو الوصول إلى الكمالات الممكنة، ونقلها من حالة الاستعداد والكمون إلى حالة الفعليّة والظهور. كلّ الحياة الدنيا وما هو متاحٌ فيها من إمكانات ومقدّرات ينبغي أن تُصرف في هذا السبيل؛ أي في سبيل تكامل إنسانية الإنسان. وعلى الإنسان أن يسعى للوصول إلى كماله الواقعيّ. وبعد الوصول إلى الكمال المتاح في الدنيا، فإنّ محل الاستفادة من هذا الكمال ليس هنا؛ بل في الآخرة. أنت تسعى إلى آخر العمر وتكافح لتكمُل. وعندما تموت تكون رحلة التكامل قد انتهت: "الدنيا مزرعة الآخرة"[1]. وهذا يعني أنّ عليك استهلاك بدنك واستثماره لتنضج[2]، حتّى


 


[1] عوالي اللآلي، ج 1، ص 267.

[2] استخدم سماحته أسلوب الكناية للتعبير عن هذه الفكرة باستخدام مصطلحات مستوحاة من صنعة البناء وإعداد الطين لتحويله إلى مادة صالحة لاستخدامها في البناء. (من محرّر الأصل الفارسي)

 

 

256


216

تفسير سورة براءة

إذا ما وصلت إلى المحطة الأخيرة تكون قد تكاملتَ.

 

وبهذا البيان نستطيع إثبات فكرة المعاد ومسألة الآخرة والحياة بعد الموت. وشرح ذلك أنّ الإنسان عليه أن يبقى في حالة عملٍ ومكابدة دائمة إلى أن يلفظ النفس الأخير، وبعده ينبغي أن يكون ثمّة عالمٌ يستفيد فيه من نتائج كفاحه ونضاله في حياته التي انقضت. وبالتالي فإنّ الإنسان يعمل طوال العمر ليصل إلى تلك اللحظة التي هي بعينها الآخرة، حيث النعيم ووعد الله بالجنّة.

 

وهذا يشبه ما لو قيل لأحدهم إذا سرتَ في هذا الطريق فسوف تصل في نهايته إلى الماء العذب. فسوف يسير هذا الشخص ويستفيد أثناء سيره ممّا يتوافر بين يديه ليستطيع الوصول إلى المنبع العذب، والآخرة أيضًا يجب تأمينها في الدنيا، ولا يقدر الإنسان على الوصول إلى البحر والمقصد الأصيل إلا إذا استثمر ما أتيح بين يديه في الطريق.

 

والمتاع والمنفعة القريبة هي ما يحصّله الإنسان في مساره، وربّما بحسب المثال المتقدّم يشرب من الماء المتوافر على الطريق.

 

ولكنّ المتاع الأكبر والمنفعة الأهمّ هي التي تنتظر الإنسان في نهاية مسيرته، وعليه أن يضحّي ويكابد حتّى يصل إلى المقصد الأهمّ. وفي المثال لو فرضنا أنّ الإنسان توقّف عن السير وانشغل بما توافر لديه من ماء، وصرف النظر عن الماء الأعذب الذي ينتظره، فهل يعدّ هذا الإنسان عاقلًا؟ الجواب: لا؛ وذلك لأنّه اكتفى بالجرعة أو الجرعتين اللتين توافرتا بين يديه، وتخلّى عن المعين الذي لا ينضب، ولو أنّه واصل السير حتى الوصول إلى المقصد لارتوى بماء لا يظمأ بعده أبدًا.

 

وإذا قيل لمثل هذا الشخص: ما نلتَه قليلٌ، وما شربتَه قليلٌ! لكان هذا التقويم صحيحًا. وواقع المطلب الذي نحن بصدد بيانه من هذا الباب، أنَّ متاع الدنيا مهما كثر قليلٌ، والمتاع الأكثر والأهمّ، هو متاع الآخرة وما فيها حتّى لو كان بعيدًا.

 

 

257


217

تفسير سورة براءة

أحد مبادئ الفكر الإسلامي

الآية اللاحقة تبيّن الرؤية الإسلاميّة وتكشف عن حقيقةٍ عاليةٍ عميقةٍ، وتقول للمسلمين: إذا لم تنفروا مع نبيّكم، سوف ينفر معه آخرون؛ ولا يظنّن أحدٌ منكم أنّه إذا لم يذهب، ولم يشبك يده بأيدي سائر المسلمين لحمل هذه الأمانة، فسوف تبقى الأمانة مطروحةً أرضًا. القصة ليست على هذا النحو أبدًا، فما تتركونه أرضًا يحمله غيركم من الناس: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

 

وهذه الحقيقة هي أحد مبادئ الفكر الإسلاميّ، وقد كشف عنها القرآن في مواضع عدّة[1]، وحاصل هذا المبدإ هو: لا تظنّوا أيّها المسلمون أنّ الإسلام مرهونٌ بكم، فإذا أخليتم عواتقكم سوف يبقى مطروحًا وسوف يتوقّف تطوره وتتجمّد مسيرته. لا؛ إنّ الإسلام مقدّرٌ له أن يصل إلى محلٍّ مّا، وسوف يصل إلى هذا المحلّ، غاية الأمر أنّه كان لكم شرف الانطلاق به، ولا يحسن بكم أن تتخلّوا عن هذا الشرف وتسلّموا الراية لغيركم من البدلاء.

 

الدين يسير بطريقة طبيعيّة؛ لأنّه موافقٌ للفطرة ومنسجم مع نظام الخلق والعالم. وهذا أشبه بصندوق يوضع على سطح الماء الجاري فسواء دفعتَ به أم لم تدفعْه سوف يسير ويتابع مساره، فهذه هي طبيعة القوانين التي تحكم حركة الأشياء.

وسفينة الإسلام سوف تتابع مسارها، المهم أن لا توضع العراقيل في وجهها. والتجديف والجهد مطلوبان حيث يكون السير بعكس تيار الماء، أما عندما يكون السير مع التيار، فلا حاجة إلى جهد يُبذل، كل المطلوب هو ترك الأشياء تتابع مسارها، والأمر نفسه ينطبق على الدين، المطلوب من الناس هو رفع العوائق من طريق الدين، وترك متابعة المسار لقوانين الفطرة والاعتماد على انسجام الدين مع نظام الخلق.


 


[1] سورة المائدة: الآية 59؛ سورة محمد: الآية 38.

 

258


218

تفسير سورة براءة

وهذا يشبه أيضًا الحَجَر الذي يُرمى من الأعلى، فإنّه لا يحتاج إلى قوّة دفعٍ تدفعه نحو الأرض، فمساره الطبيعيّ ينتهي به إلى الأرض ما لم يواجه عائقًا يحول بينه وبين الوصول إلى مستقرّه. والحجَر الذي يحتاج إلى قذف وقوّة دفع هو الحجَر الذي يُرمى به في الاتجاه المعاكس أو على الأقلّ غير الموافق لجاذبية الأرض، فمثل هذا الحجر يحتاج إلى عضد وساعد يرمي به إلى الأعلى أو إلى الأمام، وعندما تنتهي الطاقة الدافعة له يعود ويسير باتّجاه الأرض ويستسلم لقوّة جاذبيّتها. والمسار الطبيعيّ لدين الحقّ على هذا النحو.

 

وعلى هذا، لا ينبغي أن تقولوا كان فلان صاحب دينٍ والآن لم يعد كذلك، ولا تقولوا: كان يظهر منه زيادة الدين والآن قلّ اللون الدينيّ عنده؛ ولا: الأندلس كانت يومًا مّا مسلمةً والآن صارت أسبانيا مسيحيّةً.

 

فلا يعني انتشار الدين واتّساع نطاقه أنّ شخصًا اسمه مثلًا "عبد الرحمن الناصر"[1] أسّس دولةً في الأندلس واليوم هذه الدولة لا وجود لها، ولا ندري أيّ دولةٍ كانت تلك الدولة. ليس هذا هو معنى تجذّر الدين وتعمّقه. لا يعني الدين أنّ السلطان الفلانيّ في الهند، أو الخليفة العبّاسي في بغداد، أو الخليفة الفاطمي في مصر، أو السلطان العثماني في تركيا، أو الحاكم الأمويّ في الأندلس كانت له سلطة ودولة في يومٍ والآن زالت دولته. إنّ الإسلام الذي نفكّر فيه والذي نقول إنّه منسجمٌ مع الفطرة لا يتوافق في كثير من مبادئه وتفاصيله مع الإسلام الذي كان في أيدي هؤلاء الخلفاء والحكّام.

 

الإسلام الذي نعتقد أنّه باقٍ وخالدٌ، والإسلام الصحيح المطابق للفطرة، حركته عالميّةٌ ليست مرهونةً بهذا أو ذاك، هذا الإسلام الذي إذا تركته أنت اليوم سوف يأتي من يحمل رايته ويسير بها. الإسلام الحقيقيّ ليس إسلام المنصور ولا عبد الرحمن الناصر، ولا إسلام السلطان العثمانيّ وأمثالهم. الإسلام المطابق للفطرة هو المسار الدقيق الذي بقي وسوف يبقى


 


[1] (272 - 350 هـ.ق.)

 

259


219

تفسير سورة براءة

محفوظًا مهما انحرف الاجتماع الإسلاميّ عن أصوله ومبادئه.

 

ولفهم هذا المطلب بدرجة أدقّ تخيّلوا مجرًى واسعًا لنهر من الماء المالح والآسن يسير بسرعةٍ إلى مصبّه، وفي ثنايا هذا النهر جدول متواضعٌ من الماء العذب يجري مع الماء العظيم ولكنّه لا يختلط به، قد تتّفق سرعة الماءين وقد تختلف؛ ولكنّهما لا يختلطان أبدًا، ولا يمتزج أحدهما بالآخر. وهذا مثال صرفٌ وربّما لا يكون مجرّد افتراض، فربّما يوجد مجرى للماء في هذه الدنيا يجري فيه ماءان لا يختلط أحدهما بالآخر.

 

ومثَل الإسلام الحقيقيّ مثَل الماء العذب الذي يبقى في حالة حركة حتّى يصل إلى غايته ومصبّه، ولا يضيره، بل يكفيه أنّه لا تشوبه شائبة الماء الآسن.

 

ذلك الإسلام المتطابق مع فطرة العالم وخلقة بني آدم، هو ما نراه اليوم راسخًا ومتجذّرًا في عقائد الناس وأفكارهم، وترك أثره وطبع الوجود بطابعه، وجذب كثيرًا من القلوب إليه، وبين يوم وآخر يتصدّى جيلٌ من الناس لحمل رايته والدعوة إلى تعاليمه، وكلّما تخلّى عنه قومٌ استبدل الله بهم غيرهم.

 

وهو هذه الشعلة التي يتخلّى عنها بعض الناس أو يحاولون إطفاءها، ثم يأتي من يتعهّدها من جديد ويعيد إشعالها في مكانٍ آخر. وربّما يعطيها بعضٌ اسمًا آخر؛ ولكنّ روحها وحقيقتها واحدة لا تتغيّر.

 

وإذا عدنا إلى مثال الماء، فإنّكم إذا جزّأتم هذا الماء وفصلتموه إلى نوعيه، سوف تجدون أنّ ذلك الجدول المتواضع هو الذي سيبقى وسيستولي على الدنيا كلّها ويروي عطشها، وسوف تتجلّى حقيقته وتخيّم على العالم، وهذا هو وعيد القرآن وتهديده للمسلمين حيث يقول لهم: إذا تخلّيتم عن الإسلام وأخليتم عواتقكم منه، فسوف يأتي الله بقومٍ آخرين يحبّهم ويحبّونه، هؤلاء هم المتسامحون أهل اللين مع إخوانهم المؤمنين، وأهل الشدّة على الكافرين، وهؤلاء هم الذين لا يأبهون للوم أو تأنيب إذا كان ذلك في سبيل الله: ﴿يَا أَيُّهَا

 

260


220

تفسير سورة براءة

الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[1].

 

وهذه الحقيقة بيّنها الله في آية أخرى بطريقة ثانية؛ حيث لفت نظرهم إلى أنّه عندما يدعون لينفقوا في سبيل الله، عليهم أن لا يظنّوا في الله حاجة إليهم، وأن لا يظنّوا أنّهم إذا بخلوا وأحجموا عن الإنفاق يكونون قد بخلوا على الله ووفّروا على أنفسهم، بل عليهم أن يفهموا أن آثار البخل سوف ترتدّ عليهم هم، وأنّهم لم يبخلوا إلا على أنفسهم، وأنّ تركهم الواجب لا يعني سقوطه بأيّ حال، بل سيأتي آخرون ويحملون مشعل الإسلام وينفقون أموالهم في سبيل الحفاظ على هذا النور: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾[2].

 

وبناءً على ما تقدّم كلّه سوف يأتي ذلك اليوم الذي تُبنى فيه مدينة الإسلام الفاضلة، وتتحقّق تلك الجنّة الأرضية. وغاية الشرف ونهايته أن يتولّى بعض الناس بدل آخرين كانوا مرشّحين لأداء هذه المهمّة، ولن يضرّ الله ولن يضيره تخلّي هؤلاء واهتمام أولئك، وإنّ من سنن الله في هذا العالم أن يعلو الإسلام، ومن سنن العقاب الإلهيّ أن يحيق العذاب الأليم بأولئك الذين حادوا عن صراط الأنبياء وطريق هدايتهم.

 

عذاب التخلّي عن نصرة الدين

في هذه السورة وعيدٌ من الله تعالى للذين لا يلبّون الدعوة إلى نصرة الدين: "إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا". هذا وليس بالضروة أن يكون العذاب المتوعّد به هو عذاب الآخرة فقط، وإنّه لمن ضيق الأفق ما جرت


 


[1] سورة المائدة: الآية 54.

[2] سورة محمّد: الآية 38.

 

261


221

تفسير سورة براءة

عليه العادة من تبادر العذاب الأخرويّ إلى الأذهان عندما تُسمع هذه الكلمة من القرآن الكريم أو من غيره من المصادر الدينيّة. فمن العذاب الذي يصيب المتخلّفين عن الجهاد، العذاب المباشر الذي يلازم التخلّي عن أداء الواجب، وهو عذاب الذلّ والخزي الناجم عن تسلّط الأعداء.

 

والعذاب في مقابل التاريخ، والعذاب الذي يترتّب على تجاهل الحقّ والحقيقة، وما ينجم عنه من عدم نيل السعادة، وعذاب الضمير، كلّ هذه العذابات هي عذابات تصيب مستحقّها في الدنيا. والضيق الاقتصاديّ وقلّة ذات اليد عذابٌ آخر يترتّب في كثيرٍ من الحالات على ترك الجهاد ونصرة الدين؛ وذلك لأنّ عمارة الدنيا تكون بالدين أيضًا؛ وبناءً على هذا كلّه، ينبغي توسعة دائرة دلالة العذاب المشار إليه في الآية إلى عذاب الدنيا أيضًا.

 

عندما يدعو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد ولا يُستجاب له، النتيجة التي تترتّب على عدم الاستجابة هي عدم تحقّق المجتمع الإسلاميّ، أو تضعيف المجتمع الموجود والحيلولة دون قوّته، وهذا يعني قوّة الأعداء وغلبتهم. وقد يؤدّي ذلك إلى انهيار المجتمع الإسلاميّ وعودة الناس إلى الجاهليّة والشرك، لتحكم دولة الطاغوت بدل دولة الله، ويُدعى إلى طاعة الطاغوت بدل طاعة الله، وحتّى لو افترضنا أنّ دولة الإسلام بقيت قائمةً، ولكنّها سوف تُدار بواسطة الأعداء المتغلّبين وسوف تكون ألعوبة للمستعمرين، وينجم عن ذلك استعباد المسلمين للكفّار.

 

وخلاصة القول: إنّ ترك الجهاد يؤدّي إلى تسلّط الأعداء، وإلى إذلال المسلمين واستعبادهم، وسوف يتحوّل المسلمون شاؤوا ذلك أم أبَوا إلى قوّة تُضاف إلى قوّة العدوّ.

 

ولو أنّ جنود الإسلام في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصابتهم رهبة الموت، وأحجموا عن النفر إلى ساحات الجهاد، لسيطر الروم واليهود ومشركو قريش على المجتمع الإسلاميّ. وقد حصل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والنتيجة كانت أن الدولة التي كان يبشِّر بها الإمام عليّ عليه السلام لم تستطع الاستمرار، وآلت الأمور

 

 

262


222

تفسير سورة براءة

إلى دولٍ أخرى وأصاب الناسَ عذابٌ أليمٌ.

 

وقبل أن تمضيَ على وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من ثلاثين سنةً، تسلّط معاوية على رقاب المسلمين وعلى المجتمع الإسلاميّ، وبدّل دولة الإسلام والمسلمين إلى دولة الطاغوت، وأذلّ المسلمين وأعزّ المنافقين.

 

عندما يتخاذل المسلمون عن النفر إلى ساحات الجهاد، تكون العاقبة هي الابتلاء بهذا العذاب، وسوف يكون ذلك في الدنيا أوّلًا وفي الآخرة ثانيًا وأخيرًا، وهذا هو معنى: "الدنيا مزرعة الآخرة". العمل صالحًا كان أم سيّئًا سوف يرى الإنسان نتيجته في العاجل والآجل. وهذا هو القانون الإلهيّ الحاكم على نظام الخلق البشريّ، كلّما تخلّى المجتمع عن واجباته في طريق الحقّ، وأخلى عاتقه من المسؤوليّات المطلوبة منه، سوف يُبتلى بالفقر والذلّ في الدنيا، وسوف يكون تعيس الحظّ في الآخرة.

 

هذه هي الرؤية الإسلاميّة في مجال التربية، حيث تقتضي الإخبار عن القوانين والسنن الاجتماعيّة. يبيّن الله تعالى في هذه الآية الآتي: لا تحسبوا أنّ تخلّيكم عن الإسلام سوف يجعله غريبًا وحيدًا لا ناصر له ولا حامل لرايته! لا؛ إنّ هدف الله وغايته من إنزال الكتب وإرسال الأنبياء سوف يتحقّق بكم أو بغيركم من الذين يأتون ويثبتون حيث تخاذلتم وتراجعتم، وسوف يسيرون في طريق الله، ويحملون هذه الأمانة ويبلغوا بها المحلّ الذي قدِّر لها: "وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ".

 

يتحدّث أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة مشهورة له عن الجهاد وعواقب تركه، فيقول: "إنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه... فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلّ.."[1].

 

"وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا": ينفي الله في هذه العبارة لحوق الضرر بالله تعالى نتيجة تخاذل المتخاذلين عن الجهاد؛ وذلك لأنّ الله غنيٌّ بالذات لا حاجة له إلى أحدٍ أو شيء.


 


[1] الكافي، ج 5، ص 4.

 

263


223

تفسير سورة براءة

وربّما يكون المقصود من هذه الجملة عدم لحوق الضرر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك لأنّ الله تعالى وقاه من جميع البلايا وحفظه بالملائكة وغيرهم. أو أنّ المراد الإشارة إلى أنّ قومًا غير المتخاذلين سوف يؤدّوا المهمّة، وفي هذه الحالة سوف يتحقّق ما يريد الله ورسوله، ولن يتضرّر إلا المتخاذلون، وسوف يبقى الدين جاريًا في مساره المقرّر له. وتختم الآية بالإشارة إلى قدرة الله على كلّ شيء، سواء كان عذابهم الذي أوعدهم به، أو استبدال غيرهم بهم: "وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

 

ترقّي المعارف الإلهيّة

تعيد هذه الآية بيانَ واحدٍ من أهمّ المعارف الإلهيّة في الأديان كلّها. والمعارف التي يوحيها الله تعالى إلى أنبيائه بدءًا من آدم إلى خاتم الأنبياء، بينها جهة اشتراك واتّحاد؛ ولكنّها أحيانًا تشتدّ وتتعمّق وأحيانًا تكون أسهل وأبسط، وهذا يشبه بعض ما يتكرّر في دروس الحساب والرياضيات في عددٍ من السنوات الدراسيّة، ولكن مع تفاوتٍ في مستوى العمق والصعوبة.

 

والمعارف الإلهيّة الموحاة من الله هذا هو حالها، هي واحدةٌ من زمان آدم عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولكنّها صارت أكثر عمقًا في النسخة الأخيرة من الدين الإلهيّ، فالمعارف من جهة كشفها وبيانها للحقائق الثابتة لا تتبدّل ولا تتغيّر من نبيٍّ إلى نبيٍّ، ولكنّها تتطوّر وتترقّى. وعليه فمن الخطإ الاعتقاد بأنّ المعارف الإلهيّة لا تتطوّر؛ بل هي تتطوّر من جيل إلى جيل، وقد وعد الله بهذا، وهذا الترقّي هو الذي ينسجم مع تطوّر وعي البشريّة ونموّها الفكريّ.

 

بقاء التكليف بالجهاد مع جميع الصعوبات

يُستفاد من هذه الآية أنّ التكليف بالجهاد لا يسقط في أيّ حال، بل هو تكليف ثابتٌ مهما كان صعبًا وشاقًّا، وهذا يكشف عن عدم صحّة التفسير

 

264

 


224

تفسير سورة براءة

الذي يُفرض لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾[1].

 

ما ينبغي أن يُفهم من قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، هو أنّ التكليف بالجهاد في سبيل الله لا يسقط مهما تعاظمت صعوباته؛ وذلك أنّنا رأينا ضخامة المشكلات التي واجهت جيش الإسلام في معركة تبوك، ومن ذلك حداثة رجوعهم من معركة الطائف، وحاجة المعركة إلى البعد عن الأسر، ومكابدة الحرّ وترك الأوطان وظلال البيوت والبساتين، واحتمال خسارة الموسم الذي كان قد آن أوانه، وفوق هذا كلّه مواجهة عدوٍّ مجهّز بالعدد والعدّة، هو المنافس الوحيد للإمبراطورية الفارسية في ذلك الوقت.

 

هذه بعض المشكلات التي كانت تواجه المسلمين وتجعل بعضهم يتردّد في النفر إلى معركة تبوك، ولعلّه كان لهم بعض الحقّ في التردّد وفي أن يقولوا للنبيّصلى الله عليه وآله وسلم لا نريد خوض هذه الحرب؛ ولكنّنا نجد أنّ الله يواجه هؤلاء المتردّدين بتهديدهم بالعذاب الأليم، ولا يعفيهم من التكليف.

 

فهذه الآية تفيد وجوب مواجهة المشكلات والصعوبات؛ وذلك أنّ تعاظم الصعوبات والمشاقّ لا يعني بالضرورة أنّها أعظم من الوسع والطاقة، وبالتالي لا تجعل التكليف غير مقدورٍ. ولو لم يكن التكليف ممكنًا لما شرّعه الله لك، ولما طالبك به. غاية الأمر أنّ على الإنسان أن يوسّع قدراته ويزيد من طاقته. وكثيرًا ما يحصل أن يعجز الإنسان عن رفع حملٍ من الأحمال، أو أداء مهمّة، ولكنّه لا يقف عاجزًا، بل نجده يتحايل على الحمل ويحاول أداء المهمّة، وفي كثيرٍ من الحالات ينجح. وما أجمل قول أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول: "أتزعم أنّك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر"[2]. وعلى أيّ حال إنّ الله يعلم مدى قدرة الإنسان، وبالتالي عندما يكلّفنا بشيء، فلا ينبغي الشكّ في أنّه ممكنٌ.


 


[1] سورة البقرة: الآية 286.

[2] الديوان المنسوب إلى الإمام عليّ عليه السلام ص 179.

 

265


225

تفسير سورة براءة

بعد كشف هذه الآيات عن النظرة الإسلاميّة إلى الجهاد، في سياق الدعوة إليه، وبعد الإشارة إلى تردّد بعض المسلمين وتهديدهم وبيان ما يترتّب على تركهم التكليف بالجهاد، تتابع الآيات وتشجّع المسلمين وتثير الطمأنينة في نفوسهم، بالكشف عن عناية الله تعالى بنبيّه وتعهده بنصرته في مواطن سابقةٍ.

 

وهذا الأسلوب في البيان له وقعٌ روحيٌّ على المسلمين في ذلك الوقت. وذلك أنّ الله عزّ وجلّ يكشف لهم في هذه الآيات عن أنّه لن يترك نبيّه حتّى لو تركه المؤمنون به، ويبيّن لهم أنّها ليست المرّة الأولى التي يتولّى فيها سبحانه أمر رسوله والعناية به، ونصرته عند الحاجة.

 

وممّا تشير إليه الآيات الآتية قصّة هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من مكّة يوم خرج معه أبو بكرٍ كما ورد في كتب التاريخ والسيرة، ولاحقتهما قريش حتّى اضطرّا إلى اللجوء إلى أحد الكهوف، وكادوا يمسكون بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويعيدونه إلى مكّة؛ ولكنّ الله تولّى أمر نبيّه وفشلت خطّة قريش وعجزت عن الإمساك به: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

 

في تلك الواقعة من المعروف أنّ مشركي قريش ضيّقوا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتّى اضطرّ إلى الخروج من بيته ووطنه، وقد أعانه الله ونصره عليهم، ولم يكن يحميه منهم سوى الهجرة واللجوء إلى الغار في الطريق، ويبدو أنّ صاحبه في الغار كان خائفًا حزينًا، فحاول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تهدئة روعه وتأمين فزعته، ودعاه إلى ترك الحزن والخوف، وطمأنه بأنّه يسير وفق الخطّة والتكليف الإلهيّ، وبالتالي لا بدّ من النجاة والفوز: "إِنَّ اللّهَ مَعَنَا".

 

"وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا": قضى الله بأن تكون كلمة الباطل هي السفلى وكلمة الحقّ المنسجمة مع الفطرة هي العليا، وهذا قانونٌ يصدّقه الواقع عبر

 

266

 


226

تفسير سورة براءة

التاريخ؛ إذ قد يكون للباطل جولةٌ ينتصر فيها، ولكن في نهاية المطاف لا بدّ للحقّ أن ينتصر، والعنصر الأساس في هذا النصر، هو انسجام الحقّ مع الفطرة والطبيعة البشريّة، ولهذا نؤمن بأنّ البشريّة سوف تميل إلى الإسلام ولو بعد حينٍ، ولهذا نؤمن بأنّ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سوف يظهر وسوف تكون له دولةٌ وأيّ دولة.

 

"وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ": إنّ الله "غالِبٌ لا يُغلَب"، وما يريده لا بدّ من أن يتحقّق. وهو سبحانه حكيمٌ وعالمٌ وصنعه متقنٌ، وأفعاله منسجمة مع الحكمة على الدوام.

 

وحاصل ما يُستفاد من هذه الآية:

أوّلًا: تعزيز معنويّات المسلمين وشدّ عزيمتهم. فالآية تعلمهم أو تذكّرهم بأنّ الله هو الضامن لنصرة النبيّصلى الله عليه وآله وسلم، وأنّه لم يتركه في أحلك الظروف ولن يتركه. وعندما يسمعون هذا الإخبار وعندما يطّلعون على هذا الوعد المتجدّد، سوف تزول كلّ أشكال الخشية من رؤوسهم، وسوف تقوى عزيمتهم على مواجهة الروم، وسوف يزول التردّد الناجم عن استثقال أعباء الجهاد الذي كانوا يشكّون في انتهاء تجربته بنصرٍ.

 

ثانيًا: عندما يلتفت الإنسان إلى أنّ تركه وإحجامه عن أداء تكليفه وإنجاز المهمّات العظمى الموكلة إليه، لن يؤدّي إلى سقوط هذه التكاليف وبقاء هذه المهامّ دون إنجاز؛ بل سوف ينال آخرون شرفَ إنجازها وأدائها، عندما يلتفت الإنسان إلى هذا الأمر من الطبيعيّ أن تتحرّك فيه الحميّة، ويرغب في نيل هذا الشرف.

 

وعندما يسمع المسلم على لسان أصدق القائلين، أنّه نصر نبيّه في ظروف لم يكن النصر فيها متوقّعًا أو محتملًا، يلتفت إلى العناية الإلهيّة بهذا النبيّ، ويسأل نفسه لماذا لا أكون واسطةً ومجرًى لهذه العناية، فأنال شرف التوسّط على الأقل ما دامت العلّة الأهمّ والأساس هي العناية الإلهيّة؟ وأي شرفٍ

 

 

267

 


227

تفسير سورة براءة

أخطر من أن يكون الإنسان واسطةً لتحقّق الإرادة الإلهيّة وسببًا. وهذا الإحساس وهذا التساؤل، مضافًا إلى شدّه عزيمة الإنسان، فإنّه يشعره بالغبطة ويدفعه نحو أداء ما يُطلب منه بسرور.

 

ثالثًا: تذكّر الآيةُ المسلمين بواحدة من أجمل الوقائع التي حصلت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. في ذلك اليوم كان المهاجرون والأنصار قليلي العدد في المدينة. والمخاطبون بهذه الآية أكثرهم حديثو الإسلام من الذين عادوا لتوّهم من معركة الطائف، أو شاركوا من زمن غير بعيد في صلح الحديبية أو فتح مكّة وأسلموا في تلك الوقائع، وكثيرٌ من هؤلاء لا خبر عندهم عن ماضي الإسلام القريب، وما حصل مع رسول الله قبل دخوله إلى المدينة. ومن هنا، فإنّ تذكيرهم بهذه الوقائع وكشفها لهم، يترك أثره العظيم على روحيّاتهم وعزائمهم.

 

إنّ من أخطر الأساليب التي تؤدّي إلى فشل أمّة من الأمم وتضعيف نفوس أفرادها، سلبُ الثقة بالنفس من هؤلاء الأفراد، وذلك بأن يقنع هؤلاء الناس بأنّ عالِمَهم ليس عالمًا، وشجاعَهم ليس شجاعًا... ويعملوا بحيث يبدو تاريخ هذه الأمّة غير ذي شأنٍ فتغدو هذه الأمّة بلا تاريخ ومن غير ماضٍ. وإنّ من أخطر الأمراض التي تصيب الأمم أن تنسى تاريخها، وتشعر بأنّها بنت اليوم لا ماضي لها، وعلى العكس من ذلك فإنّ من أجمل الأمور أن تعتزّ الأمّة بتاريخها وأن تنظر إلى ماضيها فتجد أنّ لها ماضيًا مشرّفًا.

 

بعض المسلمين في ذلك الزمان كانوا من الأنصار، وكان في ذاكرتهم وكتاب أعمالهم وقائع مشرّفة. وبعضهم كانوا من المهاجرين، كان لهم مثل ذلك أيضًا. وإلى جانب هاتين الفئتين من المسلمين آخرون من حديثي الإسلام من الأعراب ومن بعض الأعداء السابقين الذين دخلوا في الإسلام، ولكنّهم لا يحملون في ذاكرتهم شيئًا من ذلك التاريخ القريب للإسلام. وما تهدف إليه هذه الآية هو لفت نظر هذا الصنف من المسلمين إلى تعهّد الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في حالات أصعب من هذه الحالة. وهذا التذكير له وقعه

 

 

268

 


228

تفسير سورة براءة

وتأثيره في المسلمين جميعًا، وفي هذه الفئة الأخيرة على وجه الخصوص.

 

هذه الملاحظات الثلاث الأهمّ التي يمكن استفادتها من هذه الآية. ولا شكّ في أنّ التأمّل في أبعاد الآية يكشف عن ملاحظات أخرى ويبيّن مرامي مختلفة يمكن استفادتها منها.

 

نقد فهم أهل السنّة لهذه الآية

يقودنا الحديث عن هذه الآية بعد فهمها إلى بحث واسعٍ نختم به معالجتنا لها. إخواننا من أهل السنّة يصرّون على أنّ هذه الآية تشير إلى فضيلة من فضائل أبي بكرٍ؛ ونحن لا نرى فيها أيّ بيانٍ لفضيلة من هذا النوع.

 

"رشيد رضا"[1] صاحب التفسير المعروف المسمّى بـ"المنار"، هو من سلالة آل البيت عليهم السلام، ولكنّه لا يعتقد بأجداده، وهو متعصّبٌ ضدّ الشيعة وله موقفٌ سلبيٌّ منهم، وهو أداة من أدوات الاستعمار. يعترض في تفسيره[2] لهذه الآية على الشيعة وفهمهم إيّاها! وعلى أيّ حال نحن عندما ننظر في هذه الآية لا نرى أنّها تثبت فضيلةً لصاحب النبيّ. وليس فهمنا لهذه الآية بهذه الطريقة بدعًا بين التفاسير ولا ابتكارًا خاصًّا بنا مبنيًّا على موقف مذهبيٍّ؛ بل نجد أنّ عددًا من المفسِّرين يوافقوننا الرأي على الرغم من اختلافهم معنا في الموقف المذهبيّ من الصحابة عمومًا ومن هذا الصحابيّ على وجه الخصوص.

 

فالآية تخاطب المسلمين وتقول لهم: إنْ تخاذلتم عن نصرة نبيّكم فإنّ الله سوف يتولّى أمره وينصره هذه المرّة كما نصره في مرات سابقةٍ: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ".


 


[1] (1282-1354هـ.ق.) إصلاحيّ وناشطٌ اجتماعيٌّ جعل من وحدة المسلمين أحد أهدافه، وسعى إلى تجديد نظريّة الخلافة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ المعاصر. وفي كتبه نقدٌ حادٌّ للمذهب الإماميّ ومعتقداته.

[2] انظر: المنار، ج 10، ص 450-459.

 

269


229

تفسير سورة براءة

ولكن متى فعل الله ذلك بنبيّه وفي أيّ موقعٍ؟ تكمل الآية وتخبرنا عن تلك الواقعة، فتقول: "إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ"؛ أي في ذلك الوقت حيث كان أكثر أهل مكّة من المشركين، فأقدموا على التضييق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى اضطروه إلى الهجرة من وطنه. كم عدد الذين هاجروا معه؟ هل خرج من موطنه ومعه جيش من المؤمنين به؟ تخبرنا الآية أنّه كان وحيدًا ومعه شخصٌ آخر. وكان ثاني الرجلين اللذين خرجا. ولا يعني كونه ثاني الرجلين فضيلة للرجل الأوّل؛ فهذا ليس مرادًا من الآية أبدًا، إذ عندما يتصاحب رجلان، يكون كلّ واحدٍ منهما ثانيًا لصاحبه. وبعبارة أخرى: كل ما تريد الآية بيانه أنّ عدد الخارجين في تلك الواقعة كان اثنين.

 

ثم تكمل الآية وتبيّن طبيعة الظروف المحيطة بتلك الهجرة والتأييد الذي ناله النبيّ في تلك الظروف، فتقول: "إِذْ هُمَا فِي الْغَار". أي لم يكن النبيّصلى الله عليه وآله وسلم راكبًا صهوة فرسٍ، ولا مسلّحًا بسيف، حتى يدافع هو وصاحبه عن نفسيهما إذا أتاهما العدوّ؛ بل اضطرّا إلى الاختباء في الغار المعروف بغار ثور، وهو يبعد عن مكّة ستّة أميال؛ أي حوالى فرسخين، وهو على حدّ تعبير إبراهيم المصري[1] الذي شاهد الغار عن قرب: "ولمّا بلغنا الغار وجدناه صخرة مجوّفة في قنة الجبل أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى ولها فتحتان في مقدّمها واحدة وفي مؤخّرها أخرى، وقد دخلتُ من الغربية زاحفًا على بطني مادًّا ذراعيّ إلى الأمام وخرجتُ من الشرقية التي تتّسع عن الأولى قليلًا... والفتحة الصغيرة عرضها ثلاثة أشبار في شبرين تقريبًا، وهي الفتحة الأصلية التي دخل منها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي من ناحية الغرب. أمّا الفتحة الأخرى فهي في الشرق، ويُقال إنّها محدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار والخروج منه..".[2]. في مثل هذه الظروف مهما كان الإنسان قويًّا؛ حتى


 


[1] إبراهيم بن شريف، المعروف بإبراهيم رفعت باشا (1273- بقي حيًّا إلى 1353 هـ.ق.)

[2] إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين، الطبعة الأولى، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1344 هـ.ق.، ج 1، ص 62.

 

270


230

تفسير سورة براءة

لو كان "رُسْتَمْ دَسْتَانْ"[1] فإنّه في مثل هذه الظروف وفي مثل هذا الموقع لا يستطيع الدفاع عن نفسه. ففي مثل هذه الأوضاع بمخاطرها وصعوباتها، تعهّد الله نبيّه وتولّى أمر نصرته والدفاع عنه.

 

ومن الصعوبات التي واجهت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الهجرة أنّ رفيق سفره كان خائفًا، ما استدعى تهدئة خوفه والتخفيف عنه: "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ". ولو كان هذا الصاحب شجاعًا لما حزن، ولما كان ثمّة داعٍ للتخفيف عنه بدعوته إلى عدم الحزن. ورشيد رضا نفسه يقول في تفسير هذه العبارة: "...كان يقول لصاحبه... حين رأى عليه أمارة الحزن والجزع، أو كلّما سمع منه كلمةً تدلّ على الخوف والفزع: لا تحزن، الحزن انفعالٌ نفسيٌّ اضطراريٌّ يُراد بالنهي عنه مجاهدته، وعدم توطين النفس عليه، والنهي عن الحزن وهو تألّم النفس ممّا وقع، يستلزم النهي عن الخوف ممّا يُتوقع، وقد عبّر عن الماضي بصيغة الاستقبال (يقول) للدلالة على التكرار المستفاد من بعض الروايات.."..[2]

 

لا تقل الحزن أمرٌ طبيعيٌّ أو اضطراريٌّ. لا؛ فعندما يقول له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويكرّر قوله على حدّ تعبير رشيد رضا: "لا تحزن"، كأنّه يريد أن يقول له: "إذا كان الحزن قد أسر قلبك، فلا تسلم قلبك له، وحاول مجاهدة الحزن ومقاومته، واسعَ لتحرير قلبك من هذا الحزن، أو على الأقل لا تظهر الحزن فإنّ الله معنا".

 

وليس معنى "إنّ الله معنا" أنّ الله ثالثنا في الغار؛ فالله لا يحدّه مكانٌ ولا زمانٌ، فلا اثنين إلا والله معهما في أيّ مكانٍ كانا. وعندما كان الكفّار يخطّطون لقتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان الله بينهم وكان يطّلع على أفعالهم، فلا مكان يمكن أن يغيب الله عنه. والمعيّة الخاصّة المذكورة في هذه الآية هي النصرة،


 


[1] بطل أسطوريٌّ فارسيّ، تغنّى الفردوسي الشاعر الإيرانيّ ببطولاته في ملحمته الشهيرة المعروفة بـ"شاهنامه". وتنسب إليه الكثير من الفضائل والمواقف الشجاعة. (المترجم)

[2] رشيد رضا، تفسير المنار، دار الكتب العلمية، بيروت، لا تاريخ، ج 10، ص 371.

 

271


231

تفسير سورة براءة

أي قدرة الله وقوّته معنا، وسننه وقوانينه التي سيّر المجتمعات البشريّة على أساسها، تسير وفق ما يخدم مصلحتنا. وبعبارة أخرى: إنّنا نسير وفق القوانين الإلهيّة والسنن التي جعلها الله تعالى.

 

أيّها الرفيق غير الموافق! نحن نسير في الصراط الذي جعله ربّ العالم وإلهه، ونحن نسير في الاتّجاه الموافق للقوانين والسنن الإلهيّة، وسوف نصل إلى الغاية المحدّدة لنا، وحالنا تشبه حال ورقة الشجر أو القشّة التي تسقط على سطح الماء الجاري، من الطبيعيّ أن تسير مع الماء. أمّا أعداؤنا فهم يسيرون في الاتّجاه المعاكس للتيار. فلماذا الخوف والحزن؟!

 

تقتضي سنن الله تعالى أن تخيّم ظلال الإسلام على العالم، وأن يميل الناس إلى هذا الدين الجديد، وأن ينهار ذلك النظام القديم كما تنهار الشجرة التي نخرها السوس من الداخل، حتّى لو بدت من الخارج شجرة ضخمة غليظة الجذع عظيمة الغصون والفروع، فهذه الشجرة ستنهار حتمًا عندما تواجه إعصار "لا إله إلا الله" القادم.

 

في هذه الوضعيّة الخطرة والصعبة التي كان عليها النبيّ عندما أخرِج من وطنه ومسقط رأسه، والضعف والخوف في مثل هذه الحالة أمرٌ طبيعيٌّ يصيب الناس العاديّين، ومن جهة أخرى العدوّ لم يكتفِ منه بالمغادرة والخروج؛ بل لاحقه واقتفى أثره في الطريق إلى باب الغار، فاضطرّ هو وصاحبه إلى الدخول في ذلك الغار الضيّق، وصاحبه على تلك الحالة التي تُستفاد من الآية، في مثل هذا الوضع تولّى الله نصرة نبيّه وحمايته.

 

في مثل هذه الأوضاع تخبرنا الآية عن الآليّات التي نصر الله بها نبيَّه، وذلك بأسلوبين أو بأمرين: الأوّل: إنزال الله الطمأنينة والسكينة على نفسه وقلبه: "فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ". والأسلوب الثاني، هو: تأييده بجنود من عالم الغيب لا يمكن للإنسان العاديّ رؤيتها والاطلاع عليها: "وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا".

 

 

272

 


232

تفسير سورة براءة

وهنا قد يُطرح سؤال هو: من المقصود بإنزال السكينة؟ ومن هو الشخص الذي أنزل الله السكينة عليه؟ هل يمكن أن يكون شخصًا آخر غير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ في الجواب عن هذا السؤال نرى أنّه لا يمكن أن يكون من نزلت عليه السكينة، ومن نال التأييد الإلهيّ شخصًا غير النبيّ؛ وسياق الآية يفيد ذلك، فالمقصود هو ضرب تشبيه الوضع الذي كان عليه النبيّ في المدينة بوضعه الذي كان عليه عندما خرج مهاجرًا إليها، ولا يصحّ والحالة هذه أن يكون غيره هو المقصود في الحالة السابقة، وإلا يكون هذا شبيهًا بما لو أعطينا الطعام لشخصٍ وتحدّثنا عن شبع شخصٍ آخر!.

 

وقد يقال: وهل كان النبيّ محتاجًا إلى نزول السكينة عليه؟ فإنّه كان دائمًا مطمئنّ القلب وصاحب سكينةٍ؟ وفي الجواب عن هذا التساؤل نقول: ليست هذه هي المرّة الوحيدة التي يتحدّث الله عن نزول السكينة على قلب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِه﴾[1]. فهذه الآية تفيد أنّ حال السكينة والاطمئنان الموجودة عند النبيّ لا تتنافى مع نزول السكينة الخاصّة وفي مرتبة أعلى في بعض الحالات.

 

ونقرأ في كتاب الله تعالى أنّ صدر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يضيق في بعض الحالات بتصرّفات المشركين واستهزائهم، وفي هذه الحالات يحتاج النبيّ إلى رعاية خاصّة من الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾[2].

 

والسكينة تعني ارتفاع ضيق الصدر. إذًا؛ لا مانع من أن يشعر النبيّ بالضيق. ولا مانع من أن يتعهّد الله نبيّه في بعض المواضع ليرفع عنه بعض الشقاء والتعب الذي يسبّبه لنفسه: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾[3]. ولا مانع يمنع من حاجة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى تثبيت قلبه بالرعاية الإلهيّة: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ


 


[1] سورة التوبة: الآية 26.

[2] سورة الحجر: الآية 97.

[3] سورة طه: الآيتان 1-2.

 

 

273


233

تفسير سورة براءة

فُؤَادَكَ﴾[1]. ومن هذه الآيات وغيرها يتبيّن أنّ حالات المؤمنين حتى لو كانوا أنبياءَ تتفاوت بين فترة وأخرى، والطمأنينة والسكينة لها مراتب متعدّدة بعضها موجودٌ دائمًا وبعضها يحتاج إلى رعاية وعناية إلهيّة خاصّةٍ.

 

والتبرير الكلاميّ لهذا المطلب هو أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الرغم من اتّصاله بالله تعالى، فهو بشرٌ وإنسانٌ. وقد يصيبه بعض ما يصيب البشر، على المستويين الجسديّ والروحيّ، وهذا لا يتنافى مع العصمة عن الخطإ والخطيئة، فما يضرّ بالعصمة وينقضها يستحيل طروءه على النبيّ، وما سوى ذلك لا دليل يدلّ على منعه واستحالته. فقد يتعب النبيّ، وقد يشعر بالجوع، وله شهوةٌ وعاطفة تجاه النساء...

 

وأمور مثل الخوف من الموت والإخراج من الوطن، وحتى الخوف من فشل دعوته، أمورٌ لا معنى لها في حقّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولكن ما المانع من أن يحزن النبيّ عندما يرى قومه وقد سدّوا آذانهم عن سماع صوت من يدعوهم إلى السعادة، كما حصل مع النبيّ في معركة حنين[2].

 

وعندما لا نحكم باستحالة بعض هذه الأمور في حقّ النبيّ، وعندما يُصاب صاحبه بالحزن والقلق، فلا مانع من إنزال الله السكينة والطمأنينة على قلب نبيّه وتثبيت قلبه، ولا مشكلة كلامية أو اعتقادية تترتّب على هذا الفهم. وعبارة: "وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا" هي دليلٌ آخر على أنّ من نزلت السكينة عليه هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 

يُستفاد من السياق أنّ ضمير المفعول المتكرّر ذكره في هذه الآية مع أكثر من فعلٍ يُشير إلى شخص واحدٍ؛ وقد حاول بعضٌ إثبات تعدّد مرجع الضمير بأن فسّر الآية على هذا النحو: حزن صاحب النبيّ فقال له النبيّ لا تحزن فأنزل الله السكينة على هذا الصاحب.


 


[1] سورة الفرقان: الآية 32.

[2] سورة التوبة: الآيتان 25-26.

 

274


234

تفسير سورة براءة

ويُمكن أن يُعترض عليهم بهذا الاعتراض: إذا كان من نزلت عليه السكينة هو صاحب النبيّ، فلا بدّ أن يكون من أيّده الله بجنود غير مرئيّة هو صاحبه أيضًا؟! وربّما قبل بعضهم هذا الاعتراض ورأى أن لا مانع من توحيد مرجع الضمير بحيث يكون من صاحب السكينة والمؤيّد بالجنود هو صاحب النبيّ وليس النبيّ نفسه.

 

وهذا الفهم غير صحيحٍ أبدًا، ولا ينسجم مع الفهم السليم للآية. فليس من الإنصاف أن نؤوّل الآية لنخترع فضيلة لأحد أصحاب النبيّ، بحيث يكون هو من نصره الله، وهو من نزلت عليه السكينة، وهو من أيّده الله بجنودٍ من عالم الغيب. وإنّ كثيرًا من هذه الفضائل اختُرعت في عهد معاوية[1].

 

والتأييد الذي يُفهم من الآية نوعان، أحدهما من الداخل وفي قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو السكينة والاطمئنان، والثاني من الخارج وهو التأييد بالجنود. وهذا التأييد قد يكون على نحو تسخير عالم الطبيعة لرسول الله؛ إذ يُروى أنّ عنكبوتًا نسجت بيتًا لها على باب الغار، وأنّ حمامة عشّشت في فتحة الغار أيضًا.

 

وهذه الأمور حصلت بطريقة إعجازيّة خارقةٍ للعادة. وقدرة الله تخرق العادات التي نعرفها لوقوع الأحداث والظواهر. هذا ولكنّ أفعال الله لا تخرق قانون العليّة، فلا شيء يقع خارج دائرة قانون العلاقة بين العلّة والمعلول، غاية ما في الأمر أنّ الله يعطّل بعض العلل لمصلحة عللٍ لا نعرفها يسخّرها الله لوقوع بعض الأحداث بطريقة غير الطريقة المعتادة. كما حصل في قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام  بحيث عطّل الله خاصّية الإحراق في النار، لأنّه لو احترق نبيّ الله بالنار في تلك الحادثة كان تاريخ البشريّة قد تغيّر وتبدّل على غير ما نعرفه اليوم. فكان يجب أن لا يحترق إبراهيم، ولا بدّ من علّة ومعلولٍ آخر لا نعرفه نحن.


 


[1] انظر: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 16.

 

 

275


235

تفسير سورة براءة

إنّ الفترة الزمنية التي هاجر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكّة إلى المدينة، هي فترة على درجة عاليةٍ من الحساسيّة؛ وذلك أنّ أصول ومبادئ الفضيلة والإنسانيّة كانت في مراحل ظهورها الأولى. وينبغي أن يتدخّل الله تعالى بطريقة خارقةٍ للعادة، ليستطيع النبيّ تأسيس المجتمع الإسلاميّ. وما كان لهذا المجتمع أن يتأسّس لو توفّي النبيّ في تلك اللحظة التاريخية الحرجة، ولذلك كان لا بدّ من التدخّل الإلهيّ من الطرق غير الطبيعية المعتادة، وليس بعيدًا على الله ولا خارج نطاق قدرته أن يجعل الحمامة أو العنكبوت تستوطن فتحة الغار كي لا يلفت نظر الأعداء الملاحقين للنبيّ.

 

وهنا لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذه النصرة والتأييد هي مبدأ وقانون عامٌّ، فكلّ من سار في خطّ الله وفي سبيله، نال تأييده ونصرته، ووافقته السنن الإلهيّة وساعدته على الوصول إلى بغيته.

 

سر انتصار الحقّ على الباطل

"وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى": نعم كلمة الكافرين هي السفلى؛ أي إنّ الله أفشل خطط الكافرين التي وضعوها للقضاء على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل ما يريدون ومقاصدهم كلمتهم السفلى، وكلمة الله وما يريد الله هو الأعلى. وهذه الإشارة فيها الكثير من التعليم.

 

فكلّما كان الجدال وكانت المواجهة بين ما يريده الله وما يريده الطاغوت، اعلموا أنّ الزمان سوف يكون في مصلحة ما يريده الله تعالى؛ لأنّ كلمة الله هي العليا دائمًا، والله عزيزٌ وغالبٌ غير مغلوبٍ، وحكيم وعالمٌ. وهو بصير بالعباد، وأعماله تسير وفق تدبير حكيم ومحكم، وأنصار الله يقتبسون من قبس قدرته وعزّته.

 

 

276

 


236

تفسير سورة براءة

انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿41﴾ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿42﴾

 

277


237

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

يقع ترتيب هذه الآيات بحسب سياق الكلام ومساره على النحو الآتي: بعد أن خاطب الله تعالى المؤمنين في الآيات السابقة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾[1]، وعاتبهم فيها على ضعف همّتهم في الجهاد بعد دعوتهم إلى النفير في سبيل الله، وبعد أن بيّن لهم تعالى حقيقة الدنيا والآخرة، وشرح لهم ما ينبغي بهم تفضيله والميل إليه، وحذّرهم من عاقبة التثاقل ومآل التخلّف عن تلبية دعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد، وبيّن لهم عقب ذلك بالمثال أنّه سوف ينصر دينه ونبيّه كما نصره من قبلُ، وسوف يساعده على إيصال أمانته إلى المحلّ الذي يريد تعالى أن تصل هذه الأمانة إليه، وبذلك كلّه وما يتضمنّه الكلام السابق من وعظ وتعليم يكون قد أزال الصدأ عن تلك القلوب ورفع عنها آثار الغفلة، فصارت مستعدّة لتحمّل التكليف من جديدٍ، بعد ذلك كلّه أعاد الله على مسامع المؤمنين الأمرَ بالجهاد. وهذه الآية التي نتعرّض لها أوّلًا هي دعوة عامّةٌ إلى الجهاد موجّهةٌ إلى المؤمنين الذين خاطبهم الله بالآيات السابقة.

 

وكرّر تعالى في هاتين الآيتين الإشارةَ إلى تقصير بعض المسلمين، وعرض طريقة تفكيرهم، وبيّن طبيعة نظرتهم إلى مثل هذه الأمور، وكشف عن ضعف نفوسهم وتخاذلهم ومحاولتهم التعلّل واختلاق الأعذار. وهذه الحالة هي حالة نفسية وإنسانيّة.

 

والمطلب الآخر الذي تتصدّى هاتان الآيتان للحديث عنه قضيّة


 


[1] سورة التوبة: الآية 38.

 

279


238

تفسير سورة براءة

اجتماعيّة هي مسألة "التخلّف عن الجهاد وآثارها الخطيرة".

 

وبناءً عليه تشتمل هاتان الآيتان على ثلاثة مطالب عامّة ومهمّة، وعلى عدد من المسائل الجانبيّة. والمطالب العامّة هي: الدعوة إلى الجهاد، والتحليل النفسي والروحيّ للأشخاص المتخلّفين عن الجهاد، والعواقب الخطيرة التي تترتّب على هذه الظاهرة في المجتمع. وأما المطالب الفرعية في هاتين الآيتين فهي متعدّدةٌ. وهذه المضامين الواردة في هاتين الآيتين تربطهما بالآيات السابقة وتصلهما بها.

 

"انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً": يدعو هذا المقطع من الآية المؤمنين إلى النفير والتحرّك في طريق الجهاد، سواء خفّت أحمالهم أم ثقلت، ويحرّضهم على الجهاد بالمال والنفس.

 

خفاف جمع خفيف، وثِقال جمع ثقيل. وقد اختلف المفسِّرون على آراء عدّة في المراد من الثقل والخفّة في هاتين الكلمتين. فقال بعضهم: المراد من الخفّة الهمّة والنشاط ومن الثقل ضعف الهمّة وقلّة النشاط. وقال آخرون إنّ المراد من الخفّة توافر الزاد والراحلة والعتاد، ومن الثقل عدم توافر الزاد والراحلة والعتاد وغير ذلك من وسائل السفر. وأرجع جماعة من المفسِّرين الثقل والخفّة إلى حالات المدعوّين إلى الجهاد من حيث العمر، فالمراد من الخفاف الشباب والمقصود من الثقال كبار السنّ.

 

والحقيقة أنّه يمكن تفسير هذه العبارة بحيث تؤدّي الآية معنًى عامًّا تكون الأقوال المشار إليها أعلاه مصاديق لهذا المعنى العامّ. فيكون المقصود من الخفّة والثقل توافر الإمكانات الروحية والمادية والمعنوية وعدم توافرها.

 

وتوضيح ذلك أنّ الإنسان في بعض الحالات يتوافر لديه الاستعداد الروحيّ والإمكانات الماديّة والبدنية، وأحيانًا لا يتوافر له ذلك. وثمّة أعذار قد يتمسّك الإنسان بها تؤدّي إلى تثاقله عن أداء بعض الواجبات المهمّة، ومن هذه الأعذار: ضعف النشاط والإقبال على أداء تلك الواجبات، أو

 

 

280


239

تفسير سورة براءة

الفقر وقلّة الحيلة الماليّة، والإعالة، والانشغالات الاقتصاديّة، وذهاب حيوية الشباب وهمّته، وفي بعض الحالات قد يعتقد أنّه معذورٌ عن الانشغال بالواجب المدعوّ إليه، فيقول: أنا ثقيلٌ، دعوا الخفاف يؤدّون هذا الواجب. قد يكون ذلك العذر إعالته لأطفاله فيرى أنّ ذهابه إلى الجهاد يجعلهم بلا معيل، أمّا فلانٌ من جيرانه مثلًا فلا أطفال عنده فهو خفيف المؤونة من هذه الناحية. وقد يكون هذا العذر من قبيل الانشغال بتجارته من الصباح إلى المساء، وبالتالي يرى أنّ الجهاد سوف يعطّل تجارته.

 

في هذا الأمر العامّ تبيّن الآية: أنّه في مقابل واجب كالجهاد، يتوقّف عليه مستقبل هذه الجماعة وحياتها الاجتماعية، ويتوقّف عليه مسار ومصير الفكر الذي تحمله لا ينبغي الالتفات إلى الوراء عند سماع الدعوة إلى الجهاد، وعلى السامعين القادرين على الحراك الانطلاق وتلبية الدعوة، سواء كانوا خفافًا أم كانوا ثقالًا. وهذه التلبية هي الأفضل والأنسب لهم.

 

وتضع هذه الآية الإصبع على نقطة حسّاسةٍ، تقيّد أرجل الجميع عادةً وأيديهم، وتقول للمخاطبين انفروا وتحرّكوا إلى ساحات الجهاد على ما أنتم عليه من انشغالات وأعذار قد تشدّكم إلى الأرض وتحول دون انطلاقكم.

 

إذًا، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ تفسير الآية بالأنحاء التي أشرنا إليها هو من باب بيان المصداق والمثال، وليس بالضرورة أن تكون هذه المصاديق والأمثلة بمنزلة المعاني المرادة من الآية، ولعلّنا نستطيع اتّهام أصحاب تلك التفسيرات بأنّهم تورّطوا في التفسير بالرأي، وذلك أنّ المعنى الذي نميل إليه هو معنًى عرفيٌّ يمكن استفادته من الآية وفهمه منها.

 

فالآية أوسع وأشمل ممّا ورد في تفسير قدماء المفسِّرين لها. وقد التفت المفسّرون المعاصرون إلى هذا الأمر ولم يحصروا الآية بما ذكر سابقًا؛ بل عمّموا دلالتها. ورأوا أنّ الآية هي نداءٌ عامٌّ ودعوة شاملة إلى الجهاد والنفير العامّ، بغضّ النظر عن أوضاع المخاطبين وأحوالهم.

 

281


240

تفسير سورة براءة

والجدير بالذكر أنّ الاستثناءات المعروفة في باب الجهاد محفوظة في هذه الآية أيضًا، فالعجزة وكبار السنّ من الرجال، والنساء لا حرج عليهم في ترك الجهاد، وذلك بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾[1]، وكذلك بحسب قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾[2].

 

"وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ": وهذه الآية تدعو المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله، وكأنّها تقول لهم: إذا كنتم تملكون المال، فاجعلوه في سبيل الله وجاهدوا به، وإذا لم يتوافر لكم مالٌ فإنّ لكلّ منكم نفسًا فليبذلها في سبيل الله. هذا ولكن الأمرين مطلوبان، ولا تفيد الآية إمكان أن يفدي الإنسان نفسه بماله.

 

دائرة الجهاد ومصاديقه

فعل الأمر "انفروا" الوارد في الآية دعوة إلى الخروج والحركة، ولا يعني فقط الانطلاق إلى ساحة القتال وميدان الحرب؛ بل ينبغي أن يُفهم منه وبقرينة الجملة اللاحقة التي تقول: "وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ"، أنّ الأمر بالنفر عامٌّ شاملٌ لجميع مظاهر الحياة الإنسانيّة.

 

الجهاد بالمال

أحد مصاديق الجهاد بالمال هو بذل المال لتأمين العتاد، وكان في ذلك الزمان الخيل والسيف والدرع وما شابه، وهذا ما يذكره المفسِّرون في تفسيرهم لهذه الآيات وأمثالها.


 


[1] سورة التوبة: الآية 91.

[2] سورة الفتح: الآية 17.

 

282


241

تفسير سورة براءة

ومن مصاديق الجهاد بالمال أن يدفع الإنسان بعض ماله لتشجيع بعض الناس على المشاركة في القتال والذهاب إلى الجبهات والميادين. وثمّة مصاديق أخرى قد تكون أبعد من هذه المصاديق عن الذهن، ولكن ما ذكرناه هو الأقرب لواقع الأمور. وبناءً عليه، كلّ بذلٍ للمال يصبّ في خدمة الجهاد هو جهاد بالمال.

 

الجهاد بالنفس

المعنى الأوّل الذي يتبادر إلى الذهن من الجهاد بالنفس هو المشاركة في الحرب وبذل الأرواح في هذا السبيل. هذا ولكن بذل النفس هو المرحلة الأخيرة التي ينبغي أن تكون مسبوقة بمراحل أخرى مثل تقديم العقل والمعرفة والاستفادة من جميع الطاقات الروحية والبدنية، فكلّ هذه الأمور جهادٌ بالنفس في سبيل الله.

 

وبالتالي تدعو الآية المسلمين إلى استثمار عقولهم للتخطيط، وألسنتهم للدعوة وخدمة هذا الهدف المقدّس، وتدعوهم إلى إتعاب أبدانهم في متابعته، وإفناء أعمارهم وصرفها في هذا السبيل، وبعد ذلك كلّه يصلون إلى المرحلة الأخيرة وهي تقديم النفوس والأرواح. وهذا هو منهج حبيب بن مظاهر وأمثاله عندما وصلوا إلى المحطة الأخيرة؛ أي محطّة الفداء وتسليم الروح إلى مالكها الحقيقيّ. هذا كلّه جهاد في سبيل الله من المحطة الأولى إلى المقصد الأخير.

 

ولو تدقّقون النظر فسوف ترون أنّ الأمر الوارد في قوله تعالى: "وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ"، يستوعب في دائرته كلّ الوجود الإنسانيّ والحياة البشريّة وجميع ما يرتبط بالإنسان ويرتبط به الإنسان، وعلى أي حالٍ لم تنزل الآية في معركة تبوك وأحُد وحُنين وحدها.

 

وربّما لا تشمل الآية الجهاد بالأبناء، ووجه ذلك أنّ الخطاب موجّهٌ

 

 

283


242

تفسير سورة براءة

إلى الأبناء على نحو الاستقلال، وعليهم تلبية الدعوة كما يجب على آبائهم تلبيتها؛ ولا شيء يبرّر دلالة الآية على عدم دخولهم في إطار هذه الدعوة إلى الجهاد، فالأبناء مكلّفون مخاطبون عليهم أن يلبّوا نداء الداعي إلى الله كغيرهم من المكلّفين.

 

معنى الإخلاص في العمل

"فِي سَبِيلِ اللّهِ": تبيّن هذه العبارة حدود الجهاد، وتكشف عن أنّه يجب أن يكون في سبيل الله تعالى. وهذه الخصوصية في الأعمال مطلبٌ دقيقٌ. يحسب بعض الناس أنّه يكفي لتحقّق هذه الخصوصية أن يقول الإنسان حين العمل: "قربة إلى الله تعالى"، حتّى لو كان القلبّ معلَّقًا في محلٍّ آخر، وهو وهمٌ ليس مبنيًّا على أساس.

 

تعني هذه العبارة أن يكون عمل الإنسان في طريق الأهداف الإلهيّة. فالزكاة في سبيل الله تعني أن يُستثمر ما يراه الله ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية وهو المال، أن يُستثمر في خدمة الناس وفي سبيل تحقيق إرادة الله، وهي وصول هذه النعمة إلى أيدي الناس جميعًا، فلا تكون حكرًا على جماعة أو فئة دون غيرهم من الناس. والجهاد الذي يُشترط فيه أن يكون في سبيل الله يجب أن يكون في خدمة الغرض الإلهيّ والأهداف المقدّسة، ومنها تشكيل المجتمع الأمثل الذي يريده الله تعالى. وعليه فليس كلّ قتالٍ يقع يكون في سبيل الله، ومثل هذا القتال ليس هو الجهاد المطلوب إلهيًّا.

 

فليس صحيحًا ما يُقال في التاريخ إنّ فلانًا استشهد في إحدى المعارك التي خاضها السلطان محمود[1]، أو ما يُقال في المعركة الفلانية التي خاضها هذا السلطان أو غيره استشهد العدد الفلانيّ من الناس، هؤلاء ليسوا


 


[1] السلطان محمود الغزنوي (971-1030م.) أحد ملوك الدولة الغزنوية التي كانت تحكم منطقة واسعة من العالم الإسلاميّ، مثل: أجزاء من إيران، وباكستان، والهند وكرجستان وغيرها.

 

284


243

تفسير سورة براءة

شهداء، والطرف المقابل يرى أنّ قتلاه شهداء أيضًا. إنّ كثيرًا من معارك السلاطين خيضت من أجل الذهب والمال، ولم تكن في سبيل الله، ولا خدمة لأهدافه تعالى.

 

"ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ": نعم إنّ بذل الأرواح والمهج في سبيل الله هو الأفضل عندما يدرك الإنسان المعايير الحقيقية للحكم على الأشياء، ويعلم ما أعدّ الله في الآخرة من نعيمٍ مقيمٍ.

 

وهذا البيان الإلهيّ من أعذب الأساليب وأكثرها إلفاتًا في مقام الحضّ والتشجيع. ففي كلام الإنسان الكثير من المبالغات وقلّة الدقّة؛ ولكن عندما يصدر التشجيع عن الله خالق الخير والشرّ والمحيط بخير الإنسان وشرّه، فإنّ الحال مختلفةٌ تمامًا، كلمتا خيرٌ وشرٌّ لهما معنًى، وعندما يقارن الله تعالى بين خيرين، ويفضّل أحدهما على الآخر يكون لذلك معناه الدقيق أيضًا. "خَيْرٌ لَّكُمْ" مع تقييدها بالعلم تشير إلى أنّ هذا الفعل هو الأفضل للإنسان حتّى لو كان يعتقد أن ثمّة شيئًا أفضل له ممّا يدعوه الله إليه.

 

عندما يُقال لك: "أيّها المسلم! انهض للجهاد في سبيل الله، وسارع إلى قتال العدوّ!"، فربّما يحسب بعض الناس أنّ البقاء والإخلاد إلى الراحة والدعة هو الأفضل والأجدى، ومعيار الحكم هو الاعتقاد بأنّ البقاء يعفي الإنسان من تبعات القتال ويأمن به الإنسان على نفسه من القتل، وإذا تخلّف يستطيع متابعة أعماله وزيادة ثروته، وربّما يحدّث الإنسان نفسه بأنّ المكث في الديار يعفيني من آلام فراق الأحبّة والأصدقاء، أو يقول إذا بقيتُ أستطيع خدمة الدين بطريقة أخرى كالصلاة الصوم وإيتاء الزكاة والسفر إلى الحج.

 

لعلّكم أيّها الناس تظنّون أنّ ترك الجهاد يفتح الباب في وجه الإنسان لما هو أفضل من هذه الأمور التي أشرنا إليها؛ ولكنّ الله تعالى يقول لكم: دعوا كل أوهامكم وحساباتكم وانطلقوا في سفر الجهاد فهو "خَيْرٌ لَّكُمْ"، فإذا لم تذهب إلى الجهاد، قد تبقى مئة سنة على قيد الحياة تعبد الله فيها ما

 

 

285

 


244

تفسير سورة براءة

شئت أو شاء الله لك أن تعيش؛ ولكن مع ذلك الجهاد خيرٌ من كل ما تظنّ أنّه خيرٌ؛ ولا تستطيعون تقويم الأمر بهذه الطريقة إلا إذا كنتم تعلمون.

 

لم يكن المسلمون في ذلك الزمان على دراية عميقة بالمسائل العلمية والتجارب البشريّة، ولعلّ الكثيرين منهم كان يعتقدون أنّ ترك الجهاد وصرف العمر في أمور أخرى خيرٌ من الجهاد؛ ولكن في المقابل كان كثيرٌ منهم أيضًا يتوافرون على اعتقاد راسخٍ يدعوهم إلى الإيمان بأنّ مغادرة الديار وفراق الأهل خيرٌ؛ لأنّ الله يقول لهم ذلك ويخبرهم بأنّ الموت في سبيل الله خيرٌ من الحياة بناءً على تشخيصاتهم الخاصّة.

 

وقد توصّل العلماء مع مرور الأيّام إلى علوم ومعارف لم تكن متوافرةً في تلك الأيّام، ومن هذه العلوم علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعيّ، واكتشفوا في هذه العلوم وغيرها أنّ الضامن الأساس لأيّ فكرٍ هو "الجهد المستمرّ"، وهو ما تشير إليه هذه الآية.

 

نعم إنّ الضامن الأساس لبقاء أيّ فكرة في المجتمع هو الجهاد بالمال والنفس، وهذا أمرٌ طبيعيّ لا ينبغي أن يُسأل عنه بـ"لماذا؟"، فإذا كنتَ صاحب فكرٍ، وكنتَ مستعدًّا للدفاع عن هذا الفكر بما أوتيت من مال ونفس، سوف يبقى هذا الفكر حتّى لو كان باطلًا.

 

إنّ الإسلام دين الحقّ والحقيقة، وقد بقي حتى اللحظة وسوف يبقى إلى الأبد بإذن الله، بفضل المجاهدات التي بذلها المجاهدون بدءًا من صدر الإسلام، وقد ضحّى المسلمون الأوائل، وكان أحدهم لا يرى لنفسه فضلًا ولا كرامةً يكتسبها بولده وأهله أو ماله، بل كان يرى أنّ فكره ومعتقده هو سرّ هويّته ومقوّم شخصيّته. ولهذا تقول الآية بتعبيرنا: "إذا أردتَ البقاء والخلود ونيل العظمة، عليك بعد الاعتقاد الراسخ، الاستعداد للتضحية بالمال والنفس في سبيل ما تؤمن به".

 

إذا أريد للفكر أن يبقى ويخلد، فلا بد من التضحية بهذا الجسد الفاني من أجله؛ وذلك لأنّك أيها الإنسان لستَ جسدًا، فما أنت سوى فكرك

 

 

286

 


245

تفسير سورة براءة

الذي تحمله، وإنّك تبقى وتخلد ببقائه وخلوده. وربّما لا يكون هذا المطلبُ واضحًا في عصرنا هذا؛ ولكن في عصر صدر الإسلام كانت هذه الحقيقة ساطعة كالشمس[1].

 

ثمّ إنّ الله لم يعبِّر عن قضية العلم وعدمه بـ"لو"، فلم يقل: "لو كنتُم تعلمون"؛ والفرق بين "إن" و"لو" أنّ الأخيرة في اللغة العربية هي حرف امتناع لامتناع، يفيد أنّ ما دخلت عليه ممتنعٌ. ولهذا اختار الله عزّ وجلّ الحرف "إِنْ" وهذا الحرف يشير إلى أنّهم سوف يعلمون ولو بعد حينٍ أنّ الخروج إلى الجهاد خيرٌ لهم؛ لأنّهم لم يخرجوا فسوف يخرج العدوّ إليهم ويغزو بلادهم، وعندها لا ينفع الندم ولن يجديهم قول يا ليتنا خرجنا لقتالهم ولم نسمح لهم بالغلبة والتفوّق علينا.

 

وحينها سوف يعلمون أنّ إيثار الراحة والدعة والتخاذل عن الجهاد، فتح عليهم أبواب الشرّ، وعندها سوف يعلمون أنّ الخروج خيرٌ لهم من التخاذل. وعلى أيّ حال يمكن اختصار الآية بهذه العبارة: إنّ الخروج خيرٌ لكم وإذا كنتم لا تدركون هذه الحقيقة الآن، فسوف تدركونها عن قريب.

 

بعض الآيات المتقدِّمة (الآيات 38-41) يمكن عدّها بمنزلة التمهيد لمجموعة الآيات التي سوف تتحدّث عن المنافقين، وطليعة الكلام على النفاق هو قوله تعالى: "لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا". وتتضمّن هذه الآية والآيات اللاحقة لها الحديث عن المنافقين، وتبيّن طبائعهم، وتشرح دورهم المخلّ في معركة تبوك، وتعلن إدانتهم بشدّة وعبارات حادّة.

 

عندما سمع المؤمنون الدعوة إلى الجهاد بدأوا بالاستعداد للخروج وتلبية النداء، ولكنّ المنافقين رأوا أنّ هذه المعركة من حيث وقتها وظروفها سوف تضرّ بمصالحهم الآنية وأرزاقهم، وسوف تفسد عليهم موسم التمر، والسفر إلى تبوك سوف يذيقهم حرّ الصحراء، فبدأوا باختلاق الأعذار وتثبيط عزائم الآخرين بدعوى أنّ هذه المعركة لا جدوى منها.


 


[1]  انظر: مجمع البيان، ج 5، ص 51.

 

287


246

تفسير سورة براءة

ظاهرة النفاق وأسبابها

ينبغي الالتفات إلى أنّ ظاهرة النفاق وحركة المنافقين يمكن أن تُتوقّع في مجتمع كمجتمع المدينة، وذلك بخلاف المجتمع المكيّ؛ لأنّ المجتمع الإسلامي لم يتشكّل في مكّة حتى تنبت على ضفافه مثل هذه الظواهر الضارّة. والنفاق هو "إظهار الشيء وإبطان ضدّه"، بأن يظهر الإنسان عمل المؤمنين ويبطن شيئًا آخر ويحمل عقيدةً لا تنسجم مع العمل الذي يؤدّيه.

 

وتتحقّق هذه الظاهرة، عادةً، عندما يشعر الإنسان بالاضطرار إلى إخفاء عقيدته وأهدافه، ولا حاجة إلى مثل هذا الإجراء إلا عندما تكون اليد العليا لمن يراه الإنسان عدوًّا.

 

في مكّة كانت الأكثريّة مخالفةً للإسلام، ولم يكن أحدٌ من المشركين يشعر بالحاجة إلى إخفاء عدائه للإسلام؛ بل كانوا يجهرون بالعداء ويعلنونه، ولم يكن للإسلام شوكة تُخشى. فقد كان الإسلام من الناحية الظاهريّة ضعيفًا، وكانت اليد العليا بحسب الظاهر أيضًا للأعداء الذين كانوا يضيّقون على المسلمين والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن حاصروا النبيّ وكل من يمتُّ له بصلة قرابة في المحلة المعروفة بشعب أبي طالب. وبناءً على هذا لم تكن الظروف تقتضي النفاق.

 

أمّا أوضاع المدينة فقد كانت غير ذلك، ففيها تشكّل المجتمع الإسلاميّ وقويت شوكة المسلمين، وصاروا مرهوبي الجانب، وكان هذا المجتمع محكومًا بدولةٍ لها قائدٌ ورأسٌ مدبّرٌ له الأمر والنهي، فاقتضت هذه الظروف حاجة أعداء الدين إلى إخفاء عدائهم وممارسة كيدهم ومؤامراتهم سرًّا، فبدأ النفاق.

 

تفيد كتب التاريخ، ويبدو أنّ هذه التقارير التاريخيّة صحيحةٌ، تفيد أنّ عبد الله بن أُبيّ بن سلول كان مرشّحًا لرئاسة الأوس والخزرج إبّان دخول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وكان هذا الرجل من وجهاء المدينة وأعيانها، فأدّى ورود النبيّ إلى المدينة إلى قطع الطريق على رئاسته، وطمست شخصيّةُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شخصيَّتَه ونحّته إلى الظلّ.

 

 

288


247

تفسير سورة براءة

لم يستطع عبد الله بن أبيّ بن سلول تحمّل انصراف الناس عنه وإقبالهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجمع عددًا من الناس حوله على مبدإ العداء للإسلام في الباطن والكيد له سرًّا. هذا ولم يكن هو وجماعته الفئة الوحيدة التي أسرّت العداء للإسلام. فقد كان في المدينة آخرون أعلنوا اعتناق الإسلام لسببٍ أو آخر وأضمروا حقدًا على الإسلام وكيدًا له. وهكذا بدأت ظاهرة النفاق تضرب جذورها في المجتمع الإسلاميّ وتنبت على ضفافه وحواشيه، هذا ولكنّ تفسير النفاق بهذه الطريقة سوف يحول بيننا وبين معرفة المنافقين والتمييز بينهم وبين المسلمين الصادقين في عصر صدر الإسلام.

 

معيار النفاق ومصاديقه

لا ينحصر النفاق في عددٍ محدّد من الأشخاص، فقد ذكر القرآن مجموعةً من الخصال والخصائص، من توافرت فيه كان منافقًا، حتّى لو كانت دوافعه مختلفةً عن دوافع عبد الله بن أبيّ.

 

ومن أهمّ خصائص المنافق إيمانه بالدين باللسان وعدم استقرار الإيمان في قلبه. ويُمكن اكتشاف هذه الخصوصية النفسية من أنّ مثل هذا الشخص يقبل من الإسلام ما ينفعه أو على الأقل ما لا يضرّه، أمّا ما يتعارض مع مصلحته ويضرّ بأوضاعه فهو يرفضه ويعارضه. وعلى حدّ تعبير الإمام الباقر عليه السلام: "يُقبِلون على الصلاة والصيام وما لا يكلمهم في نفسٍ ولا مالٍ، ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها"[1]. أولئك الذي يعتمدون القاعدة التي عبّر عنها الله تعالى بقوله: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾[2]، هؤلاء يقبلون من كتاب الله ما لا يضرّ مصالحهم، ولا يصدق وصف المؤمن عليهم.

 

والمسلم الذي يؤمن بالجهاد عادةً يكون مؤمنًا بالصلاة أيضًا؛ ولكنْ


 


[1] الكافي، ج 5، ص 55.

[2] سورة النساء: الآية 150.

 

289


248

تفسير سورة براءة

كثيرون من أولئك الذين يؤمنون بالصلاة ولا يؤمنون بالجهاد. وبناءً على هذا الكلام، ينبغي أن نوسّع دائرة النفاق؛ بحيث لا يدخل فيها عبد الله بن أبيّ وأمثاله فقط. فطلحة والزبير أيضًا حتّى لو كانا مؤمنين بحسب الظاهر، غير أنّهما خرجا على الإمام عليّ عليه السلام وأشعلا حرب الجمل.

 

وتتضمّن آية "لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ..". مطلبين، أوّلهما بيان الأسباب النفسية والروحية التي تحول بين بعض الناس والمشاركة في الجهاد، وتبيّن الحالات التي ربّما يقبلون على ترك الأوطان من أجلها. وهذه قضية مهمّة لنا. والمطلب الثاني هو عاقبة المتخلّفين عن اللحاق بركب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والذين لا يلبّون دعوته إلى الجهاد.

 

تقول الآية عن المطلب الأوّل: لو كان السفر عرضًا قريبًا أي شأنًا من شؤون الدنيا القريبة منهم بمعنى أنّ أيديهم تصل إليها ويثقون بأنّهم ينالونها، لسافروا وللبّوا داعي الرحيل والسفر؛ ولكن بشرط أنّ الإحساس بالأمان أيضًا وعدم وجود خطرٍ في هذا السفر. فلو قيل لهم: عندنا سفر إلى ثلاثة فراسخ نهدف فيه إلى مصادرة قافلة تجارية للمشركين، فإنّهم يسافرون ويتّبعونكم؛ لأنّ المبتغى هو المال، والسفر قريب ميسور.

 

وبالتالي فإنّهم يتخاذلون عن تلبية دعوة الجهاد لأنّهم لا يتوقّعون المنفعة المالية من هذا السفر، يُضاف إلى ذلك أنّ السفر بعيدٌ. فشرط استجابتهم لدعوة الجهاد هو توقّع الحصول على المال السهل بطريقة لا تستدعي مخاطرة السفر البعيد. أمّا عندما يُقال لهم هيّا إلى تبوك للقتال لتوفير العزّة والأمن لأمّتكم مدّة عشر سنوات مثلًا، فإنّهم يحجمون عن السفر. بلى، بعض الناس يفكّرون بهذه الطريقة.

 

"وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ": أي بعد عليهم السفر، فالشّقة هي السفر البعيد. والمسافة الفاصلة بين المدينة وتبوك بالنسبة لهم مسافةٌ بعيدة خاصّة بمقاييس ذلك الزمان؛ ولذلك لم يذهبوا. ولاحظوا لحن التأنيب والتوبيخ

 

 

290

 


249

تفسير سورة براءة

في الآية. فهي تقول لهم: "لو كان ثمّة مالٌ؛ لسافرتم". وبالتالي تنبئ الآية عن أنّهم لا يصحبون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا يرافقونه إلا من أجل مصالحهم الخاصّة.

 

سياسة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحروب

اعتمد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب سياسة تقضي بعدم التصريح بالمقصد عند إرادة الخروج إلى القتال، ولم يكن يعلم المقاتلون مقصدهم إلا بعد الوصول إلى مكانٍ محدّدٍ، وفي بعض الحالات لم يكن معلومًا لهم ماذا ينتظرهم من واجبات وتكاليف. وقد نقل عددٌ من مؤرِّخي أهل السنّة هذه الطريقة النبوية.

 

وفي هذه المعركة تُرِكت تلك السياسة، وأعلن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن المقصد والغاية من السفر الذي يدعو المسلمين إليه، وذلك بالنظر إلى خطورة السفر وبعد المسافة، ومن المعلوم، ويبدو أنّ التجربة البشرية المعاصرة تؤكّد أنّ المعرفة بحجم المهامّ الشاقّة والمعقّدة تساعد على تنفيذ خططها. ومن هنا نلاحظ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صرّح للمقاتلين بمقصده، وقال لهم إنّ الغاية من السفر هي مواجهة شرقيّ إمبراطوريّتهم في منطقة تبوك.

 

عموم مفاد الآية

من الأمور المقارنة والملازمة لتعاليم القرآن التربية الفكريّة، في سياق التعليم وبيان الأحكام أو الوقائع. وبهذا يجمع القرآن بين أمرين، تطوير المعرفة وتنمية الروح، وهذه هي طريقة القرآن التربويّة؛ حيث يعمل القرآن الكريم على بيان الحقائق بطريقة فريدةٍ تجعل النفوس مستعدّة لتحمّل المسؤوليّات الجسام وقبول الحقائق بقلب منشرحٍ. وهذا هو الأسلوب الأنسب في التربية والتعليم.

 

وينبغي الالتفات إلى أنّ هذه الآيات على الرغم من ورودها في ظروفٍ زمانية محدّدة، هي ظروف التهيئة لمعركة تبوك وتحريض المسلمين على السفر

 

291

 


250

تفسير سورة براءة

للجهاد في ذلك المكان. على الرغم من ذلك، لا ينبغي حصر الآية بتلك الواقعة؛ وذلك لأنّ ما فيها من مضامين وتعاليم نفسية وروحية يصلح لكلّ زمانٍ ولكلّ مكانٍ. ومن الصحيح مخاطبة المسلمين المعاصرين بلسان الآية وتأنيبهم على بعض التقصير بأن يُقال لهم: "لماذا تتخاذلون وتظهرون ثقل الهمّة عن الجهاد عندما تُدعون إليه".

 

تبرير المنافقين فرارهم من الجهاد

"وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ": تكمل الآية وتخبرنا أنّ المنافقين سيقسمون ويقولون: ما حال بيننا وبين الخروج معكم سوى العجز، ولو استطعنا الخروج لكنّا معكم. ومثل هذا القول سهلٌ لا مشقّة فيه، فعندما يذهب المسلمون إلى القتال ويعودون منتصرين من غير قتال؛ بسبب تجنّب الروم مواجتهم، سوف يأتي هؤلاء المنافقون المتخلّفون ويفتحون صدورهم لاستقبال المسلمين الظافرين، وسوف يختلقون الأعذار لتبرير غيابهم عن تلك المعركة الرابحة من دون تكلفة.

 

أيّها النبيّ! لا تظنّن أنّ المنافقين يتقنون الاستدلال العقليّ، لا؛ فهؤلاء عندهم حسابات شخصيّة، وسوف يسارعون إلى القسم بالله وبغيره من المقدّسات، إنّهم لو استطاعوا أن يكونوا معكم لفعلوا ورافقوكم. ولعلّهم صادقون هذه المرّة حيث إنّهم يتمنّون لو أنّهم شاركوا ونالوا شرف المشاركة ما دامت عواقبها وفق حساباتهم يسيرة.

 

تبيّن الآية بدقّة بالغة أحوال هذه الجماعة في جميع الظروف والأحوال. فهم ليسوا من أهل تحمّل المسؤوليّة، كما إنّهم لا يتحلّون بالشهامة الكافية التي تجعلهم يعترفون بأنّهم لم يؤدّوا واجبهم؛ بل يريدون المشاركة في شرف النصر بدعوى العجز وعدم الاعتراف بالتخلّف؛ ولكنّهم كاذبون. وهم يضمّون إلى جريمة التخلّف ومعصية ترك الجهاد معصية الكذب والنفاق.

 

 

292


251

تفسير سورة براءة

عاقبة ترك الجهاد

المطلب الثاني من المطلبين اللذين أشرنا إليهما أعلاه هو بيان الآية عاقبة ترك الجهاد. فالقرآن في هذه الآية يُسقط أمثال هؤلاء من عيون الناس ويتعامل معهم وكأنّهم أعدموا أنفسهم: ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾. فهم بقسمهم الكاذب، ونفاقهم المفضوح حكموا على أنفسهم بالهلاك ودمّروا شخصيّاتهم.

 

ويشتمل هذا التعبير على بعدٍ اجتماعيٍّ مهمٍّ. يعتقد بعض الناس أنّ سبب الهلاك هو الأيمان الكاذبة التي تصدر عنهم. نعم لا شكّ في أنّ اليمين الكاذبة سببٌ من أسباب الهلاك؛ ولكن ليس هذا ما ترمي إليه الآية. فلم تصدر عبارة "يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ" عن الله تعالى لتبيّن أنّ أيمانهم أهلكتهم؛ بل ترمي الآية إلى بيان أنّ ما أحوجهم إلى القسم الكاذب هو الذي أهلكهم، فقد أهلكهم تركهم الجهاد، وترك العمل بالواجب الذي نُدبوا إليه فلم يستجيبوا.

 

سعة معنى الهلاك

ليس "الهلاك" هو الموت وانفصال الروح عن الجسد، و"الابتلاء بالهلاك الأبديّ" ليس معناه الابتلاء بالموت الأبديّ. وفي كثيرٍ من النصوص القرآنية والروائية لم يُستعمل الهلاك في هذا المعنى وحده؛ بل إنّ الهلاك له معنًى عامٌّ وواسعٌ يدخل في دائرته السقوط المعنويّ وموت الفضيلة في الإنسان. وهذا المعنى أوسع وأدقّ؛ وذلك أنّ بعض الناس تراهم هالكين على الرغم من أنّهم على قيد الحياة، وعلى الرغم من أنّ الدماء ما زالت تجري في عروقهم، وأشقياء التاريخ هم هؤلاء، وأسرى الشقاء الماديّ هم من هذا القبيل.

 

وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾[1] لا يُقصد منه لا


 


[1] سورة البقرة: الآية 195.

 

293


252

تفسير سورة براءة

تجعلوا أنفسكم بين يدي الموت. ولو كان المراد هذا المعنى يكون عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام قد عمل على خلاف هذه الآية حيث إنّه وضع نفسه في فم الموت مرّاتٍ ومرّات. في إحدى المعارك مع الروم يُروى أنّ شابًّا من شباب المسلمين أخذته الحماسة فتجرّد من بعض ملابسه وهجم على الأعداء، فصرخ بعض المسلمين وقالوا: "يلقي نفسه إلى التهلكة"[1]. ويُروى أنّ أبا أيّوب الأنصاريّ كان حاضرًا فعندما التفت إلى خطإ هؤلاء في فهم الآية، بيّن لهم خطأهم وأنبأهم أنّها نزلت في الأنصار عندما أعزّ الله الإسلام وكثُر ناصروه بدأ يسرّ بعضهم لبعض ويقول لو أقمنا في أموالنا نصلح ما ضاع منها، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وترك الجهاد.

 

وعلى أيّ حال، إنّ غرضنا هو بيان أنّ الهلاك في القرآن الكريم لا يعني الموت وخروج الروح من الجسد فقط؛ بل يعني أيضًا الموت المعنويّ، فهذا هلاك أيضًا. والسقوط الأخلاقيّ والاجتماعي وخسارة الكرامة وماء الوجه هلاك كذلك، كما إنّ الانحراف عن جادة التكامل هلاك، والفقر الماديّ هلاكٌ، والرضا بالظلم سقوط للمجتمع وهلاكٌ.

 

ويخبرنا القرآن أنّ ترك الجهاد لا يفضي إلى الهلاك الفرديّ فقط؛ بل يفضي إلى الهلاك الجماعيّ. فإحدى رسائل هذه الآية هي أنّ أيّ جماعة تتخلّى عن مسؤوليّاتها كالمنافقين تكون قد أسلمت نفسها للهلاك. بلى، هذه هي بعض مرارات ترك الجهاد وبعض عواقبه السيّئة.

 

"وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ": تختم هذه الآية ببيان أنّ الله مطّلعٌ على سرائر المنافقين يعلم كذبهم، ويعلم طبائعهم والدوافع التي جعلتهم يتركون الجهاد.

 

 


[1] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 72.

 

294


253

تفسير سورة براءة

عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿43﴾ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿44﴾ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿45﴾

 

295


254

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

وهذه المجموعة من الآيات كسابقتها تأتي في سياق التعبئة وحضّ المسلمين على الجهاد وبثّ العزيمة في نفوسهم.

 

ضرورة الاقتران بين التعليم والتربية

كرّرنا أكثر من مرّة أنّ أسلوب القرآن الكريم يقتضي الجمع بين التعليم والتربية عندما يتحدّث عن موضوعٍ مّا. وبهذه الطريقة يتحقّق أمران في وقتٍ واحدٍ، من الناحية الذهنية تحصل الإحاطة الذهنية عند المخاطب بالموضوع من أبعاده المتنوّعة المقصودة بالبيان، ومن الناحية النفسية والروحيّة تتحقّق الآثار المطلوبة على هذا الصعيد، ولا يكتفي القرآن بصرف التعليم وبيان الحقائق، بل يجمع بين التعليم الذهني والتربية الروحية والنفسية.

 

هذه هي الطريقة المعتمدة في التعليم والتربية في آيات القرآن. وفي أكثر هذه الآيات الأمر الأكثر حظوةً بالاهتمام هو تعليم المؤمنين فكرة الجهاد وأحكامه، وفي الوقت عينه إعدادهم روحيًّا ونفسيًّا للإقبال عليه، وذلك لأنّ بيان الحكم وتعليم المخاطبين المفهوم لا يجدي ما لم يقترن بالتربية الروحية عليه، ولا ينفع التعليم خاصّة في مثل هذه الأمور إلا إذا اقترن بالتربية.

 

طوال تاريخ البشريّة، وأقرب وأوضح طوال تاريخ الإسلام والمسلمين، رأينا كثيرًا من الناس من أهل العلم والمعرفة؛ ولكنّهم لم يستفيدوا من علمهم ولا من معرفتهم لعدم تحلّيهم بالتربية الروحية بالمقدار الكافي؛

 

297

 


255

تفسير سورة براءة

بل لعلّه يصدق عليهم قول الشاعر الإيراني حيث يقول: "إنّ السارق الذي يحمل ضوءًا أشدّ خطرًا على الأموال وأكثر ضررًا". وقد وجدنا أنّ بعض هؤلاء العالمين أساؤوا استغلال علمهم واستغلّوا الناس والمجتمع وسخّروا كلّ شيءٍ من أجل أهدافهم غير النبيلة. لهذا نرى الإسلام يصرّ دائمًا على الجمع بين التعليم والتربية.

 

احتمالان في تفسير "عَفَا اللهُ عَنكَ"

"عَفَا اللهُ عَنكَ": يعلن الله في هذه الآية أنّه عفا عن نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه أذِن لمجموعة من الناس بالبقاء في المدينة وسمح لهم بعدم الخروج إلى القتال. وهذا هو الاحتمال الأوّل في تفسير الآية، وهو تثبيتٌ وتقرير لإذن النبيّصلى الله عليه وآله وسلم، ويُفهم من الآية أنّ جماعة من الناس استأذنوا بالبقاء في المدينة وعدم الخروج إلى الجهاد فأُذن لهم في ذلك، وكان هذا الاستئذان والموافقة وإعطاء الإذن وسيلةً من وسائل التميّز بين المنافقين والمؤمنين.

 

ولا مشكلة في هذا المعنى، وليس بعيدًا عن ظاهر الآية أيضًا. و"لِمَ" قبل الفعل "أذنتَ" لا يُقصد بها الاستفهام؛ بل فيها إشارة إلى استفهام مقدّرٌ في حال عدم العفو. وهذه الجملة في الآية تشبه قولنا: "لن أؤاخذك، لماذا ذهبت إلى المكان الفلانيّ"، فكلمة لماذا في هذه الجملة لا يُقصد بها السؤال، وإنّما ينبغي حملها على السؤال على تقدير المؤاخذة، فلو أنّه آخذه لصحّ أن يسأله: لماذا ذهبت؟ وبناءً على هذا الاحتمال يكون المقصود من الآية تقرير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على إذنه لهم، بالنظر إلى ما ترتّب على هذا الإذن من انكشاف حالهم، وتمييز الصادقين من غيرهم.

 

والاحتمال الثاني أن تكون جملة "عَفَا اللهُ عَنكَ" للدعاء، وليس للإخبار عن عفو الله تعالى عن رسوله. وهذا شبيهٌ بدعائنا لشخصٍ بأن نقول له: "غفر الله لك".

 

وعلى هذا الاحتمال تتضمّن الآية معنى التشويق والتشجيع للنبيّ وفيها

 

298

 


256

تفسير سورة براءة

الشيء الكثير من إظهار المحبّة له صلى الله عليه وآله وسلم كما لو قال أحد الأشخاص لمن هو أدنى مرتبةً "غفر الله لك، على ما قلت من الكلام الذي أدّى إلى انكشاف أمر فلانٍ وانفضاحه حتى لا يتورّط الناس في شرّه"، وهذا لا يعني أنّ هذا القائل يكره انكشاف أمر من انكشف أمره؛ بل مثل هذه العبارة تفيد التشجيع والاستحسان.

 

وبناءً على ما تقدّم يكون الإذن الصادر من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ" مطلوبًا من قبل الله ومقبولًا؛ لأنّه أدّى إلى انكشاف الكاذبين والمنافقين: "حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ"، وقوله تعالى: "عَفَا اللهُ عَنكَ" تلطّفٌ من الله وتعبير عن الرضا بصورةٍ غير مباشرةٍ، وكأنّه عزّ وجلّ يقول له: "بارك الله فيك! على ما أعطيت من الإذن لهؤلاء بالبقاء في المدينة، وتخلّفهم عن الجهاد".

 

أجواء نزول الآية

كما تقدّم وسوف يأتي بصراحةٍ في الآيات اللاحقة، تتحدّث هذه الآية عن مجموعة من الأشخاص يدّعون الإيمان بالإسلام، ولكنّهم أتوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان بصدد الاستعداد للخروج إلى تبوك، وطلبوا منه الإذن بالبقاء في المدينة وعدم الخروج معه ومع سائر المسلمين إلى الحرب.

 

والاستئذان في هذه الأوضاع، وهي أوضاع الحاجة إلى أيّ مقاتلٍ ينضمّ إلى عسكر المسلمين، أشبه باستئذان رجلٍ يملك الكثير من الطعام، ويحضره شخصٌ جائع أحوج ما يكون إلى الطعام، فيأتي صاحب الطعام إلى الجائع، وهو يخشى من اتّهامه بالبخل وعدم إطعام الجائعين، فيستأذن الجائع ويقول له: "أتسمح لي برمي هذا الطعام؟!" إنّ هذا الاستئذان أقرب إلى السخرية منه إلى الأدب والاستئذان.

 

والفارق بين هذا المثال ومورد الآية، أنّ الإذن في المثال يضرّ بمصلحة الآذن، أمّا الآية الشريفة فإنّ هؤلاء أتوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائد هذه الثورة ومفجّر

 

 

299


257

تفسير سورة براءة

هذا التحوّل العظيم، ليطلبوا منه الإذن بعدم المشاركة في استمرار مشروعه، والحال أنّ الله أعطاهم القوّة والذراع والعضد ليستعملوها في ما ينفعهم في الدنيا والآخرة. وتفيد الآية أنّ من أتى يستأذن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رياءً ونفاقًا، أراد أن يحفظ صورته عنده وأن لا يخسر ثقة النبيّ فيه.

 

منافع تخلّف المنافقين

المنفعة الأولى المترتّبة على إذن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للمنافقين بعدم اللحاق بالركب، هي أنّهم استفادوا من هذا الإذن وبقوا في بيوتهم بكلّ وقاحةٍ، وبذلك تسنّى للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولسائر الناس معرفتهم وتمييزهم، ولو أنّه لم يأذن لهم لاضطرّوا إلى المشاركة في المعركة والسير في ركابه، ففي ذلك الزمان لم يكن الأمر على هذا النحو بحيث يمكن لهم أن يبقوا أحلاس بيوتهم والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهم يجب عليكم الخروج معنا؛ فأحكام الإسلام كانت ملزمة في ذلك العصر، فلم يكن عصرهم كعصرنا بحيث يدعو الإسلام إلى إيتاء الزكاة ومن شاء يؤدّي ما عليه ومن شاء يمتنع!

 

قوانين الإسلام وتعاليمه كانت ذات طابعٍ اجتماعيٍّ، والدولة في ذلك الوقت كانت محكومة بهذا المنهج الفكريّ، وذلك المجتمع كان يسير وفق الإيديولوجيا الإسلاميّة، ورأس تلك الدولة وذلك المجتمع هو مؤسّس هذا الفكر وداعيتُه، والمشرف على تطبيقه وتجسيده في الاجتماع الإنسانيّ. فعندما كان يأمر كان على الناس الاستجابة وتلبية الدعوة، ومن لا يلتحق بالركب يُعدّ من المتخلِّفين عن الجهاد، والتخلّف عن الجهاد جريمة لها عقابها المعروف. وعليه، لو أنّ جميع الناس خرجوا ولبَّوا دعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لما عُرِف المنافقون ولما امتازوا عن سائر الناس، ولما انكشفت وجوههم من وراء الأقنعة التي كانوا يغطّونها بها.

 

المنفعة الثانية التي ترتّبت على الإذن النبويّ، هي أنّ المنافقين ضعاف النفوس، وبالتالي سوف يؤدّي وجودهم بين سائر المقاتلين إلى سراية ضعفهم

 

300

 


258

تفسير سورة براءة

وانتقاله إلى سائر العسكر، فيحول ذلك دون ثباتهم في المعركة وإصرارهم عل النصر أو الشهادة، وسوف يبتلى الجميع بالتردّد والاضطراب. ومثل هذه الحالة حصلت أكثر من مرّة في تاريخ الإسلام المبكِّر، ففي أُحد ضعُفت نفوس بعض المقاتلين ففرّوا من ساحة المعركة أو فكّروا في الفرار منها، ويوم حُنين أيضًا ضعف بعض الناس وخرّبوا الأوضاع بضعفهم هذا، ولولا رشد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وثبات أمير المؤمنين عليه السلام وعددٍ آخر من الصحابة لتعرّضت مسيرة الإسلام لانتكاسة بالحدّ الأدنى.

 

وخلاصة الكلام، إنّ قوله تعالى: "عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ" فيه إشارة إلى الموافقة الإلهيّة على هذا التدبير النبويّ.

 

نقد فهم بعض المفسِّرين للآية

يتبيّن ممّا تقدّم أن موقف بعض المفسِّرين من فهم الآية بعيدٌ بعض الشيء عن الموضوعيّة. وذلك أنّ بعضهم كأنّه غفل عن قراءة الآية والتدقيق في معناها، فقال في تفسيرها إنّ الإذن النبويّ لم يؤدِّ إلى انكشاف المنافقين وامتيازهم عن سائر الناس، وبالتالي كان من الأجدى عدم الإذن لهم. ونحن نرى أنّ هذا الفهم لا ينسجم مع دلالة الآية ومؤدّاها الظاهر.

 

وما قدّمناه من توضيح يكشف عن أنّ التفسير الصحيح للآية هو كشفها عن الرضا الإلهيّ عن الإذن النبويّ؛ لأنّ هذا الإذن هو الذي كشف وجوه المنافقين الحقيقيّة وميّز بينهم وبين المؤمنين.

 

وقد توقّف عددٌ من المفسِّرين من المتقدّمين والمتأخِّرين مثل: الفخر الرازي، والزمخشري، وصولًا إلى رشيد رضا[1] عند هذه القضية وتساءلوا: هل ارتكب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذنبًا أو أخطأ حتّى يعفوَ الله عنه؟ وقد رأى بعضهم أن لا مانع من وقوع النبيّ في الخطإ أو المعصية! بينما رأى آخرون أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أقدم على ترك الأولى! وذهب بعضٌ إلى أنّ قوله تعالى: "عَفَا اللهُ عَنكَ


 


[1] التفسير الكبير، ج 16، ص 73؛ الكشّاف، ج 2، ص 192؛ المنار، ج 10، ص 402.

 

301


259

تفسير سورة براءة

لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ"، محمول على المزاح، ولا يُستفاد منه الجدّ! إلى غير ذلك من الأوهام والأقوال غير الصحيحة.

 

وفي الردّ على هذه الأفكار ينبغي قول الآتي:

أوّلًا: لا ينبغي إدخال النظريّات الكلامية والآراء الاعتقادية في تفسير الآية. وفي هذا العمل مجانبةٌ للطف في التعاطي مع القرآن؛ وذلك أنّ الصحيح هو النظر إلى الآية نفسها، واكتشاف نقطة الارتكاز الأساس فيها، أمّا الدخول في البحث الكلاميّ بأدنى مناسبةٍ فهو خلطٌ منهجيٌّ غير صحيحٍ. والخوض في تفاصيل الأبحاث الكلامية لا ينسجم مع وظيفة المفسِّر ودوره. والبحث في عصمة الأنبياء وإمكان وقوع النبيّ في المعصية أو عدم إمكانه بحثٌ كلاميٌّ محلّه علم الكلام، وقد بيّن الأشاعرة موقفهم من هذه القضية الكلامية في كتبهم التخصّصية.

 

ثانيًا: إن إنطاق القرآن بالآراء الشخصية المستندة إلى الخلفية المذهبيّة أو غيرها جريمةٌ كبيرةٌ في حقّ القرآن، وقد أقدم عددٌ من المفسِّرين على ارتكابها.

 

الاستئذان في ترك الجهاد من علامات عدم الإيمان

في الآية نقطة مهمّة تتولّى الآية اللاحقة تفصيلها، وهذه النقطة مفادها أنّ الاستئذان في ترك الجهاد، حيث يكون التكليف عامًّا وشاملًا لجميع الناس، دليلٌ على عدم الإيمان. والإذن الذي صدر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أدّى إلى ظهور عدم إيمانهم وانكشافهم؛ وذلك لأنّ الأمّة عندما تُعلَم بأنّها مسؤولة عن حمل الأمانة، ولا تستطيع ذلك إلّا بتصدّي عددٍ من المسلمين للجهاد بأنفسهم وأموالهم، وأن يضحّوا بما يملكون ليوصلوا هذه الأمانة إلى الأجيال الآتية، فعلى الجميع في هذه الحالة التشمير عن السواعد وحمل الأعباء المطلوبة كلٌّ بحسب قدرته، مهما كانت المخاطر والتبِعات، وهذا أمرٌ كان يدركه المسلمون بعقولهم، وأكّده لهم القرآن الكريم وكلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعليماته الصادرة لهم.

 

302

 


260

تفسير سورة براءة

في مثل هذه الظروف يكشف طلب الإذن بالإعفاء من تحمّل هذه المسؤولية العظيمة، عن أنّ المستأذن ليس من أهل العمل وليس من المؤهّلين لحمل الأمانات والأعباء الثقيلة. ومن هنا، تكشف الآية اللاحقة عن هذه السمة من سماتهم، وتؤكّد أنّ من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يطلب الإذن ولا يسعى إلى التخفّف من الأعباء: "لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ".

 

التلازم الحتميّ بين الجهاد والإيمان

يُستفاد من الكلام العامّ المتقدّم مطلبٌ فرعيٌّ حاصله أنّ بين الإيمان والجهاد تلازمًا حتميًّا؛ أي إنّ المؤمن الحقيقيّ الواقعيّ يسير في صراط الجهاد عندما يعلم بأنّ ذلك هو المطلوب منه، أمّا من يعلّق مشاركته في أداء هذا الواجب على عدم إعفاء النبيّ له، فهو ليس من أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، وبذا يُعلم أنّ طلب الإذن بعدم المشاركة في الجهاد كاشفٌ عن عدم الإيمان، أو على الأقلّ عن عدم عمق الإيمان؛ ولهذا تتابع الآية وتبيّن علم الله بالمؤمنين وغير المؤمنين: "وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ".

 

"إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ": تخاطب هذه الآية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتقول له: لا يخدعنّك هؤلاء الذين يُظهرون الإيمان، فبعضهم متورّطون في عالم شكّهم وريبهم، فهؤلاء ليسوا في مركز الإيمان، بل هم غارقون في التردّد والشكّ، يراوحون على الدوام بين هذا الموقع وذاك ولا يستقرّون على حال؛ ومن الدلائل الكاشفة عن حالهم هذه مجيئهم إليك وطلبهم إعفاءهم من الجهاد؛ ولو كانوا صادقي الاعتقاد لما تردّدوا في الطاعة بعد صدور الأمر منك.

 

303

 


261

تفسير سورة براءة

وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللهُ

انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ

 

305


262

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

تأتي هذه الآية بعد عدد من الآيات وتسبق عددًا آخر من الآيات التي تتحدّث عن المنافقين وأوضاعهم. وعلى الرغم من شيء من الاختلاف في بعض المضامين بين هذه الآيات إلا أنّ الفضاء العام للسورة واحدٌ.

 

وهذه الآية مليئة بالمطالب المهمّة واللافتة، وتحتوي على عددٍ من الإشارات المربِّية والمعلِّمة، فهي تقول: إنّ هؤلاء الذين يأتون إليك لاستئذانك، يحاولون في الحقيقة تغطية ضعف نفوسهم بالرياء والتظاهر بالأدب. وفي الحقيقة هم ليسوا من أهل الجهاد ولا من المستعدّين له. والدليل على هذا التقويم لهم أنّ من يريد الخروج ومن هو عازمٌ عليه، لا بدّ له من إعداد العدّة وتهيئة المقدّمات، وهم لم يفعلوا شيئًا من هذا، وبالتالي لا معنى لاسئتذانهم منك، وهم من أوّل الأمر مائلون إلى البقاء والتخلّف عن ركبك.

 

"وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً": من يعزم على الخروج مع المسلمين إلى الجهاد لا بدّ له من تمهيد المقدّمات المطلوبة لهذا السفر. "العُدّة" هي وسائل السفر وأدوات القتال. وكأنّ في هذه الآية إشارة إلى آية أخرى يقول فيها جلّ وعلا: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾[1] وهذه الآية من سورة الأنفال، والآية محلّ البحث من سورة التوبة، تفيدان وجوب الاستعداد الدائم وتمهيد مقدّمات الدفاع كي يخاف العدوّ من الهجوم، وإذا هجم كي يمكن ردّه عن ثغور المسلمين وبلادهم.

 

"وَلَـكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ": نعم إن الله لا يحبّ حركة هؤلاء


 


[1] سورة الأنفال: الآية 60.

 

307


263

تفسير سورة براءة

وانبعاثهم والتحاقهم بسائر المسلمين. والانبعاث المطاوعة من البعث، وهو إثارة الشيء وإرساله في حاجةٍ، وليس كلّ إرسال بعثًا؛ بل البعث هو خصوص الإرسال في أمرٍ مهمّ مقترن بالسرعة، ومن ذلك بعث الأنبياء، وبعث الأموات يوم القيامة. والانبعاث هو التحرّك والاستجابة لفعل البعث، وعلى حدّ تعبير بعض المفسِّرين هو "الانطلاق بسرعةٍ"، كما تنطلق الرصاصة من البندقيّة. فالآية تقول إنّ الله كره استجابتهم لبعثه وانبعاثهم، فصرفهم عن الاستجابة.

 

"التثبيط" هو الإعاقة والترديد وجعل الإنسان معرِضًا فاقدًا للميل إلى عملٍ.

"وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ": وقد عبّر الله عن تثبيطه إيّاهم بأن خاطبهم بالبقاء مع القاعدين ليكونوا مثلهم، والمراد من القاعدين أولئك العاجزين عن الجهاد أو المعفوّين من وجوبه عليهم، كالأطفال والعجزة والمرضى والنساء.

 

وتخطر في البال عند قراءة هذه الآية أسئلة عدّة:

أوّلها: لماذا يكره الله استجابة بعض الناس للدعوة إلى الجهاد؟

ثانيها: كيف ينسب الله إلى نفسه تثبيطهم عن الجهاد، وكيف يحول بينهم وبين الحركة نحو ساحة القتال بعد أن دعاهم النبيّ إلى الخروج؟

 

ثالثها: من هو الذي يُنسب إليه فعل القول في عبارة: "وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ"؟ فهل القائل هو الله تعالى؟ أم هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أم هو نفوسهم التي سوّلت لهم البقاء ودعتهم إليه؟

 

سبب كراهة الله خروج المنافقين

في الجواب عن السؤال الأول حول سبب كراهة الله مشاركة المنافقين في الجهاد إلى جانب سائر المؤمنين، ثمة احتمالات عدّة أقربها إلى ظاهر الآية هو أنّ خروجهم مع المؤمنين إلى القتال كانت ستترتّب عليه آثار سلبيّة، بسبب إثارتهم التردّد والقلق بين صفوف العسكر، ولأنّه من المتوقّع من المنافقين

 

308

 


264

تفسير سورة براءة

ترك الساحة عند احتدام المعركة، وبالتالي تركهم مواقعهم خاليةً. وهذا الاحتمال ينسجم أكثر من بقية الاحتمالات مع مفاد الآية اللاحقة. وعليه كره الله خروجهم لأنّه لن تترتّب عليه آثار إيجابية أو منفعة للمسلمين.

 

وثمّة احتمالٌ آخر يخطر في الذهن، وأعترف بأنّه ذوقيٌّ ولعلّه غير مقصودٍ من الآية، وهذا الاحتمال هو أنّ الله كره انبعاثهم، أي لم يرد لأمثال هؤلاء من غير المؤهّلين ولا الجامعين لشروط الجهاد في سبيل، لم يرد لهم أن يحظوا بشرف حمل هذه الرسالة العظيمة. فهؤلاء بعد تمنّعهم عن طاعة الله، وإثر طاعتهم للنفس المتمرّدة، تراجعوا عن مرتبة الكمال الإنسانيّ التي يريدها الله تعالى. ومن لم يصل إلى مرحلة الكمال لا ينبغي له شرف حمل الأمانة.

 

السنوات الثلاث والعشرون من نبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت نقطة تحوّلٍ في مسار البشريّة وانعطافة مهمّة لقافلة الإنسانيّة، ولو أنّ المسلمين ناموا عن واجباتهم، ولو أنّ الغفلة أصابتهم واستولت عليهم؛ لكان مصير البشريّة تبدّل وآل إلى غير ما آل إليه. ولو أنّ هذه الرسالة الخطيرة لم توضع على عاتق شخصٍ كالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركه في حملها مجموعة من الرجال العظام كأصحابه الذين كانوا يحيطون به، لما كانت الإنسانية وصلت إلى هذه الحالة التي نعرفها، ولكانت سفينة البشريّة رست في موضع آخر غير الذي ترسو فيه الآن. وفي هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الإنسانيّة يريد الله تعالى لخير أهل الأرض ولأشرف الناس أن يحملوا لواء الشرف هذا، ومن هنا فإنّ ضعاف النفوس ليسوا أهلًا لهذا الشرف، ولا يريد الله لهم الحظوة بتلك الجائزة.

 

نسبة أعمال الإنسان إلى الله

السؤال الثاني الذي تثيره الآية هو كيف تصحّ نسبة أفعال الإنسان إلى الله، فهؤلاء بحسب الآية كره الله خروجهم فأعاقهم عن الخروج وثبّطهم؛ ولأجل ذلك لم يخرجوا مع سائر المسلمين؟ فهل الله الذي أمر بالقتال والجهاد وجعله تكليفًا على عاتق آحاد الأمّة، هو نفسه اختار جماعةً من الناس فحال

 

 

309


265

تفسير سورة براءة

بينهم وبين المشاركة في أداء هذا التكليف؟ أليس هذا هو الجبر؟

 

وقد عمد المفسِّرون الذين يهتمّون بذكر الآراء والنظريّات الكلاميّة في تفاسيرهم، عمدوا إلى نقل كلام المجبِّرة وآراء المعارضين لهم وأوردوها في التفسير. ولحلّ هذه الإشكالية ينبغي البحث أوّلًا في كيفية نسبة الأفعال الاختياريّة للإنسان، أو غيرها من الظواهر التي تحصل في الكون إلى الله تعالى، وبعد ذلك نبحث في كيفية نشوء الانصراف عن القتال والجهاد عند الإنسان، وكيف تنمو في فكره الرغبة في ترك أداء واجب الجهاد.

 

إذا قُلتم إنّ الله هو الذي يُسقط أيّ ورقةٍ من أيّ شجرة، فهذا الكلام صحيح، على الرغم من أنّ كثيرًا من الأوراق تسقط نتيجة أسباب وعوامل عدّة. فالورقة تتّصل بالجذع عبر الغصن، وبواسطة الغصن تصل إليها الموادّ الغذائية التي تحافظ على نضرتها. فعندما تطرأ أسباب تؤدّي إلى انقطاع الصلة بين الشجرة وغصنها، لن يعود ممكنًا للغصن متابعة حياته النباتيّة فتجفّ الأوراق التي عليه وتسقط على الأرض. وهذه علّة ماديّة طبيعيّة شاهدها أكثر الناس أو جرّبوها أو قرأوا عنها على الأقلّ، وهي معلومة معروفة للناس كافّةً.

 

ونحن جميعًا نعلم أنّ الله خلقنا، ولكنّنا نعلم أيضًا أنّ وجودنا متوقّفٌ ومرتبطٌ بعدد من العلل الماديّة والعوامل الطبيعيّة. فأول العلل الطبيعية هو التلقيح الذي يحصل بين الحيوانات المنويّة الصغيرة التي تدخل إلى البويضة وتستقرّ في رحم المرأة، وبعد ذلك تحتاج لتنمو وتتطوّر إلى التغذية، حتى تتحوّل تلك الذرّات الصغيرة إلى إنسان.

 

مثالٌ آخر هو اشتعال الكبريت الذي يتوقّف على قابلية الكبريت نفسه للاشتعال والاحتراق، والاحتكاك بينه وبين سطح خشنٍ نسبيًّا، واليد التي تنجز عملية الاحتكاك هذه، وعلى الرغم من هذه العوامل كلّها يمكن القول إن الله هو الذي يفعل ذلك.

 

 

310

 


266

تفسير سورة براءة

على الرغم من أنّ علل الظواهر الطبيعيّة واضحةٌ وكثيرٌ منها معلومٌ، فإنّنا نقدر أن ننسب أيّ ظاهرة في آفاق الطبيعة سواء وجِدت بواسطة الإنسان أو بواسطة غيره، فإنّنا نقدر على نسبة هذه الظواهر إلى الله تعالى؛ والسؤال هو: لماذا؟ والجواب هو: لأنّ الله ليس في عرض هذه العلل والأسباب، وإنّما هو في طولها. فالله تعالى هو علّة العلل وهو الذي هيّأ مقتضيات التأثير بين الظواهر، وكلّ ما يوجد يوجد بعلمه وإرادته. وبناءً على ذلك، فإنّ انتساب الظواهر الطبيعيّة والأفعال غير الاختياريّة للإنسان، إلى الله تعالى صحيحٌ ولا إشكال فيه.

 

أمّا بالنسبة إلى الأفعال التي تدخل في دائرة الإرادة الإنسانيّة وتصدر عن الإنسان بإرادته واختياره، فإنّ الأمر يحتاج إلى شيء من التوضيح على الأقلّ عند بعض الناس؛ وذلك لأنّه بناءً على هذا المبدإ يمكن نسبة جميع الأفعال الإنسانيّة إلى الله، حتى لو كانت أفعالًا من قبيل قتل الأنبياء، وهذا لا يتنافى مع صدور العمل وفق إرادة الإنسان واختياره، وذلك لأنّ الإرادة التي تستند إليها، والقدرة على أخذ القرار التي أعطاك إياها الله، يمكنك أن تستفيد منها ويمكنك أن لا تستخدمها في هذا الفعل أو ذاك، وهذا معنى كون الإنسان مكلفًا ومختارًا، أمّا الحيوانات فلا تقدر على استخدام إرادتها بالطريقة نفسها، ومن الواضح أنّ الأشياء لا تقدر على اتّخاذ القرار ولا إرادة لها إلى الفعل أو الترك؛ فالإرادة والاختيار من خصائص الإنسان. ولعلّ الموجودات العلويّة أيضًا تشترك مع الإنسان في هذه الخصوصية.

 

إذًا؛ العمل الذي يتحقّق في الخارج بواسطة شخصٍ يمكن نسبته في وقتٍ واحدٍ إلى الله تعالى وإلى الفاعل أيضًا؛ وذلك لأنّه لو توافرت الأسباب والدواعي ولم يتّخذ الفاعل قرار الفعل ولم يرده، فإنّ الفعل لا يحصل ولا يتحقّق، فإرادة الإنسان إذًا مؤثِّرةٌ ولها دورٌ في حصول الفعل؛ ومن هنا يُنسب الفعل إليه. والله تعالى هو الذي خلق الإنسان وخلق له القدرة على الإرادة واتّخاذ القرار، ومن هذه الجهة يُنسب الفعل إليه تعالى،

 

 

311

 


267

تفسير سورة براءة

ولأنّه هو الذي جعله قادرًا على الفعل وهيّأ له مقدّمات التنفيذ؛ ولكنّ الله لا يجبر الإنسان على اتّخاذ القرار بالفعل أو الترك.

 

وانطلاقًا ممّا تقدّم يمكن نسبة الفعل الاختياريّ الصادر عن الإنسان بإرادته واختياره إلى الإنسان الفاعل، ويصحّ أن يُقال هو الذي فعل كذا. ويمكن نسبته إلى الله تعالى بالقول إنّه عزّ وجلّ هو الذي أوجد الشيء أو الفعل الفلانيّ؛ وذلك من جهة أنّه هو الذي خلق الفاعل وأقدره على الفعل.

 

وبالنظر إلى التوضيح المتقدِّم يكون معنى "فثبّطهم" أنّ الله حال بينهم وبين الخروج وأعاقهم عنه؛ أي إنّ الله أوجد ظروفًا معيّنةً، أدّت إلى أن يشعر الإنسان الماديّ والمتعلّق بالدنيا، بمزيد من الحبّ للبقاء، وميل إلى الفرار من الحرب والقتال في سبيل الله. وحيث إنّ الله هو الذي يوجد محبّة الولد في قلب الإنسان، وحيث إنّ كل ما بين يدي الإنسان من إمكانات هي من الله، وهو الذي أقدر الإنسان على الإرادة والاختيار وأخذ القرار بالذهاب أو البقاء، لأجل ذلك كلّه يمكن نسبة الميل إلى البقاء وترجيحه على السفر مع المسلمين إلى تبوك إليه تعالى.

 

والآن، تصوّروا حال رجلين، أحدهما عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وأبو ذر الغفاري الذين كان لهم دورٌ بشكلٍ أو بآخر في معركة تبوك. عبد الله بن أبيّ هو واحدٌ من أولئك الذين رجّحوا البقاء على الخروج، وهو واحدٌ من الذين يقول عنهم الله تعالى: "فَثَبَّطَهُمْ"، بلى إنّ الله لم يكتب له الخروج، وبالنسبة إلى أبي ذرٍّ يمكن القول إنّه انبعث بإرادة الله؛ أي رجّح السفر مع المسلمين على البقاء مع القاعدين.

 

والآن لننظر في هذين المثالين: لنعرف ما هي علّة ذهاب أحدهم، وما سبب تخلّف الآخر؟ الظروف العامّة مشتركةٌ بينهما، عبد الله كان له أولاد وأبو ذر كان له أولاد أيضًا. عبد الله بن أبيّ كان طالب رئاسةٍ وأبو ذرٍّ أيضًا كان يطلب الرئاسة، وهذه غريزة طبيعيّة في الإنسان تدفع الإنسان ليكون متقدّمًا لا متأخّرًا. وحبّ الرئاسة في حدّ نفسه ليس خصلةً سيّئةً،

 

 

312

 


268

تفسير سورة براءة

وهو سببٌ من أسباب تكامل الإنسان، وتبدأ المشكلة عندما تتجاوز هذه الخصلة الحدّ المعقول والمنطقيّ، فتتحوّل إلى رذيلةٍ. وكلا المثالين يحبّ الراحة ويميل إليها أكثر من التعب، وكلاهما يحبّ الحياة ويكره التورّط في الآلام والمتاعب، وكلاهما يحبّ أن يبقى إلى جانب زوجته وأطفاله.

 

ومن جهة أخرى، نداء الاستعداد للقتال توجّه إليهما معًا. وكان متاحًا لكليهما أن يُستشهد في سبيل الله، ولو أنّ أيًّا منهما نال شرف الشهادة لأمكن نسبة ذلك إلى الله تعالى.

 

وكان عند كليهما حالةٌ أخرى، وهي القدرة على اتّخاذ القرار والاختيار بين الذهاب والبقاء؛ ولكن عندما آن أوان الانطلاق أحدهما قرّر البقاء والآخر قرّر الذهاب.

 

ولم يتوجّه إلى أيٍّ منهما ظلمٌ من الله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وقد أعطي كلٌّ منهما ما يحتاج إليه لأخذ القرار بشكلٍ متساوٍ، غاية الأمر أنّ أحدهما قرّر بإرادته السفر، والآخر قرّر بإرادته أيضًا أن يبقى حيث هو. ولكن ما الذي حصل حتّى ذهب أحدهما وبقي الآخر؟

 

إنّ منشأ كلا القرارين هو الإيمان وعدمه. وعندما نحلّل القرارين وما نشآ عنه نجد أنّ منشأ القرار أيضًا أمرٌ اختياريٌّ وإراديٌّ. وبالتالي فإنّ امتناع عبد الله بن أبيّ عن الذهاب يستند إلى اختياره وإرادته، ويمكن نسبته إلى الله وفق التحليل المتقدّم. وذهاب أبي ذرٍّ ومشاركته في معركة تبوك يُنسب إليه لأنّه حصل بإرادته واختياره، ويمكن نسبته إلى الله وفق ما تقدّم أيضًا. وذلك كما إنّ الورقة تسقط من الشجرة تبعًا لعوامل عدّة طبيعيّة؛ ولكن في الوقت نفسه يمكن نسبتها إلى الله عزّ وجلّ.

 

بلى، ليس الله هو الذي حرم المنافقين من نيل شرف الشهادة، ومنعهم من تناول الفيض؛ بل هم الذين كانوا السبب في هذا الحرمان. ولم يكن الشرف الذي ناله أبو ذرّ نتيجة تمييز إلهيٍّ تجاهه؛ بحيث يجعل هذا التمييز

 

312


269

تفسير سورة براءة

وهو سببٌ من أسباب تكامل الإنسان، وتبدأ المشكلة عندما تتجاوز هذه الخصلة الحدّ المعقول والمنطقيّ، فتتحوّل إلى رذيلةٍ. وكلا المثالين يحبّ الراحة ويميل إليها أكثر من التعب، وكلاهما يحبّ الحياة ويكره التورّط في الآلام والمتاعب، وكلاهما يحبّ أن يبقى إلى جانب زوجته وأطفاله.

 

ومن جهة أخرى، نداء الاستعداد للقتال توجّه إليهما معًا. وكان متاحًا لكليهما أن يُستشهد في سبيل الله، ولو أنّ أيًّا منهما نال شرف الشهادة لأمكن نسبة ذلك إلى الله تعالى.

 

وكان عند كليهما حالةٌ أخرى، وهي القدرة على اتّخاذ القرار والاختيار بين الذهاب والبقاء؛ ولكن عندما آن أوان الانطلاق أحدهما قرّر البقاء والآخر قرّر الذهاب.

 

ولم يتوجّه إلى أيٍّ منهما ظلمٌ من الله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وقد أعطي كلٌّ منهما ما يحتاج إليه لأخذ القرار بشكلٍ متساوٍ، غاية الأمر أنّ أحدهما قرّر بإرادته السفر، والآخر قرّر بإرادته أيضًا أن يبقى حيث هو. ولكن ما الذي حصل حتّى ذهب أحدهما وبقي الآخر؟

 

إنّ منشأ كلا القرارين هو الإيمان وعدمه. وعندما نحلّل القرارين وما نشآ عنه نجد أنّ منشأ القرار أيضًا أمرٌ اختياريٌّ وإراديٌّ. وبالتالي فإنّ امتناع عبد الله بن أبيّ عن الذهاب يستند إلى اختياره وإرادته، ويمكن نسبته إلى الله وفق التحليل المتقدّم. وذهاب أبي ذرٍّ ومشاركته في معركة تبوك يُنسب إليه لأنّه حصل بإرادته واختياره، ويمكن نسبته إلى الله وفق ما تقدّم أيضًا. وذلك كما إنّ الورقة تسقط من الشجرة تبعًا لعوامل عدّة طبيعيّة؛ ولكن في الوقت نفسه يمكن نسبتها إلى الله عزّ وجلّ.

 

بلى، ليس الله هو الذي حرم المنافقين من نيل شرف الشهادة، ومنعهم من تناول الفيض؛ بل هم الذين كانوا السبب في هذا الحرمان. ولم يكن الشرف الذي ناله أبو ذرّ نتيجة تمييز إلهيٍّ تجاهه؛ بحيث يجعل هذا التمييز

 

313


270

تفسير سورة براءة

الفعل الصادر عنه غير إراديٍّ؛ بل هو عملٌ اختياريٌّ وإراديٌّ، يمكن نسبته إليه تعالى.

 

إشارةٌ: في الصلة والعلاقة بين قوله تعالى: "فَثَبَّطَهُمْ"، وقوله عزّ وجلّ: "وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ"، ينبغي القول إنّ الإنسان عندما يجد نفسه على مفترق طرقٍ يدعوه العقل إلى اختيار أحدهما والهوى إلى اختيار الآخر، فإذا مال مع الهوى واختار ما يدعوه إليه، فإنّه ليس مجبرًا على متابعة السير حتى بعد الاختيار، فهو يقدر على العودة أو تحويل المسار.

 

وثمّة مطلبٌ آخر ينطبق على طريق الخير وطريق الشرّ على حدّ سواء، وهو أنّ كل خطوةٍ هي مقدّمةٌ للخطوة التي تليها. فعندما يخطو الإنسان الخطوة الأولى في طريق الشرّ، ويقرّر مثلًا عدم المشاركة في الجهاد في سبيل الله. تنفتح عليه أبواب الوساوس وتغلي في نفسه مراجل الشرّ وتدفعه إلى الأمام في هذا الطريق أبعد فأبعد.

 

كل خطوة مقدمة للتي تليها خيرًا أو شرًّا

أنعموا النظر، فإنّ هذه الحالة موجودة عندنا أيضًا! النفس الإنسانية توسوس للإنسان، وتحسّن في عينيه ترك الجهاد، وتبرّره له بأشكال عدّة، وترفع أمام ناظريه تكاليف الذهاب إلى الجهاد وأعباءه، وتبدأ بتقديم الأدلّة على حسن هذا الاختيار، وتدفعه هذه التسويلات إلى المزيد من الشرّ. وذنبه هو الخطوة المنحرفة التي خطاها أوّلًا؛ لكنّه بعد تلك الخطوة ليس مجبرًا، بل هو قادر على تحويل مساره وترك الطريق الخطأ.

 

الأمر نفسه يصدق على اختيار طريق الخير والسير فيه. فعندما يختار الإنسان طريق الخير بحكم العقل وبدفعٍ منه، تبدأ كلّ عوامل الخير وأسبابه بالظهور والنشاط، وتدفع الإنسان إلى الأمام لمتابعة المسار الذي اختاره. فعقل الإنسان يبدأ بالكشف عن الواقع، ونفس الإنسان تبدي له

 

 

314


271

تفسير سورة براءة

 قدراته وتشجّعه على متابعة السير، بل تتضاعف قدراته ويشتاق أكثر فأكثر إلى المتابعة.

 

وهذا يشبه ما لو كان الإنسان في بريّةٍ مظلمة، وأعطي شمعةً وقيل له سر إلى الأمام، وهذه الشمعة سوف تنير لك الطريق إلى متر. وكلّما سرتَ مترًا أضاءت لك الشمعة المتر الذي يليه. وهذا يدفعه إلى السير ليتلمّس طريقه مترًا فمترًا، إلى أن يصل إلى مبتغاه.

 

وخلاصة الكلام أنّ كلًّا من عوامل الشرّ وعوامل الخير وأسبابهما تدفع الإنسان إلى الأمام. والاسم الذي يطلق على دوافع الخير هو التوفيق. والنتيجة المستفادة من الشرح المتقدّم كلّه أنّه يصحّ نسبة كلٍّ من التوفيق والتثبيط إلى الإنسان، كما يصحّ نسبته إلى الله تعالى. ويصحّ بالتالي أن يُقال للمنافقين اقعدوا مع القاعدين.

 

والسؤال الثالث كان عن الفاعل المجهول في قوله تعالى: "وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ"، فمن هو صاحب هذا القول؟ طرح المفسِّرون احتمالات عدّة. ومن هذه الاحتمالات أنّها خطابٌ من الله تعالى لهم، ومنها أنّها قولُ بعض المنافقين لبعضهم الآخر، وقيل إنّها تسويلات نفوسهم ووساوس الشيطان والنفس وقد كشف الله عزّ وجلّ عنها في هذه الآية.

 

وبناءً على شرحنا السابق، يقوى احتمال أن يكون القائل هو الشيطان أو وساوس النفس، هي التي تقول لهم: "اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ".

 

315


272

تفسير سورة براءة

لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿47﴾ لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿48﴾ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿49﴾

 

 

316


273

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

بيّنّا في تفسيرنا للآيات السابقة أنّ جماعة من الناس كانوا غير مستعدّين للخروج إلى الجهاد؛ ونتيجة عدم الاستعداد هي عدم الخروج. وتحدّثت آية سابقة عن هذه الجماعة وأخبرت أنّ أفرادها لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. ويُستفاد من الجمع بين الآيات أنّ الذين لم يعدّوا العدّة اللازمة للخروج إلى الجهاد لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. وفي هذه الآية محلّ البحث تبيّن أنّ سبب عدم الخروج هو عدم الاستعداد، والاستعداد تارةً يكون ماديًّا وأخرى يكون معنويًّا.

 

وتكشف هذه الآيات عن الحالات الروحية والنفسية والفكريّة للمنافقين، وعن الآثار السيِّئة التي تترتّب على وجودهم بين المؤمنين.

 

كما إنّ هذه الآيات تظهر السرور من عدم خروج المنافقين، وتعزّي المسلمين بأن تبيّن لهم أنّ خلوّ صفوفهم من المنافقين أفضل لهم وأولى. وكأنّ الله يريد دفع الخوف واليأس عن قلوب المسلمين، ويريد أن يثير الأمل في نفوسهم ويشدّ من عزائمهم؛ كي لا يظنّ أحدٌ منهم أنّه سيواجه الهزيمة أو الفشل بسبب بقاء عددٍ من الناس في بيوتهم وترجيحهم عدم الخروج للقتال.

 

وهذه الآيات تذكِّر بمؤامرة تولّى المنافقون والكافرون حياكتها؛ ولكنّها لم تترك أثرها في المجتمع الإسلاميّ ولم تستطع إعاقة تقدّم الفكر الإسلاميّ. وهذه تعزية أخرى لقلوب المؤمنين لتثبيت قلوبهم، ولتذكِّرهم بأنّ سيرة المنافقين الدائمة هي تقليب الأمور وتغيير الأوضاع

 

 

318


274

تفسير سورة براءة

 والمواقف؛ ولكنّهم لن ينالوا سوى الفشل.

 

لقد تآمر المنافقون وكادوا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أوّل الهجرة، ودسّوا عليه الدسائس وخطّطوا لمواجهته؛ ولكنّ خططهم باءت بالفشل وانتصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. واليوم (يوم تبوك) يكرّرون الأمر نفسه؛ فلا تحزنوا أيّها المسلمون سوف يكون النصر حليفكم.

 

في ما يرتبط بعدد المنافقين الذين تخلّفوا مع عبد الله بن أبيّ يروي بعض المؤرّخين أنّه عندما عزم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج إلى الجهاد عسكرَ عبد الله بن أبيّ في جماعة منفصلة والتفّ حوله عددٌ من المنافقين، ويقول أحد المؤرّخين في تعدادهم: "وما كان في ما يزعمون بأقل ّ العسكرين". وهذا ما يفسِّر التدخّل الإلهيّ لشدّ عزيمة المسلمين وتعزيتهم.

 

"لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً": "الخبال" كلمة استُعمِلت في أكثر من معنى، وأنسب هذه المعاني إلى العبارة التي وردت في الآية هو الاضطراب والفساد الفكريّ. والمقصود من الآية هو أنّه لو خرج المنافقون معكم، ولو من باب فرض المحال[1]، لما ترتّب على خروجهم معكم سوى إثارة الاضطراب والإخلال الفكريّ بين صفوفكم.

 

"ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ": ولأسرعوا بينكم. والمقصود من إسراع المنافقين بين المؤمنين أنّهم يسرعون في إثارة الفتن والنميمة وينتقلون من جهة إلى أخرى ومن صفٍّ إلى صفٍّ لتفريق الصفوف وتشتيت القلوب. والإيضاع هو الإسراع في السير، وفسّرها بعضٌ بالإسراع في الشرّ؛ ولكنّ مفهوم الشرّ ليس قيدًا في هذه الكلمة ولا مأخوذًا فيها، وإنّما يُستفاد من العبارة


 


[1] الموصوف بأنّه محالٌ هو الخروج المنظّم للمنافقين بهدف نصرة المؤمنين والقتال في صفوفهم. أما الخروج لأسباب أخرى فسوف يأتي في تفسير الآيات اللاحقة أنّ بعض المنافقين خرجوا مع المسلمين بهدف التآمر لاغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد همّوا بقتله في طريق العودة من تبوك؛ ولكنّ الله سلّم، وأخبر النبيّ عمار بن ياسر بأسمائهم وفشلت مؤامرتهم. ويذكر أكثر المصادر التاريخية اسم حذيفة بدل عمّار؛ غير أنّ اسم عمّار ورد في عددٍ منها.

 

 

319

 


275

تفسير سورة براءة

 اللاحقة في الآية، حيث يشير سبحانه إلى الفتنة التي يبتغي المنافقون إثارتها بين المؤمنين.

 

"وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ": كلمة سمّاعون فُسِّرت بمعنيين، قال بعضٌ إنّها وصفٌ للجواسيس، أي إنّ المنافقين جواسيس بينكم يستمعون لمصلحة أعدائكم من المنافقين أو الكفّار.

 

ويبدو أنّ هذا الاحتمال بعيدٌ عن دلالة الآية؛ وذلك لأنّ الآية في مقام بيان المنّ الإلهيّ على المسلمين بتطهير صفوفهم من حضور المنافقين بينهم. وهذا لا ينسجم مع وجود عددٍ من المنافقين ينقلون إلى إخوانهم في النفاق أخبارَ المسلمين وأوضاعَ عسكرهم. وبالتالي يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة وصف المنافقين المندسّين بين صفوف المسلمين.

 

وقال آخرون إنّ كلمة سمّاعين صيغة مبالغة من مادة "سمع"، أي كثير السمع، ويبدو أنّ هذا المعنى هو الأقرب إلى سياق الآية. والمقصود هو الإشارة إلى بعض المسلمين الذين يقعون تحت تأثير الدعاية المضادّة.

 

وليس جميع المسلمين ذوي عقيدة راسخة ثابتة، وليسوا جميعًا محصّنين في مقابل المنافقين؛ بحيث لا يتأثّرون بخداعهم. وثمّة من لم يفهم الإيمان حقّ الفهم، وثمة من هو قليل التجربة تترك وسوسةُ المنافقين أثرَها عليه، وتنتقل عدوى كلامهم كالمرض الساري من شخصٍ إلى آخر من هؤلاء الأشخاص الذين يُخشى من تأثّرهم بالمنافقين وخروجهم من صفوف المسلمين تحت تأثير الدعاية السلبية.

 

وحاصل الكلام أنّ الآية تخاطب المسلمين وتقول لهم: أيّها المسلمون! لا يؤلمنّكم عدم وجود عبد الله بن أبيّ وأمثاله بين صفوفكم؛ فعدم وجودهم بينكم هو الأفضل لكم، ولو أنّهم بقوا بين صفوفكم لما ترتّب على وجودهم سوى الإخلال وإثارة الفتنة وتشتيت جماعتكم. وبالتالي فإنّ عدم التحاقهم بكم هو من النعم الإلهية عليكم.

 

 

320


276

تفسير سورة براءة

"وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ": بهذه العبارة يبيّن الله تعالى سبب حكمه على المنافقين، ويكشف أنّ حكمه عليهم بهذه الطريقة التي تقدّمت يستند إلى علمه بباطن أمورهم وانكشافهم بين يديه تعالى، فهو المطّلع على فساد أحوالهم وأفكارهم.

 

سعة معنى الظلم

كلمة "ظالم" ومشتقّاتها تكرّرت في القرآن الكريم مرّات عدّة، ويحسن بنا البحث عن موارد استعمالها. وقد قلتُ مرّات إنّه يجب علينا بذل المزيد من العناية حتّى نفهم هذه الكلمات التي تحوّلت إلى مفاهيم ومصطلحات. ومن الأساليب التي تساعد على اكتشاف دلالات كلمات ومفاهيم من قبيل: كافر، مشرك، وظالم، تتبّع موارد استعمالها في آيات كتاب الله، وهذه الطريقة تساعدنا على فهمٍ أدقّ لهذه الكلمات.

 

استُعملت كلمة "ظالم" في هذه الآية في حقّ شخصٍ ربّما لم يمدّ يد الأذى إلى يتيمٍ، وإنّما استُخدمت في حقّ شخصٍ أو مجموعة أشخاص ظاهرهم الموافقة للإسلام والانسجام معه، وباطنهم المخالفة وإضمار العداء. وأحد وجوه المخالفة للإسلام التمنّع عن السير إلى الجهاد حسب الأمر الصادر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهم بهذا قد ظلموا أنفسهم ومجتمعهم.

 

"لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ": إذا قلنا إنّ هؤلاء يريدون الفتنة فلا تتعجّبوا ولا تستغربوا، واخشوا فتنتهم. وليست هذه هي المرّة الأولى التي يقدمون فيها على مثل هذا العمل، فمن قبلُ دخلوا في الفتنة وقلبوا الأمور عليك أيّها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفعلوا ما كاد أن يخفت نور الحقّ والحقيقة الذي يظهر على لسانك ويتجلّى فيك؛ ولكنّ الله سلّم وأفشل خططهم ومؤامراتهم، وحفظ دينه وحمى رسالتك.

 

ثمّة احتمالات عدّة في عبارة "مِن قَبْلُ": الاحتمال الأوّل أن تكون هذه

 

 

321

 


277

تفسير سورة براءة

العبارة إشارةً إلى معركة أحُد، عندما صرخ بعض المنافقين قائلًا قُتِل النبيّ، بهدف إضعاف معنويّات المجاهدين في تلك المعركة، وبهدف تراجعهم وخروجهم من ساحة المواجهة بعد استشهاد القائد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. والآية: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾[1]، تقول: إنّ رسول الله أدّى ما عليه وبلّغكم التكليف بوجوب الجهاد! فإنْ مات أو استُشهد هل يسقط التكليف عن عواتقكم ويرتفع الواجب عنكم، وبالتالي يتعطّل حكم الجهاد، وتعودون إلى ما كنتم عليه من الجاهلية والوثنية؟

 

بلى، في معركة أحُد أظهر عددٌ من المسلمين البسالة والشجاعة، وعلى رأس هؤلاء عليُّ بن أبي طالب عليه السلام، وهذه البسالة والشجاعة أفشلت خطّة المنافقين وذهبت بها أدراج الرياح، خاصّة بعد أن علم المسلمون أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما زال على قيد الحياة، ولم ينجحوا في قتله أو اغتياله كما كانوا ربّما يخطّطون بعد انصراف الناس عنه.

 

الاحتمال الثاني هو إشارة العبارة إلى ما حصل في معركة حنين من خطّة مشابهة وأحداث توافق ما ذكرنا عن معركة أحُد.

 

الاحتمال الثالث الذي قد يخطر على الذهن أيضًا هو أن لا يكون في العبارة أيّ إشارة إلى واقعة من وقائع معركة محدّدة؛ بل أن يكون الهدف منها الإشارة إلى مجموعة أحداث حصلت ما بين دخول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حيث كانت نقطة تحوّل في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ البشرية كلّها، إلى زمان نزول هذه الآيات.

 

في هذه الفترة الزمانية خطا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خطوات مهمّة وحياتية ومصيرية بالنسبة إلى المجتمع، وأفهم عددًا من الناس الذين سوف ينطبع اسم الدين في أذهانهم إلى الأبد، أفهمهم أنّ الدين لا يمكن اختصاره في الدعوة إلى أداء فعلٍ أو الامتناع عن فعلٍ آخر؛ بل الدين يهدف إلى بناء


 


[1] سورة آل عمران: الآية 144.

 

322


278

تفسير سورة براءة

المجتمع وفق محور الدين وعلى قواعده.

 

ولو أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعظم أنبياء الله، لم يخطُ تلك الخطوة وهي خطوة الهجرة، ولو أنّه بقي في مكّة مئة سنة مضافًا إلى الفترة التي قضاها فيها، ودعا عددًا من الناس إلى الإسلام وحسُن إسلامهم، لما كان أدّى رسالته، ولما كان أتى بما يجب على الأنبياء أن يأتوا به.

 

دسائس المنافقين في مسار تشكيل المجتمع النبويّ

تقتضي القاعدة أنّ الأمر أو العمل الأهمّ، يواجه صعوباتٍ أكثر. ووفق هذه القاعدة واجه المجتمع النبويّ بالنظر إلى أهميّته تعقيدات عجيبة، حتّى إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه تعرّض لمحاولات اغتيال عدّة وتهديدات بالقتل من قبل المشركين. وبعد الهجرة إلى المدينة شمّر المنافقون عن سواعدهم لتكدير فضاء المدينة عليه صلى الله عليه وآله وسلم.

وكانوا بين الفينة والفينة يوقدون نار الحرب في مواجهته، ففي يومٍ يحرّضون يهود بني قريظة عليه، وفي آخر يتآمرون مع مشركي مكّة ويتعاونون معهم في حربهم ضدّ المدينة، وفي آخر يتآمرون في السرّ ضدّه، وتارةً ببناء مسجدٍ في الظاهر ليكون قاعدةً للعمل ضدّ المسجدِ، وطورًا بإثارة الإشكالات والشبهات في مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وعليه فإنّ قوله تعالى: "لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ"، يشير إلى ديدن المنافقين وسيرتهم التي ساروا عليها، وتهدف هذه الإشارة ضمنًا إلى إفهام المسلم المعاصر أيضًا الذي يواجه مثل هذه الوقائع، أنّ عليه أن لا يقف مكتوف الأيدي، وأن لا يتردّد في مواجهة الصعوبات؛ وليقيس الأحداث المعاصرة له على الأحداث الماضية، وتكون عبرةً له ودرسًا، فلا يخشى خطط العدوّ ولا يرهبها. والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتحدّث مع الناس بلسان هذه الآيات.

 

"حَتَّى جَاء الْحَقُّ": إذا كان صدر الآية فيه إشارةٌ إلى واقعة أحُد أو حنين،

 

 

323


279

تفسير سورة براءة

فإنّ هذه الجملة ينبغي أن تُفسَّر على النحو الآتي: إلى أن جاء الحقّ أي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وظهر بين الناس أنّه ما زال على قيد الحياة، عندها فهم الناس أنّ عليهم البقاء في المعركة وعدم الفرار منها.

 

أمّا إذا كان صدر الآية يشير إلى ماضي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منذ دخوله إلى المدينة إلى ساعة نزول هذه الآيات، فإنّ كلمة "الحق" في هذه العبارة ينبغي أن تُفسّر بالحقيقة، فيكون معناها: جاءت الحقيقة وصارت أوضح في عيون الناس؛ أي إنّ الناس لما عاينوا الحقيقة إثر مجاهدة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإثر ثبات المسلمين وصبرهم على المشاقّ؛ اكتشفوا الحقيقة وبانت كالشمس أمام نواظرهم.

 

"وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ": أي انكشف أمر الله، وهذه العبارة أيضًا تتضمّن معنى العبارة السابقة عليها؛ ولكن بلسان مختلفٍ. ويُحتمل أن يكون المراد من الظهور الغلبة، فيكون معنى الآية أنّ أمر الله غلب دسائس المنافقين ومؤامراتهم، ولعلّ هذا المعنى أنسب من سابقه وأكثر انسجامًا مع سياق الآية.

 

"وَهُمْ كَارِهُونَ": أي وهم كارهون ومبغضون لما جاء الحقّ أو ظهر(غلب) أمر الله على أمورهم.

 

تذرّع المنافقين بالأعذار الشرعيّة

"وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي": تذرّع بعض المنافقين بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذرائع شرعيّة وطلبوا منه الإذن في التخلّف عن الجهاد خوفًا من الوقوع في الفتنة إن هم ذهبوا.

 

وفي قول بعضهم: "لاَ تَفْتِنِّي" احتمالات ثلاثة؛ قال بعض المفسِّرين إنّ المراد منه لا تخدعني، ولا تجعلني مفتونًا بما يجعلني أرغب في الخروج، فلا تقل لي إذا خرجتَ إلى الجهاد سوف تنال الكثير من الغنائم، أو سوف تكون الجنّة من نصيبك في الآخرة، فلا تغيّر نيّتنا بهذا الكلام ودعنا نعِشْ في هذه الحياة الدنيا!

 

324

 


280

تفسير سورة براءة

وقال آخرون: "لاَ تَفْتِنِّي": إنّ المراد من الفتنة البليّة والبلاء؛ أي لا تقطع علينا حياتنا الهادئة في المدينة، ولا تتعبْنا بالخروج إلى الجهاد فننال به النصب والتعب ومشاقّ السفر. وهذا النمط من الخطاب عادةُ المنافقين وديدنهم ويمكن تلمّسه في خطابهم حتى في يومنا هذا.

 

والاحتمال الثالث في تفسير هذه العبارة هو: لا توقعنا في فتنة النساء الروميّات إذا سافرنا إلى بلادهم لقتالهم. ولعلّه الأكثر انسجامًا مع سياق الآية وأجواء زمان نزولها، ولا أدري لماذا لم يحظَ هذا الاحتمال باهتمام أكبر بين المفسِّرين مع أنّه ورد في روايات أسباب النزول.

 

من سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يشاور المسلمين في الأمور العامّة المرتبطة بشؤون الأمّة، وكان يهدف من هذه المشورة التعرّف إلى بعض الأمور، ومن ذلك التعرّف إلى أوضاع وأحوال الذين يشاورهم ويكتشف مذاقهم وطبيعة نظرتهم إلى الأمور، أو يثير الاستعداد في نفوسهم بهذه المشورة. ومن الوقائع التي استشار فيها قضيّة الخروج إلى تبوك حيث استدعى الجدّ بن قيس[1] وقال له: ماذا تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فاختلق العذر للتهرّب من الخروج وقال: إنّي أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن أفتن، فائذن لي ولا تفتنّي. وفي رواية أنّه قال في الجواب: "إنّي مستهتر بالنساء، فإنّي إذا رأيت نساء بني الأصفر افتتنت بهنّ، فائذن لي في التخلّف ولا تفتنّي وأنا أعينك بمالي، فائذن لي".

 

واللافت في هذا الحوار أنّ هؤلاء المنافقين لا يخجلون من نسبة خصلة سيّئة إلى أنفسهم.


 


[1] جدّ بن قيس، كنيته أبو عبد الله وأبو وهب، صحابيّ أنصاريٌّ من بني سلمة، رأس قبيلته وكان بخيلًا غنيًّا. (انظر: المغازي، ج 2، ص 591). وعُدّ عند بعض أهل التراجم من المنافقين. (ابن سعد، ج 3، ص 112). وفي بعض المصادر الإمامية أنّه كان صاحب خطّة اغتيال أمير المؤمنين عليه السلام في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وبحسب هذه المصادر أنّ عبد الله بن أبيّ كان شريكه في هذه المؤامرة. (مدينة معاجز الأئمّة الاثني عشر، ودلائل الحجج على البشر، ج 1، ص 482-484).

 

 

325


281

تفسير سورة براءة

وسبب النزول هذا ورد في كتب أسباب النزول عند الشيعة[1]. وورد أيضًا في مصادر أهل السنّة. وبناءً على صحّة ما ذُكِر في سبب النزول هذا، يتعيّن الاحتمال الثالث في معنى "لاَ تَفْتِنِّي"، ويكون المراد التهرّب من الحرب بدعوى الاحتياط من الوقوع في فتنة النساء الروميّات.

 

وهذه القضيّة تكشف عن حالة عجيبة عند عدد من المسلمين في أكثر من عصر وأكثر من زمان، وذلك أنّهم باسم الاحتياط وتجنّب الوقوع في الحرام، يقعون في حرامٍ أعظم، أو تحت عنوان المحافظة على الواجب يفوّتون على أنفسهم واجبًا أهمّ.

 

الحلّ في قاعدة التزاحم

في بعض الحالات قد نجد أنفسنا أمام واجبين يريدهما الله منّا ولا نستطيع أداءهما معًا، ولا يرضى الله بتركهما معًا. وهذا ما يُسمّى بالتزاحم بين الواجبين، ففي هذه الحالة علّمنا الإسلام النظر في هذين الواجبين والإتيان بالأهمّ منهما وترك المهمّ أي الأقلّ أهميّةً. وقد بحث علماء الفقه والأصول في هذه القاعدة وتوسّعوا في بحثها والتنظير لها.

 

والفرق بين التزاحم والتعارض، أنّه في حالة التعارض يردُ إلينا دليلان يدلّان على حكمين شرعيّين نعلم يقينًا أن أحدهما يخالف ما شرّع الله تعالى. بينما في حالة التزاحم نحن نعلم أنّ كلا الحكمين ممّا شرّعه الله، ولكنّنا في مقام العمل والامتثال لا نقدر على الجمع بينهما، وبالإتيان بأحدهما نكون مضطرّين إلى ترك الآخر. وفي مثل هذه الحالة يعتقد الأصوليّون والفقهاء، بحقٍّ، أنّ المطلوب هو النظر في هذين التكليفين واكتشاف الأهمّ منهما وأداؤه وترك الآخر. مثلًا: إذا وجبت علينا الصلاة وضاق وقتها، وبينما نحن نريد إقامة الصلاة إذا بنا نرى شخصًا يغرق وإذا صلّينا غرق ومات،


 


[1] تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 223.

 

 

326


282

تفسير سورة براءة

ففي مثل هذه الحالة يجب ترك الصلاة والانصراف إلى إنقاذ الغريق، وبالتالي تحرم علينا الصلاة التي يؤدّي الاشتغال بها إلى موت شخصٍ غرقًا.

 

والتضحية بعمل حسنٍ من أجل عملٍ أحسن تدخل في هذا الباب. الإمام الحسين عليه السلام وجد نفسه بين خيارين، إمّا البقاء في مكّة وإكمال مناسك الحجّ، وإما أن يذهب إلى العراق، فاختار السفر إلى العراق. وحجّ هذا الإمام عليه السلام ليس كحجّ غيره من الناس؛ ولكنّ الدفاع عن الحقّ ومواجهة ظالمٍ كيزيد أكثر أهميّةً بالنسبة إليه؛ ومن أجل هذا ترك الإمام عليه السلام الحجّ وضحّى بالمهمّ من أجل الأهمّ.

 

سقوط المنافقين في الفتنة

والخلاصة أنّ بعض المنافقين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستأذنوا منه البقاء في المدينة بذريعة الخوف من الافتتان بالنساء. وهذه الذريعة قد تبدو لأوّل وهلةٍ موافقةً لظاهر القرآن؛ ولكنّها في الواقع ليست كذلك أبدًا.

 

"أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ": لقد سقطوا في الفتنة وتورّطوا، أو أسقطوا أنفسهم فيها. والفتنة في حقيقة الأمر هي هذا الشيء الذي يحاولون التخلّص من الفتنة به، فهم وقعوا في ما يدّعون أنّهم يحاولون الفرار منه.

 

"وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ": محيط اسم فاعل من الإحاطة والعبارة تفيد أنّ جهنّم في الحياة الدنيا أي قبل الموت محيطةٌ بهم. وهذا الأسلوب من التعبير معروفٌ في اللغة العربية حيثُ يُعبّر عن المستقبل، بصيغة الحاضر. والمقصود من هذا التعبير يُحتمل فيه أن يكون إشارةً إلى أنّ جهنّم قد تتجلّى للمنافقين بصورة خاصّةٍ تختلف عن صورتها الحقيقيّة في الآخرة، وهي نار الوسوسة والاضطراب الذي يعيشونه، ونار الأفكار الباطلة والمنحرفة التي يعانونها قبل الموت والحشر، وكلّ ذلك محيطٌ بهم عند نزول الآيات.

 

ويرى بعض المفسِّرين، أنّ المقصود من الآية هو إحاطة موجبات

 

327

 


283

تفسير سورة براءة

الدخول إلى جهنّم بهم. وهذا المعنى صحيحٌ أيضًا وليس بعيدًا عمّا أشرنا إليه قبل قليل.

 

والنقطة اللافتة في الآية هي التعبير عن المنافقين بكلمة "الكافرين"، فهؤلاء مسلمون بحسب الظاهر، وكانوا يخاطبون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عندما يقفون بين يديه بعبارة: "يا رسول الله"، وتكشف الآية عن استئذانهم منه، وهذا كلّه بحسب ظاهره يُعدّ مؤشِّرات وقرائن على إيمانهم. ووصفهم بالكافرين في هذه الآية يفيد أنّ من يتآمر على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومن يبني مسجدًا كمسجد ضرار ليكون مقرًّا للتفريق بين المسلمين ومواجهة النبيّ، لا يمكن أن يكون مؤمنًا.

 

 

328


284

تفسير سورة براءة

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا

مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿50﴾ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ

اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿51﴾

 

330


285

تفسير سورة براءة

تناسب الآيات

تكشف الآية الخمسون من هذه السورة عن صفةٍ أخرى من صفات المنافقين؛ وذلك لرفع مستوى الوعي عند المؤمنين وبهدف نصحهم. فالمنافقون وعلى الرغم من أنّهم يعيشون في المجتمع الإسلاميّ وفي ظلّ الدولة الإسلاميّة، وعلى الرغم من نيلهم نصيبًا من خيرات هذا المجتمع، فإنّهم وبسبب معارضتهم لأهداف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يغتمّون عندما يصيب المسلمين خيرٌ. وفي المقابل تجدهم يفرحون وتنشرح صدورهم لكلّ شرٍّ يصل إلى المسلمين أو غمٍّ ينالهم. ليس هذا فحسب؛ بل إنّهم وبسبب حقدهم، عندما يرون أنّهم في أمانٍ من مخاطر تلك المصيبة التي نزلت بالمسلمين، يعلنون أو يتخيّلون أنّهم حموا أنفسهم من شرّ تلك المصيبة بذكائهم.

 

وفي مقام مواجهة هذه الحركة القبيحة وهذه الروحيّة المعارضة، تخاطب هاتان الآيتان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والهدف هو تقوية روحية المسلمين من جهة في مواجهة تلك الروح الحاقدة التي يحملها المنافقون تجاه الإسلام والمسلمين، ومن جهة أخرى تهدف هاتان الآيتان إلى حماية المسلمين من مخاطر اختراق المنافقين ثغور المسلمين على المستوى الروحي والنفسيّ. ومن التعاليم التي توصي بها الآية الثانية التوكّل على الله عز وجل، وتبيّن هذه الآية أنّ التوكّل هو السمة التي يجب أن يتحلّى بها كلّ مؤمنٍ.

 

لا مبالاة المنافقين بمصير المسلمين

عاش المنافقون في تلك الفترة التي تتحدّث عنها هذه السورة في المجتمع

 

 

332

 


286

تفسير سورة براءة

الإسلاميّ وتفيّأوا ظلال لواء الإسلام والدولة الإسلاميّة، واستفادوا من كلّ خير أصابه المسلمون، ولكنّهم وعلى الرغم من ذلك كلّه كانوا يعيشون حالة الانفصال النفسي عن المجتمع الذي يعيشون فيه، ويشعرون أنّهم ليسوا جزءًا منه، ولم يكن في قلوبهم أيّ عاطفة تجاه ذلك المجتمع، ولم يكن عندهم أيّ إحساس بالتضامن مع سائر أفراده، ولا إحساس بالشراكة في منافعه ونجاحاته.

 

وبناءً على هذا الوصف المستفاد من الآية يمكن القول إنّ هذه الصفة من علامات النفاق في أيّ زمان ومكانٍ، فالمنافق أنّى وُجِد لا يرى نفسه واحدًا من أفراد المجتمع الإسلاميّ الذي يعيش فيه، وليس فقط لا يسعده ما يحقّقه هذا المجتمع من نجاحات؛ بل يشعر بالحزن والأسى عندما يرى أيّ نجاحٍ، وفي المقابل يشعر بالفرح ويستولي عليه الحبور والسرور عندما تنزل بالمسلمين نازلة سوء، شرط أن لا يكون له فيها نصيب.

 

وعلى الرغم من الفوارق الكبيرة بين عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأزمنة والعهود؛ ففي عهده صلى الله عليه وآله وسلم كان المسلمون مجتمعًا واحدًا، وكانت لهم دولةٌ واحدةٌ تلمّ شملهم وتجمع فرقتهم. ولكن وعلى الرغم من هذا، حتّى لو لم تكن الوحدة الاجتماعيّة قائمةً وفي أحسن أحوالها بين المسلمين، فإنّ آحاد المسلمين وأفرادهم ينبغي أن تبقى اللحمة قائمةً بينهم، وينبغي أن يتشاركوا الأفراح والأتراح، وقد ورد في عدد من الأحاديث أنّ المسلمين كالجسد الواحد[1]، فإذا كانوا كذلك كانوا جسدًا حيًّا.

 

 


[1] عن أبي أسامة زيد الشحّام قال: قال لي أبو عبد الله: "اقْرَأْ عَلى مَنْ تَرى أَنَّهُ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِيَ السَّلَامَ. وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله عَزَّ وَجَلَّ، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَالِاجْتِهَادِ لِله، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَطُولِ السُّجُودِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ؛ فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا، بَرًّا أَوْفَاجِرًا، فَإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِأَدَاءِ الْخَيْطِ، وَالْمَخْيَطِ؛ صِلُوا عَشَائِرَكُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ؛ فَإِنَ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذلِكَ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ: هذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ؛ وَإِذَا كَانَ عَلى غَيْرِ ذلِكَ، دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ وَعَارُهُ، وَقِيلَ: هذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ؛ فَوَاللَّهِ، لَحَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكُونُ فِي الْقَبِيلَةِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ عليه السلام فَيَكُونُ زَيْنَهَا: آدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ، وَأَقْضَاهُمْ لِلْحُقُوقِ، وَأَصْدَقَهُمْ لِلْحَدِيثِ، إِلَيْهِ وَصَايَاهُمْ وَوَدَائِعُهُمْ، تُسْأَلُ الْعَشِيرَةُ عَنْهُ فَتَقُولُ: مَنْ مِثْلُ فُلَانٍ؟ إِنَّهُ لَأَدّانَا لِلْأَمَانَةِ، وَأَصْدَقُنَا لِلحدِيثِ". (الكافي، ج 2، ص 635)

 

 

333


287

تفسير سورة براءة

الارتباط الحيويّ بين أجزاء مركّبٍ كائنٍ حيٍّ يؤدّي إلى تفاعل هذه الأجزاء والأعضاء في ما بينها؛ فإذا ألمّ بأحد هذه الأعضاء مصابٌ تتأثّر به سائر الأعضاء، فالقلب أو الرأس في جسد الإنسان كلٌّ له موقعه الخاصّ من هذا الجسد وهو بعيدٌ عن إصبع القدم مثلًا؛ ولكن إذا أصيب إصبع القدم بمرضٍ أو حادثةٍ تظهر آثارها وتداعياتها في الرأس أو القلب، وتهتزّ لها الأعصاب ويتدخّل الدماغ. هذا من جهةٍ ومن جهةٍ ثانيةٍ تبدأ جميع أعضاء الجسد بالنشاط للمساعدة على حلّ المشكلة ومعالجة أسباب هذا المصاب وتداعياته.

 

وبناءً على هذا، فإذا ألمّ مشكلٌ أو مصابٌ بجماعة مسلمة في المغرب، ولم يشعر بها أهل المشرق، فإنّ هذا دليلٌ على الانفصال وعدم الترابط العضويّ بين أنحاء المجتمع الإسلاميّ، وهذا مؤشّرٌ على عدم الترابط الحيويّ بين هذه الأعضاء وبالتالي أمارةٌ على موت هذا المجتمع. وهؤلاء الذين لا يشعرون بمصاب إخوانهم هم منافقون بحكم هذه الآية. وهذا ما يؤكّده ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: "مَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ وَمَنْ سَمِعَ رَجُلاً يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ"[1]. إذًا؛ على المسلمين أن يكونوا جسدًا واحدًا، يهتمّ بعضهم لأمور بعضٍ، ويفكّروا في حلّ مشكلات إخوانهم.

 

وعلى ما تقدّم تفيد الجملة الأولى من الآية أنّ المنافقين هم أولئك الذين ينسحبون من المجتمع الإسلاميّ، وينفصلون عنه نفسيًّا وروحيًّا، فلا يعنيهم ما يحصل فيه، فلا أفراحه تفرحهم ولا أحزانهم تضيرهم؛ بل إنّهم يفرحون لمصاب المسلمين، وتحزنهم نجاحاتهم.


 


[1] الكافي، ج 2، ص 164.

 

334


288

تفسير سورة براءة

أوهام المنافقين

"إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ": تكشف هذه الآية عن وهمٍ كان يقع فيه المنافقون، فقد كانت تسوؤهم الحسنة التي تصيب المسلمين، وأما إذا نزلت بهم نازلة سوء فإنّهم كانوا يحسبون أنّ تلك السيّئة لم تنلهم؛ لأنّهم أحسنوا التعامل معها بالاحتياط لها ووقاية أنفسهم منها، وأداروا ظهورهم لما ألمّ بالمسلمين من سوء (تولّوا) وهم في حالة من الفرح والرضا بالسلامة والأمن ممّا أصاب غيرهم من المسلمين.

 

فإذا انهزم المسلمون في معركة أو انتهت المعركة من دون أن يغنموا منها شيئًا، يبادرون إلى القول إنّهم كانوا يفكّرون في هذه الساعة، وكانوا يعرفون النتيجة قبل أن تحصل، واستطعنا بذلك وقاية أنفسنا من الوصول إلى ما وصل إليه المسلمون من هزيمة. وفي هذا الأسلوب من التفكير اشتباهات عدّة.

 

- توهّم الفوز بالفرار من التكليف

الاشتباه الأوّل الذي وقع فيه المنافقون أنّهم كانوا يحسبون أنّ الفرار من التكليف و"عدم الدخول إلى ميدان سبيل الله" شطارةٌ تفضي إلى الفوز والفلاح. ومن هنا، كانوا يعبّرون عن ذلك بقولهم: "إنّا احتطنا لأنفسنا، ووُقينا شرّ ما أصاب غيرنا". هذا ولكنّهم لو فكّروا بطريقة صحيحة، لاكتشفوا أنّ منهجهم في التصرّف خاطئ وغير صحيح، وبعيدٌ كلّ البعد عن الكياسة والحكمة؛ بل هو على الضدّ من الاحتياط وحسن التدبير، فحسن التدبير والحكمة يقتضيان الخشية من الله.

 

فاعلم أنّكَ إذا تركتَ العمل بواجبك بتقدير أنّ ذلك من حسن التدبير، اعلم أنّ ذلك أبعد ما يكون عن الحكمة وحسن التدبير، بل هو الحمق بعينه. إذًا الخطأ الأوّل في حسابات المنافقين هو ظنّهم أنّ ترك الواجب تدبيرٌ وكياسةٌ، وهو ليس كذلك أبدًا.

 

 

335


289

تفسير سورة براءة

- الغفلة عن سنن العالَم

الخطأ الثاني الذي وقع فيه المنافقون هو أنّهم غفلوا عن السنن والقوانين التي تحكم العالَم. فهم لا يعلمون أنّ الانكسار الجزئيّ والمصاب المورديّ الذي يقع لجماعةٍ فكريّةٍ لا يعني انهزام المشروع الفكريّ على المدى الأوسع، ولا يعني توقّف مساره. فهم لا يعلمون أنّه في حركة الصراع بين جماعتين أو فئتين سوف يكون النجاح والفوز في نهاية المطاف للجماعة التي تحمل فكرًا وتتبنّى نظريّةً فكريّةً وإجماعيّةً، والجماعة التي لا تستند إلى الفكر والخلفية النظرية سوف تهزم في آخر الخطّ؛ غير أنّ حركة الصراع بين هاتين الجماعتين تحتوي على صعودٍ وهبوطٍ واهتزازات طبيعيّة، والنصر والهزيمة النهائية لا تُقاس بهذه الاهتزازات.

 

فالمسافر إلى مكانٍ مّا يضطرّ في مساره إلى أَن لا يسير دائمًا في طريقٍ مستقيمٍ؛ بل يضطرّ إلى بعض الصعود والهبوط، وإلى العودة إلى نقطةٍ عبرها من قبل، فمن يسير في طريقٍ جبليٍّ مثلًا يعود خلال مساره الصعوديّ إلى النقطة التي كان فيها من قبل، ولكنّه مع ذلك يشعر بالتقدّم والاقتراب من مقصده. وهذا الدوران والرجوع هو عين التقدّم إلى الأمام والرقيّ. وليس تراجعًا أو سيرًا قهقرائيًّا ولا سكونًا، غاية الأمر أنّ المسار الطبيعيّ يقتضي هذه التراجعات في بعض الأحيان.

 

هزيمة المسلمين في معركة أحُد واستشهاد عددٍ من كبار الصحابة فيها، ليست هزيمةً لدعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا تراجعًا لمشروعه؛ بل هي تراجعٌ طبيعيٌّ في هذا المسار أدّى في نهاية المطاف إلى التقدّم خطوةً إلى الأمام. فكلّما عمل المسلمون بواجبهم خطوا إلى الأمام، وكلّما أدّوا ما يجب عليهم أداؤه رقَوا درجةً من درجات التكامل والترقّي.

 

ولم يعِ المنافقون في صدر الإسلام هذا الأمر، ولم يفهموا هذه السنّة التاريخيّة؛ ولأجل ذلك كانوا يرون أنّ كلّ انكسارٍ يتعرّض له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكلّ

 

336

 


290

تفسير سورة براءة

مصيبةٍ تصيب المسلمين، هو خطوة إلى الوراء في حركة النبوّة ومسارها.

 

اعتقاد المؤمنين بالقضاء والقدر

"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا": يا أيّها النبيّ! من أجل تقوية روحية المسلمين في مواجهة منهج المنافقين وأسلوبهم في التعاطي مع الوقائع والأحداث، ولإبطال ورفع آثار هذه الدعاية التي يعمل المنافقون على الترويج لها قل للمسلمين: "لن يصيبنا إلا كتب الله لنا، فإذا كانت الأقدار الإلهيّة المقدّرة لنا تقتضي جرحًا سوف يصيبنا هذا الجرح سواء ذهبنا إلى القتال أم بقينا أحلاس بيوتنا". وقد ورد في سورة النساء أنّ الموت المكتوب للإنسان سوف يصيبه ولو كان في ﴿بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾[1]. فإذا كان مقدّرًا للإنسان أن يموت في الساعة الفلانية، فلن تعجز يد الأجل من الوصول إليه أينما كان.

 

ولكن ليس هذا القدر بالمعنى العاميّ المتداول بين الناس، بل للقدر معنًى أعمق تحدّثنا عنه في مرّةٍ سابقةٍ[2]. فالتقدير هنا معناه المحاسبات الدقيقة التي تحكم حركة العالَم والأحداث التي تقع فيه.

 

تُفسّر هذه الآية عادةً على هذا النحو، وأنا لا أرى عدم صحّة هذا التفسير؛ ولكنّ لهذه الآية معنًى آخر يخطر في البال، ولا مشكلة في أن يكون للآية وجهان في وقتٍ واحدٍ. وهذا الوجه هو أنّ الآية تريد أن تقول للمنافقين: أيّها المنافقون! اعلموا أنّكم مخطئون إذا فرحتم لمصابنا، وسررتم لهزيمتنا في معركة أو واقعةٍ من الوقائع. فلا خوف علينا ولا خشية ممّا يقع لنا أو نتعرّض له من آلامٍ، فإنّ المكتوب والمقدّر لأمثالنا من أهل الحقّ، وما هو سنّة وقانونٌ هو أنّ النصر والفلاح سوف يكون من نصيبنا في نهاية المطاف. وهذا المعنى


 


[1] سورة النساء الآية 78. والبروج هي الأبنية المتينة.

[2] يبدو أنّ مفسّرنا الجليل تحدّث عن القضاء والقدر في تفسير سور أخرى، ومن دواعي الأسف أنّ ذلك التفسير لا يتوافر بين أيدينا حتّى الآن.

 

337


291

تفسير سورة براءة

 ناظرٌ إلى السنّة الإلهيّة التاريخية التي تقضي بانتصار الحقّ على الباطل. وقد جرت هذه السنة على الأمم السابقة قبل الإسلام والمسلمين.

 

فعندما يتقابل الحقّ والباطل، ويخوضان المواجهة، سوف يكون النصر والفوز من نصيب الحقّ. وهذه هي سنّة هذا العالَم؛ لأنّ العالَم والوجود خُلِق على قاعدة الحقّ، ومسار الطبيعة محكومٌ لقواعد الحقّ والحقيقة؛ ولأجل هذا نجد أنّ الحقّ يسير إلى الأمام بشكلٍ دائمٍ. وهذا معنًى عامٌّ وصحيحٌ.

 

وهذا يعني أنّ المجتمع الإسلاميّ سوف يتقدّم تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسوف تكون له الغلبة في هذا الصراع، ولن تفلح محاولاتكم أيّها المنافقون أنتم وإخوانكم الكافرون، لن تفلح في إعاقة حركة الإسلام ومنعه من التقدّم؛ فهذا المشروع في مسار تصاعديٍّ سوف يصل إلى مقصده المقدّر له، وسوف تحزنون للنجاحات التي يحقّقها هذا المشروع مرّة بعد أخرى.

 

والخلاصة أنّ ديننا سوف يتقدّم وسوف تصابون بالإحباط عن قريبٍ. وما يؤكّد هذا المعنى؛ أي أنّ المقدّر للإسلام والمسلمين هو الفوز والتقدّم، هو ورود عبارة "لَنَا" في الآية. وذلك أنّ الخيار الآخر هو أن يُستخدم بدل "لَنَا" عبارة "إلينا". فعبارة "لَنَا" تفيد معنى لمصلحتنا، وبالتالي تشير الآية إلى أنّه لن يصيب المسلمين إلا ما كتب الله لهم من نجاحٍ، سواء وقف المنافقون إلى جانبهم أو تركوهم وتخلّوا عنهم؛ بل حتى لو عملوا ضدّهم، فإنّ المصير المقدّر للإسلام والمسلمين هو الفلاح والنجاح.

 

والمؤيّد الثاني لهذا المعنى هو عبارة "هُوَ مَوْلاَنَا" في وصف الله تعالى، فكلمة "مولى" لها معانٍ عدّة منها الناصر والمعتِق والقريب والوارث. و"الولاية" هي علقةٌ وقرابةٌ بين شخصين تقتضي الإرث في بعض الحالات، وتقتضي العبودية والسلطة في حالات أخرى، وتقتضي القرابة والمحبّة في حالاتٍ، وهذه الموارد هي مصاديق للولاية وليست هي المعنى الحقيقيّ للولاية. في معنى قوله تعالى: "هُوَ مَوْلاَنَا" احتمالات عدّة فقد يكون المراد منها أنّ بيننا وبين الله صلةٌ وثيقةٌ، أو هو وليّنا وصاحب السلطة علينا، أو

 

 

338


292

تفسير سورة براءة

هو ناصرنا. وجميع هذه المعاني محتملةٌ وصحيحةٌ.

 

وعندما نقول "اللهَ مَوْلاَنَا" فهذا لا يعني أنّه مولانا في هذا المورد أو في هذه الواقعة فحسب؛ بل "هُوَ مَوْلاَنَا" على الدوام وفي كلّ واقعةٍ ومكانٍ، فالسنن الإلهيّة حاكمة على حركة الوجود كلّه، وهي تسيّر العالم وفق مصلحتنا.

 

تفيد آيات الكتاب الحكيم أنّ العالم محكومٌ للحقّ ويسير وفق مقتضياته: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[1]، ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[2]. وهذه السنّة في خدمة الذين يسيرون في طريق الحقّ؛ لأنّ هؤلاء يسيرون مع تيّار الحقّ كالتفاحة التي توضع على وجه الماء يأخذها الماء معه حيث يذهب، أمّا أولئك الذين يسيرون عكس تيّار الحقّ فلن يستطيعوا مقاومته، حتّى لو غالبوه فترةً من الزمان. والدليل على واقعيّة هذا الكلام أنّ إبراهيم وأمثاله ما زالوا موجودين في كلّ زمان، أمّا النمرود فقد ذهب وبطل ما كان يسعى إليه. بلى إنّ بقاء إبراهيم ببقاء