سِيمَاءُ الصَّالِحين

الشيخ رضـا مختـاري


الناشر:

تاريخ الإصدار: 2021-01

النسخة:


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


مقدّمة المركز

مقدّمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين، والسلام على العلماء العاملين الناطقين بالحقّ المبلِّغين رسالات ربّهم.

قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[1].

«سيماء الصالحين»، كتاب قيّم يشتمل على إرشادات ونصائح لطلّاب العلوم الدينيّة والمحقّقين، مستنداً إلى أقوال العظماء من علمائنا السابقين وأفعالهم في طريقة الحياة العلميّة وآدابها، وطرق التعامل مع المجتمع ومعاشرة الأقربين والأصدقاء، ومواجهة التحدّيات من مطاوي صفحات حياتهم وقصصهم.

وقد كتبه مؤلّفه باللّغة الفارسيَّة، وقام بتعريبه سماحة المرحوم الشيخ حسين كوراني (رحمه الله)، وهو المتميّز بأدبه والمعروف بسموّ خُلُقه، فأضاف إلى هذا الكتاب قيمة وبركة، مضافاً إلى حسن بيانه وسلامة عباراته.

وقد التزمنا، في مركز المعارف للتأليف والتحقيق، طباعة هذا الكتاب ونشره؛ لما لمسنا فيه من الفائدة الجليلة لطلبة العلم الأعزّاء، اقتداءً وتأسّياً بسيرة السلف الصالح من علمائنا العظماء -أعلى الله مقاماتهم-، راجين من المولى -سبحانه- أن ينتفع به الإخوة الكرام لما فيه الخير والصلاح.

 

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

 

 

 


[1] سورة فاطر، الآية 28.

 

7


1

مقدّمة المركز

1 - ﴿محمّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلكُفَّارِ﴾.

2 - ﴿رُحَمَآءُ بَينَهُم﴾.

3 - ﴿تَرَىٰهُم رُكَّعٗا سُجَّدٗا﴾.

4 - ﴿يَبتَغُونَ فَضلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنٗا﴾.

5 - ﴿سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ ٱلسُّجُودِ﴾[1].

 

9

 

 


[1] سورة الفتح، الآية 29.

 

9


2

مقدّمة المركز

هدف الكتاب

كيف ينبغي أن نكون؟ وماذا علينا أن نفعل حتّى لا تنطبق علينا الآيات الآتية؟

1 - ﴿وَٱتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَينَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنهَا فَأَتبَعَهُ ٱلشَّيطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلغَاوِينَ ١٧٥ وَلَو شِئنَا لَرَفَعنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخلَدَ إِلَى ٱلأَرضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلكلّبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكهُ يَلهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلقَومِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَٱقصُصِ ٱلقَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦ سَآءَ مَثَلًا ٱلقَومُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُم كَانُواْ يَظلِمُونَ﴾[1].

2 - ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخسَرِينَ أَعمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾[2].

3 - ﴿أَفَرَءَيتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمعِهِۦ وَقَلبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهدِيهِ مِن بَعدِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾[3].

4 - ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّورَىٰةَ ثُمَّ لَم يَحمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارَا بِئسَ مَثَلُ ٱلقَومِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[4].

 

 


[1] سورة الأعراف، الآيات 175 - 177.

[2] سورة الكهف، الآيتان 103 - 104.

[3] سورة الجاثية، الآية 23.

[4]  سورة الجمعة، الآية 5.

 

11


3

مقدّمة المعرِّب

مقدّمة المعرِّب

الأخلاق والقدوة

عندما حدّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الهدف من بعثته المباركة بقوله: «إنّما بُعِثْتُ لأتمّم مكارم الأخلاق» فقد حدّد بذلك حقيقة الإسلام والأمّة المسلمة، وعندما أوضح (صلى الله عليه وآله) أنّ الحرب مع النفس الأمّارة بالسوء هي «الجهاد الأكبر» فقد رسم الطريق إلى حفظ الإسلام وبناء الأمّة. الإسلام مدرسة مكارم الأخلاق، ومن لم يقرّر أن يتدرّج في صفوف هذه المدرسة، فلم يقرّر بعدُ أن يكون مؤمناً، مهما كانت معرفته بالإسلام، ومهما كان موقعه الظاهريّ بين المسلمين.

إنّه أشبه ما يكون بمن يذهب إلى المدرسة باستمرارٍ، لكنّه يبقى في باحتها، إنّه داخل سور الإسلام، إلّا أنّه لا يتعلّم من الإسلام شيئاً: ﴿قَالَتِ ٱلأَعرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّم تُؤمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسلَمنَا وَلَمَّا يَدخُلِ ٱلإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُم وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتكُم مِّن أَعمَٰلِكُم شَي‍ًٔا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾[1].

والأمّة المسلمة التي أرادها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليست الأمّة التي تنتمي إليه بمجرّد الشهادتين، وإنّما هي الأمّة التي تنتمي إليه من خلال الالتزام العمليّ بمكارم الأخلاق؛ لتصبح بذلك مؤهّلةً لمخاطبة الآخرين بالالتزام بها ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ﴾[2]. ولكي تبلغ الأمّة هذه المرتبة، لا بدّ من أن

 

 


[1]  سورة الحجرات، الآية 14.

[2]  سورة آل عمران، الآية 110.

 

13


4

مقدّمة المعرِّب

تخوض غمار الجهاد الأكبر؛ ليفوز كلّ فردٍ من أفرادها بالوسام الذي يستحقّ، والغنيمة المتناسبة مع جهاده.

 

وكما هو الأمر في ساحات الجهاد الأصغر، حيث يكتسب جميع المجاهدين الخبرة، ويتصلّب عود كلّ منهم، إلّا أنّ مراتب ذلك لا تكاد تُحصَى: من المجاهد الذي لم تكن حصيلته أكثر من جرأته على أن يشهد مثل هذه المعركة، إلى المجاهد الذي يعدل ألف فارسٍ وأكثر.كذلك هو الأمر في هذه الساحة، ساحة الجهاد الأكبر، الأوسع مضماراً وأثراً، والأعظم عناءً وخطراً: من مستوى «أحبّ الصالحين ولست منهم» وما دون ذلك، إلى مستوى «وليّ الله» الذي جعله الله في درعه الحصينة.

 

وكما يشكلّ الفارس المغوار المحور تحت النقع وبين مشتبك القنا؛ إليه يرجع الباحث عن فئة، وبه يلحق المُثَّاقل، فكذلك الأخلاقيّ العابد «العالم بالله»؛ إنّه المحور في ساحة الجهاد الأكبر وعليه تدور رحاها، وكما ترتبط حركة انتصارات الأمّة في ساحات الجهاد الأصغر بمدى وفرة المجاهدين الأبطال، الذين وتدوا في الأرض أقدامهم وأعاروا الله جماجمهم، كذلك ترتبط حركة انتصارات الأمّة في ساحات الجهاد الأكبر بمدى ثرائها بعلمائها الأعلام، الذين تشكلّ سيرتهم امتداداً حقيقيّاً لصاحب الخُلُق العظيم (صلى الله عليه وآله) الذي كان الأوّل في ميادين الجهادَيْن الأكبر والأصغر.

وتكمن أهمَّيّة العلماء بالله، في مختلف مراحل تاريخنا، في كونهم القدوة والنماذج التي يجب على الأمّة التواصل معها والاهتداء بهديها؛ إذ إنَّه لا يمكن -على الإطلاق- لعمليّة التربية الأخلاقيّة أن تؤتي أكلّها إذا اقتصرت على الجانب النظريّ، ولم تمتلك النماذج العمليّة التي تشكلّ القدوة، التي ينبغي أن يُنسَج على منوالها. ومن هنا، كان حامل لواء الرسالة (صلى الله عليه وآله) ﴿أُسوَةٌ حَسَنَةٞ﴾ يلتزم بأكثرَ ممّا يدعو إليه.

 

حصون الإسلام

بعد أن قضى الكفر على دولة الإسلام، استطاع أن يمزّق الأمّة المسلمة، إلّا أنّه لم يستطع أن ينال من الإسلام.

 

14


5

مقدّمة المعرِّب

ظلّ العلماء بالله يحوطون الإسلام بحبّات القلوب والمهج، ينفون عنه تحريف المحرّفين ويجسّدونه في حياتهم مستسهلين في ذلك ما استوعره المترفون، معرّضين رقابهم وصدورهم لحراب الطواغيت، فكانوا بحقّ حصون الإسلام المنيعة التي لم يقو الكفر على اجتياحها، وتكسّرت على حدودها كلّ أمواج الغزو العسكريّ والثقافيّ، وبقيت حرّةً أبيّةً تنتظر الفرصة لمحو آثار الاستعمار ووصل أشلاء الأّمة الممزّقة، وبلسمة جراحها وإعادة بناء كيانها السياسيّ. وقد أدرك الكفر أنّ العلماء هم قلب الأمّة النابض الذي يمدّها بفوّار الدم الزكيّ، فجرّد ظُبَى انتقامه ليقطع علاقة الأمّة بعلمائها، وقد نجح في ذلك إلى حدٍّ كبير.

وصلت الأمّة إلى حيث أصبحت تعيش الجهل المطبِق بسيرة علمائها الماضين، وتعيش الانغلاق تجاه الموجودين منهم.

وممّا يُدمي القلب أنّ الأمّة حين أفاقت على هول الضرر الذي حلّ بها نتيجة الغزو الاستعماريّ، وبدأت تبحث عن سبيل الخلاص، ألقت بنفسها في غياهب بلقعٍ جديب، فغرّدت خارج سربها وسلكت كلّ الدروب إلاّ دربها.

انفتحت على كلّ التيّارات الثقافيّة الوافِدة، تبحث فيها عن مقوّمات النهوض، وتعرّفت على كلّ المناهج والروّاد والقادة، متنكّبةً منهجها، متنكّرةً لروّادها وقادتها الحقيقيّين، فكانت بذلك كالمستجير من الرَّمضاء بالنار. تحت ستار التحرّر، تعمّقت تبعيّة الأمّة للأجنبيّ. وتحت ستار البحث عن الهويّة، تحوّل الضياع إلى ضلالٍ بعيد. ويكفي حصون الإسلام فخراً أنّ كلّ المنعطفات الإيجابيّة على طريق كرامة الأمّة وعزّتها تقترن بأسمائهم. ورثوا من صاحب الرسالة الأعظم (صلى الله عليه وآله) -فيما ورثوه- «اللّهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون» فأحبّوا الأمّة، ووثقوا بها رغم جفائها، فقدّموا أعمارهم الطاهرة الزاخرة بالمعاناة والبلاء والجهود المضنية هدايا متواضعةً إلى الأمّة قربةً إلى الله تعالى، لم يكنز هؤلاء العلماء الأبرار من هذه الدنيا تِبراً، ولا أعدّوا لبالي ثوبهم طِمْراً.

 

 

15

 


6

مقدّمة المعرِّب

كابدوا الجوع وأثقال الفقر والدَّيْن، وتجرّعوا مرارة الشماتة والاستهزاء، دون أن يخطر ببال أحدهم -ولو للحظة- أنّه يمنّ على الأمّة بذلك؛ فهو خادمٌ للناس، يحبّهم لأنّهم مسلمون، ولأنّهم أمّة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله).

 

عصر الإسلام

«ماذا بعد مدريد؟» هنا هو السؤال المركزيّ الآن على مستوى الأمّة. وفي حين يخيّم الإحباط على الكثيرين، لا يمكن للمسلم إلّا أن يكون واثقاً بأنّ هذا العصر هو عصر الإسلام مهما بدت الأجواء حالكةً مكفهرّةً. وتستند هذه الرؤية إلى عوامل عديدةٍ تقوم جميعاً على قاعدة الثقة بوعد الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلهُدَىٰ وَدِينِ ٱلحَقِّ لِيُظهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كلّهِۦ وَلَو كَرِهَ ٱلمُشرِكُونَ﴾[1].

من هذه العوامل: الثقة بقدرة الإسلام على احتواء أمواج الغزو العاتية، ومحاصرة آثارها للانقضاض عليها في الوقت المناسب. ليست أمريكا قدَراً، وإنمّا هي دولةٌ متجبّرةٌ تمتلك الكثير من عوامل القوّة، وتختزن الكثير أيضاً من عوامل الضعف.

ولم تبلغ هجمتها على بلاد المسلمين -بعدُ- ما بلغه الغزو المغوليّ، الذي سرعان ما تصدّت له حصون الإسلام واحتوته، فإذا بالإسلام يفتح قلوب هؤلاء الذين ظنَّوا ردحاً من الزمن أنّهم الفاتحون.

ومن هذه العوامل: أنّ أمريكا تحاول ما هو في حدّ المستحيل، تريد أن تخضع الأمّة لليهود؛ لتعيش الأمّة في سلامهم وفي عصرهم، تقدّم لهم ثرواتها، وتتحوّل إلى سوقٍ لتصريف منتجاتهم، وتأخذ منهم فتات العيش. وهذا ما لا يمكن أن يتحقّق، اللّهم إلّا أن نخرج من ملّتنا وندين بغير ديننا. ما دمنا ننتسب إلى الإسلام، سيظلّ القرآن الكريم فينا، يُتلَى في نوادينا، وتهتف به مآذننا، وسيظلّ يحذّرنا من قتلة الأنبياء أعداء الله تعالى وأعداء رسوله، وأمام ذلك لن يصمد «مدريد» ولا ما يخطّط الكفر لما بعده.

 

 


[1] سورة التوبة، الآية 33.

 

16


7

مقدّمة المعرِّب

يمكن لأمريكا أن تفرض إرهابها على هذا النظام أو ذاك، إلّا أنّها لن تستطيع أن ترهب الأمّة، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر باليهود.

استطاعت أمريكا أن تقنع السادات بالتوقيع على معاهدة كامب ديفيد، إلّا أنّ الشعب المصريّ المسلم ما زال خارج كامب ديفيد.

ستظلّ الأمّة كلّها خارج إطار «مدريد» وسيبقى الصراع على أشدّه. وكأنّ شيئاً لم يكن، لم يتحقّق الحلّ، ولا دخلت الأمّة في سلام اليهود، حتّى إذا وُقّع ما يسمّونه حلاًّ، ومعاهدةً للسلام.

ومن هذه العوامل: ثورة الإسلام الظافرة في هذا العصر، التي وفّق الله تعالى لقيادتها عبده المسدّد الإمام الخمينيّ (قدس سره)، وما أحدثته من صحوةٍ إسلاميّةٍ هادرة، ما يزال خزينها المبارك يملأ الأودية التي سالت منه بقدرها، وما أكثرها!

ولا يستطيع أحدٌ أن يجادل في أنّ الأمّة، بعد هذه الثورة المباركة، أشدّ التصاقاً بعقيدتها، وأشدّ اعتزازاً بهويّتها، ووعياً لواجباتها، وحذراً من مؤامرات الأعداء.

لقد التقت الأمّة عبر هذه الثورة المباركة بقيادتها، وقارنت بين «العالم بالله» وغيره. الأمر الذي أدّى إلى كسر الحواجز المصطنعة بينها وبين عقيدتها، كما أدّى إلى أن تكتشف الأمّة مع الإمام الخمينيّ (قدس سره) السرّ الإلهيّ في قيادة العلماء.

ورغم أنّ الأمّة قد تلقّت ضرباتٍ موجعة، بدءًا بالظروف التي حتّمت قبول القرار 598 ووصولاً إلى مدريد وما بعده، إلّا أنّ جسم الأمّة اليوم غيره بالأمس، وهو يمتلك من مقوّمات المناعة ما يجعله أقدر على مواصلة المسيرة التي لا تقاس -في عمر الأمم- بمقاييس أصغر من العقد من الزمن.

ولقد شكلّ انهيار الفكر الشيوعيّ، في عصر الصحوة الإسلاميّة، حدثًا عقائديًّا مدوِّيًا ينبغي إدراك آثاره الإيجابيّة لصالح حركة الفكر الإسلاميّ.

 

17


8

مقدّمة المعرِّب

وليس من باب الصدفة أنّ الإمام الخمينيّ رائد هذه الصحوة، هو الذي تولّى إعلان التحاق الشيوعيّة بمتاحف التاريخ.

وسيكشف المستقبل -بحول الله تعالى- عن نتائج هذا التحوّل الكبير.

هذا الكتاب

سنجد في هذا الكتاب ونحن نتابع سيرة علمائنا الأبرار، مدى الخصب الذي تزخر به حياة سلفنا الصالح في المجالات المختلفة، التي تشكِّلُ روافد معطاءةً تصبّ في غدير بناء الشخصيّة الإسلاميّة الأصيلة، القادرة على المساهمة الفاعلة في حركة نهضة الأمّة.

وقد اختار المؤلّف ستّة عشر عنواناً أساسيًّا -هي أقسام الكتاب- في بناء النفس وثمراته، وتتّبع سيرة العلماء الأعلام، فألحق كلّ نصٍّ أو موقفٍ بالعنوان المناسب له، مقدّماً بذلك للقارئ خلاصاتٍ قيّمةً لحياة هؤلاء الصالحين، هي ثمرة كدحهم المتواصل في ميادين الجهاد العلميّ والعمليّ.

وعندما تقرأ هذا الكتاب لا تجد نفسك أمام كاتبٍ يقدّم لك خلاصة معلوماته الشخصيّة وتجربته الخاصّة فحسب، وإنّما أنت أمام حشدٍ من العلماء الكبار يحدّثونك عن تجاربهم، وتحدّثك تجاربهم عن النتائج التي وصلوا إليها، وعن الطريق إلى هذه النتائج.

إنّه كتابٌ فريدٌ في بابه، ينبغي أن يُقرأ قراءةً متأنّيةً واعية، وأن يعود إليه من قرأه بين الحين والآخر؛ ليتذكّر وينعم مجدّداً بفيض مجالسة القمم من علماء الإسلام.

ولقد بذل المؤلّف جهداً كبيراً لافتاً في تتبّع الشذرات التي التقطها.

فجزاه الله تعالى خير الجزاء، وأفاض عليه -وعلى المعرِّب-من بركات هؤلاء الأعلام، ورزقنا شفاعتهم بالنبيّ المصطفى وآله الأطهار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

 

بيروت - حسين محمّد كوراني

23 ج1، 1412هـ

29 ت2، 1991م

 

19


9

مقدّمة المؤلّف

مقدّمة المؤلّف

تمهيد

هذا الكتاب يشتمل على إرشادات ونصائح لطلّاب العلوم الدينيّة والمحققّين، وهي تعلّمنا -استناداً إلى أقوال العظماء وأفعالهم- طريقة الحياة العلميّة وآدابها، وطرق التعامل مع المجتمع ومعاشرة الأقربين والأصدقاء، ومواجهة التحدّيات.

لتحقيق هذا الهدف، حططنا الرحال في رحاب العلماء الكبار، واستخرجنا هذه المطالب من مطاوي صفحات حياتهم، وبوّبنا قصصهم في هذه المجالات، وأوردناها؛ لأنّه -وكما لا يخفى- يجب على الإنسان أن يستفيد من التاريخ، ولينقل خطاه في هذا العالم المليء بالمتناقضات على بصيرةٍ ووضوح رؤية؛ ليمكِّنه أن يؤمّن سعادته في الدنيا والآخرة.

وكما أشار القرآن الكريم: ﴿لَقَد كَانَ فِي قَصَصِهِم عِبرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلأَلبَٰبِ﴾، فإنّ الذين يتّعظون من التاريخ هم فقط «أولو الألباب» وأصحاب العقول.

وعليه، فمن كان من أصحاب العقول والإدراك وقرأ بدقّةٍ سيرة علماء الشيعة الكبار في هذا القسم من الكتاب وتدبّرها وفكّر فيها، فلا شكّ أنّه سيعتبر بها وسيحصل على سعادته الأخرويّة الخالدة.

وعندها، لن يصاب بأنّه، بعد مضيّ سبعين سنةً من عمره، يستيقظ فجأةً من نوم الغفلة ويدرك أنّ العطّار قد تجوّل في مدن العشق السبع بينما هو لم يتجاوز منحنى

 

19


10

مقدّمة المؤلّف

زقاقٍ واحد»[1] وأنّ السابقين سبقوا وبلغوا الذرى، وهو ما يزال في حضيض الجهل والشهوات وعبادة البطن. الأمر الذي يحمله على أن تذهب نفسه حسراتٍ على ما فرّط في جنب الله.

يقول الشاعر الفارسيّ ما تَعْريبُه:

«يحتاج الرجل الماهر في دهره إلى عُمرَيْن... عُمْر يكتسب به التجربة وعمر يطبّق فيه ما اكتسبه».

نعم، لو كان للإنسان عمران لحلّت المشكلّة، ولكن حيث إنّ الأمر ليس كذلك، فمن الواجب أن تكون الاستفادة من تاريخ الشخصيّات العظيمة وسيرتها هي التي تجعل العمر عمرين بل وأكثر.

في الحقيقة، إنّ الذي يطّلع على تجارب إنسانٍ كاملٍ في مسار الحياة ويتعلّم منه طريقته في مواجهة التحدِّيات، يصبح كأنّه اختزن هو هذه التجارب، وأضاف إلى عمره عمر تلك الشخصيّة التي اطّلع على أحوالها[2].

وكما تقدّم، فإنّ العقلاء فقط هم القادرون على أن يتّعظوا بالتاريخ ويتعلّموا كيف تكون الحياة، والمرجوُّ أن يكون ما في هذا الكتاب نوراً في روح أولي الألباب، الباحثين عن العلم والسعادة الخالدة لهم ولمجتمعهم. أمّا «عبيد البطون» الباحثون عن الراحة والدعة وحُبِّ الشهرة، فإنّ هذه البحوث تزعجهم وتغضبهم، بل وأحياناً تثير هُزْءَهم وسخريتهم. ومن الطبيعيّ أنّه لا يُتوقَّع من أولئك التعساء غير ذلك.

إنّ محتويات هذا الكتاب، سيرٌ في صدر الزمان، وحناياه، وتعلّمٌ من حملة مشاعل تاريخ البشريّة، وليس بوسع أحدٍ -كما هو واضح -أن يبلغ أيّة مرتبةٍ من دون أسوةٍ وقدوة، وأهميّة الاقتداء بالعظماء لا تحتاج إلى إيضاح.

 

 


[1]  مضمون بيت مستوحى من المضامين المشابهة لما في دعاء الافتتاح: «إلهي ربح الصائمون، وفاز القائمون، ونجا المخلصون ونحن عبيدك المذنبون».

[2] راجع نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص393 - 394. ويقول الشاعر: إذا عرف الإنسان أحوال من مضى توهَّمته قد عاشَ من أول الدهر

 

20


11

مقدّمة المؤلّف

إنّ الأنبياء والرسل والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ومن بعدهم العلماء الصالحون، والمتّقون، والمخلصون، هم القدوة والأسوة، وإلى تعاليمهم وسِيَرِهم تمسّ الحاجة باستمرار، في استيضاح معالم الطريق إلى السعادة، وقد اخترنا القدوة في هذا الكتاب من المرتبة الثانية - العلماء - للأسباب الآتية:

أ - كان الهدف الأساسيّ للكتاب أن يطّلع الروحانيّون الأماجد، والطلّاب الأعزّاء، الذين هم من الخواصّ، على سيرة أبناء صنفهم ونوعهم؛ ليقتدوا بهم.

ب - عندما يقرأ أحدنا سيرة المعصومين يجد نفسه تلقائيًّا يقول: وأين نحن منهم؟ إنّهم معصومون.

وهكذا نحرم أنفسنا من الاستفادة من سيرتهم، أمّا سيرة العلماء والصالحين فلا يستطيع أحدنا أن يقول ذلك، فيشكلّ سدّاً بينه وبين سيرتهم؛ لأنّهم ليسوا معصومين، والاقتداء بهم ممكن، من هنا كانت لسيرة العلماء، أهميّةٌ خاصّة، كانت من دوافع هذا الكتاب.

ج - إنّ من الضروريّ أن يعرف الناس سيرة علماء الإسلام الواقعييّن؛ ليستفيدوا منها، وليمكنهم على أساس ذلك أن يقيّموا «العلماء» الذين يتصدّون لقيادة الناس وإرشادهم، ويميّزوا الحقيقيّ منهم مِن المزيّف، والأصيل من الدخيل، وهذا أمرٌ ضروريٌّ جدًّا، فقد يؤدّي وجود أدعياء العلم إلى إساءة الظنّ بالحوزات العلميّة والمرجعيّة والعلماء بشكلٍ عامّ.

د - الأشخاص الذين يريدون الالتحاق بالحوزات العلميّة يمكنهم بقراءة هذا الكتاب أن يلمّوا بالصعوبات والمسؤوليّات والمهامِّ الخطيرة التي يستتبعها هذا الطريق؛ حتّى لا يردوا مورداً ليسوا من أهله، فيختاروا طريقاً آخر، حيث إنَّه:

خلق الله للحروب رجالاً

ورجالاً لقصعةٍ وثريد

 

 

21

 

 


12

مقدّمة المؤلّف

من الضروريّ هنا التنبيه على أمور:

1. إنّ هذه المضامين هي من النوع الذي لا بدّ للطلّاب الأعزّاء من العمل به بعد تعلّمه وهي ستّة عشر قسماً.

2. ترتيب القصص في هذا الكتاب لا علاقة له بأهمِّيّة أصحابها، ما عدا ما يرتبط بالإمام الخمينيّ (قدس سره) فقد لوحظ فيها، قدر الإمكان، أن تقدّم على غيرها.

3. القصص التي أُوردت في الكتاب أُخِذت من مصادر معتبرة، وقد تجنّبت إيراد القصص التي تدور على الألسنة دون أن يعرف لها مصدر موثّق، وكذلك لم أورد شيئاً من «صور الواعظين» و«لسان الذاكرين» وإلّا فإنّ حجم هذا الكتاب كان أصبح أكبر مما هو عليه بكثير.

4. كذلك تمّ اجتناب إيراد القصص التي لا توجد شواهد وقرائن على صحّتها، وفي هذا السياق اجتنبت إيراد القصص الأسطوريّة، كتلك التي توجد في بعض الكتب، وكذلك لم أورد القصص التي يستدعي ذكرها الإطالة.

5. المحور الأساسيّ والهدف الأصليّ هو قصص العلماء، كلامهم، وصاياهم، ووقائع سيرتهم ومقدّمات الفصول، وخواتيمها ليست إلّا لإيضاح الفكرة.

6. إذا كان لي من ثواب على هذا العمل، عند الله تعالى، فإنّي أهدي هذا الثواب إلى أساتذتي الأعاظم الذين استفدت منهم في حوزات العلوم الدينيّة؛ لأنّ لهم حقّاً عظيماً عليَّ.

«من علَّم العلم كان خير أب».

والحمد لله ربِّ العالمين.

قم - رضا مختاري

محرّم الحرام - 1405هـ.ق

 

22


13

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

الخطوة الأولى: تهذيب النفس

في ضوء توجيهات قادة الدين، إنَّ أوّل ما ينبغي على طالب العلوم الدينيّة والروحانيّة القيام به، هو أن يكون بصدد تصفية قلبه وتطهير روحه، وتهذيب نفسه؛ لأنّ جميع القيم ترتكز على محور تزكية النفس. وما لم يتمّ غسل القلب من الأدران والصفات الشيطانيّة والرذائل النفسيّة فلن يكون باستطاعة شيءٍ -حتّى العلم- أن ينجي الإنسان. بل إنّ من لم يهذّب نفسه، كلّما ازداد علماً كلّما زاد إضراره بنفسه وبمجتمعه، إنّ العلم كالسكّين، إذا كانت في يد جرّاحٍ مختصّ فهي سبب الحفاظ على الحياة، وإذا كانت في يد جاهلٍ أحمق فهي خطرٌ على الناس. فيا أخي الروحانيّ، فكّر جيّداً وانظر في عواقب الأمور، وليكن همّك قبل كلّ شيءٍ تطهير باطنك وتنظيف قلبك. إنّ حكم قتل آية الله الشهيد الشيخ فضل الله نوري -رضوان الله عليه- قد أصدره معمّمٌ لم يهذّب نفسه؛ أيّ الشيخ إبراهيم الزنجانيّ ممثّل زنجان في المجلس النيابيّ؛ فقد تصدّى للقضاء في محاكمة الشيخ الشهيد وأفتى بقتله.

وقد ذمَّت الروايات العلماء الذين لم يزكّوا أنفسهم ذمّاً كبيراً، وبيّنت أنّ خطر هؤلاء لا تكاد تُحَدّ أبعاده، يقول الإمام علي (عليه السلام): «قصم ظهري عالمٌ متهتّك وجاهل متنسّك، فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه والعالم ينفّرهم بتهتّكه»[1].

 

 


[1] بحار الأنوار، ج12، ص111.

 

25


14

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره) في هذا الصدد: «إذا لم تصلحوا أنفسكم في الحوزات العلميّة، فأينما ذهبتم فإنّكم تتسبّبون بانحراف الناس عن الإسلام وجعلهم يسيئون الظنّ بالروحانيِّين. إذا درستم فقد تُصبحون علماء، ولكن يجب أن تعلموا أنّ الفارق كبيرٌ جدًّا، بين العالم، والمهذّب، فكلّما اختُزنَتْ هذه المفاهيم في القلب الأسود غير المهذّب يزداد الحجاب، إنّ العلم في النفس غير المهذّبة حجاب ظلام، العلم نورٌ ولكن في القلب الأسود يصبح سبباً في ازدياد دائرة الظلمة والاسوداد.

انتبهوا، إيّاكم أن تبذلوا الجهد خمسين سنةً بكدّ اليمين وعرق الجبين في الحوزات ثمّ تكسبوا جهنَّم! فكّروا وادرسوا سبل إصلاح المناهج الدراسيّة في مجال الأخلاق وتزكية النفس وتهذيبها. معاذ الله أن يُقبل الناس على شخصٍ ويحترموه قبل أن يُهذِّب نفسه، عندها يخسر نفسه، ابحثوا عن حلٍّ قبل أن تبيضّ اللِحى. قال بعض أجلّاء قزوين: «كنت بالقرب من رجلٍ حال احتضاره، وفي آخر دقائق حياته فتح عينيه وقال: إنّ الله ظلمني ظلماً لم يظلم أحداً مثله!».

إذا لم يهذّب الإنسان نفسه فيُخشى أن يسلّم الروح بقلبٍ مملوءٍ ببغض الله. على الشباب أن لا ينتظروا حتّى يعلو بياض غبار الموت رؤوسهم ووجوههم! ما دمتم شباباً فباستطاعتكم أن تفعلوا شيئاً. انتبهوا ما دامت الفرصة باقية، وكونوا قبل كلّ شيءٍ بصدد تهذيب أنفسكم وتزكيتها»[1].

مع آية الله النجفيّ القوﭼـانيّ[2]

يقول آية الله النجفيّ القوﭼـانيّ: «إنّ على الطالب أوّلاً أن يجدَّ في غسل باطنه، خاصّةً عندما يكون يافعاً ولم يتلوّث باطنه بعد ويتنجّس، عليه عندها أن يحول دون تنجيسه. والخطوة الأولى آنذاك -حتّى إذا كانت عن تقليد - أن يتحلّى بعلم العمل

 

 


[1]  الجهاد الأكبر للإمام الخمينيّ (قدس سره).

[2] هو آية الله السيد محمّد حسين النجفيّ القوﭼـانيّ (1295 - 1363هـ.ق) تلميذ صاحب الكفاية مجتهد، يتميّز بوعيه السياسي، وحسّه الجهادي، وعزّة النفس، وقوّة البيان، وهو صاحب كتاب «سياحة في الغرب» و«سياحة في الشرق»، وقد نُقِلا إلى العربية.

 

26


15

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

والأخلاق، وبعدها يسعى بجدٍّ لتحصيل علم الحقيقة؛ لكونه مطلوباً ومرغوباً ومندوباً إليه لا لأمرٍ آخر»[1].

حول صدر المتألّهين، الفيلسوف الإسلاميّ الكبير

«لم يكن صدر المتألّهين يريد العلم لأجل المال والجاه، وكان يعتقد بأنّ طالب العلم يجب أن لا يفكّر في المال والجاه إلّا ما كان ضرورياًّ لمعاشه. كان صدر المتألّهين يقول: الشخص الذي يريد العلم للمال والجاه موجودٌ خطر يجب الحذر منه، وكان في جلسات درسه يقرأ هذه الأبيات لجلال الدين الروميّ:

«تعلُّم العلم والفنّ بدون جوهره أشبه ما يكون بتمكين قاطع الطريق من الخنجر.

إنّ تمكين الزنجيّ السكران من الخنجر أفضل من وقوع العلم بيد من ليس أهلاً له.

العلم والمال والمنصب والجاه والقرآن سببٌ للفتنة في أيدي سيِّئي السريرة.

عندما يسقط القلم في يد (الجاهل) الغادر فمن الطبيعيّ أن يُشنَق الحلّاج»[2].

وقد دوَّن «هنري كربن»[3] وجمعٌ من المستشرقين سيرة صدر المتألّهين -رضوان الله عليه- وتعرّضوا لحياة العلماء المعاصرين لهذا الفيلسوف الكبير فقالوا: «يندر أن نجد اليوم في جامعات الشرق والغرب نظيراً لطلّاب العلوم في مدارس أصفهان، كان أكثرهم يطلبون العلم للعلم وتبليغ الدين، لا لشيءٍ آخر.

ولم يكن يخلو الأمر ممّن يطلبون العلم للحصول على المال، إلّا أنّ عددهم كان ضئيلاً جدًّا بحيث إنَّهم لم يكن لهم أيّ تأثيرٍ على أكثر الطلّاب.

 

 


[1]  سياحة في الشرق، ص214.

[2]  ينبغي التنبيه على أنّ هناك آراء متعدّدة حول مقتل الحلاج فليلاحظ.

[3]  من أساتذة جامعة السوربون في فرنسا، جرت مناظرات علميّة طويلة بينه وبين آية الله السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ صاحب الميزان -رضوان الله عليه-كان بعضها بحضور عدد من أساتذة جامعة طهران. وقد فسّرت حصيلة تلك المناظرات. (المعرِّب)

 

27


16

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

أمّا اليوم، فالطالب الذي يدخل الجامعة -في الشرق أو الغرب- هدفه أن يستطيع في النهاية الحصول على شغلٍ يمكّنه من حياةٍ مرفّهة. إنّ أكثر طلّاب مدارس أصفهان كانوا يدرسون ليصبحوا علماء، حتّى إذا علموا بأنّهم سيعيشون العسر الماديّ حتّى آخر يومٍ من حياتهم.

كان فقر طلّاب مدارس أصفهان مضرب المثل، ولكنّهم مع ذلك لم يكونوا يشتكون ما هم فيه من ضيق، وقد كان عمق إيمانهم الدينيّ والعلميّ بحيث إنّ البعض القليل من الطلّاب الذين كانوا بعد انتهاء دراستهم يحصلون على جاهٍ ومالٍ لم يتمكّنوا أبداً أن يؤثّروا في الباقين. والحال أنّ الإنسان الذي يواجه صعوبة العيش، ويرى أنّ نظيره استطاع، عن طريق علمه، أن يحصل على رفاهيّته، يلجأ عادةً إلى الاتجار بعلمه، على العكس من ذلك كان أكثر هؤلاء الطلّاب؛ لقد كانوا يحبّون العلم إلى حدٍّ لم يستطع بريق الدنيا أن يستهويهم[1].

شروط صدر المتألّهين في قبول التلميذ

كان طلّاب العلوم من جميع أنحاء إيران يقصدون شيراز للاستفادة من درس صدر المتألّهين، ولكنّه لم يكن يقبل التلميذ إلّا إذا قبل التلميذ أربعة شروطٍ وعمل بها:

الأوّل: أن لا يكون بصدد تحصيل المال إلّا بمقدار تحصيل معاشه.

الثاني: أن لا يكون همّه الحصول على موقعٍ اجتماعيّ.

الثالث: أن لا يعصي.

الرابع: أن لا يقلّد[2].

فإذا قبل التلميذ هذه الشروط وعمل بها، كان صدر المتألّهين يقبله في عداد تلامذته، ويبقيه في مدرسته، وإلّا فإنّه كان يطلب منه مغادرة المدرسة. كان صدر

 

 


[1]  ملا صدرا فيلسوف متفكر بزرك إسلامي، ص18.

[2]  المراد طبعاً التقليد المذموم في الأصول والعادات (المعرِّب).

 

28


17

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

المتألّهين يقول: «من المستحيل أن يتمكّن من هو بصدد تحصيل المال من تحصيل العلم، فتحصيل مال الدنيا وتحصيل العلم عملان متخالفان لا يقترنان، والشخص الذي يزيد طوله يقلّ عرضه وتقلّ ضخامته، وهكذا طالب تحصيل المال قد يمكنه ذلك إلّا أنّه حتماً لا يستطيع تحصيل العلم، وأصحاب الثروات الذين يتظاهرون بأنّهم علماء، هم مراؤون»[1]. ومن هذه الشروط في قبول الطلّاب، يتّضح لماذا صدر المتألّهين أصبح صدر المتألّهين، وما هو الذي أوصله إلى هذه الدرجة من التقوى والحكمة والعرفان.

وفي الواقع فإنّ أستاذ صدر المتألّهين «الميرداماد» هو الذي ربّاه هذه التربية، ولاستيضاح ذلك نصغي إلى وصيّة «الميرداماد» لتلميذه في أوّل يومٍ اشترك في مجلس درسه.

صدر المتألّهين في يوم دراسته الأوّل

عندما انتهت أوّل جلسةٍ اشترك فيها صدر المتألّهين في درس «الميرداماد»، انتحى به أستاذه جانباً وقال له: «يا محمّد، لقد قلت أنا اليوم إنّ الشخص الذي يريد دراسة الحكمة، يجب أن يهتمّ بالحكمة العمليّة، وها أنذا أقول لك إنّ الحكمة العمليّة أمران:

الأوّل: القيام بجميع واجبات الإسلام.

الثاني: اجتناب كلّ ما تطلبه النفس الأمّارة من أجل أنسها. أداء الواجبات الدينيّة ضروريٌّ؛ لأنّ الطالب عندما يؤدّيها يستفيد من كلّ فائدةٍ هي لمصلحته.

وأمّا الأمر الثاني -اجتناب ما تهواه النفس الأمّارة- فباعتبار أنّ طالب الحكمة يجب أن يجتنب تأمين رغبات نفسه. إنّ المطيع لنفسه المشتغل بدراسة الحكمة يُحتمَل في حقّه قويًّا أن يخسر دينه وينحرف عن الصراط المستقيم[2].

 

 


[1]  المصدر السابق، ص186.

[2]  المصدر السابق، ص50 - 51، ومن المهمّ جدًّا أن يتعلّم المدرّسون المحترمون من «الميراداماد» عليه الرحمة الذي أرشد تلميذه في الجلسة الأولى إلى الاهتمام بالتقوى ومجانبة الهوى، ويضعوا حدّاً لإهمال الأساتذة لطلَّابهم بحيث إنّ بعضهم لا يهتمّ بأخلاق تلميذه رغم علاقته به طيلة سنين عديدة.

 

29


18

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

ويتحدّث «الرازيّ» عن صفات تلامذة الطبّ فيقول:

«من الواجب على تلميذ الطبّ أن لا يدرس هذا العلم لجمع المال، بل عليه أن يتذكّر أنّ أقرب الناس إلى الله أعلمهم وأعدلهم وأرحمهم بالناس»[1].

وعندما يكون واجب طالب علم الطبّ -على ما ذكره الرازيّ- هو هذا، يصبح واجب طالب العلوم الدينيّة أكثر وضوحاً. نستنتج ممّا تقدّم وبكلّ وضوح، أنّ الوصول إلى الكمالات المعنويّة والإحاطة بأسرار عالم الوجود وكمال الانقطاع إلى الله، وبكلمة، أن يصبح الإنسان عالماً ربانيّاً، لا سبيل إليه إلّا في إطار الأخلاق.

يقول صدر المتألّهين: «عندما كنت في كَهَك[2] كنت أعمل على تهذيب نفسي، كنت أخلو بنفسي وأفكّر، أستعرض المعلومات التي تعلّمتها؛ كنت أحاول جاهداً أن أفهم أسرار الوجود بقوّة العلم والإيمان، وبسبب الإخلاص وتزكية النفس أُضيءَ قلبي وفُتِحتْ أمامي أبواب الملكوت، وبعدها أبواب الجبروت، وفهمت أسرار الدنيا الإلهيّة، وفهمت أشياء لم أكن في البداية أتصوّر أن تُفَكّ لي رموزها»[3].

وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى أمرين:

الأوّل: يُستفاد من كلام الإمام الخمينيّ المتقدّم «أن يقبل الناس على شخصٍ ويحترموه، قبل أن يهذّب نفسه ...» أنّ طالب العلم الدينيّ ما دام لم يهذّب نفسه

 

 


[1]  الرسائل الفلسفيّة للرازي تحقيق كراواس، نقلاً عن نور العلم العدد 7، ص127.

[2] كَهَك (بفتح الأول والثاني) قرية جميلة في سفح جبل شامخ على بعد حوالي ثلاثين كيلومتراً جنوب شرقي قم ّوقد زارها البروفسور «هنري كربن» عام 1962 وكتب عنها كهك تقع على بعد ثلاثين كيلو متراً جنوب شرقي قمّ وللوصول إليها ينبغي السير خمسة عشر كيلومتراً على طريق قمّ - أصفهان ثم ّيدخل المسافر إليها في طريق فرعيّ شرقي الطريق فيمشي في صحراء جافّة خمسة عشر كيلومتراً، وفي كهك مسجد صغير يبدو أنّه بني في القرن الحادي عشر الهجريّ. ويحتمل أنّ صدر المتألّهين كان يؤدّي عبادته ورياضته فيه. في كهك كان يتأمّل ويكتب... وهنا أيضاً أشرقت عليه أنوار الملكوت وحصل على ذوق الشهود (إيقاظ النائمين، ص10).

ولا يمكن تحديد السنوات التي قضاها صدر المتألّهين في هذه القرية على وجه الدقّة، ففيما يرى البعض أنّها بين 7 و15 سنة يرى «كربن» أنّها بين 9 و11 سنة (المصدر السابق) وبالقرب من كهك غار يقول البعض إنّ صدر المتألّهين كان يختلي فيه ليشتغل بالرياضة والذكر بعيداً عن الأنظار.

[3]  ملا صدرا فيلسوف ومتفكر بزرﮒ اسلامي 199.

 

 

30


19

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

فلا ينبغي أن يتصدّى للمهامِّ الاجتماعيّة - الدينيّة كإمامة الجمعة والجماعة والخطبة، واحتراف التبليغ، وقد أثبتت التجارب أنّ ضرر ذلك أكثر من نفعه، والشواهد على ذلك كثيرةٌ جدّاً لا مجال لإيرادها.

كما أنّ الواضح من جهةٍ أخرى، أنّ تزكية النفس لطالب العلم في غير الحوزات العلميّة أمرٌ صعب المنال جدّاً، فمع الاستغراق في العمل الاجتماعيّ كيف يوفّق الطالب لتصفية باطنه؟ من هنا، كان لزاماً على الطالب أن يهتمَّ بتزكية نفسه قبل دخول ميدان العمل الاجتماعيّ.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من نصّب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم»[1].

1 - ما دمت لم تفتح نفسك يا فلان فكيف يمكنك أن تفتح نفوس الآخرين[2]؟!

2 - شدّ وثاق نفسك أوّلاً وسيطر عليها، وآنذاك اعرِف نعمة الوعظ والنصح.

3 - انصب منبراً لنفسك أوّلاً، عندها يمكنك أن ترعد على المنبر وتبرق.

4 - أضرم اللهب في باطنك أوَّلًا، عندها يمكنك أن تلهب (المشاعر أيّها السالك).

5 - ما لم تُنضِج حُرقَةُ الدين القلبَ فلن ينفع كلامك أيّها المحترم (لن يصبح نَفَسُكَ حاراً).

6 - ما لم يكن في كبدك حرقة فلا تنفخ، فإنّ نفخك لن يؤثّر[3].

الثاني: الأمر الثاني الذي تنبغي الاشارة إليه، هو ذكر كتبٍ تنفع الطلّاب، ولا بدّ من قراءتها مرّاتٍ عدّة:

 

 


[1]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص480، الخطبة 73.

[2]  مثنوي طاقديس، ص282.

[3]  المصدر نفسه، ص203.

 

 

31


20

القسم الأوّل: الخطوة الأولى: تهذيب النفس

الأوّل: «منية المريد» للشهيد الثاني. يقول الميرزا الشيرازيّ حول هذا الكتاب: «من المهمّ جدّاً أن يواظب طلّاب العلوم الدينيّة (أهل العلم) على قراءة هذا الكتاب الشريف وأن يتأدّبوا بالآداب الواردة فيه»[1].

الثاني: «معراج السعادة». وفي أهمِّيّته يقول أحد الكتّاب المعاصرين: «هذا الكتاب مهمٌّ جدًّا، ويجب أن يكون سمير الطالب باستمرار، بِمعنى أن يقرأ كلّ ليلة مقداراً قليلاً منه ويحاول ولو بجهد ٍكبير - أن يطبّق ما قرأه؛ لأنّ بعض الكتب ليست للمطالعة؛ أي يقرأها الإنسان ويدعها جانباً كالقصّة التي تقرأها ولا تعود إليها؛ فمثلاً إذا اشتريت كتاباً في الرياضة وقرأته ثمّ وضعته جانباً فهل ينفعك؟ كتاب كهذا يجب أن يكون في متناول الإنسان باستمرار وبين الفترة والأخرى يقرأ قسماً منه ويعمل به، يؤدّي هذه الحركة وتلك ويكرّرهما، ثمّ ينتقل إلى قسمٍ آخر، حتّى تظهر تدريجياً آثار هذه الرياضة عليه، ويكتسب بدناً قويًّا وسليماً. إنّ كتب الأخلاق كذلك، يجب أن يقرأ الإنسان فصولها بل صفحاتها واحدةً واحدة، ويطبّق ما فيها، ويعمل به، ويبني نفسه من جديد، وعندما ينجح في مرحلة، ينتقل إلى مرحلة بعدها»[2].

الثالث: «تذكرة المتّقين» وهذا الكتاب مجموعة الرسائل والتوجيهات لثلاثةٍ من الأساتذة الكبار في علم الأخلاق، وهم: المرحوم الملّا حسنقلي الهمدانيّ، السيّد أحمد الكربلائيّ، والشيخ محمّد البهاريّ الهمدانيّ؛ وتتركّز هذه الرسائل في المسائل الأخلاقيّة وطريق السلوك إلى الله، وقد جمعها الأديب العارف الشيخ إسماعيل التبريزيّ[3] (رحمه الله). وقد نُقِلَ أنّ البعض عمل بمضامين هذا الكتاب وطبَّق تعليماته فبلغ بذلك مراتب سامية.

 

 


[1]  يادنامة علامة أميني، ص565، الهامش.

[2] هويت صنفي روحاني (97 - 98). ولا بدّ من التوضيح هنا أن معراج السعادة هو للمولى أحمد النراقي ابن المولى مهدي النراقي مؤلّف جامع السعادات، وهو من الكتب التي يوصي الإمام القائد بقراءتها كما جاء في كتاب سرّ الصلاة، ويُمكِنُ لمن لا يجيد الفارسيّة أن يستبدل به كتابَ المراقبات مثلاً لآية الله ملكي جوادي التبريزي فهو كتابٌ فريد في بابه، كما يمكن أن يستبدل بالكتابِ الثالث الذي أوصى المؤلّف بقراءته كتابَ سرّ الصلاة لآية الله التبريزي نفسه. (المعرِّب)

[3]  رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى السيد بحر العلوم، ص116 الهامش نقلاً عن كشف الغمة.

 

32


21

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

الآن، وقد اتّضحت بعض الشيء أهمِّيّة تزكية النفس وتصفية الباطن، ينبغي التأكيد على أهمِّيّة الأستاذ.

لا تقطع هذه المرحلة بدون صحبة «الخضر». إنَّها لظلمات، فحاذر من خطر الضياع[1].

إنّ تعلّم أيّ علمٍ وصنعةٍ في العالم يحتاج إلى معلّم، وهذا الأمر لشدّة وضوحه لا يجادل فيه أحد وهو، بحسب الاصطلاح، «تَصَوُّره مُوجِبٌ لتصديقه». وصناعة الإنسان بدون أستاذ وبشكلٍ تلقائيّ هي غير ممكنة، ولا يمكن لأحد أن يدّعي أنّه، وبدون أن يتلقّى التوجيه من أحد، يستطيع أن يصفِّي قلبه ويطهّر ذاته من الرذائل الأخلاقيّة. وعليه، فإنّ المسألة الأولى التي يجب على طلّاب العلوم الدينيّة الاهتمام بها -خصوصاً الطلّاب المبتدئين- أن يكونوا بصدد البحث عن أستاذ الأخلاق، فيختاروا إنساناً حرّاً متّقياً يتولّى تربيتهم....

الأشخاص الذين لم يتتلمذوا طيلة عمرهم على معلّم أخلاق ويقولون: «نحن قرأنا القرآن وأحاديث المعصومين وسرنا ووصلنا» مخطئون قطعاً وتائهون. والحديث في هذا المجال ذو شجون، ولكن من الأفضل ذكر خلاصة ما يؤكّد عليه علماء الأخلاق المربّون: أيّها الطالب المبتدئ، وأيّها الأخ الروحانيّ، إبدأ منذ الأيّام الأولى لدخولك الحوزة العلميّة بالبحث عن أستاذ الأخلاق، وليكن ذلك همّك الأوّل. حذار أن تفعل شيئاً دون استشارة لأستاذ يتّصف بالفهم والتحرّق والوعي.

 

 


[1]  مضمون بيت شعر فارسيّ لحافظ الشيرازيّ.

 

 

35


22

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

حذارِ! انظر بعيداً، فإنّ المحتالين الذين يُضلّون الناس عن الحقّ كثيرون، افتح عين بصيرتك جيّداً حتّى لا تقع في شراكهم. ولقد عانيت ضرر عدم الاستفادة من أستاذٍ، وتذوّقت نتائج ذلك، وواجهت من جرَّائه مشاكِل عديدة، وبدافع الإخلاص وحبّ مصلحتك أقول: كن بصدد البحث عن خضر هذه المرحلة، واعلم أنّه لم يستطع أحدٌ أن يصبح شيئاً لوحده.

مع الإمام الخمينيّ (قدس سره)

«اختاروا أساتذة أخلاقٍ لكم، إعقِدوا مجالس الوعظ والخطابة والنصيحة، التهذيب تلقائيّاً (بدون أستاذ) غير ممكن، إنّ الحوزات محكومةٌ بالفناء إذا خلت من مجالس الوعظ والنصيحة. كيف يُعقَل أن يكون علم الفقه والأصول بحاجة إلى مدرّس؟ بحاجةٍ إلى درسٍ وبحث؟ (كيف يُعقَل) أن يكون كلّ علم وصنعة في الدنيا بحاجة إلى أستاذ، ولا تكون العلوم المعنويّة والأخلاقيّة بحاجٍة إلى تعلّمٍ وتعليم؟ ثمّ يحصل عليها الإنسان تلقائيّاً «أوتوماتيكيّاً» ويحصّلها بدون معلّم، لقد سمعت مراراً أنّ سيّداً جليلاً كان معلّم الأخلاق للشيخ الأنصاريّ[1]. كثيرةٌ هي الأمور التي تجعل الإنسان مسكيناً، وتمنعه من التهذيب والتحصيل. بعض هذه الأمور للبعض هي هذه اللحية والعِمامة، عندما تصبح العِمامة كبيرةً قليلاً وتطول اللحية، إذا لم يكن صاحبُهما مهذّباً، يبقى بلا علم، يصبح قعيداً ومن الصعب أن يستطيع أن يدرّس نفسه الأمّارة ويحضر مجلسَ درس أحد. الشيخ الطوسيّ في الثانية والخمسين من عمره كان يذهب إلى الدرس، في حين أنّه بين العشرين والثلاثين ألّف بعض هذه الكتب، كتاب التهذيب يقال إنّه ألّفه عندما كان هذا عمره، ومع ذلك في الثانية والخمسين كان يشترك في درس المرحوم السيّد المرتضى؛ ولذلك وصل إلى هذه المرتبة»[2].

 

 


[1]  سيأتي أنّ هذا السيد الجليل هو المرحوم السيد علي الشوشتريّ أستاذ العرفان في القرن الأخير.

[2] الجهاد الأكبر، العلم والتربية توأمان.

 

 

36


23

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

«ينبغي أن تخيِّط شفتيك لمدّة - تتعلّم فيها الكلام من العالِمين به.

 

ما لم تتعلّم فلا تقل من المئة واحدًا - وإذا قلت فستقول حشواً دون شكّ»[1].

 

أهمِّيّة الأستاذ

يقول العارف الجليل آية الله السيّد عليّ القاضي أستاذ العلّامة الطباطبائيّ في العرفان والسير والسلوك: «أهمّ ما يلزم في هذا الطريق الأستاذ الخبير، البصير، الخارج من أسر الهوى، الواصل إلى المعرفة الإلهيّة، والإنسان الكامل الذي سافر -بالإضافة إلى السير إلى الله- الأسفار الثلاثة الأخرى، شرط أن يكون تجوّله وتفرّجه في عالم - الخلق «بالحقّ». إذا أمضى الإنسان الذي يطلب طريق الله وسلوك طريق الله، نصف عمره يبحث عن أستاذ هذا الطريق ويفتِّش عنه، فإنّه يكون مصيباً؛ لأنّ الأمر يستحقّ هذا الاهتمام. من وصل إلى الأستاذ وحصل عليه فقد قطع نصف الطريق»[2].

طريقة الشيخ الكاشيّ

يحدّثنا المرحوم آية الله النجفيّ القوﭼـانّي عن أستاذه المرحوم الشيخ محمّد الكاشيّ صاحب الكرامات المشهورة، وعن تأثير حديثه الأخلاقيّ، فيقول: «الشيخ محمّد الكاشيّ الذي قرأت في أصفهان «منظومة السبزواريّ» عليه، كان غايةً في العلم والتحقيق، وكان مدرّساً جيّداً، ومع أنّه كان معروفاً ومجتهداً في المعقول والرياضيّات، كان على جانبٍ كبيرٍ من القداسة والتديّن والرياضات، وكان باستمرار قبل الدرس يعظ لمدّة ربع ساعة، وكانت موعظته مؤثّرةً جدّاً، بحيث إنَّنا كنّا نصمّم أن ننصرف كلّيّاً عن الدنيا وما فيها ونهتمّ بالآخرة»[3].

تنبيهٌ هامّ

الأمر الذي يجب الاهتمام به جيّدًا هو الدقّة في اختيار الأستاذ. يجب أن يكون الطالب دقيقاً جدّاً ومحتاطاً، فلا يختار شخصاً لمجرّد أنّه يدّعي أنّه قادر، وبدون أن

 

 


[1]  مضمون بيتين لمولوي.

[2]  رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى السيّد بحر العلوم، ص176، الهامش.

[3] سياحة في الشرق، ص188.

 

37


24

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

يطمئنّ إلى صحّة دعواه. وفي هذا المجال نصيحة للمرحوم العلّامة السيّد بحر العلوم، حيث يقول: «وأمّا الأستاذ العامّ[1] فلا يُعرَف إلَّا بصحبته في السرِّ والعلن، ومعاشرته الباطنيّة، وملاحظة اكتمال إيمان جوارحه وإيمان نفسه. والحذرَ الحذرَ من أن يقع الانخداع بظهور خوارق العادات منه وبيانه لدقائق النكات، وإخباره بالخفايا الآفاقيّة، وخبايا الأنفس، وتبدّل بعض حالاتك نتيجة الاقتداء به؛ لأنّ الإشراف على الخواطر والاطّلاع على الدقائق والعبور على الماء والنار وطيّ الأرض والهواء والأخبار بما يأتي وأمثال ذلك، إنّما تحصُل في مرتبة المكاشفة الروحيّة، وبين هذه المرحلة والهدف المطلوب مسافةٌ لا تتناهى، وكثيرٌ من المنازل والمراحل، وما أكثر السالكين الذين يجتازون هذه المرحلة ثمّ يدخلون بعدها في وادي اللصوص والأبالسة. ومن هنا، يستطيع كثيرٌ من الكفّار أن يأتوا بكثيرٍ من الأمور (الغريبة)، بل إنّه من التجلّيات الصفاتيّة، لا يمكن استنتاج وصول صاحبها إلى المنزل (الهدف المطلوب)».[2]

نماذج من دروس الأخلاق في الماضي

1 - يقول أحد الفضلاء المعاصرين: «حوالى سنة 1341هـ.ق، طلبت مع عدد من الأصدقاء من المحدّث القمّيّ - صاحب مفاتيح الجنان ومؤلّفات أخرى كثيرة وقيّمة - أن يبدأ ليالي الخميس والجمعة بدرس أخلاقٍ للطلّاب في مدرسة ميرزا جعفر خان في مشهد. كان يشترك في الدرس حوالي ألف شخصٍ من العلماء والطلّاب، وكان يرتقي المنبر ويتحدّث حوالى ثلاث ساعاتٍ في المسائل الأخلاقيّة، وكان تتبّعه وتبحّره في الأخبار

 

 


[1]  المراد به ما يقابل الأستاذ الخاص الذي هو المعصوم كما يصرِّح صاحب النصّ في ما تقدّم على الفقرات المنقولة هنا - المعرِّب.

[2]  أوضح شارح رسالة السيّد بحر العلوم السيّد الطهراني هذا النصّ بما خلاصته: إنّ المكاشفة على خمسة أنواع وإنّ المكاشفات الروحيّة تأتي في المرتبة الثالثة، ومراد السيّد بحر العلوم أنّ من وصل إلى هذه المرتبة الثالثة قد ينحرف، فوصوله إليها لا يكشف أنّه أهل للتلقّي عنه... وأمّا العبارة الأخيرة عن التجلّيات الصفاتيّة فالمراد بها أنّ التجلّيات -كما أوردها السيّد الطهرانيّ- هي أيضاً على أربعة أقسام، والتجلّيات الصفاتيّة هي في المرتبة الثانية ووصول السالك إليها لا يكشف أنّه أصبح أهلاً لأن يكون الأستاذ العامّ - راجع «رسالة سير وسلوك، منسوب إلى بحر العلوم» (ص159 - 161) المعرِّب.

 

38


25

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

والروايات، واحتياطه في النقل والشرح -وكان يورد الأحاديث المسندة غالباً - والتأثير العجيب لكلامه، يترك أكبر الإعجاب في نفوس المستمعين الذين كانوا جميعاً من أهل العلم والاطّلاع، ولكن للأسف لم يستمرّ ذلك المجلس أكثر من أشهُرٍ عدّة»[1].

2 - أحد دروس الأخلاق المهمّة والغنيّة في قمّ أيّام كان الإمام الخمينيّ (قدس سره) مقيماً فيها، درسُه هو (قدس سره) ولم نكن آنذاك لنحصل على شرف الاستفادة من نور هذه الشمس المشرقة، إلّا أنّ الأحاديث التي ينقلها أساتذة الأخلاق عن هذا الدرس والكلمات القصار التي بقيت في الخواطر وتتناقلها الألسن بين الحين والآخر، كلّ منها بحر علمٍ ومصباح هدايةٍ متوهّجٌ على مَرّ الليالي والأيّام . ومن المؤسف أنّه في هذه الأيّام، والحاجة ماسّةٌ إلى مثل هذه المجالس أكثر من أيّ شيء آخر، لا مجال لذلك الرجل العظيم لإقامة مثل هذه الدروس بسبب كثرة المشاغل وقيادة سفينة الثورة التي تعصف بها هوج الرياح، والصراع المرير مع أعداء الإسلام الأساسيِّين وعلى الرغم من ذلك كلّه، فإنّه -دام ظلّه-عندما يذكر، بمناسبةٍ أو أخرى في أحاديثه العامّة، بعض الإرشادات ويكشف ويبيّن بعض الغوامض، فيقشعرّ بدن الإنسان وتستولي عليه الدهشة لهذا الإخلاص العظيم والاطمئنان والتوكلّ والعرفان.

وإليك فكرة عن درس الإمام أيّام كان سماحته في قمّ: في البداية كانت هذه الجلسة محدودةً جدّاً، وكان يستطيع الاشتراك فيها أشخاصٌ يطمئنّ إليهم سماحته، وكان يشرح لهم المعارف الإلهيّة على أساس كتاب «منازل السائرين». وتدريجيّاً اتّسعت دائرة الدرس، وأصبح يُعقَد أسبوعيّاً مرّةً وبشكلّ علنيّ، وبالإضافة إلى الروحانيّين كان يحضره العشرات من مختلف الطبقات. ثمّ أصبح إقبال الناس الكبير على هذا الدرس سبباً في أن قرّر الإمام أن يعقده يومين أسبوعيّاً (الخميس والجمعة) وحاول جلاوزة رضا خان أن يعطّلوا الدرس، لكنّهم وُوجِهوا بصلابة موقف الإمام؛ فقد قال الإمام لمبعوث الشرطة: «أنا مكلّف أن أقيم هذا الدرس مهما كلّف الأمر، فلتأتِ الشرطة مباشرةً

 

 


[1]  الفوائد الرضويّة وصفحة (د) بتصرّف يسير.

 

 

39


26

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

وتمنعه». ولم تجرُؤ الشرطة على اقتحام مجلس الدرس، ولكنّهم استمرّوا في المضايقات، ممّا اضطرّ الإمام إلى أن ينقل الدرس من المدرسة الفيضيّة إلى مدرسة «حاجّ ملّا صادق» في محلّة «جهار مردان» وقد استمرّ الأمر كذلك حتّى انتهى عصر رضا خان المظلم، فنقل الإمام الدرس إلى الفيضيّة واستمرّ سنواتٍ طويلة (الظاهر أنّها ثماني سنوات) بعدها استطاع جلاوزة الشاه بأساليبهم المختلفة أن يوقفوا هذا الدرس المربّي، إلّا أنّ صرخة الإمام استمرّت هادرةً توقظ النائمين؛ فقد كان في النجف وقمّ يستغلّ كلّ فرصةٍ مناسبةٍ لينصح طلّاب العلوم الروحانيّين بنصائحه البنّاءة، داعياً الحوزات العلميّة إلى التقوى وجهاد النفس[1].

 

مع الشهيد مطهّريّ

كان الأستاذ الشهيد من أبرز الوجوه التي حضرت هذا الدرس وهو يحدّثنا عن تأثيره فيقول:

«رغم أنّني عندما هاجرت إلى قمّ لم أكن قد أكملت المقدّمات، ولم أكن أهلاً لدراسة المعقولات إلّا أنّ الدرس الأخلاقيّ الذي كان يُقام من قبل الشخصيّة التي هي محبوبي كلّ خميس وجمعة، وقد كان في الحقيقة درس معارف وسير وسلوك، لا درس أخلاق بالمعنى الجافّ العلميّ، هذا الدرس كان يُسكرني، وبدون أيّة مبالغة هذا الدرس كان يستولي على مشاعري ويشدّني إليه، إلى حدّ كنت أجد نفسي حتّى الاثنين والثلاثاء من الأسبوع التالي ما أزال متأثّراً به بشدّة. جانبٌ مهمٌّ من شخصيّتي الفكريّة والروحيّة تكوّن في هذا الدرس، ثمّ في الدروس الأخرى التي تلقّيتها من ذلك الأستاذ الإلهيّ طيلة اثني عشر عاماً، كنت دائماً أعتبر نفسي مديناً له وما زلت. حقّاً أقول «إنّه روح القدس الإلهيّ»[2].

 

 


[1]  بررسي وتحليلي أز نهضت إمام خميني، ج1، ص3 - 40.

[2]  علل ﮔراش ماديـﮕري الدوافع نحو الماديّة. الجدير بالذكر أنّ آية الله الشهيد المطهّري لجأ إلى هذا التلميح لأنّه لم يكن يستطيع ذكر اسم الإمام بسبب رقابة الساواك؛ ولذلك كان المتعارف آنذاك أن يعبّر عن الإمام بـ(أستاذي الإلهيّ) أو كما ورد في النصّ (المعرِّب).

 

40


27

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

3 - يقول أحد المدرّسين الحاليِّين في الحوزة: «استدعى آية الله البروجرديّ (رحمه الله) المرحوم الميرزا عليّ آقاي شيرازيّ إلى قمّ لتدريس الأخلاق فيها، وكنا نشترك في مجالس درسه. وقد كان لإرشادات الميرزا عليّ أثرٌ كبيرٌ في تكوين شخصيّة الشهيد مطهّري، وهو نفسه يذكر ذلك في مقدّمة كتابه «في رحاب نهج البلاغة»: «أرى لزاماً أن أذكر في هذه المقدّمة ذلك الرجل العظيم الذي عرَّفني لأوّل مرّةٍ على نهج البلاغة، الذي أعتبر دائماً أنّ تتلمذي عليه وجلوسي إليه من ذخائر عمري النفيسة التي لست مستعدّاً لأن أستبدلَ بها أيَّ شيء، ولا يمرّ يومٌ أو ليلةٌ لا تكون ذكراه مجسّمةً في خاطري. أسمح لنفسي أن أتجرّأ فأقول: لقد كان بحقٍّ عالماً ربَّانيّاً، ولكنّي لا أجرؤ أن أقول: كنت متعلّماً على سبيل نجاة»[1].

4 - المرحوم آية الله ملكي تبريزيّ -الذي سيأتي التعريف بسيرته إجمالاً- هو من أساتذة الإمام الخمينيّ في الأخلاق، وكان يدير دروساً في الأخلاق للطلّاب وعامّة الناس كلًّا على حدة.

يقول أحد الفضلاء المعاصرين في هذا المجال:

«كان(رحمه الله)يصوم الأشهر الثلاثة رجب، وشعبان وشهر رمضان، ويلقي درساً عامّاً في الأخلاق، والآن سنة 1393هـ.ق (تاريخ تأليف الكتاب) أي بعد حوالى خمسين سنة من وفاة هذا العالم الربَّانيّ ما زالت جدران المدرسة وجوهاً تردّد صدى صوته الحزين ومناجاته التي تأسر القلوب وهو يردّد: «اللّهم ارزقني التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت»[2]. وفضائله -رحمة الله عليه- وكراماته فوق أن يحصرها هذا الكتاب - وقد نقل تلامذته الكثير حول زهده وتقواه وعشقه وعرفانه، وعدُّوه من بكَّائي الزمان. وصلاة جماعته في المدرسة الفيضيّة ومسجد «فوق الرأس» ودرسه كذلك، شواهد على هذا المدّعى»[3].

 

 


[1]  لأهميّة ما كتبه الشهيد عن أستاذه راجع بقيّة ذلك في المصدر المذكور (في رحاب نهج البلاغة)، والنصّ هنا ليس منقولاً عنه بل هو مترجم عن الأصل الفارسيّ (المعرِّب).

[2]  مفاتيح الجنان أعمال الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان.

[3]  ﮔنجينئة دانشمندان، ج1، ص230.

 

41


28

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

5 - المرحوم آية الله العلّامة الطباطبائيّ كان يدرّس الأخلاق لبعض الطلّاب في قمّ سنة 1368 - 1369هـ.ق. وكان ذلك الدورة الأولى من دروسه الأخلاقيّة والعرفانيّة، ولحسن الحظّ فقد طبعت تقريرات درسه باسم «لبّ اللباب»[1]. كان السيّد العلّامة يهتمّ برسالة السير والسلوك المنسوبة إلى السيّد بحر العلوم، وكان يوصي بقراءتها، وقد درَّسها هو مرّاتٍ عدّة لخواصّ من تلامذته من طلاّب الحقيقة ولقاء الله، وقد كان يشرحها بشكلّ موسّعٍ نسبيّاً[2].

«يصل راعي الوادي الأيمن إلى هدفه عندما يخدم شعباً بإخلاص عدّة سنين»[3].

وفي ما يلي تعريف بعدد من الشخصيّات البارزة من أساتذة الأخلاق والعرفان والسير والسلوك في القرن الأخير، حيث نذكر -مع مراعاة الاختصار- ما يتعلّق بهذه الشموع المضيئة لتكون أسماؤهم زينة هذه الأوراق، وتأديةً لبعض حقّهم.

 

 


[1]  لبّ اللباب، تقرير آية الله السيّد الطهرانّي (فارسي).

[2]  مهرتابان «فارسي»، ص 54 القسم الأول: هذا الكتاب قسمان القسم الأول سيرة العلّامة الطباطبائيّ عليه الرحمة، والقسم الثاني فوائد علميّة هامّة تلقّاها منه تلميذه مؤلّف الكتاب آية الله الطهرانيّ وهو كتاب قيّم جداً «المعرِّب».

[3]  مضمون بيت فارسيّ لحافظ الشيرازيّ استشهد به المؤلّف والمراد براعي الوادي الأيمن نبيُّ الله موسى على نبيِّنا وآله وعليه الصلاة والسلام.

 

42


29

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

1 - العارف الكامل آية الله السيّد عليّ الشوشتريّ[1]

أحد ألمع نجوم سماء العرفان في العصر الأخير، وصيّ الشيخ الأنصاريّ(رحمه الله) وهو الذي صلّى على جنازة الشيخ، وتولَّى التدريس من بعده على منبره. فكان كأنّه الشيخ، وكان المرحوم الآخوند الخراسانيّ[2] (رحمه الله) يحضر مجلس درسه، وكان السيّد يولي الآخوند عنايةً خاصّة.

وينتهي نسب السيّد عليّ الشوشتريّ إلى المحدّث الجزائريّ على النحو الآتي: السيّد عليّ بن السيّد محمّد بن السيّد طيّب بن السيّد محمّد بن نور الدين بن المحدّث الجزائريّ[3].

يقول عنه صاحب «المآثر والآثار»:

«المشهور بالزهد والرياضات الشرعيّة ومخالفة النفس، من جملة رُؤَساء المذهب،

 


[1] ينبغي التنبيه على أنّه حيث يرد مدح العارف في هذا الكتاب، فإنّ المقصود العارف بالمعنى الحقيقيّ، مثل هؤلاء العلماء الذين ترد أسماؤهم في هذا القسم؛ أي الأشخاص الذين يلتزمون تماماً بالشريعة الإسلاميّة وفقه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لا أولئك الذين يعتمدون على عقلهم الناقص ويخرجون من دائرة الشريعة ولا يطبّقون تعاليم الإسلام.

يقول المرحوم آية الله الشيخ محمّد البهاريّ (رحمه الله): من جملة أولئك «المغرورين» طائفة يعتبرون أنفسهم عرفاء وقد اكتفوا من العرفان بالزيّ وخفض الصوت والإطراق بالرأس والزفرات والتباكي، سيّما إذا سمعوا كلاماً في العشق والمحبّة والتوحيد والفقر (مع عدم معرفة المعنى) بل البعض يتجاوز ذلك إلى الشهيق والنهيق واختراع بعض الأذكار والتغنّي بالأشعار وغير ذلك من الأفعال الشنيعة. وظنّاً منهم بأّن هذه الأطوار توصل الشخص إلى مقامٍ ما، وليس الأمر كذلك فإنّ هؤلاء واقعون في الشبهات والمحرّمات وترك المستحبَّات بل الواجبات. مدّعين أنّ المحتاجين إلى رياضة البدن هم ضعفاء النفوس من العوامّ وباصطلاحهم: المحتاج إلى الرياضة هو المبتدئ في السلوك، والواقع أنّ هذه الطائفة أضعف الناس عقلاً وأشدّهم جهلاً وحمقاً. وبعض هؤلاء توهّم أرحاماً كبيرة ظنّاً منه أنهّ بلغ غاية المعرفة واليقين وأخبار درجات المقرَّبين وأنَّه الآن هو في مشاهدة المعبود ومجاورة المقام المحمود والملازمة في عين الشهود متوهّماً أنّه أصبح مطَّلقاً، فهو في الملكوت يخطر في القدس والجبروت، ممّا يؤدّي به إلى أن ينظر نظرة احتقار وإهانة إلى الصلحاء والفقهاء والمحدّثين وسائر العلماء مدّعياً لنفسه من خوارق العادات أموراً لم يدّعها لنفسه أحد من الأنبياء والأولياء - (تذكرة المتّقين، ص93 - 95).

[2]  صاحب «كفاية الأصول» علم من أعلام الشريعة أستاذ العلماء، وقائد «ثورة المشروطة» في إيران ويأتي الكثير ممّا يدلّ على سموّ منزلته (قدس سره).

[3]  زندﮔاني شيخ أنصاري (حياة الشيخ الأنصاريّ، ص135). والمحدّث الجزائريّ هو السيّد نعمة الله الجزائريّ تلميذ العلاّمة المجلسيّ (رحمه الله)، وصاحب الأنوار النعمانيّة (1050 - 1112هـ) «المعرِّب».

 

43


30

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

من العدّة المعدودة الذين طبَّق صيتهم الأرجاء. كان شيخ الطائفة أستاذ الكلّ؛ الشيخ الأنصاريّ يرجّحه على جميع أصحابه علماً وعملاً، بل كان(رحمه الله) يعتبر نفسه مريداً له»[1].

 

ويقول صاحب «لؤلؤ الصدف»:

«السيّد الجليل القدر صاحب الكرامات المتواترة الحاجّ السيّد عليّ الشوشتريّ وهو يُعتبَر من زهّاد العلماء، وقد كان المرحوم الشيخ الأنصاريّ - رغم أنّه كان في غاية الزهد والورع والكرامات- يجلّ هذا السيّد الجليل بما لا مزيد عليه».

وجاء في «دار السلام»:

«المرحوم الحاجّ السيّد عليّ الشوشتريّ من أولاد السيّد نعمة الله الجزائريّ، ومن المجاورين في النجف الأشرف. كان سلمان عصره في الورع والزهد والتقوى، وقد رجعت إليه أمور الخلق بعد وفاة الشيخ. كان مواظباً على الاعتكاف في مسجد السهلة، والكوفة، وكان الناس يظنّون أنّه يتشرّف بلقاء صاحب الزمان |. وكان معروفاً بالكرامات»[2].

وشَيْخا السيّد عليّ الشوشتريّ في الإجازة هما: الشيخ الأنصاريّ والسيّد حسن، إمام جمعة شوشتر. التحق السيّد بالرفيق الأعلى في النجف الأشرف عام 1283هـ.ق. ودُفِن في المقبرة المتّصلة بباب القِبلة للحرم الشريف مقابل مقبرة الشيخ الأنصاريّ[3].

لهذا السيّد الجليل قصّةٌ طريفةٌ؛ فقد درس في النجف الأشرف، حتّى بلغ مرتبة الاجتهاد، وأجازه علماء النجف، ثمّ عاد إلى وطنه، فاشتغل بالتدريس والقضاء، وهنالك وقعت القصّة التي يرويها السيّد العلّامة الطباطبائيّ (صاحب الميزان)(رحمه الله) فيقول: «قبل حوالى مئة سنة كان في شوشتر عالمٌ جليل القدر، وكان مرجع الناس

 

 


[1]  المآثر والآثار، ص145.

[2] دار السلام للشيخ محمود العراقيّ - فارسي، ص550.

[3]  زندﮔاني شيخ أنصاري، ص135 - 138 بتصرف.

 

44


31

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

في القضاء والأمور العامّة، إنّه السيّد عليّ الشوشتريّ. كان مشتغلاً -كسائر العلماء الأعلام- بالتدريس والقضاء وشؤون المرجعيّة، وذات يوم، فجأة! طرق باب المنزل طارق، وعندما سأله السيّد: «من أنت؟» قال: «افتح الباب، شخصٌ له معك شغل». عندما يفتح السيّد عليّ الباب، يرى شخصاً نسّاجاً فيسأله: «ماذا تريد؟» يقول النسّاج: «الحكم الفلانيّ الذي حكمت به بناءً على دعوى الشهود بملكيّة العقار الفلانيّ للشخص الفلانيّ ليس صحيحاً، هذا العقار لطفلٍ صغيرٍ يتيم، ووثيقة ذلك (الحجّة) مدفونةٌ في المكان الفلانيّ. هذا الطريق الذي سلكته خاطئٌ وليس لك». يقول آية الله الشوشتريّ: «وهل أخطأت»؟ يقول النسّاج: «كما قلت لك». يقول ذلك وينصرف. ويستغرق آية الله الشوشتريّ في التفكير، من هو هذا الرجل، وماذا قال! وقرّر أن يتأكّد من صحّة كلّامه، فيتبيّن أنّ وثيقة ملك الطفل اليتيم مدفونةٌ في ذلك المكان، والشهود الذين شهدوا على ملكيّة غيره كانوا شهود زور. يخاف السيّد على نفسه كثيراً، ويقول في سِرِّه: «ومن يدري أنّ كثيراً من الأحكام التي حكمت بها ليست من هذا القبيل»؟ فيستبدّ به الخوف. وفي الليلة التالية، وفي الوقت نفسه، يطرق النسّاج الباب قائلاً: «يا جناب السيّد عليّ الشوشتريّ، الطريق ليس هذا الذي تسلك». وفي الليلة الثالثة يتكرّر ذلك بهذه الكيفيّة، ويقول النسّاج: «لا تتأخّر، هيّئ أثاث البيت للسفر، بع البيت وتشرّف بالانتقال إلى النجف الأشرف، واعمل بما قلت، وانتظرني بعد ستّة أشهر في وادي السلام في النجف».

 

ويبدأ المرحوم الشوشتريّ بتنفيذ التوجيهات: يبيع البيت، ويستعدّ للسفر إلى النجف الأشرف. وبمجرّد أن يصل إلى «وادي السلام» مع شروق الشمس يجد النسّاج هناك، وكأنّه نبع من الأرض، فيزوّده بتوجيهاتٍ وينصرف. ويدخل المرحوم الشوشتريّ إلى النجف، ويعمل بهذه التوجيهات، فيصل إلى مرتبةٍ ساميةٍ ومقامٍ لا يمكن بيانه.

 

كان (رحمه الله) يحضر درس الشيخ الأنصاريّ في الفقه والأصول وكان المرحوم الشيخ

 

 

45

 

 


32

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

يحضر درسه في الأخلاق مرّةً في الأسبوع، وبعد وفاة الشيخ تولّى السيّد التدريس بدلاً منه وبدأ من حيث انتهى الشيخ، إلّا أنّ الأجل لم يمهله؛ إذ توفّي بعد فترةٍ قصيرةٍ. وفي هذه المدّة التي عاشها بعد الشيخ، كتب المرحوم الشوشتريّ رسالةً إلى أحد طلّاب حوزة الشيخ الأنصاريّ البارزين، وهو الآخوند الملّا حسينقلي (عبد الحسين) الهمدانيّ، الذي كانت تربطه به منذ زمنٍ بعيدٍ في زمان الشيخ، صلة، وكان يستفيد منه في المجال الأخلاقيّ والعرفانيّ. وبعد الشيخ قرّر أن يدرّس بل ويكمل مباحث الشيخ التي كان قد كتب تقريراتها، كتب إليه في هذه الرسالة يوضّح له أنّ طريقتك غير مكتملة، ويجب أن تحصل على مراتب أخرى عالية، وقد تأثّر كثيراً بهذه الرسالة التي أرشدته إلى وادي الحقّ والحقيقة. وباختصار، فإنّ المرحوم الآخوند ملّا حسينقلي الهمدانيّ، الذي كان منذ سنواتٍ عدّة قبل وفاة الشيخ يستفيد من مجلس درس المرحوم الشوشتريّ في المعارف الإلهيّة، فاق الأقران في مجاهدة النفس، وأصبح من عجائب الدهر، وربّى طلّاباً أبدالاً، كان كلّ واحدٍ منهم يعتبر قطب رحى المعرفة والتوحيد، ويُعتَبَر المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ[1] أحد أبرز طلاب الآخوند الهمدانيّ (رحمه الله).

ويضيف العلّامة (رحمه الله): «وقد كان أستاذنا العظيم العارف الذي لم يَجُدْ الدهر بمثله المرحوم السيّد عليّ القاضي التبريزيّ من تلامذة المرحوم الكربلائيّ، هذه سلسلة أساتذنا التي تنتهي إلى المرحوم الشوشتريّ، وبعده إلى ذلك الرجل النسّاج، إلّا أنّه لا يعلم هذا النسّاج من هو، وبمن كان ارتباطه، ومن أين وبأيّة وسيلة حصل على هذه المعارف والعلوم؟»[2].

 

 


[1] لقد اختصر المؤلّف ما أورده العلاّمة الطباطبائيّ (رحمه الله) هنا؛ إذ إنّه قال ما تعريبُه: أبرز تلامذة مدرسة الآخوند (الهمداني) الميرزا جواد أقاي ملكي تبريزي والمرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ الطهرانيّ والمرحوم السيّد محمّد سعيد الجنوبيّ والمرحوم الشيخ محمّد البهاريّ - لبّ اللباب.

[2]  لبّ اللباب (154 - 158). و«ياونامه علامة طباطبائي، ص98 نقلاً عن السيّد محمّد حسن إلهي القاضي أخو العلّامة الطباطبائيّ عليهما الرحمة.

 

46


33

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

2 - الشيخ حسينقلي[1] الهمدانيّ (رحمه الله)

العارف الجليل والفقيه الصالح والحكيم المرحوم الشيخ حسينقلي الهمدانيّ من أبرز طلاب السيّد عليّ الشوشتريّ، وأكبر أساتذة العرفان والأخلاق في الفترة الأخيرة الذي لم يصل أحدٌ بعده إلى مرتبته.

من أعاظم العلماء وأكابر فقهاء الشيعة وخاتمة علماء الأخلاق في عصره، وهو في خصوص هذا العلم أمرٌ عظيٌم لا يحدّه وصف؛ فقد مضت حقبةٌ طويلةٌ لم يَجُدْ خلالها الزمن بمن ماثله في علم الأخلاق وتهذيب النفوس، وقد خُتِمَ به هذا الفنّ[2].

يقول عنه تلميذه الكبير المرحوم ملكي تبريزيّ:

«ما رأيت له نظيراً في المراتب المذكورة[3]، ويريد بها العبادة وطول السجود.وبعد أن دعاه المرحوم الشوشتريّ إلى تربية النفوس المؤهّلة، اهتمّ بتربية ذوي القابليّات، بحيث إنّ وقته كان مخصّصاً من الصبح حتّى طلوع الشمس لقسمٍ منهم، ومن طلوع الشمس إلى صدر النهار لقسمٍ آخر، وهكذا. حتّى إنّ ليله كان مقسّماً كذلك؛ أوّل الليل لفريق، وآخره لفريقٍ آخر، حتّى استطاع أن يربّي عدداً كبيراً، كُلٌّ منهم كان يعتبر من أولياء الله»[4].

بعض تلامذته

1 - الشيخ محمّد البهاريّ من قرية بهار في همدان المتوفّى سنة 1325هـ، وقد أوصى الشيخ الهمدانيّ إليه عند وفاته.

2 - السيّد أحمد الكربلائيّ.

 


[1] قلي بِمعنى (غلام) فيصبح المعنى عبد الحسين الهمدانيّ (أعيان الشيعة، ج6، ص136) المعرِّب.

[2] نقباء البشر - طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص674 و675.

[3]  الفوائد الرضويّة، ص148 والمصدر السابق.

[4]  أسرار الصلاة، ص270.

 

47


34

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

3 - آقا رضا التبريزيّ.

4 - السيّد كمال المشهور بميرزا آقا دولت آباديّ.

5 - السيّد محمّد سعيد الحبّوبيّ الشاعر النجفيّ المشهور.

6 - الشيخ موسى شرارة.

7 - السيّد حسن الصدر.

8 - السيّد مهديّ الحكيم النجفيّ.

9 - الشيخ باقر القاموسيّ النجفيّ.

10 - السيّد عبد الغفاريّ المازندرانيّ.

11 - الشيخ محمّد باقر النجم آباديّ.

12 - السيّد عليّ الهمدانيّ.

13 - الشيخ عليّ القمّيّ.

14 - السيّد محمود الطالقانيّ النجفيّ.

15 - صهر الشيخ الهمدانيّ السيّد أبو القاسم الأصفهانيّ.

16 - السيّد محمّد تقيّ الشاه عبد العظيميّ.

17 - السيّد محمّد تقيّ الأصفهانيّ.

18 - الميرزا جواد ملكي تبريزيّ.

19 - ابن الشيخ الهمدانيّ، الشيخ عليّ الهمدانيّ[1].

20 - المجاهد والمصلح الكبير السيّد جمال الدين الأسد آباديّ[2].

 


[1]  يادنامه علامة طباطبائي، ص 99.

[2]  أعيان الشيعة، ج6، ص136، ونقباء البشر، ج2، ص677.

 

48


35

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

ويبدو أنّه ليس في متناولنا اليوم كتاب أو أثر مكتوب للشيخ الهمدانيّ إلّا الرسائل التوجيهيّة المدرجة في آخر كتاب «تذكرة المتّقين»، إحداها تلك التي كتبها إلى المرحوم السيّد عليّ الإيروانيّ بهذا المضمون:

«جناب السيّد: الحذرَ الحذرَ من القواطع الأربعة: كثرة الكلام، وكثرة الطعام، وكثرة المنام، وكثرة المجالسة مع الأنام، وعليك بتقليبها وتبديلها بذكر الله الملك العلّام في الليالي والأيّام، والسلام»[1].

ولآية الله الهمدانيّ تقريرات درس الشيخ الأنصاريّ، وتقريرات تلامذته لدرس فقهه أو أخلاقه؛ من ذلك: صلاة المسافر، الحلل، القضاء والشهادات، كتاب في الرهن وقد كانت منه نسخة في مكتبة المحدّث النوريّ[2].

سأل الميرزا جواد ملكي تبريزيّ -أحد تلامذة الشيخ الهمدانيّ- أستاذه بعد أن تتلمذ على يده سنتين: لم أحصل من «سيري» على شيء، فسأله الشيخ الهمدانيّ عن اسمه ومن يكون؟! فقال متعجّباً: ألا تعرفني؟ أنا جواد ملكي تبريزيّ، فيقول له: «هل لك قرابةٌ بفلانٍ وفلانٍ من آل ملكي؟ ولأنّ الشيخ جواد ملكي كان سيِّئ الظنّ بهم فقد انتقدهم، فقال له أستاذه: عندما تستطيع أن تقدّم للسيِّئ منهم -بحسب رأيك- حذاءه، فأنا آتي إليك». وفي اليوم التالي عندما حضر الشيخ جواد ملكيّ الدرس، جلس في مرتبةٍ دون بقيّة الطلّاب، وأخذ يبحث عن الطلبة من أقاربه الملكيّين الذين لم يكن يعتبرهم صالحين ويعطف عليهم حتّى وصل في مودّتهم إلى تقديم أحذيتهم لهم عندما يزورونه احتراماً لهم، وقد بلغ ذلك عشيرتهم «الملكيّين» المقيمين في تبريز فزال التشنّج الذي كان يحكم علاقاتهم. وفي ما بعد التقاه الشيخ الهمدانيّ، وقال له: «لا تعليمات جديدة، يجب أن تصلح أمرك ليمكنك أن تنتفع من هذه الأحكام الشرعيّة». ويوصيه ضمناً بأنّ العمل بكتاب مفتاح الفلاح للشيخ البهائيّ جيّد»[3].

 

 


[1]  الحركات الإسلاميّة في القرن الأخير عن الأصل الفارسيّ، ص 37.

[2]  تذكرة المتّقين، ص 237، وقد طبع أخيراً في لبنان كتاب القضاء له (رحمه الله) عن مخطوط، حدّثني سماحة الحجّة الشيخ موسى شرارة في الهرمل أنّه كان قد اشتراها أيّام إقامته في النجف الأشرف (المعرِّب).

[3]  نقباء البشر، ج2، ص677. تاريخ حكماء وعرفاء متأخر بر صدر المتألّهين، ص133 - 134.

 

49


36

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

وقد سُئل الشيخ عليّ الزاهد: «بماذا كان أستاذك الشيخ الهمدانيّ يربّي تلامذته؟» فقال: «بذكر الموت».

ويقول بعض مريدي الشيخ الهمدانيّ: «لو أنّ شخصاً واظب في الليالي لمدّة سنةٍ على سجدةٍ يقول فيها أربعمئة مرّة: «لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» فإنّه سيخرج من عالم الطبيعة»[1].

يقول العلّامة الطباطبائيّ: «تآمر جمعٌ من منتقدي الطريقة العرفانيّة الإلهيّة والتوحيديّة للمرحوم الشيخ الهمدانيّ، الهازئين بها، وكتبوا عريضةً إلى المرحوم الشربيانيّ عندما كان يتصدّى لرئاسة المسلمين، وكان يُعتبَر الزعيم المطلق، كتبوا فيها إنّ الشيخ حسينقلي الهمدانيّ سلك طريقة الصوفيّين. قرأ المرحوم الشربيانيّ العريضة، ثمّ تناول قلمه وكتب في أسفلها: «يا ليت أنّ الله يجعلني صوفيّاً مثل الشيخ الهمدانيّ». وبهذه الجملة من هذا العالم الكبير قضي على كلّ مؤامراتهم».

والد الشيخ الهمدانيّ هو رمضان الشونديّ الدرجزينيّ الهمدانيّ، وينتهي نسبه إلى جابر بن عبد الله الأنصاريّ، الصحابيّ المشهور، و«شوند» -بفتح الشين والواو وسكون النون- قريةٌ قريبةٌ من درجزين من توابع همدان، وفيها يقيم عددٌ كبيرٌ من أحفاد جابر.

قال في «نقباء البشر»:

«كان والده راعياً للغنم في بادئ أمره، ثمّ صار إسكافاً، وكان له ولدان أكبرهما المترجَم له، والأصغر «كريم قلي»؛ أي عبد الكريم، رغب أبوهما أن يكونا من طلبة العلم».

 

 


[1]  المصدر السابق، ص135/ توضيح.

 

50


37

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

وكانت ولادة المترجم له في القرية المذكورة عام 1239، نشأ بها ثمّ بعث به والده إلى طهران، فدخل في سلك الطلّاب، وتعلّم الميادين، وقرأ مقدّمات العلوم فأتمّها. وقد اجتاز هذه المرحلة الدراسيّة الأولى بنشاطٍ غريب يُستكثَر عليه إذ لم يكن حضريّاً. ثمّ درس سطوح الفقه والأصول على بعض الفضلاء، وحضر دروس الطبقة العليا، وقد اختصّ بحوزة العالم الأكبر الشيخ عبد الحسين الطهرانيّ الشهير بشيخ العراقين، ثمّ سافر إلى سبزوار فقطنَها مدّة لازم خلالها درس الفيلسوف المعروف المولى هادي السبزواريّ. ثمّ عاد إلى قرية شوند، فمكث بها بين أهله وذويه برهة وهاجر إلى النجف الأشرف، وكانت رئاسة التدريس، ومرجعيّة التقليد والإفتاء يومذاك للشيخ المرتضى الأنصاريّ، وكان المقدّم على سائر أعلام النجف، فحضر عليه ولازم درسه سنين طِوالًا. وكتب من تقريراته في الفقه والأصول كثيراً، وتتلمذ في الأخلاق على السيّد عليّ التستريّ، ففاق فيه أعلام الفنّ.

ولمّا توفّي أستاذه الأنصاريّ في سنة 1281 لم يتتلمذ على غيره؛ إذ لم يكن محتاجاً، كما لم يخرج من العراق كغيره ممّن سافروا إلى إيران وغيرها، بل لزم بيته وانزوى ولم يتصدّ للفتوى ولم يطلب الرئاسة. إلّا أنّ الخواصّ من أهل العلم والفضل والتقى والدين لم يتركوه وشأنه دون أن يستفيدوا منه ويغترفوا من معين فضله؛ فقد لحق به منهم عددٌ كبير، وألزموه بالتدريس فأجابهم، لكنّه لم يرغب بالتظاهر والجهر به بل كان درسه في داره، ومع ذلك فقد كان درسه مجتمعاً حافلاً، وكان للطلّاب تهافت عليه وزحام حوله، وكان يدرِّس في الفقه والأصول. كتبه التي ألّفها من تقريرات أستاذه الأنصاريّ، وكان له درسٌ في الأخلاق بداره صبح كلّ يوم، وبعده يدرّس الفقه والأصول...» إلى أن يقول:

«... هذه زمرةٌ من تلامذته كانوا بعده نجوماً تزان بها سماء العلم والفضيلة، وأنا وإن لم أدرك فيض خدمته، ولم يُكتَب لي التشرّف برؤيته إذ دخلت العراق بعد وفاته بعامين في 1313، لكن أدركت فريقاً كبيراً من تلاميذه الذين لازموه ليلاً ونهاراً حتّى

 

51

 

 


38

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

حصّلوا ما أرادوا وحظوا بالسعادة الأبديّة، وقد طهّرهم من أوضار هذه الحياة، حتّى قرنوا العلم بالعمل، فقد رأيت أثر تربيته الحسنة بيَّناً عليهم بادياً في سيماهم.

... وكان أستاذه السيّد التستريّ -وهو مشغول بتربيته وصقل نفسه- يحسّ منه الاستعداد واللياقة لا ليهذِّب نفسه فقط بل ليقود أمامه جمهوراً كبيراً، ويندر في أصحابه وأتباعه هذه الروح المركّزة...»[1].

والأصول على أساس كتاباته لتقرير الشيخ الأنصاريّ... وقبل ذلك -صباحاً - كان يدرس الأخلاق في منزله.

ويضيف الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ:

وقد ربّى الشيخ الهمدانيّ في فنّ الأخلاق عدداً كبيراً من الطلّاب كانوا نجوماً مضيئةً وزينة سماء العلم والفضيلة ومحور التقوى والفضيلة. وأنا، وإن كنت لم أُوفَّق للتزوُّد من فيض دروسه حتّى أني دخلت العراق عام 1313 أي بعد وفاته بسنتين إلّا أنّي أدركت جمعاً كبيراً من تلامذته الذين كانوا ملازمين له في الليل والنهار وقد وصلوا إلى ما أملوا وحصلوا على السعادة الأبديّة... وقد كان أثر تربيته واضحاً في ملامحهم.

ولأنّ أستاذه المرحوم الشوشتريّ كان يعرف كفاءته، والمرحوم السيّد محسن الأمين الذي كان له شرف مشاركةٍ ما في درس الشيخ، يقول: «لم يكن في زمانه ولا قبله بسنين ولا بعده كذلك من يماثله في علم الأخلاق وتهذيب النفوس، وكان جارنا أوّل ورودنا إلى النجف الأشرف سنة 1308 وحضرنا درسه في الأخلاق أيّامًا قليلة، وصدّنا عن المداومة عليه اشتغالنا بما هو أهمّ، ومع ذلك، فقد أسفنا على عدم المداومة عليه بأيّ نحوٍ كان، وانتفع بدرسه الأخلاقيّ خلقٌ كثيرٌ من فضلاء العرب والعجم ممّن أراد الله بهم الخير، رأينا جملةً منهم ووجدنا أثر ذلك فيهم، كما أنّنا رأينا بعض من حضر عليه ولم ينتفع بذلك، بل كان على العكس ﴿ذَٰلِكَ فَضلُ ٱللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ وصقل السيوف الهنديّة يجعلها صالحة للضِّراب، أمّا صقل الأخشاب فلا يجعلها سيوفاً، وكان يصلّي جماعةً

 

 


[1]  نقباء البشر، ج2، ص674 - 675.

 

52


39

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

في داره ببعض خاصّته. وحضر مرّةً إلى مسجد السهلة فأقام أيَّامًا ونحن هناك، فكان أصحابنا يذهبون ويصلّون خلفه»[1].

وبعد عمرٍ حافلٍ بالجهاد والسعي وتربية العشرات من ذوي الكفاءة، التحق بالرفيق الأعلى عندما كان مسافراً إلى كربلاء في الثامن والعشرين من شعبان لسنة 1131[2] ودُفِن في الحجرة الرابعة من الصحن المطهّر على يسار الداخل من الباب الزينبيّ، وتُوفِّي ابنه الشيخ عليّ عام 1359 في النجف الأشرف، ودُفن في وادي السلام خلف مقام المهديّ |رحمة الله عليهما.

3 - العارف الشهير آية الله ملكي تبريزي

هو المرحوم الميرزا[3] جواد بن الميرزا شفيع، عارف كامل، وعالم عامل، وسالك واصل، وفقيه جليل. وكما تقدّم، فقد كان من تلامذة المرحوم جمال السالكين الشيخ ملّا حسينقلي الهمدانيّ.

وُلد في تبريز، وبعد أن درس المقدّمات والسطوح، سافر إلى النجف الأشرف، فدرس الفقه على الأقا رضا الهمدانيّ صاحب «مصباح الفقيه»، والأصول على الآخوند الخراسانيّ صاحب «الكفاية» والحديث على المحدّث النوريّ صاحب «المستدرك» واختار ملازمة الشيخ الهمدانيّ، فاستفاد منه حوالى أربعَ عشرةَ سنة.

رجع المرحوم التبريزيّ في سنة 1320 أو 1321، وسكن في تبريز، ثمّ سافر إلى قمّ في أوج الثورة «المشروطة»[4] سنة 1329 واشتغل بتدريس الفقه والأخلاق وأداء سائر الفرائض.كان درس فقهه على أساس «مفاتيح» الفيض الكاشانيّ.

 

 


[1]  أعيان الشيعة، ط، ج136، وقد أوردت النصّ بتمامه لفائدته (المعرِّب).

[2]  في تذكرة المتّقين، ص327، أنّ وفاته (رحمه الله) في شهر رجب من السنة المذكورة إلّا أنّ المصادر الأخرى ومنها نقباء البشر، ص260-677 وزندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص262 وتاريخ حكماء وعرفاء متأخر، ص123 تذكر ما ورد في المتن.

[3]  الميرزا تعني ابن الأمير. وهو مصطلح يطلق على من كان علوياًّ من جهة الأم فقط.

[4]  ثورة قادها صاحب الكفاية (قدس سره) استهدفت تحديد صلاحيات الملك وتأسيس «مجلس نواب» الأمر الذي يجعل الملكيّة مشروطة لا مطلقة... ويأتي مزيد من الإيضاح حولها إن شاء الله. (المعرِّب).

 

53


40

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

كان يقيم جلستين في الأخلاق، إحداهما في منزله للخواصّ، والأخرى في المدرسة الفيضيّة للعموم. وكان يؤمّ المصلّين في حرم المعصومة عليها السلام، وأحياناً في المدرسة الفيضيّة، وكان الإمام الخمينيّ (قدس سره) يأتمّ به ويشترك في درسه الأخلاقيّ للخواصّ في المنزل. وكان (رحمه الله)، بكلّ معنى الكلّمة، من أهل العبادة والتهجّد، بل كان يعتبر من بكّائي زمانه. وكان يصوم رجب وشعبان وشهر رمضان بشكلّ دائم. يقول في أسرار الصلاة: «أقول: لا تكن كافراً بهذه الأخبار، وإنّي أشهد الله أنّي أعرف من المتهجّدين من كان يسمع من يوقظه ويناديه وقت تهجّده في أوائل أمره بلفظة «آقا»[1] فيقوم لوِرده».

ويبدو أنّ هذا الشخص الذي كان يستيقظ لوِرده على صوت الملك هو المرحوم التبريزيّ نفسُه، وقد بيّن الأمر بهذه الصياغة كي لا يمدح نفسه. نعم، إنّ الذين يظهرون الاستقامة في طريق الوصول إلى المحبوب تتنزّل عليهم الملائكة، وهو صريح قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱستَقَٰمُواْ...﴾ وقد كان المرحوم التبريزيّ واحداً منهم، فلم يكن له هدًى ولا مرامٌ غير الله تعالى، ولم يكن يفكّر بشيءٍ غيره. وكان (رحمه الله) من خيرة الموالين المولعين بآل الرسالة وخصوصاً الإمام صاحب العصر |الذي كان يكنّ له حبّاً عارماً، كما يظهر بوضوح من مطاوي كتابه «المراقبات» (ص179 - 183). ويكفي لبيان عظمة منزلته، أنّ الحكيم والفقيه الشهيد الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ -مع أنّه كان في العلم والعمل ذا مقامٍ كبير -كتب رسالةً إلى المرحوم التبريزيّ يطلب فيها أن يزوّده بتعليماتٍ ليطبّقها، فكتب إليه رسالةً مختصرة تضمّنت مطالب مفيدة، وتجد ذلك في مجلة «حوزة» العدد الرابع.

من قصصه

يقول أحد خواصّ تلامذته:

«ذات ليلةٍ رأيت في «شاهرود» في المنام أنّ صاحب الأمر (عليه السلام) مع جماعةٍ في

 

 


[1] آقا: سيّد.

 

54


41

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

صحراء وكأنّهم في صلاة الجماعة، دنوت لأتشرّف بلقائه(عليه السلام) وأقبّل يده المباركة، فرأيت بالقرب منه شيخاً جليلاً تظهر في سيماه آثار الجلالة والوقار. وعندما استيقظت، فكّرت في ذلك الشيخ، من هو هذا المقرّب إلى هذا الحدّ من صاحب العصر -أرواح من سواه فداه- وذهبت إلى مشهد للبحث عنه فلم أره. وسافرت إلى طهران فلم أصادفه، ومضيت إلى قمّ فوجدته في إحدى غرف المدرسة الفيضيّة مشغولاً بالدرس، سألت عنه قالوا: الميرزا جواد ملكي التبريزيّ، تشرّفت بلقائه فسلّم عليّ سلام معرفة، وسألني: «متى جئت؟» وكأنّه كان قد رآني وعرفني واطّلع على ما جرى! بعد ذلك لازمته فوجدته كما رأيته وأردت»[1].

ويقول أحد المتّصلين به:

«ذهب يوماً بعد انتهاء الدرس لزيارة أحد الطلبة في مدرسة دار الشفاء، وكنت في خدمته. دخل الغرفة، وبعد السلام والضيافة المتعارفة، جلس قليلاً ثمّ قام وخرجنا، وسألته عن هدف هذه الزيارة فقال: الليلة الماضية في السحر أُفيضت عليّ فيوضات عرفت أنّها ليست منّي، وعندما تأكّدت وجدت أنّ هذا الطالب كان يتهجّد ودعا لي في صلاة الليل، وهذه الفيوضات بسبب دعائه فجئت لزيارته شكراً لاهتمامه»[2].

تلامذته

كان مجلس درسه في الأخلاق عامراً، وعلى ما كتب البعض فقد كان يشترك في درسه في تبريز حوالي أربعمئة[3]. ومن تلامذته في هذا العلم:

- الإمام الخمينيّ (قدس سره).

- المرحوم آية الله فاطميّ القمّيّ.

 

 


[1]  رسالة لبّ اللباب، ص35 - 36.

[2]  رسالة لقاء الله، المقدّمة، ص هـ.

[3] آئينه دانشوران، ص350.

 

55


42

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

- المرحوم السيّد محمود اليزديّ.

- المرحوم محمود مجتهدي.

- الشيخ إسماعيل التبريزيّ، مؤلّف «تذكرة المتّقين».

مؤلّفاته

له(رحمه الله) مؤلّفاتٌ عديدة بعضها لم يطبع بعد، من مؤلّفاته:

1 - «أسرار الصلاة» وقد طبع مراراً وهو باللغة العربيّة.

2 - «المراقبات» أو «أعمال السنة»، طُبع مراراً كذلك، وهو باللغة العربيّة.

3 - «رسالة لقاء الله» طُبع مراراً وقد ترجمه بعض الفضلاء المعاصرين مع تقديم له وتوضيح وإضافات.

4 - كتاب في الفقه، لم يطبع بعد جاء في خاتمته: تمّ الجزء الأوّل من كتاب النكاح ويتلوه الجزء الثاني، وأوّله الولاية بيد المذنب العاصي أسير الآمال والأمانيّ في يوم السابع عشر من شهر المظفّر وقد مضت من الهجرة السنويّة ألف وثلاثمئة واثنتا عشرة سنة في مشهد الغريّ، وكتب على غلافه:

لا يخفى أنّ هذه الوجيزة من تصنيفات حضرة مولانا العلّامة حجّة الإسلام، ملاذ الأعلام، باب الفتاوى والأحكام، آية الملك العلّام صاحب النفس الزكيّة، العبد الصالح ميرزا جواد ملكي تبريزيّ، متّع الله المسلمين بطول بقائه، كتبه في عنفوان شبابه بمشهد وليّ ربّ العالمين أمير المؤمنين أرواح العالمين فداه في شهر شعبان[1].

5 - رسالة في الحجّ[2].

6 - حاشية بالفارسيّة على «الغاية القصوى» ترجمة «العروة الوثقى» وهي ترجمة المحدّث الجليل القمّيّ للعروة الوثقى إلى الفارسيّة، وقد طُبِعت هذه الترجمة

 

 


[1]  رسالة لقاء الله، المقدّمة، صفحة ج-3.

[2]  آئينه دانشوران، ص350.

 

56


43

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

مراراً، من ذلك طبعة عام 1328هـ.ق. في بغداد، وقد كتب المرحوم التبريزيّ حاشيةً بالفارسيّة على «الغاية القصوى» ويبدو أنّها لم تُطبع، وقد رأيت نسخةً خطِّيّةً منها على حاشية نسخةٍ مطبوعةٍ من الغاية القصوى، أورد هنا نماذج منها:

في باب سجود الصلاة، جاء في متن العروة: «يجوز في القنوت وغيره من أحوال الصلاة الدعاء بالفارسيّة» فكتب المرحوم التبريزيّ في الحاشية: «حتّى الشعر الفارسيّ، كأن يقول في سجوده:

وأورد بيت شعرٍ فارسيّ تعريبُه:

أتمرّغ بالتراب متذلّلاً

مؤمّلاً أن أرضي الحبيب بتضرّعي»

وفي باب مواقيت الصلاة، حيث جاء في المتن: «من صلّى أربع ركعات أو أكثر من صلاة الليل ثمّ طلع الفجر يأتي بالباقي مخفّفاً؛ أي بدون سورة»، فكتب عليه الرحمة: «في هذه الفروع لم أعثر على دليلٍ على التخفيف، لا سيّما بقيد بدون سورة».

ويكفي في بيان أهمِّيّة آثاره المكتوبة، أنّ الإمام الخمينيّ يوصي في كتاب «معراج السالكين وصلاة العارفين» بقراءة كتبه فيقول: «أيّها العزيز، لا يوسوس لك الشيطان ولا يقنعك بما أنت عليه، تحرّك قليلاً وتجاوز الشكلّ الذي لا محتوى له والقشر الذي لا لبّ معه، وادرس بدقّة ذمائم أخلاقك. ولنفترض أنّك لا تقرُّ بالعظمة لأحد من العرفاء، فاتّبع علماء المعرفة والأخلاق الكبار أولئك المتّفق عليهم عند جمع العلماء، وطالع من كتب العلماء المعاصرين كتب الشيخ الجليل القدر العارف بالله الميرزا جواد التبريزيّ  (قدس سره) لعلّك إن شاء الله تخرج من هذا الإنكار والتعسّف»[1].

الوفاة

توفّي المرحوم التبريزيّ هذه الشمعة المتوهّجة ومعين المعارف الإلهيّة الفوّار، بعد أن أمضى عمراً في الجهاد وبناء النفوس، في الحادي عشر من شهر ذي الحجّة 1343هـ.ق.

 

 


[1]  معراج السالكين وصلاة العارفين المطبوع في ذكرى الشهيد المطهَّري الكتاب الأوّل، ص 56.

 

 

57


44

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

مراراً، من ذلك طبعة عام 1328هـ.ق. في بغداد، وقد كتب المرحوم التبريزيّ حاشيةً بالفارسيّة على «الغاية القصوى» ويبدو أنّها لم تُطبع، وقد رأيت نسخةً خطِّيّةً منها على حاشية نسخةٍ مطبوعةٍ من الغاية القصوى، أورد هنا نماذج منها:

في باب سجود الصلاة، جاء في متن العروة: «يجوز في القنوت وغيره من أحوال الصلاة الدعاء بالفارسيّة» فكتب المرحوم التبريزيّ في الحاشية: «حتّى الشعر الفارسيّ، كأن يقول في سجوده:

وأورد بيت شعرٍ فارسيّ تعريبُه:

أتمرّغ بالتراب متذلّلاً

مؤمّلاً أن أرضي الحبيب بتضرّعي»

وفي باب مواقيت الصلاة، حيث جاء في المتن: «من صلّى أربع ركعات أو أكثر من صلاة الليل ثمّ طلع الفجر يأتي بالباقي مخفّفاً؛ أي بدون سورة»، فكتب عليه الرحمة: «في هذه الفروع لم أعثر على دليلٍ على التخفيف، لا سيّما بقيد بدون سورة».

ويكفي في بيان أهمِّيّة آثاره المكتوبة، أنّ الإمام الخمينيّ يوصي في كتاب «معراج السالكين وصلاة العارفين» بقراءة كتبه فيقول: «أيّها العزيز، لا يوسوس لك الشيطان ولا يقنعك بما أنت عليه، تحرّك قليلاً وتجاوز الشكلّ الذي لا محتوى له والقشر الذي لا لبّ معه، وادرس بدقّة ذمائم أخلاقك. ولنفترض أنّك لا تقرُّ بالعظمة لأحد من العرفاء، فاتّبع علماء المعرفة والأخلاق الكبار أولئك المتّفق عليهم عند جمع العلماء، وطالع من كتب العلماء المعاصرين كتب الشيخ الجليل القدر العارف بالله الميرزا جواد التبريزيّ  (قدس سره) لعلّك إن شاء الله تخرج من هذا الإنكار والتعسّف»[1].

الوفاة

توفّي المرحوم التبريزيّ هذه الشمعة المتوهّجة ومعين المعارف الإلهيّة الفوّار، بعد أن أمضى عمراً في الجهاد وبناء النفوس، في الحادي عشر من شهر ذي الحجّة 1343هـ.ق.

 

 


[1]  معراج السالكين وصلاة العارفين المطبوع في ذكرى الشهيد المطهَّري الكتاب الأوّل، ص 56.

 

 

57


44

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

ويقع قبره في مقبرة «شيخان» بالقرب من مقبرة المحقّق القمّيّ، وهو دائماً مزار أهل القلوب[1].

«لن يموت أبداً من أحيا قلبه بالعشق، وقد خُطَّ في صفحة الوجود بقاؤنا».

وقد أرّخت وفاته بالعربيّة: «رُفِع العلم وذهب الحِلم» وبالفارسيّة بهذا المصرع: «از جهان جان رفت واز ملت ﭘـناه»؛ أي ذهب من العالم الروح ومن الشعب الملجأ.

يقول أحد تلامذته:

«ليلة وفاة المرحوم التبريزيّ، وحوالى السحر رأيت في حالةٍ بين النوم واليقظة أنّ أبواب السماء فُتحت أمامي وارتفعت الحجب، فأمكنني أن أرى إلى ما تحت العرش الإلهيّ، ورأيت المرحوم واقفاً يقنت ويتضرّع ويناجي ويبكي، فتعجّبت لمنزلته وقربه من الله سبحانه. وفجأةً! سمعت طرق باب المنزل، قمت فوراً وفتحت الباب، فإذا بأحد الأصدقاء يقول: «هلمّ بنا إلى منزل الأستاذ، قلت: ما الخبر؟ قال: أعزّيك، لقد انتقل إلى جوار الله»[2].

ويعتقد البعض أنّ وفاته(رحمه الله) كانت كما تقدّم الآن، وقت السحر ليلة الحادي عشر من ذي الحجّة إلّا أنّ الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ يرى أنّ وفاته كانت في اليوم العاشر؛ أي يوم عيد الأضحى، وقد ورد في مقدّمة «لقاء الله» ما يدلّ على أنّ وفاته كانت في صلاة الظهر بعد أن كبّر تكبيرة الإحرام رضوان الله تعالى عليه.

 

 


[1] سمعت آية الله الشيخ حسن زاده آملي عبر إذاعة طهران الفارسيّة يقول ما خلاصته: لم أكن أعرف أين دفن المرحوم ملكي تبريزي، فسألت أحدهم فقال إنّه مدفون في مقبرة «شيخان» وكانت الساعة حوالى التاسعة ليلاً، وكنت قريباً من المقبرة فقررت أن أذهب لقراءة الفاتحة عن روحه الطاهرة. ولمقبرة «شيخان» بابان، دخلت من أحدهما وبدأت أبحث عن ضريحه الطاهر، فلم أعثر عليه حتّى وصلت إلى الباب الثاني وهممت بالخروج، فإذا بشخص يرتدي عباءة وعلى رأسه «طاقيّة» يقول لي: تريد قبر الشيخ التبريزي؟ قلت: نعم. فأخذني ودلّني على القبر، ومضى ليخرج. قلت في نفسي: من أين عرف أنّي أريد قبر الشيخ؟ فناديته: من أين عرفت أنّي أردت قبر الشيخ التبريزيّ؟ فقال: نحن نعرف زبائننا. ومضى لشأنه. (المعرِّب).

[2]  ﮔنجمينئه دانشمندان، ج1، ص232، وقد أورد المؤلّف هنا تحقيقاً مختصراً حول وفاة آية الله التبريزي (رحمه الله) خلاصته أنّ البعض أرّخ وفاة المعرِّب عام 44 والصواب 43.

 

58


45

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

4 - جمال السالكين السيّد أحمد الكربلائيّ

هو من أبرز تلامذة الشيخ حسينقلي الهمدانيّ. يقول فيه العلّامة الطباطبائيّ في أوّل محاكماته[1]: «المرحوم السيّد أصفهانيّ الأصل، إلّا أنّه نشأ وترعرع في كربلاء، وبعد بلوغه سنّ الرشد بدأ بدراسة الأدب. وتدلّ رسائله لتلامذته وبعض محبّيه، على قلم فصيح وبيانٍ ساحر. وبعد إكمال العلوم الأدبيّة، بدأ بدراسة العلوم الدينيّة، ثمّ التحق أخيراً بحوزة المرحوم الشيخ كاظم الخراسانيّ -رضوان الله عليه- وأكمل دراسة دورة العلوم الظاهريّة تحت إشرافه. وأخيراً انضمّ إلى حلقة التربية والتهذيب للمرحوم آية الحقّ وأستاذ الوقت الشيخ الجليل حسينقلي الهمدانيّ (قدس سره) العزيز، ولازمه سنين طِوالًا، وقد فاق الأقران وأصبح في طليعة تلامذته المهذَّبين واحتلّ في العلوم الظاهريّة والباطنيّة مكاناً مكيناً ومقاماً أميناً. وقد اختار الإقامة في النجف الأشرف بعد وفاة الشيخ الهمدانيّ وشرع بتدريس الفقه، كما كانت له اليد البيضاء في المعارف الإلهيّة وتربية الناس وتهذيبهم. وقد بلغ عدد ٌكبيرٌ من الأجلّاء والأحرار دائرة الكمال بيُمن تربيته وتهذيبه، فأعرضوا عن بساط الطبيعة وأصبحوا من سكّان دار الخلود ومحارم حريم القرب، منهم سيّد العلماء الربَّانيِّين المرحوم الميرزا عليّ القاضي الطباطبائيّ التبريزيّ (1285 - 1366هـ.ق) الذي هو في المعارف الإلهيّة والفقه والحديث والأخلاق أستاذ هذا (اللاشيء)[2] رفع الله درجاته السامية وأفاض علينا من بركاته».

وقد ودّع المرحوم السيّد -صاحب الترجمة- الحياة المستعارة سنة 1330هـ في النجف الأشرف والتحقت روحه بالملأ الأعلى رحمة الله عليه[3]، وينقل العلّامة الطباطبائيّ عن أستاذه المرحوم القاضي عن السيّد الكربلائيّ قوله: «كنّا دائماً في خدمة المرحوم آية الحقّ

 

 


[1] للعلاّمة الطباطبائيّ (رحمه الله) كتاب باسم المحاكمات في المراسلات بين الفيلسوف الشهير الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ المعروف بالكميانيّ والعارف الكبير السيّد أحمد الكربلائيّ. دارت هذه الرسائل حول بيت للشاعر العطّار وقد قام أحد الفضلاء مؤخّراً بطبعه مع تعليقات عليه.

[2]  يقصد العلّامة نفسه.

[3]  المحاكمات المطبوعة في ذكرى الشهيد قدوسي، ص 269 - 270.

 

59


46

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

الشيخ حسينقلي الهمدانيّ، وكان الشيخ لنا مئةً في المئة ولكن بمجرّد أن تعرف الشيخ محمّد البهاريّ على الشيخ الهمدانيّ واتّصل به وأصبح يتردّد إليه باستمرار فقد «سرقه» منّا».

كان المرحوم القاضي يقول: «قال المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ: التقيت في سفر بدرويش نيّر الضمير، فقال لي: أنا مأمورٌ أن أطلعك على شيئين: «الأوّل الكيمياء، الثاني: أنّي غداً أموت فجهّزني وادفنّي».

فقال له السيّد: «أمّا أنا فلا حاجة لي إلى الكيمياء، وأمّا تجهيزك فأنا مستعدّ»، وفي اليوم التالي توفّي ذلك الدرويش، فقام المرحوم السيّد بتجهيزه وتكفينه ودفنه[1]، ونُقل عن صاحب الترجمة أيضاً أنّه قال: ذات يوم، كنت نائماً في مكانٍ ما فأيقظني شخص قائلاً: إذا كنت تريد أن ترى نور الأسفهبرية فانهض، وعندما فتحت عيني رأيت نوراً لا يتناهى ملأ مشرق الدنيا ومغربها.

قال العلّامة الطباطبائيّ: «اللّهم ارزقنا» هذه هي رحلة تجلّي النفس التي تشاهد بهذا الشكلّ وبصورة نورٍ غير متناه»[2].

من تلامذة السيّد أحمد الكربلائيّ (عليه الرحمة والرضوان)

1 - آية الله الشيخ محمّد البافقيّ[3] (1292 - 1365هـ).

2 - المرحوم السيّد محمّد كاظم القصّار[4].

3 - السيّد محسن الأمين صاحب أعيان الشيعة[5].

 

 


[1]  مهرتابان، ص140 القسم الثاني.

[2] لبّ اللباب، ص36.

[3]  كتاب «مجاهد شهيد شيخ محمّد تقي بافقي، ص57 والمرحوم البافقي هو الذي طلب من آية الله الحائري الانتقال إلى قمّ لإدارة الحوزة فيها، وكان يتولّى شؤون شهريّة الطلّاب. وكان على علاقة بالإمام المنتظر(عجل الله تعالى فرجه) كما كانت له عناية خاصّة بالإمام القائد، وقد تنبّأ بسقوط الحكم الشاهنشاهيّ على يديه، وللمرحوم البافقي مواقف جهاديّة نادرة ضدّ رضا خان، وتفاصيل ذلك كلِّه في الكتاب المذكور، وهو فارسي/ المعرِّب.

[4]  تاريخ حكماء وعرفاء (134).

[5]  أعيان الشيعة، ج2، ص472.

 

60


47

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

4 - آية الله السيّد عليّ القاضي.

وقد كان المرحوم السيّد جمال الدين الأسد آباديّ (الأفغانيّ) من أصدقاء المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ وأصدقاء المرحوم السيّد محمّد سعيد الحبّوبيّ التلميذ الآخر للمرحوم الهمدانيّ[1].

يقول الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ في كتاب «هديّة الرازيّ» في سياق تعداد تلامذة الميرزا الشيرازيّ:

34 - «السيّد أحمد الكربلائيّ النجفيّ سافر بعد 1300هـ.ق. إلى سامرّاء، ودرس لسنوات على الميرزا، ثمّ رجع إلى النجف، وفيها حضر بحث العلّامة ميرزا حبيب الله، والميرزا حسين الطهرانيّ، وبعد ذلك أصبح من خواصّ العلّامة حسينقلي الهمدانيّ، وقطع مراحل تهذيب النفس كلّها. وكان له درس كان يحضره عددٌ من الطلّاب، وكانت وفاته في النجف سنة 1332هـ.ق»[2].

ويقول في «نقباء البشر»:

كان السيّد يختار العزلة في الصلاة ويجتنب اقتداء الناس به، وكان كثير البكاء بحيث إنّه حتّى في الصلاة لم يكن يستطيع تجنّب البكاء، فكان يبكي لا إراديّاً، خصوصاً في نوافل الليل. وكان لي شرف مجاورته لعدّة سنين؛ فقد كان منزلي قريباً من منزله، وقد شاهدت منه في هذه المدّة أموراً يطول ذكرها. كان كثير الخدمة لأمّه وقد توفي قبلها، وقد شيّع جنازته جمعٌ من طلاّبه ومحبّيه، ودفن في الصحن المرتضويّ مقابل الإيوان الواقع خلف المرقد المنوّر»[3].

يقول المرحوم السيّد الأمين:

«شيخنا وأستاذنا، قرأنا عليه في الفقه والأصول في النجف سطحاً، واستفدنا من

 

 


[1]  الحركات الإسلاميّة في القرن الأخير، ص38.

[2]  ميرزاي شيراز، ص108، هديّة الرازيّ، ص66.

[3]  نقباء البشر، ج1، ص88.

 

61


48

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

علمه وأخلاقه. كان عالماً فاضلاً وورعاً تقيّاً كاملاً مرتاضاً مهذّب النفس، يروي عن الشيخ حسينقلي الهمدانيّ وعن الميرزا حسين بن ميرزا خليل الطهرانيّ النجفيّ وعن الشيخ عليّ بن الحسين الخيقانيّ كلّهم عن الملّا عليّ بن الميرزا خليل الرازيّ...[1] »

وقد أورد في آخر «تذكرة المتّقين» رسائل عدّة للمرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ. كما أصبحت المكاتبات المتبادلة بينه وبين المرحوم الكميانيّ في متناول الجميع.

يقول السيّد عليّ القاضي تلميذ المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ:

«كنت أمضي ليلةً من الليالي في مسجد السهلة وحيداً، عند منتصف الليل، جاء شخصٌ إلى مقام إبراهيم واستقرّ فيه، سجد إثر فريضة الصبح حتّى طلوع الشمس، عندها ذهبت ورأيت أنّه السيّد أحمد الكربلائيّ البكّاء (قده القدوسي) ومن شدّة البكاء حوّل تراب محلّه إلى طين، وفي الصباح ذهب وجلس في الحجرة وكان يضحك بحيث كان صوته يصل إلى خارج المسجد»[2].

5 - سيّد العلماء الميرزا عليّ القاضي (قدس سره)

آية الله الميرزا القاضي من عجائب الدهر ونوائب الأعصار وصاحب الكرامات والمكاشفات الكثيرة، ومن أبرز تلامذة المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ المتقدّم ذكره.

في البدء تتلمذ المرحوم القاضي في أمور المعرفة على أبيه المرحوم آية الحقّ السيّد حسين القاضي، الذي كان من طلَّاب الميرزا الشيرازيّ البارزين، وهو من تلامذة المرحوم إمام قلي النخجوانيّ، وهو تلميذ آية الحقّ السيّد قريش القزوينيّ. عندما جاء المرحوم القاضي إلى النجف الأشرف، أشرف على تربيته المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ «وقد طوى الطريق بمراقبته» لازم المرحوم القاضي لسنين متمادية المرحوم العابد الزاهد الناسك السيّد مرتضى الكشميريّ -رضوان الله عليه- طبعاً لا بصفة التلميذ وإنمّا بعنوان الملازمة

 

 


[1]  أعيان الشيعة، ج2، ص472.

[2] تاريخ حكماء وعرفاء متأخر بصدر المتألّهين، ص135.

 

62


49

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

والاستفادة من حالاته ومشاهدة أحواله ووارداته (ما يرد عليه من المكاشفات وشبهها) ومن نافلة القول أنّ هناك تبايناً بعيداً في المسلك العرفاني بين هذين العظيمين[1].

وُلد المرحوم السيّد عليّ القاضي سنة 1285هـ.ق. وتُوُفِّي سنة 1366، كان أستاذ الأخلاق والسير والسلوك الوحيد في عصره في حوزة النجف، وتربّت على يديه شخصيّات عظيمة[2] منهم العلّامة الطباطبائيّ، وأخوه، والمرحوم آية الله الشيخ محمّد تقي الآمليّ صاحب تعليقة شرح منظومة السبزواريّ، وسيأتي ذكر عددٍ من تلامذته.

يقول العلّامة الطباطبائيّ: «نحن كلّ ما عندنا فهو من المرحوم القاضي، سواء ما تعلّمناه منه في حياته واستفدناه من محضره أو الطريق الخاصّ بنا، كلّ ذلك من المرحوم القاضي»[3].

«كلّ عطر يتضوّع من نسيم السحر فهو من مرور الريح بحيّك».

كان المرحوم القاضي يعطي لكلّ من تلامذته تعليماتٍ خاصّة به، طبق الموازين الشرعيّة، مع رعاية الآداب الباطنيّة للأعمال، وحضور القلب في الصلوات، والإخلاص في الأفعال. وهكذا كان يؤهّل قلوبهم لتقبُّل الإلهامات الغيبيّة.

كانت له حجرةٌ في مسجد الكوفة، وحجرةٌ في مسجد السهلة، وكان يقضي الليالي فيها وحيداً. وكان يوصي تلامذته بإحياء بعض الليالي بالعبادة في مسجد الكوفة أو السهلة. وكان قد أوحى أنّه إذا كنتم في الصلاة أو قراءة القرآن أو في حال الذكر والفكر فرأيتم صورة جميلة أو أشياء أخرى من عالم الغيب فلا تهتمّوا وتابعوا عملكم.

يقول العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله): «ذات يوم كنت جالساً في مسجد الكوفة مشتغلاً بالذكر، فرأيت حوريّةً من الجنّة جاءت عن يميني وفي يدها كأس من شراب الجنّة، جاءت به إليّ وهي تحاول إثارة اهتمامي بها، وبمجرّد أن أردت الالتفات إليها تذكّرت

 

 


[1]  مهرتابان، ص18، 19.

[2] يادنامه علامة طباطبائي، ص61.

[3]  يادنامه علامة طباطبائي، ص62.

 

63


50

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

كلام الأستاذ، فأغمضت عينيَّ ولم أهتمّ، قامت تلك الحوريّة وجاءت عن شمالي وقدّمت لي تلك الكأس فلم أهتمّ أيضاً وصرفت وجهي، فتألّمت تلك الحوريّة، وأنا إلى الآن كلّما تذكّرت ذلك المشهد أتأثّر لتألّمها»[1].

وقد كان المرحوم القاضي من المجتهدين الكبار وقد درّس كتباً في الفقه.

«في العشرة الأولى والعشرة الثانية من شهر رمضان كانت مجالس التعليم والأنس، بعد مضيّ أربع ساعاتٍ من أوّل الليل كان الطلّاب يذهبون إلى مجلسه، فيستمرّ المجلس ساعتين، ولكن في العشرة الثالثة كان المجلس يعطّل، وبعدها لم يكن المرحوم القاضي يُرى إلى آخر الشهر/ وبالرغم من أنّ الطلّاب كانوا يبحثون عنه في النجف، ومسجد الكوفة ومسجد السهلة أو كربلاء، فإنّهم لم يكونوا يوفّقون للعثور على أثر له، وكانت هذه سيرة المرحوم القاضي كلّ سنة حتّى وفاته[2].

يقول العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله): «في الأحوال العاديّة كان بالإمكان رؤيته ولقاؤه من عشرة إلى عشرين يوماً (من شهر رمضان) وكان الأصدقاء يتردّدون إليه وتدور مذاكرات وأحاديث، وفجأةً! ينقطع خبره وأثره، ويبقى لمدّة أيّام لا وجود له ولا يمكن العثور عليه، لا في البيت ولا في المدرسة ولا في المسجد ولا في الكوفة ولا في السهلة. أبداً لم يكن يوف أيّ خبر عنه، حتّى عائلته لم تكن تعرف أين يذهب وماذا يفعل، ولم يكن أحد يعلم بذلك، وكان الرفقاء لا يبحثون عنه في هذه الأيّام في أيّ مكان احتملوا وجوده فيه، فكأنّه لم يعد موجوداً. بعد عدّة أيّام كان يظهر مجدّداً، وكانت له مجالس خاصّة في المنزل والمدرسة، وكانت له كذلك الكثير من الغرائب والعجائب، كانت له حالاتٌ عجيبةٌ وغريبة[3]. وقد رُوي أنّ القائم | إذا ظهر يبدأ دعوته من مكَّة، وذلك بأن يقوم بين الركن والمقام وظهره إلى الكعبة ويعلن أمره، ويجتمع إليه من خواصّه

 

 


[1]  مهرتابان، ص 19.

[2] المصدر السابق، ص17.

[3]  المصدر السابق نفسُه.

 

64


51

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

ثلاثمئة وثلاثة عشر شخصاً. كان أستاذنا المرحوم القاضي يقول: عندها يقول لهم الإمام شيئاً فيتفرّقون في أقطار العالم؛ لأنّهم جميعاً ممّن تُطوَى لهم الأرض، فيبحثون في جميع أنحاء العالم، ويتأكّدون أنّه لا يوجد شخصٌ له الولاية المطلقة الإلهيّة، مأمور بالظهور والقيام، محيط بجميع خزائن الأسرار الإلهيّة، وصاحب الأمر غيره (عليه السلام)، فيرجعون إلى مكّة جميعاً وينقادون له».

كان المرحوم القاضي -رضوان الله عليه- يقول: «أنا أعرف تلك الكلّمة التي يقولها لهم (عليه السلام) فتفّرقوا جميعهم من حوله وأنا «السيّد الطباطبائيّ» رأيت في رواية أنّ الصادق (عليه السلام) يقول: أنا أعرف تلك الكلمة».

وكان المرحوم القاضي(رحمه الله) يقول: «لا شكّ في أنّ بعض المعاصرين أدركوا محضر الإمام (عليه السلام) وتشرّفوا بخدمته.

أحد هؤلاء كان منشغلاً بالدعاء والذكر، في مسجد السهلة في مقامه (عليه السلام) المعروف بمقام صاحب الزمان، وفجأة! يراه (عليه السلام) وسط نورٍ شديدٍ جدًّا. يقترب منه، وقد بهرته جلالة النور وعظمته بحيث كادت تفيض روحه، فقد انقطع نفسه وبدأ بالعدّ وتقريباً بقي بينه وبين الموت نفسان أو ثلاثة. فأقسم على الإمام المنتظر | بأسماء الله الجلاليّة أن لا يقترب منه أكثر. وبعد أسبوعين، كان هذا الشخص في مسجد الكوفة مشغولاً بالذكر فيظهر عليه صاحب الزمان | وحصل على مراده وتشرّف بلقائه (عليه السلام). كان المرحوم القاضي يقول: هذا الشخص هو المرحوم الشيخ محمّد تقي الآمليّ» (أحد تلامذة القاضي وصاحب «مصباح الهدى»)[1].

يقول أحد تلامذة المرحوم القاضي:

كان للسيّد القاضي في الليالي مجلس أخلاق ولم يكن ينير مصباحاً. وفي تلك الظلمة كان يشترك في هذا المجلس بعض علماء النجف من الذين كانوا من أهل الباطن، وكان

 

 


[1]  المصدر نفسه، ص146-147.

 

 

65


52

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

الحديث يدور غالباً حول معرفة النفس وتهذيب الأخلاق، وكان يتحدّث في العرفان، ولكنّ غالب الحديث عن معرفة ذات الإنسان. وإذا حضر شخصٌ غير معروف كان يغيّر الحديث فيتكلّم حول زيارة سيّد الشهداء (عليه السلام) وكان يقول (في توجيه ذلك): القابليّات مختلفة ولا يمكن أن يُقالَ كلّ شيء لأيّ شخص[1]. وكما تقدم كان السيّد القاضي تلميذ السيّد أحمد الكربلائيّ في الأخلاق والعرفان. ويرى البعض أنّه تتلمذ أيضاً على المرحوم الشيخ محمّد البهاريّ، أحد تلامذة الملّا حسينقلي الهمدانيّ المتوفّى سنة 1325هـ.ق[2].

يقول الشيخ آقا بزرك، حول السيّد المترجم:

هو السيّد ميرزا عليّ ابن الميرزا حسين (...) الطباطبائيّ، التبريزيّ، القاضي، عالم مجتهد، تقيّ وورع، أخلاقيّ فاضل.

وُلد في تبريز في 3 ذي الحجّة سنة 1385هـ، ونشأ في بيت العلم والشرف، فأخذ الأوّليّات عن بعض الأفاضل وتتلمذ على والده، وعلى الميرزا موسى التبريزيّ صاحب (أوثق الوسائل) حاشية الرسائل، والسيّد محمّد عليّ قراجة داغي صاحب (حاشية شرح اللمعة) وهاجر إلى النجف في سنة 1313هـ فحضر على المولى محمّد الفاضل الشربيانيّ، والشيخ محمّد حسن المامقانيّ، وشيخ الشريعة الأصفهانيّ، والشيخ محمّد كاظم الخراسانيّ، والميرزا حسين الخليليّ، وكان يعدّ من أفاضل تلامذة الأخير، فقد برع في الفقه والأصول والحديث والتفسير وغيرها، وكان من رجال الأخلاق أيضاً، فقد تهذّب على الخليليّ وغيره، وعُرِف بذلك في أوساط أهل العلم، ودرَّس في ذلك، وكان له حلقة وتلامذة وملازمون ومريدون، وكانت معرفتي به قديمة؛ إذ اتفقت هجرتنا إلى النجف في عامٍ واحد وبدأت صلتي به يومذاك، وقد دامت المودّة والصحبة بيننا عشرات السنين

 

 


[1]  تاريخ حكماء وعرفاء متأخر...، ص141.

[2] أعيان الشيعة، ج1، ص402 ويقول عنه السيّد الأمين.

كان من العلماء الربَّانيين، والسالكين المراقبين، تتلمذ في النجف على الملا حسينقلي الهمدانيّ، وكان من أفضل تلامذته، وكان ذا صفات ومقامات رفيعة، مشتغلاً بالعلم دائم المراقبة، وكان لوجوده آثار شريفة.

 

66


53

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

فرأيته مستقيماً في سيرته كريماً في خلقه، شريفاً في ذاته. وكان أهل العلم والاستقامة يجلّونه ويكرمونه حتّى انتقل إلى رحمة الله ليلة الأربعاء سادس ربيع الأوّل سنة 1366هـ ودفن في وادي السلام قرب مقام المهديّ|. له تفسير القرآن من أوّله إلى قوله: ﴿قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرهُم فِي خَوضِهِم يَلعَبُونَ﴾ في سورة الأنعام، الآية 91.

وعلمت أنّ له آثاراً وكتابات غيره، ولكنّي لم أقف عليها، ولوالده المتوفّى سنة 1314هـ تفسير أيضاً. والميرزا مهديّ القاضي عمّ جد المترجم له من الأعاظم المشاهير، ويأتي ذكر جدّه الأمّيّ (لأمه) الميرزا محسن، وبيتهم بيت فضل وتقى قديم»[1].

من كراماته

كان المرحوم القاضي يذهب من النجف إلى كربلاء في أيّام الزيارات: ولم يره أحد يستقلّ سيّارة، ولم يكن قد اطّلع على سرّه أحد إلّا شخصٌ من كسبة سوق الساعة (السوق الكبير) حيث كان قد سافر إلى مشهد ورآه هناك وطلب منه إصلاح أمر جواز سفره وفعلاً قام السيّد بذلك، وعندما رجع ذلك الرجل إلى النجف أذاع فيها بأنّه رأى السيّد القاضي في مشهد.

غضب السيّد القاضي كثيراً وقال: يعرف الجميع أنّي كنت في النجف ولم أسافر.

وينقل هذه القصّة بعض الفضلاء بتفصيلٍ أكثر، فيقول:

«عندما رجع ذلك الرجل الكاسب من مشهد المقدّسة إلى النجف، قال لرفاقه واجهت مشكلَةً في جواز سفري ولم تكن تحلّ في دائرة الشرطة، فرجعت إلى السيّد القاضي وأعطيته الجواز فقال: اذهب غداً إلى دائرة الشرطة واستلم جواز سفرك.

وفي اليوم التالي، ذهبت فوجدت الجواز جاهزاً فأخذته ورجعت إلى النجف فقال له أصدقاؤه: السيّد القاضي كان في النجف ولم يغادرها، فجاء ذلك الرجل بنفسه إلى المرحوم القاضي وحدّثه بالقصّة، فأنكر السيّد القاضي وقال: كلّ أهل النجف يعلمون

 

 


[1]  نقباء البشر، ج4، ص1565 - 1566.

 

67


54

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

أنّي لم أسافر. فحدَّث ذلك الرجل فضلاء ذلك العصر في النجف بما جرى مثل: الشيخ محمّد تقيّ الآمليّ، والشيخ عليّ محمّد البروجرديّ والسيّد عليّ الخلخاليّ، فذهبوا إلى السيّد القاضي، فاتحوه بالأمر فأنكر، أصرّوا عليه وألَحُّوا حتّى وافق أن يبدأ لهم درساً في الأخلاق. آنذاك كان المرحوم القاضي مغموراً جدّاً ولم يكن أحد يعرف شيئاً عن مكانته. وأخيراً، وافق وبدأ بدرس في الأخلاق لهم، وكان في الطبقة الأولى من تلامذته الأشخاص المذكورون بالإضافة إلى السيّد حسن المسقطيّ، وفي ما بعد كان من الطبقة الثانية العلّامة الطباطبائيّ والسيّد أحمد الكشميريّ والميرزا إبراهيم السيستانيّ وأخو العلّامة السيّد محمّد حسن الإلهيّ. وفي الطبقة الثالثة في مرحلة تالية، كان الشيخ عباس القوﭼـانيّ وآية الله الشيخ محمّد تقيّ بهجت فومنيّ الرشتيّ المقيم في قمّ، وعدد آخر من فضلاء النجف الأشرف. وهناك شواهد أخرى تثبت أنّ المرحوم القاضي كانت تُطوى له الأرض، بصرف النظر عنها رعايةً للاختصار.

ممّا تقدّم يتّضح أنّ سلسلة الأساتذة في العلوم والسيرة والسلوك للعلّامة الطباطبائيّ هم باختصارٍ كما يأتي:

 

 

68

 

 

 


55

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

ويُنتَظَر أن يقوم تلامذة العلّامة الطباطبائيّ الأجلّاء بحفظ هذه العلوم وأن يبذروها في قلوب الأفراد الكفوئين ليحفظوها من الضياع.

وحول أنّ المرحوم الشوشتريّ كان له أساتذة آخرون عدا الملّا قلي النسَّاج وباقي سلسلتهم، على فرض وجودهم، أم لم يكن له أستاذ غيره، راجع كتاب «تاريخ حكماء وعرفاء متأخر» 152/148.

وكذلك، لمزيدٍ من الاطّلاع على سلسلة العرفاء المتشرّعة في القرون الأخيرة، راجع كتاب «منتخباتي از آثار حكماي إلهي ايران»، ج2، ص15 الهامش.

6 - العارف الكامل آية الله الشاه آباديّ أستاذ الإمام الخمينيّ في العرفان

العارف الكامل المرحوم آية الله الميرزا محمّد عليّ الشاه آباديّ ابن العالم الكبير الشيخ محمّد جواد الأصفهانيّ، وُلِد في أصفهان سنة 1292هـ.ق. وبدأ الدراسة عند المرحوم الميرزا هاشم الجهارسوقيّ صاحب «مباني الأصول» وأخيه الأكبر الشيخ أحمد المجتهد، ثمّ انتقل إلى طهران واشترك في درس الميرزا حسن الآشتيانيّ صاحب «بحر الفوائد» والميرزا هاشم الـﮕـيلانيّ، والميرزا أبي الحسن جلوة، وقد تعلّم من هؤلاء الثلاثة العظماء بالترتيب، الفقه والأصول والفلسفة والعرفان. ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف ودرس فيها على الآخوند الخراسانيّ وشيخ الشريعة الأصفهانيّ والميرزا حسين خليلي وغيرهم.

ثمّ انتقل إلى سامرّاء فاستفاد فيها من علوم الميرزا محمّد تقيّ الشيرازيّ المعروف بالميرزا الصغير، والميرزا الثاني، بعدها عاد إلى إيران وسكن في محلّة «شاه آباد» في شارع «جمهوري إسلامي» فعلاً، ولهذا اشتهر بالشاه آباديّ وبدأ يقيم صلاة الجماعة ويدرّس في مسجد «سراج الملك» وهو المسجد الذي كان والده يقيم الصلاة فيه.

انتقل المرحوم الشاه آباديّ عام 1347هـ.ق. إلى قمّ واشتغل فيها بتربية الطلّاب، وبعد سبع سنواتٍ استفاد فيها الإمام الخمينيّ (قدس سره) من أنفاسه القدسيّة. وفي سنة

 

69


56

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

1354هـ.ق. عاد إلى طهران واشتغل فيها كذلك بالقيام بما يجب، والتأليف والتصنيف، إلى أن بلغ السابعة والسبعين من عمره، وتوفّي يوم الخميس الثالث من صفر 1369هـ. ودفن في مقبرة الشيخ «أبو الفتوح الرازيّ» صاحب التفسير المشهور في زاوية مرقد عبد العظيم الحسنيّ (قدس سره) في شهرريّ. وتقع هذه المقبرة في القسم الشماليّ من صحن مولانا الحمزة، وهي مدفن رجال عظماء[1].

شخصيّته العلميّة والعرفانيّة

لقد كان المرحوم الشاه آباديّ بحقّ عالماً عاملاً، وعارفاً كاملاً، وشخصيّته مجاهدة، ويكفي في عظمته أنّه مربّي قائد الثورة الكبير الإمام الخمينيّ (قدس سره) ولقد أشار الإمام في بيانه بمناسبة وفاة ابن أستاذه إلى هذا الأمر فقال: «هذا الشهيد العزيز هو الابن البارّ لشيخنا المعظّم الذي له عليّ في الحقيقة حقّ الحياة، ولا يمكنني باليد واللسان أداء حقّه عليّ».

والإمام أيضاً عندما يذكره يعبّر عنه عادةً بالعارف الكامل، روحي فداه، ممّا يدلّ على مراتب علاقته به وحبِّه إيّاه وتقديره له. وإليك بعض النماذج من ذلك من كتاب «معراج السالكين وصلاة العارفين»:

1 - الشيخ العارف الكامل الشاه آباديّ، روحي فداه، كان يقول: يجب أن يكون الإنسان وقت الذكر كمن يلقّن الطفل الكلَام ليردّده الطفل بعده، هكذا يجب أن يلقّن الإنسان قلبه الذكر. وما دام الإنسان يذكر بلسانه، منشغلاً بتعليم قلبه، فإنّ الظّاهر يَمُدُّ الباطن، وعندما تُحَلُّ عُقَد لسان طفل القلب، فإنّ الباطن يَمُدّ الظاهر، كما أنّ تلقين الطفل كذلك؛ ما دام الإنسان يلقّن الطفل فإنّه هو الذي يعلّمه ويمدّه، وبمجرّد أن ينطق الطفل يتولّد في الإنسان نشاط تزول معه كلّ آثار التعب السابق.

إذاً في البدء يكون المدد من المعلّم له، وفي النهاية يكون المدد منه إلى المعلّم، فإذا واظب الإنسان لمدّة في الصلاة والأذكارِ والأدعية على هذا المنوال، اعتادت النفس

 

 


[1]  راجع في كثير ممَّا ذكر «نقباء البشر»، ج4، ص137.

 

70


57

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

وأصبحَتْ الأعمال العباديّة عندها كالأعمال العاديّة، لا يحتاج حضور القلب فيها إلى جهد، بل تصبح مثل الأمور الطبيعيّة والعاديّة[1].

2 - في الحديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطَّ خطًّا مستقيماً وخطوطاً في أطرافه وقال: هذا الخطّ المستقيم هو سبيلي، ويقال إنّه قال: شيّبتني سورة هود لمكان هذه الآية إشارة إلى قوله: ﴿فَٱستَقِم كَمَآ أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾.

والشيخ العارف الشاه آباديّ، روحي فداه، كان يقول: كلامه (صلى الله عليه وآله) سببه أنّه طلبت منه استقامة الأمّة. والدليل أنّ هذه الآية وردت في سورة الشورى، ولم يقل عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قاله عنها هنا، والسبب أنّها في سورة الشورى غير مذيّلة بهذا الذيل ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾[2].

3 - الشيخ العارف الكامل جناب الشاه آباديّ (روحي فداه) كان يقول: جميع العبادات تنقل ثناء الحقّ جلّت عظمته إلى النشأة الملكيّة للبدن؛ فكما أنّ للعقل حظًّا من المعارف والثناء الربوبيّ، وللقلب حظًّا وللصدر حظًّا فلملك البدن أيضاً حظّ هو عبارة عن هذه المناسك. انتهى ما أفاده(دام ظله)[3].

وفي مكانٍ آخر يقول: طيلة عمري لم أجد روحاً بلطافة روح آية الله الشاه آباديّ وظرافتها. ويقول العلّامة الشهيد مطهّري في هذا المجال:

«جمع المعقول والمنقول. وصل في طهران إلى مقام المرجعيّة والفتوى، وأثناء إقامة المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائريّ في قمّ، هاجر إلى قمّ لسنوات واستفاد الفضلاء من محضره كمال الاستفادة. كان له في العرفان امتيازٌ لا ينافَس فيه، وقد استفاد أستاذنا الكبير آية الله العظمى الإمام الخمينيّ (قدس سره) من محضره في تلك المدّة، وكان يثني عليه غاية الثناء، خصوصاً في العرفان[4].

 

 


[1]  معراج السالكين وصلاة العارفين المطبوع ضمن «الذكرى السنويّة للشهيد مطهّري» الكتاب الأوّل، ص49.

[2]  المصدر السابق، ص75.

[3] المصدر السابق، من الجدير بالذكر أنّ الإمام أنهى كتابة هذه الرسالة بتاريخ 21 ربيع الثاني/ 1358هـ.ق أي في حياة أستاذه ولذا يعبّر عنه بـ «دام ظلّه».

[4]  خدمات متقابل إسلام وإيران، ص165 بتصرف يسير.

 

71


58

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

وقد كان(رحمه الله) بالإضافة إلى مقامه العلميّ والعرفانيّ مجاهداً صلباً لا يلين؛ عندما قرّر «رضا خان» تعطيل المساجد والمحافل الدينيّة تصدّى له (رحمه الله) وظلّ يعمل بوظائفه الشرعيّة والتوعية في إطار المعارضة لرضا خان؛ بحيث اعتصم لمدّة أحد عشر شهراً في حرم عبد العظيم الحسنيّ (قدس سره) وقد شاركه في هذا الاعتصام الميرزا محمّد قمّي وآخرون.

يقول سماحة الإمام بهذا الصدد: المرحوم آية الله الشاه آباديّ -فضلاً عن أنّه كان فقيهاً وعارفاً كاملاً- كان مجاهداً بكلّ معنى الكلمة.

كيف تعرّف عليه الإمام

جاء في بعض المجلّات عن ابن الإمام:

قال الإمام: «التقيت به في المدرسة الفيضيّة، فسألته مسألةً عرفانيّةً، فبدأ يتحدّث، علمت أنّه من أهل العرفان، قلت أريد أن أدرس فلم يوافق فألححت عليه حتّى قبل أن يدرّسني الفلسفة؛ لأنّه تصوّر أنّي أطلبها. عندما وافق، قلت: درست الفلسفة ولم آتك لأجلها، أريد أن أدرس العرفان «شرح الفصوص» فامتنع ولكن لفرط إصراري وافق.

يقول ابن الإمام: سألته: كم شخصاً كنتم؟ فقال: أحياناً عندما كنّا نكثر كنّا ثلاثة، ولكن أكثر الأوقات كنت وحدي وقرأت العرفان عنده. سألته: هل قرأت درساً آخر عند المرحوم الشاه آباديّ؟ قال: أيّام التعطيل الخميس والجمعة قرأت عنده «مفاتيح الغيب» في وقتٍ واحد، كنت أقرأ شرح الفصوص ومفاتيح الغيب وقد كتبت حاشية على مفاتيح الغيب، سألته: وهل قرأت عليه كتباً أخرى؟ قال: كتاب «منازل السائرين» وكنت وحيداً، والظاهر أنّه أحياناً كان يأتي شخصٌ أو اثنان ولكنّهم كانوا ينقطعون بعد فترة. سألت الشاه آباديّ: المطالب التي تبيّنها ليست في كتاب، من أين تأتي بها؟ فقال: إنّي أقولها من عندي. إنّ له حقًّا كبيراً عليّ، وكان محيطاً جدًّا سواء في الفلسفة أو العرفان.

 

72


59

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

سألته: كم سنةً قرأت عليه في العرفان؟ قال: لا أتذكّر جيِّدًا، ولكنّها حوالى خمس إلى ستّ سنوات، وأضاف: شرح الفصوص الذي كان يشرحه الشاه آباديّ يختلف عن شرح القيصريّ. كان يأتي بمطالب كثيرة من عنده، وعندما جاء الشاه آباديّ إلى قمّ لم أكن قد تزوّجت بعدُ، وبعد الزواج استمرّ درسي عنده أيضًا.

كما تقدّم، فإنّ المرحوم الشاه آباديّ كان في قمّ من سنة 1347 إلى 1354؛ أي سبع سنوات، والإمام استفاد منه خلال هذه المدّة. ولم يَرِدْ في أيّ مصدر لماذا جاء المرحوم الشاه آباديّ إلى قمّ سنة 47 ثمّ انتقل إلى طهران عام 54... وليس بعيدًا أن تكون اليد الغيبيّة والعناية الإلهيّة هي التي جاءت به من طهران إلى قمّ ليربّي هذا الرجل العظيم الذي من المقرّر أن يتحمّل، في المستقبل، مسؤوليّةً عظيمةً جدًّا ويجتثّ جذور الطاغوت ويرمي بها في سلّة مهملات التاريخ.

وإذا لاحظنا أنّ الدرس لم يكن عامًّا، وكان المرحوم الشاه آباديّ، مع علوّ مقامه العلميّ وعظمته، يدرّس الإمام فقط وأحياناً مع شخصين آخرين، يصبح هذا الاحتمال أقرب إلى اليقين فاعتبروا يا أولي الأبصار.

مؤلّفاته

1 - «شذرات المعارف أو مرام الإسلام» فارسيّ طبع مراراً.

2 - «القرآن والعترة».

3 - «الإيمان والرجعة» ردّ على كتاب الإسلام والرجعة لشريعت السنـﮕـلجيّ.

4 - «الإنسان والفطرة» وهذه الكتب الثلاثة بالعربيّة.

5 - «مفتاح السعادة في أحكام العبادة» رسالة عمليّة بالفارسيّة، مطبوع.

6 - «رشحات المعارف» جانب من دروسه العرفانيّة جمعها بعض مريديه في 93 صفحة وطبعت في مشهد عام 1390هـ.ق.

7 - حاشية كفاية الآخوند الخراسانيّ.

8 - «منازل السالكين في العرفان».

 

 

73

 

 


60

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

9 - «رسالة العقل والجهل».

10 - «رسالة في النبوّة».

وبعض الرسائل الأخرى.

من قصصه

يقول المرحوم آية الله السيّد أحمد الزيجانيّ، وهو من مباحثي الإمام الخمينيّ (قدس سره) ورفقائه في الدرس، حول تهيئة الأسباب من الله تعالى:

المنام الآخر الذي أصبح سببًا في نجاة شخص من خطر الموت، وهو المنام الذي رآه الميرزا أحمد عليّ الشاه آباديّ وهو من معتمدي علماء طهران، قال:

رأيت في المنام أنّي جالس مع عدّة أشخاص في مكان وكان معي طفل، وكان يوجد هناك منحدر، وكنت خائفاً أن يسقط الطفل في ذلك المنحدر، وفيما كنت مشغولاً بالحديث معهم كنت منتبهاً للطفل، وفجأةً رأيت الطفل سقط، ومن خوفي استيقظت. أخرجت رأسي، فرأيت ذلك الطفل واقفاً على حافّة خزّان الماء في المحلّة. أردت أن أصرخ: ارجع، فإذا به في تلك اللحظة يسقط في الماء، فأسرعت وتناولته، ولو أنّي استيقظت بعد لحظة لكان ذلك الطفل -بحسب الظاهر- قد مات.

هذا مختصر في ترجمة عدّة من عظماء العرفان في العصر الأخير، ومن الجدير بالذكر أنّ اختيار هؤلاء الصالحين كان من باب النموذج، وإلّا فإنّ العرفاء الكبار والأجلّاء في المرحلة الأخيرة كثيرون.

حول دروس الأخلاق

يتّضح ممّا تقدّم أنّ درس الأخلاق وأستاذ الأخلاق سابقاً غيره الآن؛ فقد كان أساتذة الأخلاق يهتمّون بمن يجدون فيهم الكفاءة، يدرّسونهم درسًا خاصًّا ويراقبون سلوكهم وأفعالهم خشيةً من عدم التزامهم بالتعليمات. وكانوا يحرصون على الاطّلاع على أحوال تلامذتهم باستمرار، ويعطونهم التعليمات في الوقت المناسب،

 

74


61

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

حتّى يصل التلامذة إلى مرتبة الكمال. ومن الواضح طبعاً أنّ تأثير هذا النوع من الدروس هو أفضل بكثير من الدروس المتداولة الآن التي تعقد أحياناً ليلة الجمعة، أو في يوم عطلةٍ أخرى مع كثرة التعطيل فيها والموانع الأخرى، ثمّ إنّ كون الدروس عامّة تمنع من طرح كثير من المسائل. ولكن بالرغم من ذلك كلّه «ما لا يُدرَك كلّه لا يُترك جُلّه»؛ عندما لا يمكن الحصول على ذلك النوع من الأساتذة الخصوصيّين يجب السعي دائماً للاشتراك في هذا النوع من جلسات الأخلاق، وإيّاك أن تغيب عنها حتّى مرّة واحدة؛ إذ إنّ عدم المشاركة فيها يعود على الطالب بضرر عظيم جدًّا. ومن حسن الحظّ أنّ في حوزة قمّ الآن جلسات أخلاقيّة قيّمة مفيدة، وينبغي على الطلّاب الاهتمام بها.

كما أنّه توجد الآن هنا وهناك بعض الدروس من ذلك النوع الذي كان سابقًا يتولّى فيها أساتذة أكفاء العناية بذوي الكفاءة وإرشادهم إلى طريق الكمال.

اطلب من الله

هنا قد يتبادر إلى أذهان القرّاء هذا السؤال: الشخص الذي لا يعرف أحداً ولا شيئًا ويدخل الحوزة قادمًا (من) أرض بعيدة أو قريبة، كيف وبأيّة طريقة سيجد الأشخاص الكاملين ويتعرّف عليهم ويستفيد منهم؟ وبالإضافة إلى ذلك، فلنفترض أنّه عرفهم، فهل هم مستعدّون لتربية أيٍّ كان؟ والجواب نعم، إنّ الأمر كذلك، ولكن يجب عن طريق التوسُّل بالأئمّة الأطهار (عليهم السلام) والتضرّع والبكاء بين يدي الله الملك العلّام للوصول إلى الحلقات التربويّة لهؤلاء الأساتذة الكاملين، والاستفادة منهم، فإذا كان الشخص متعطّشاً إلى الهداية واقعاً ومن صميم القلب فإنّ الله تعالى يأخذ بيده ويضعه في يد إنسانٍ حرّ.

 

75


62

القسم الثاني: الحاجة إلى أستاذ الأخلاق والسير والسلوك

العطشان يصرخ أين الماء الزلال؟ والماء يقول أين شارب الماء؟[1] وتوضّح القصّة التالية جواب السؤال المتقدّم:

يقول العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله): عندما كنت في طريقي من تبريز إلى النجف الأشرف للدراسة، لم أكن أعرف شيئاً عن النجف، ولم أكن أعرف أين أذهب، وماذا أفعل... كنت في الطريق أفكّر دائماً أيّ درسٍ أدرس؟ وعلى من أتتلمذ؟ وأيّ طريقة أختار ويكون فيها رضا الله تعالى؟ عندما وصلت إلى النجف الأشرف وحين الدخول توجّهت إلى قبّة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقلت:

يا عليّ، تشرّفت بمحضرك لمواصلة الدراسة، ولكنّي لا أعرف أيّ نهجٍ أسلك وأيّ برنامجٍ أختار، أريد منك أن ترشدني إلى ما فيه صلاحي. استأجرت منزلاً وسكنته، وفي الأيّام الأولى، وقبل أن أبدأ أيّ درس، كنت جالساً في البيت أفكّر في مستقبلي، فجأةً طرق الباب، فتحت الباب فرأيت أحد العلماء الكبار سلّم ودخل، جلس في الغرفة ورحّب بي. كانت له طلعةٌ جذّابةٌ ونورانيّةٌ جدًّا، حادثني بكامل الصفاء والصميميّة والأنس، وخلال أحاديثه قرأ لي أشعاراً وقال لي ما مضمونه: الشخص الذي يأتي إلى النجف بهدف الدراسة، من الجيّد أن يفكّر، بالإضافة إلى الدراسة، بتهذيب نفسه وتكميلها وأن لا يغفل عن نفسه. قال هذا ومضى.

وفي ذلك المجلس أسرتني أخلاقه وتصرّفاته، وقد أثّرت في قلبي كلماته القصار والأخّاذة إلى حدّ أنّي عرفت منها برنامجي المستقبليّ، وطيلة الفترة التي كنت فيها في النجف لم أترك محضر ذلك العالم التقيّ، اشتركت في درسه الأخلاقيّ واستفدت من سماحته، ذلك العالم الكبير هو المرحوم آية الله الحاجّ الميرزا عليّ القاضي (قدس سره)[2].

 

 


[1]  تعريب بيت شعر فارسي لمولوي.

[2]  يادنامه علامة طباطبائي، ص120.

 

76


63

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

أحد آثار تصفية الروح ونتائجها اجتناب الذنب، يجب أن نعرف أنّ ترك المعصية من الشروط المهمّة للتوفيق في تحصيل العلوم الشرعيّة؛ فمن يرتكب المحرّمات يسودّ قلبه ولا تبقى فيه قابليّة إشراق نور العلم، لا معرفة بعض الاصطلاحات الجافّة.

يقول الشهيد الثاني(رحمه الله):

«وقال عليّ بن خشرم: شكوت إلى وكيع قلّة الحفظ، فقال استعن على الحفظ بقلّة الذنوب، وقد نظم بعضهم ذلك في بيتين فقال:

شكوت إلى وكـ

ـيع سوء حفظي

وقال اعلم بأنّ العلم فضل

وفضل الله لا يؤتاه عاصي

لذا يجب الحذر حتّى من الذنب الذي يبدو في الظاهر صغيراً، فإنّه قد يجرّ إلى الشقاء، ويتسبّب بالبعد الدائم عن الدراسة والحوزات، وسوء الظنّ بالإسلام والروحانيّة.

الأشخاص الذين دخلوا الحوزات العلميّة ثمّ طردوا من هذا المحيط المقدّس واختاروا طريقاً آخر، ليس السبب في ذلك إلّا أنّهم لم يكونوا يتمتّعون بصلاحيّة البقاء في هذا المكان المقدّس والتزيِّي بهذا الزيّ المقدسّ. ويد القدرة الإلهيّة ووليّ العصر | هيّأت أسباب خروج مثل هؤلاء الأفراد من زيّ الروحانيّين وحوزتهم[1].

الأمر الآخر الذي يجب الانتباه له هو: أنّ الشيطان يضلّ كلّ شخصٍ عن طريقٍ يناسبه؛ فلا يقول للمتظاهر بأنّه روحانيّ - نعوذ بالله - اشرب الخمر، ازنِ، العب القمار، بل يأتيه عن طريق الحسد وحبّ الجاه وعبادة الرئاسة والمقام، والغيبة والتهمة ونشر الشائعات والمزاح في غير موقعه، والثرثرة وأمثال ذلك، ويُقرِّب ذلك ويزيّنه له حتّى يضلّه.

 


[1]  هذا صحيح في الجملة، لا مطلقاً (المعرِّب).

 

79


64

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

عن الإمام الصادق(عليه السلام):

«وجدت علم الناس كلّه في أربع: أوّلها أن تعرف ربّك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك»[1].

ومحلّ الشاهد هو الفقرة الأخيرة، يجب أن نبقى متنبّهين لما يخرجنا من ديننا ويؤدّي بنا في وهدة السقوط. يجب أن نحذر من الترف وحبّ الكماليّات والأنانيّة، وحبّ الدنيا، والكسل، والبطنة، وأمثال ذلك. ولنصغِ هنا إلى مقتطفاتٍ من حديث الإمام الخمينيّ (قدس سره) في هذا المجال:

«ولكن بعضكم تدوسون كلّ شيء، تغتابون عظماء الإسلام. إذا كان الآخرون يغتابون عطّار الزقاق أو البقّال، فهؤلاء ينسبون إلى علماء الإسلام فوراً مشينة ويهينونهم ويتجرّؤون عليهم». «لماذا تقعون إلى هذا الحدّ في غيبة إخوتكم المسلمين أو الإساءة إليهم أو استماع غيبتهم وأنتم مرتاحو البال؟ هل تعلمون يا ترى أنّ هذا اللسان الذي يمتدّ بالغيبة يداس في يوم القيامة تحت أرجل الآخرين؟ هل تعلمون يا ترى أنّ الغيبة إدام كلاب النار؟». «العزم على ترك الذنب لا يتوفّر للأشخاص الذين ارتكبوا الغيبة والكذب طيلة خمسين أو سبعين سنة، لقد ابيضّت لحاهم في المعصية، هؤلاء يظلّون مبتلين إلى آخر عمرهم»[2].

يقول آية الحقّ ملّا حسينقلي الهمدانيّ في إحدى رسائله:

«وما استفدته أنا الضعيف، من العقل والنقل، أنّ أهمّ الأشياء لطالب القرب، هو الجدّ والسعي في ترك المعصية، وما لم تؤدِّ هذه الخدمة فإنّ ذكرك، وفكرك مجال قلبك، لن ينفعك شيئًا؛ لأنّ خدمة الشخص للسلطان مع أنّه عاصٍ له ومتمرّدٌ عليه لا فائدة فيها، ولا أدري أيّ سلطان أعظم من هذا السلطان العظيم الشأن، وأيّ خصومةٍ أقبح من هذه الخصومة.

 

 


[1]  الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 50.

[2]  جهاد أكبر المرفق بـ «ولايت فقيه»، ص 247.

 

 

80


65

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

فافهم ممّا ذكرت أن طلبك محبّةً إلهيّة مع كونك مرتكباً للمعصية أمرٌ فاسدٌ جدًّا وكيف يخفى عليك كون المعصية سببًا للنفرة؟ وكون النفرة مانعة الجمع مع المحبّة؟ وإذا تحقّق عندك أنّ ترك المعصية أوّل الدين وآخره، وظاهره، وباطنه، فبادر إلى المجاهدة، واشتغل بتمام الجدّ في المراقبة، من أوّل قيامك من نومك في جميع أناتك إلى نومك، والزم الأدب في مقدَّس حضرته، واعلم أنّك بجميع أجزاء وجودك، ذرّةً ذرّةً، أسير قدرته. وراعِ حرمة شريف حضوره وأعبده كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، والتفت دائماً إلى عظمته وحقارتك، ورفعته ودناءتك، وعزّته وذلّتك، وغناه وحاجتك، ولا تغفل عن شناعة غفلتك عنه (جلّ جلاله)، مع التفاته إليك دائماً، وقم بين يديه مقام العبد الذليل، الضعيف، وتبصبص تحت قدميه، بصبصة الكلّب الخائف. أَوَلا يكفيك شرفاً وفخراً أنّه أذن لك في ذكر اسمه العظيم بلسانك القذر الذي نجّسته قاذورات المعاصي!

إذًا أيّها العزيز، حيث إنّ هذا الكريم الرحيم جعل لسانك مخزن جبل النور، يعني ذكر اسمه الشريف، فمن عدم الحياء أن يكون مخزن السلطان بالنجاسة وقاذورات الغيبة والكذب والفحش والأذى وغير ذلك من المعاصي. مخزن السلطان يجب أن يكون محلّه مملوءًا بالعطر وماء الورد لا النجس المليء بالقاذورات.

ولا شكّ أنّك إذا لم تكن دقيقاً في المراقبة فلن تعرف أيّة معاصٍ ترتكب بجوارحك السبع؛ أيّ الأذن، واللسان، والعين، واليد، والرجل، والبطن، والفرج، وأيّ نيران توقد، وأيّ فساد تلحق بدينك، وأيّة جراحات منكرة توقعها بقلبك بسيف لسانك، وسنانه؟! إذا كنت لم تُقتل فذلك جيّد جدّاً. وإذا أردت شرح هذه المفاسد فالكتاب لا يتّسع لها، ماذا يمكنني (أن أفعل) في ورقةٍ وأنت الذي لم تطهّر جوارحك بعد من المعاصي؟ كيف تنتظر أن أكتب إليك شيئاً في شرح أحوال القلب؟ إذاً:

البدار البدار إلى التوبة الصادقة

ثمّ العجل العجل في الجدّ والمراقبة»[1].

 

 

 


[1]  تذكرة المتّقين، ط1، انتشارات نور فاطمة، ص177 - 178 ومن قوله فافهم مماّ ذكرت إلى «قاذورات المعاصي» هو عبارته عليه الرحمة بتصرُّف يسير والسطر الأخير هو كذلك بلفظهِ المعرِّب.

 

 

81


66

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

ويقول الأستاذ الكبير في علم الأخلاق المرحوم الشيخ محمّد البهاريّ- (رحمه الله)-:

«إنّ السالك سبيل التقوى، يجب عليه مراعاة أمور، الأوّل: ترك المعاصي، وهذا هو الذي بُني عليه قوام التقوى، وأُسّس عليه أساس الآخرة والأولى، وما تقرّب المتقرّبون بشيء أعلى وأفضل منه.

ومن هنا، فعندما سأل موسى (عليه السلام) الخضر (عليه السلام) ماذا فعلتَ حتّى أُمرتُ أن أتعلّم منك؟ بمَ بلغتَ هذه المرتبة ؟ قال: بترك المعصية.

فعلى الإنسان أن يعلم هذا، ونتيجته كبيرة حقًّا، كم هو قبيحٌ من العبد الذليل الذي هو آنًا فآنًا مستغرق في النعم الإلهيّة وهو في المحضر المقدّس الإلهيّ -وذلك بمقتضى قوله مع كلّ شيء لا بالمقارنة وغير كلّ شيء لا بالمزايلة[1] وأينما كنتم فهو معكم-كم هو قبيحٌ من العبد - أنّه بالرغم من هذا يزيل ستار الحياء عن وجهه؟ ويرتكب وبكلّ جرأة وصلافة مناهي ملك الملوك؟ وما أشنعه وما أجفاه! الحقّ أنّ مثل هذا الشخص ينبغي أن يحبس في سجن جبّار السماوات والأرضين أبد الآبدين، إلّا أن يتوب وتشمله أذيال الرحمة الإلهيّة الواسعة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لحفص بن غياث:

«يا حفص، يُغفَر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ واحد»[2].

وبالإضافة إلى جميع ذلك، حيث إنّ صاحب العصر -أرواحنا فداه وحسب قوله- هو[3] مطّلعٌ على أعمالنا ومحيطٌ بجزئيّات أفعالنا؛ فإنّ كلّ معصيةٍ تصدر عنّا هي كسهمٍ مسدّدٍ إلى قلب من هو واسطة فيض المخلوقات. أنظر كيف يتألّم من ذنوب

 

 


[1]  في نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص 40 ، ج 1، هكذا: مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة.

[2]  الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 47 ، باب لزوم الحجّة على العالم وتشديد الأمر عليه الحديث رقم 1.

[3]  «نحن وإن كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكين الظالمين حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح وبشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فإنا يحيط علمنا بأنبائكم ولا يُعْزُبُ عنا شيءٌ من أخباركم»، بحار الأنوار، ج 53، ص 175.

 

 

82


67

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

الشيعة ويشكو منها، على ما ورد في توقيعه المبارك إلى الشيخ المفيد، ويعتبر أنّ سبب طول الغيبة هو عدم عمل الشيعة بواجباتهم: «ولو أنّ أشياعنا -وفّقهم الله لطاعته- على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم اليُمْن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يمسّنا عنهم إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم»[1].

الإمام الخمينيّ(قدس سره)

يقول أحد المقرّبين من الإمام:

«من الأمور التي يتّفق فيها جميع الذين يعرفون الإمام، أنّه لا يغتاب مطلقاً، منذ شبابه لا يسمح في مجلسه بأيّ شكلٍ كان أن يغتاب أحد، وإذا تكلّم وأراد أن يبدأ بالغيبة فإنّه يتدخّل فوراً ويغيّر الموضوع والحديث».

ومن هنا، حيث إنّ هذا الرجل يطبّق قبل أن يتكلّم، وكلّ شيءٍ يقوله يكون قد التزم به عمليًّا، فإنّ مواعظه تستقرّ في القلب وتروي أرواح المتعطّشين إلى السعادة.

المحدّث القمّيّ (رحمه الله)

جاء في سيرة الشيخ عبّاس القمّيّ(رحمه الله) أنّه لم يكن أحدٌ يجرؤ أن يغتاب أحداً في مجلسه، كائناً من كان، وهو أيضاً كان يحترز من الغيبة والكذب بما يفوق التصوّر. أيّام مرضه الذي كانت وفاته فيه، جاء أحد علماء طهران لعيادته، كان الشيخ عبّاس ذلك اليوم متألّماً جدّاً، ويفكّر في أمرٍ شغل باله. سأله ذلك العالم عن سبب تألّمه، فأجابه: في سفري إلى الحجّ أردت -طبق سيرة المحدّثين في الإجازة - أن أتميّز من أحد محدّثي العامّة. وعندما فاتحته بالأمر، قال لي شيئاً، ولمصلحةٍ ما أنكرت ذلك كذباً. والآن أفكّر كيف سأُسوِّغ هذا الكذب غداً في يوم القيامة في محضر العدل الإلهيّ[2].

 

 


[1]  بحار الأنوار، ج 53، ص 175.

[2] حاج شيخ عباس قمي مرد وتقوا وفضيلت، ص 65 - 66 .

 

83


68

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

ترك المكروه والمباح

كثيرٌ من علمائنا كانوا يبقون دهراً لا يرتكبون مكروهاً، ولا مباحاً، فكيف بالحرام؟ ولإيضاح ذلك نذكر بعض النماذج:

1 - يقول الشهيد الأوّل في قواعده: «ومن الخسران صرف الزمان في المباح، وإن قلّ»[1]. ومن الواضح أنّ من كان هذا قوله وهو من نعرف، كيف ستكون سيرته.

2 - يقول المرحوم الملّا عبد الله الشوشتريّ -وهو من تلامذة المحقّق الأردبيليّ- في موعظته لابنه: «يا بنيّ، إنّي بعدما أمرني مشايخي -رحمهم الله- بالعمل برأيي، ما ارتكبت مباحاً ولا مكروهاً إلى الآن حتّى الأكل والشرب والنوم»[2].

3 - وقالوا في المقدّس الأردبيليّ: «ولم يصدر عنه فيها - أربعين سنة - فعلٌ مباح فضلاً عن الحرام والمكروه»[3].

4 - يقول المحدّث القمّيّ: «لم يصدر عن الميرداماد الفيلسوف الإسلاميّ الكبير، فعل مباح، طيلة عشرين عاماً»[4].

5 - يقول أحد المقرّبين من الإمام: «ذات يوم قال الإمام: ارفعوا هذه السجّادة من هنا؛ فإنّ عليها صور حيوانات وتُكرَه الصلاة في الغرفة التي فيها صورة»[5].

6 - يقول الفيلسوف الشهيد الملّا هادي السبزواريّ في ترجمة نفسه: «والحقير كنت إلى عشرة كاملة من عمري في سبزوار، وبعدها أخذني إلى مشهد جناب المستطاب العالم العامل والعابد الناسك والناسك المتهجّد الحاجّ ملّا حسين السبزواريّ -أعلى الله مقامه- الذي كان لسنواتٍ يقيم في مشهد مشتغلاً بالدراسة. كان سماحته مراقباً لنفسه في الانزواء وتقليل الطعام والعفاف واجتناب المحرّمات والمكروهات

 

 


[1]  القواعد والفوائد، ج1، ص119.

[2]  دار السلام للنوريّ.

[3]  منتخب التواريخ، ص196 وتجد غير ذلك في احتياط المقدّس الأردبيليّ في روضات الجنات، ج1، ص181.

[4]  الفوائد الرضوية، ص423.

[5]  فازهائي أز أبعاد روحي إمام، ص20.

 

 

85


69

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

ترك المكروه والمباح

كثيرٌ من علمائنا كانوا يبقون دهراً لا يرتكبون مكروهاً، ولا مباحاً، فكيف بالحرام؟ ولإيضاح ذلك نذكر بعض النماذج:

1 - يقول الشهيد الأوّل في قواعده: «ومن الخسران صرف الزمان في المباح، وإن قلّ»[1]. ومن الواضح أنّ من كان هذا قوله وهو من نعرف، كيف ستكون سيرته.

2 - يقول المرحوم الملّا عبد الله الشوشتريّ -وهو من تلامذة المحقّق الأردبيليّ- في موعظته لابنه: «يا بنيّ، إنّي بعدما أمرني مشايخي -رحمهم الله- بالعمل برأيي، ما ارتكبت مباحاً ولا مكروهاً إلى الآن حتّى الأكل والشرب والنوم»[2].

3 - وقالوا في المقدّس الأردبيليّ: «ولم يصدر عنه فيها - أربعين سنة - فعلٌ مباح فضلاً عن الحرام والمكروه»[3].

4 - يقول المحدّث القمّيّ: «لم يصدر عن الميرداماد الفيلسوف الإسلاميّ الكبير، فعل مباح، طيلة عشرين عاماً»[4].

5 - يقول أحد المقرّبين من الإمام: «ذات يوم قال الإمام: ارفعوا هذه السجّادة من هنا؛ فإنّ عليها صور حيوانات وتُكرَه الصلاة في الغرفة التي فيها صورة»[5].

6 - يقول الفيلسوف الشهيد الملّا هادي السبزواريّ في ترجمة نفسه: «والحقير كنت إلى عشرة كاملة من عمري في سبزوار، وبعدها أخذني إلى مشهد جناب المستطاب العالم العامل والعابد الناسك والناسك المتهجّد الحاجّ ملّا حسين السبزواريّ -أعلى الله مقامه- الذي كان لسنواتٍ يقيم في مشهد مشتغلاً بالدراسة. كان سماحته مراقباً لنفسه في الانزواء وتقليل الطعام والعفاف واجتناب المحرّمات والمكروهات

 

 


[1]  القواعد والفوائد، ج1، ص119.

[2]  دار السلام للنوريّ.

[3]  منتخب التواريخ، ص196 وتجد غير ذلك في احتياط المقدّس الأردبيليّ في روضات الجنات، ج1، ص181.

[4]  الفوائد الرضوية، ص423.

[5]  فازهائي أز أبعاد روحي إمام، ص20.

 

 

84


69

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

والمواظبة على الفرائض والنوافل. والداعي حيث كنت معه في غرفة واحدة، كنت مساهماً في ذلك ومشاركاً، وقد بقينا على هذا المنوال مدّةً طويلة، وأمضيت سنوات في الرياضات وقد كان ذلك المرحوم أستاذنا في العلوم العربيّة والفقهيّة والأصوليّة»[1].

سؤالٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله)

المرحوم الملّا محمّد صالح البرغانيّ القزوينيّ، وهو أخو الشهيد الثالث ومن العلماء الكبار، رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام وسأله أسئلةً عدّة، أحدها: ما هو السبب في أنّ العلماء، في السابق، كانوا أصحاب كراماتٍ ومكاشفاتٍ، وفي هذا الزمان سُدّ باب المكاشفات؟ فأجابه (صلى الله عليه وآله): «السبب أنّ العلماء في الماضي قسّموا الأحكام إلى قسمين: واجب وحرام، وكانوا يتركون الحرام ويأتون بالواجب، وكلُّ ما كان مكروهاً أو مباحاً كانوا يعتبرونه من المحرّمات؛ أي كانوا عمليًّا يتركون المباحات والمكروهات، ويأتون بالمستحبّات ويعتبرونها من الواجبات، ولكنّكم -طبقة المتأخِّرين - قسّمتم الأحكام عمليًّا إلى خمسة أقسام، وتتركون المستحبّات وتفعلون المكروهات والمباحات، ولهذا سُدّت دونكم أبواب الكرامات والمكاشفات»[2].

مع المرحوم الشيخ محمّد البهاريّ الهمدانيّ

يقول هذا العارف الجليل الذي هو من أبرز تلامذة الآخوند ملّا حسينقلي الهمدانيّ، وبتعبير الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ هو أجلّهم وأعظمهم[3].

الثاني: من شروط السالك أن يجتنب المكروهات مهما أمكن، وينشغل بالمستحبّات، ولا يحقرنّ شيئاً من المكروهات فيقول: كلّ مكروهٍ جائز! فكثيراً ما يكون ترك المكروه أو فعل مستحبّ صغير أشدّ أثراً في القرب من المولى وأكثر مقبوليّةً عنده من كلّ ما عداه. ويتّضح هذا من التأمّل في العرفيّات.

 


[1]  تاريخ حكماء وعرفاء متأخر، ص109.

[2]  قصص العلماء، ص52.

[3]  نقباء البشر، ج2، ص677.

 

85


70

القسم الثالث: اجتناب الذنب الشرط المهمّ للتوفيق في الدراسة

الثالث: ترك المباحات في غير مقدار اللزوم والضرورة، صحيحٌ أنّ الشارع المقدّس أباح أموراً كثيرة، ولكن حيث إنّه في الباطن لا يرغب لعبده أن ينشغل بغيره وينصرف إلى أمور الدنيا، فمن المستحسن للعبد أن يستجيب لرغبة المولى، فيترك هذه الزخرات، حتّى وإن لم يكن ارتكابها حراماً، اقتداءً بالنبيِّين وتأسِّيًا بالأئمّة الطاهرين[1].

وصيَّة المرحوم البيد آباديّ (رحمه الله)

في رسالةٍ توجيهيّةٍ له يقول الحكيم والعارف الكبير المرحوم البيد آباديّ:

«عليه إذًا أن يوحّد همومه فيجعلها همًّا واحداً، وأن يبذل كامل الجدّ والجهد، ليضع قدمه في جادّة الشريعة، ويحصّل ملكة التقوى؛ أي لا يحوم، بقدر الممكن، حول الحرام والمشتبه المباح، قولًا، وفعلًا، وحالًا، وخيالًا، واعتقادًا؛ لتحصل له الطهارة الصوريّة والمعنويّة، وهي شرط العبادة، وليترتّب أثر على العبادة ولا تكون محض صوريّة»[2].

قال بعض العارفين:

«إنّ عامّة الناس أبدًا، دون المتلبّس بالعلم بمرتبة، فإذا كان ورعًا تقيًّا صالحًا تلبّست العامّة بالمباحات، وإذا اشتغل بالمباح تلبّست العامّة بالشبهات، فإن دخل بالشبهات تعلّق العامّيُّ بالحرام؛ فإن تناول الحرام كفر العامّيّ، وهذا ممّا هو مشاهَد بالعِيان فلا يحتاج إلى النقل من الأعيان»[3].

ويقول لقمان العصر الإمام الخمينيّ (قدس سره):

«المؤلم هنا، أنّ الناس إذا رأوا منكم عملاً لا يتوقّعونه ينحرفون عن الدين، ويغيّرون رأيهم بالعلماء لا بالشخص، يا ليت أنّهم يغيّرون رأيهم بالشخص ويسيئون الظنّ به»[4].

 


 


[1]  تذكرة المتّقين، ص101 - 102.

[2]  الأنوار النعمانيّة، ج3، ص341.

[3]  حوزة (مجلّة) العدد 10، ص74.

[4] جهاد أكبر المرفق بولايت فقيه، ص206.

 

86


71

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

إحدى المسائل التي ينبغي لطلّاب العلوم الدينيّة الاهتمام بها، هي أن يكونوا بصدد تحصيل الإخلاص وتطهير نيّتهم وتصفيتها، وأن لا ينقلوا خطاهم، منذ البداية، إلّا من أجل الله -سبحانه- وأن لا يكون هدفهم أبدًا الوصول إلى الأهداف الدنيويّة الملوّثة.

يجب أن يُخرج الطالب من رأسه من أوّل الطريق، التفكير بالمركز، وحبّ الجاه، والبحث عن الشهرة والوصول إلى المرجعيّة والقيادة، إمامة الجمعة والجماعة، نيابة المجلس، الموقع الاجتماعيّ، حبّ الناس واحترامهم وأمثال ذلك. وإلّا فإنّ علمه ليس فقط لن ينفعه، بل كلّما سار أكثر كلّما ازداد قربًا من جهنّم، ووفّر أسباب تعاسته - وفي أغلب الأحيان تعاسة المجتمع والناس. الأضرار التي لحقت بهذا الدين الحنيف طيلة تاريخ الإسلام بوساطة غير المخلصين، والضربات التي أرهقت جسده لا تُعَدّ، وقد رأينا نماذج من ذلك، وعليه فلا داعي للتفاصيل.

إنّ تحصيل الأخلاق صعب جدًّا ولا يمكن الحصول عليه ببساطة؛ إنّه الشرط الأساس لكلّ الأعمال، ويحتاج إلى جهاد طويل ومستمرّ، كما أنّه يحتاج إلى الاستقامة. جاء في الحديث أنّ الله تعالى قال: «الإخلاص سرٌّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي»[1]. ومن حصل على هذه الرتبة ووُفّق لتصفية نيّته فقد منّ الله عليه بأكبر نعمة. في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أنعم الله -عزَّ وجلَّ- على عبدٍ أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع الله -عزَّ وجلَّ- غيره»[2].

 

 


[1] منية المريد، ص43.

[2]  بحار الأنوار، ج70، ص249.

 

89


72

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

1 - يقال إنّ المرحوم السيّد بحر العلوم -رضوان الله عليه- رآه تلامذته يوماً مبتسمًا ضاحكًا، فسألوه عن السبب، فقال: بعد خمسٍ وعشرين سنةً من المجاهدة، تأمّلت في نفسي الآن فوجدت أنّ أعمالي لم تعد عن رياء، فقد استطعت أن أتخلّص من ذلك[1].

2 - يقول العارف الواصل الكامل المرحوم الشيخ جواد الملكيّ التبريزيّ: «نُقل عن أحد العلماء أنّه كان لمدّة ثلاثين سنة، يصلّي في الصفّ الأوّل، في صلاة الجمعة. وبعد ثلاثين سنة، لم يستطع ذات يوم أن يصل إلى الصفّ الأوّل، فوقف في الصفّ الثاني، وإذا به يحسّ بالخجل حيث إنّ الناس يرونه في الصفّ الثاني، فتنبّه أنّ صلاته خلال هذه المدّة الطويلة، أمام الناس، وفي الصفّ الأوّل، كانت مشوبةً بالرياء، فقضى صلاة هذه المدّة كلّها».

ويضيف التبريزيّ(رحمه الله): «وانظر يا أخي إلى هذا العالم المجاهد، وتأمّل في رتبته من المجاهدة، كيف لم تفته صلاة الجماعة والصفّ الأوّل في هذه المدّة الطويلة؟ ولم يتصدّ للإمامة؟ وانظر لقضائه صلوات ثلاثين سنة بهذه الشبهة، وتفطّن من ذلك إلى عظمة الأمر وشدّة اهتمام السلف في الإخلاص والمجاهدة»[2].

نعم، إنّ المهمّ كيفيّة العبادة، لا الكميّة والكثرة والقّلة؛ ففي القرآن الكريم: ﴿لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلٗا﴾ وليس ليبلوكم أيّكم أكثر عملًا.

3 - ينقل البعض ممّن كانوا قريبين من المرحوم آية الله العظمى البروجرديّ (رحمه الله): «رأيناه قبل الوفاة متألِّمًا جدًّا وكان يقول: الخلاصة انتهى عمرنا، وها نحن ذاهبون ولم نستطع أن نقدّم لأنفسنا شيئًا أو أن نعمل عملًا! فقال أحدهم - على عادة المتملّقين من أصحاب الجاه ظنًّا منه أنّ المقام مقام تملّق-: مولانا، أنت لماذا تقول ذلك؟ نحن المساكين يجب أن نقوله أمّا أنت فلا. بحمد الله كلّ آثار الخير هذه

 

 


[1]  لب اللباب، ص55.

[2]  المراقبات، ص141 بتصرُّف.

 

90


73

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

التي تركتها، كلّ هؤلاء الطلّاب الذين ربّيتهم، كلّ هذه المؤلّفات، المسجد الذي بنيته بهذه العظمة، بنيت مدارس في المكان الفلانيّ والمكان الفلانيّ...عندما قال ذلك، قال السيّد: «أخلص العمل فإنّ الناقد بصير بصير» أتظنّ أنّ هذه الأعمال حيث إنّها عند الناس كذلك يجب أن تكون في محضر الله تعالى كذلك؟ ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٞ﴾»[1].

بناءً عليه، يجب أن يبقى الإنسان حذرًا إلى آخر عمره حتّى لا يستدرجه الشيطان إلى دائرته، ويخطف من كفّه جوهرة الإخلاص، ويجب أن نعلم أنّ الشيطان لا يترك الإنسان وشأنه حتّى النفَس الأخير، إلّا المخلصين -كما يُستفاد من القرآن الكريم - فإنّهم لا يقعون في شراكه.

4 - الحاجّ إمام قلي ننجوانيّ الذي كان أستاذ المرحوم السيّد حسين القاضي -والد المرحوم السيّد عليّ القاضي- وطوى كلّ مراحل الكمال في الأخلاقيّات والعلوم الإلهيّة على المرحوم السيّد قريش القزوينيّ؛ يقول: «بعد أن بلغت سنّ الشيخوخة، رأيت الشيطان وكنّا واقفين معاً على جبل، فوضعت يدي على لحيتي، وقلت له: لقد بلغت سنّ الشيخوخة فإذا كان بالإمكان أن تدعني، قال الشيطان: أنظر إلى هذا الجانب، وعندما نظرت، رأيت واديًا عميقًا جدًّا، ومن شدّة الخوف منه يفقد الإنسان صوابه ويطير لبّه. قال الشيطان: ليس في قلبي رحمة ومروءة وعطف أبدًا، وإذا قُدِّر ووقعت في قبضتي فسيكون مكانك قعر هذا الوادي الذي تراه»[2].

في بدء الدراسة يمكن أن يعتبر البعض أنفسهم منزّهين من التلوّث بالأهداف الفاسدة، ويتصوّرون أنّهم ليس لهم أيّ دافع أو هدف غير الله، ولكن يجب الانتباه إلى أنّه لا يمكن الاطمئنان بهذه السرعة، ومن الواجب البحث - في ضوء مصباح

 

 


[1] تعليم وتربيت در اسلام، ص234، وتجد الحديث المذكور في رسالة باسم ﭼـهل حديث قدسي 38، ط كتابفروشي علمية اسلامية، 1368هـ.ق.

[2] لب اللباب، ص55.

 

91


74

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

العقل والقرآن والأحاديث- في زوايا القلب ومحاكمة النفس وتطهيرها من الأهداف الفاسدة.

عندما يكون الإنسان عاجزاً عن كلّ شيء يظنّ أنّه ليس له هدف إلّا رضا الله تعالى، ولكن هذا ليس كافيًا، بل يجب أن يصبح الشخص بحيث إنّه إذا أقبلت عليه الرئاسة والشهرة والمنصب والموقع يومًا ما فلا يخسر نفسه وينبهر بها، وأن يستعمل هذه الأمور الاعتباريّة كوسيلةٍ للوصول إلى الأهداف الإلهيّة. إلّا أنّ الاطمئنان إلى هذا لا يمكن أن يحصل بهذه البساطة كما تقدّم. يقول مولوي:

«في نفسك أفعى في غاية الضخامة، من قال إنّها ماتت، فإنّها في ذبول من غمّ العجز (عن الوسيلة) ولو أنّها وجدت الوسيلة فإنّ فرعونها الذي اختارت الانزواء بأمره يقيم عندها مؤسّسة فرعونيّة تقطع طريق مئة موسى ومئة هارون».

يمكن القول بجرأة إنّ سبب أكثر ابتلاءات المجتمع ومشاكله هو عدم الإخلاص، وفقدان التفكير بأن يكون الشخص إلهيًّا. والاختلافات الموجودة في بعض الأماكن بين المسؤولين الروحانيّين وغيرهم، سببها هو هذا الأمر، وعلى الأقلّ فإنّ أحد الطرفين - وأحيانًا كلاهما - ليس مخلصًا.

يقول الإمام الصادق(عليه السلام):

«إذا رأيتم العالم محبًّا للدنيا فاتّهموه على دينكم؛ فإنّ كلّ محبّ لشيءٍ يحوط ما أحبّ»[1].

لو أنّ أولئك الذين ليسوا أهلًا لمواقعهم ومراكزهم تنحّوا جانبًا، وسلّموها لأهلها، لما كنّا اليوم ابتُلينا بكلّ هذه التعاسة:

خلق الله للحروب رجالاً

ورجالاً لقصعة وثريد

 

 

 


[1]  منية المريد، ص46، ومعالم الدين، ص12 المقدمة.

 

 

92


75

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

التحيّة والسلام لروح المرحوم آية الله العظمى الميلانيّ الطاهرة الذي كان قد روّض نفسه، وأعرض عنه المنصب والموقع، وكتب في رسالةٍ له إلى الإمام الخمينيّ بمناسبة إبعاده إلى تركيا ما يدلّ على حبّه الكبير لهذا الوجود المقدّس وتضامنه معه، جاء في الرسالة:

«هنيئًا لتلك الأرض السعيدة بتشريف سماحتك فيها، قلوب جميع المؤمنين تتطلّع إليك، فإنّه تعالى جعل أفئدةً من الناس تهوي إليك، والكلّ يدعون لك بالنصر والتأييد؛ فأنت اللسان الناطق لكلّ المحافل الروحانيّة والدينيّة، وقولك كلام الحقّ والحقيقة، إنّ طريقك - وأنت وارث الأنبياء (عليهم السلام)- هو الطريق الذي عيّنه الله للأنبياء أولي العزم وأئمّة الهدى عليهم الصلاة والسلام»[1].

ومن المناسب هنا الإشارة إلى أنّ المرحوم آية الله الميلانيّ كان يهتمّ اهتمامًا خاصًّا بالمدرسة الحقّانيّة[2] في قمّ - والشهيد بهشتي والشهيد قدّوسي كانا مسؤولي تلك المدرسة- وكان مستعدًّا أن يؤمّن ميزانيّتها دون أن يتدخّل في برامجها؛ ليتمكّن المسؤولون من التخطيط لها كما يشاؤون. وهذه من خصوصيّاته؛ أي أنّه كان مستعدًّا أن يتمّ عملٌ بمساعدته دون أن يُذكَر اسمه أبدًا.

يقول العالم المستنير المرحوم آية الله السيّد حسن النجفيّ القوﭼـانيّ (قدس سره):

«الطالب يجب أن يدرس لله، يعني أن يدرس من أجل إنقاذ الجهّال وهدايتهم وإرشادهم، أن يحرّر عباد الله من ورطة الجهالة والضلالة، إنّ الله يحبّ مثل هذا الطالب. إذا درس بنيّة أموال الدنيا والرئاسة الدنيويّة وغلبة الأمثال والأقران، فإنّه لن يحمّل نفسه جهد فهم شيء ولا يكون بصدد ذلك، بل يقنع بأربع كلمات برّاقة يمكنه أن يقنع بها الجهّال؛ ولذا فإنّ المتظاهرين بالقداسة، الذين يسلكون طريق التدليس ليسوا علماء ولا يمتلكون المعارف اليقينيّة، والحال أنّ أوّل الدين معرفة

 

 


[1]  بررسي وتحليلي أز نهضت امام خميني، ج1، ص749.

[2]  المدرسة الحقانية مدرسة كانت قبل الثورة الإسلامية مركزاً للطلاب المجاهدين في خط الإمام القائد (قدس سره).

 

 

93


76

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

الله، ووسط الدين معرفة الله، ﴿وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾[1] أي ليعرفون»[2].

مقتطفات من كلام الإمام الخمينيّ

«إذا ابتُلي الإنسان بمرض الدنيا وحبّ الهوى، واستولى حبّ الدنيا على قلبه، يتأذّى من غير أهل الدنيا وما فيها، العياذ بالله يضمر العداء لله وعباد الله والأنبياء والأولياء الإلهيِّين وملائكة الله، ويشعر تجاههم بالحقد والبغض. وعندها عندما تأتي الملائكة بأمر الله لقبض روحه ينفر منهم بشدّة؛ لأنّه يرى أنّ الله وملائكة الله يريدون أن يفصلوه عن محبوبه - الدنيا والأمور الدنيويّة - ومن الممكن أن يغادر الدنيا وهو معادٍ للحقّ تعالى، وإذا كان حبّ الدنيا وحبّ النفس يتغلّب عليكم ولا يدعكم تدركون الحقائق والواقعيّات أو تخلصون أعمالكم لله ويحول بينكم وبين التواصي بالحقّ والصبر وتشذّ طريق هدايتكم، فأنتم واقعون في الخسران، إنّكم حينذاك ممّن خسر الدنيا والآخرة؛ لأنّكم خسرتم شبابكم وبقيتم محرومين من نعم الجنّة والمزايا الأخرويّة، ومع ذلك فليس لكم من الدنيا شيء، الآخرون إذا لم يكن لهم طريق إلى الجنّة فلهم دنيا ما على الأقلّ يتمتّعون بالمزايا الدنيويّة، ولكن أنتم!!!

احذروا أن يزداد حبّ الدنيا - لا سمح الله - في قلوبكم بالتدريج، ويصل الأمر إلى أن يستطيع الشيطان أن يسلب إيمانكم. إذا كان فيكم علقة ارتباط بالدنيا فاجهدوا أن تقطعوها. هذه الدنيا بكلّ زخارفها وإغراءاتها الظاهريّة أحقر من أن تستحقّ المحبّة، فكيف عندما يكون الإنسان محروماً من مظاهر الحياة هذه؟ وماذا لكم من الدنيا حتّى تتعلّق قلوبكم بها؟ أنتم والمسجد والمحراب والمدرسة أو زاوية البيت ليس لكم غير ذلك، فهل من الصحيح أن تتنافسوا مع بعضكم على المسجد والمحراب وتوجدوا الاختلاف وتفسدوا المجتمع؟

 

 


[1]  سورة الذاريات، الآية 56.

[2]  سياحة في الغرب مقدّمة، ص30 - 31، وانظر سياحة في الشرق، ص510-512.

 

94


77

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

أنتم إذا خلَّصتم نيّاتكم وأصلحتم أعمالكم وأخرجتم من قلوبكم حبّ النفس والجاه، فإنّ المقامات العالية والدرجات الرفيعة تنتظركم. إنّ المقام المعدّ لعبّاد الله الصالحين لا يعادل في مقابله جميع الدنيا وما فيها - رغم مظاهرها المصطنعة - شروى نقير.

اجهدوا أن تصلوا إلى مثل هذه المراتب العالية، وإذا استطعتم أن ترفعوا من مستوياتكم بحيث تصبحون لا تهتمّون بهذه المقامات ولا تعبدون الله للوصول إلى هذه الأمور، بل ادعوه واسجدوا له، ومرّغوا رؤوسكم بالتراب؛ لأنّه أهل للعبادة والكبرياء. عندها تتمزّق «حجب النور» وتصلون إلى «معدن العظمة»[1]. فهل تستطيعون، يا ترى، بهذه الأعمال والأفعال التي تقومون بها بهذا الطريق الذي تسلكون، أن تصلوا إلى مقامٍ كهذا؟»[2].

اجتناب المرجعيّة

يقول النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله): «من تقدّم على قومٍ من المسلمين وهو يرى من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين»[3].

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضالّ».

الدعوة إلى «النفس» لها مصاديق كثيرة، ولأسباب يصرف النظر عنها هذا فلندعها، ولنمضِ: «عتابنا ليس عتابًا للذئب؛ إذ إنّ كلّ هذا الظلم مصدره الراعي». «متى تستقيم السطور والحال أنّ الاعوجاج في المسطرة[4]، علماؤنا السابقون الذين تحلّوا

 

 


[1]  إشارة إلى ما في المناجاة الشعبانيّة: حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور وتصل إلى معدن العظمة الخ مفاتيح الجنان، ص155.

[2]  «جهاد أكبر» الملحق بـ«ولايت فقيه، ص252-256 ملخَّصًا».

[3]  الغدير، ج18، ص291، نقلاً عن التمهيد للباقلانيّ.

[4]  ينبغي التنبيه على أنّ المراد بيانه هنا (هو) أن تسلّل بعض غير الأكفاء إلى هذا الموقع المقدّس والخطير تترتّب عليه هذه المفاسد علمًا بأنّ تاريخ المرجعيّة يشهد بأنّ أمثال هؤلاء يفتضح أمرهم عادة ويفقدون ثقة الناس بهم وليس المراد أبدًا المسّ بكرامة هذا الموقع الذي هو استمرار لولاية المعصوم (عجل الله تعالى فرجه).

 

 

95


78

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

بتربيةٍ دينيّةٍ سليمة، وكانوا يدرسون علم الأخلاق وتهذيب النفس، وكانوا علماء في هذا المجال لكانوا يحتاطون أشدّ الاحتياط في التصدّي للمسؤوليّات الدينيّة، ولم يكونوا فقط يجتنبون التصدّي للحصول على مقام وموقع، بل إنّهم كانوا عندما تتوجّه الأنظار إليهم بشكلٍ طبيعيّ يرفضون الزعامة، ويستنكفون عنها خاصّة في شأن المرجعيّة الخطير وحماية الدين وحفظ نواميس الله.

علماء الشيعة الذين روّضوا أنفسهم، والعارفون بالله، والموقنون بالمعاد العلماء المتبصِّرون الذين لم يكن حبّ الدنيا والرئاسة قد أعمى قلوبهم، لم يكونوا على استعداد أن يضحّوا بمصالح الأمّة من أجل أربعة أيّام من الرئاسة، كانوا يعلمون جيّدًا أنّ أمورًا كثيرة - غير الفقه المدوّن والذهنيّ - لا بدّ من توفّرها في التصدّي للمسؤوليّات الدينيّة، وهي عبارة عن الفقه الخارجيّ العينيّ والعمليّ وكثير من المعلومات. ومن هنا، لم يكونوا يتصدّون ببساطة لإحراز هذه المواقع، والشواهد على ما ذُكِر كثيرة»[1].

وإليك بعض النماذج:

1 - الإمام الخمينيّ (قدس سره)

منذ شبابه، حيث بلغ مرتبة الاجتهاد وإلى اليوم، وقد استوى على كرسيّ القيادة لم يخطُ أيّ خطوةٍ في التعريف بنفسه، والحصول على مقام وموقع، ولم يصرف الأموال الشرعيّة وحقوق الكادحين والمحتاجين في الترويج لاسمه والتوصّل إلى المنصب، ولم تصدر عنه دعايات شخصيّة، وهو من حيث المبدأ يتنفّر من بساط الرئاسة ومقام المرجعيّة كما يتنفّر الإنسان من الميّت المتعفّن. وفي الحقيقة إنّ المرجعيّة والرئاسة هي التي جاءته تسعى إليه ولا تتركه ولولا أنّ الإحساس بالخطر على المجتمع الإسلاميّ يمنعه من ترك قيادة هذه القافلة المنهوبة والحيرى، فلم يكن أبداً ليطأ هذا الوادي كما فعل طيلة ستّين سنة من عمره، ولم يقم بأيّة خطوة في طريق الحصول على منصب،

 

 


[1]  بيداء ﮔـران أقاليم قبلة، ص126.

 

96


79

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

فلم يكن يسمح بطبع صورته ورسالته حتّى بدء الثورة، حيث طبعها الناس ونشروها علمًا بأنّه لم يسمح بطبع رسالته العلميّة أبدًا حتّى كثرت المطالبة بذلك من المقلّدين وعلت أصواتهم، ولم يصرف في طبعها شيئاً من بيت المال. بل إنّ أوّل طبعة جُمعت كلْفتها من الناس، وطيلة الفترة التي كان فيها الإمام في قمّ لم تعط نسخة واحدة منها إلى أحد مجّانًا، وأصلًا لم يكن يوجد في بيته من نسخها[1].

جاء في بعض المجلّات، نقلًا عن أحد تلامذة الإمام: قبل وفاة المرحوم آية الله البروجرديّ بسنواتٍ عديدة، كان الإمام قد كتب حاشية على «الوسيلة» و«العروة» ومع أنّنا كنّا نتردّد إلى منزله كثيرًا فلم نكن نعلم أنّ له حاشية على هذين الكتابين، مع أنّ هذه الأمور لها حساباتها عند من يريد أن يصبح مرجعًا؛ يعني إذا أراد أحد المرجعيّة فإنّه يخبر المقرّبين منه على الأقلّ - بأنّه كتب هذه الكتابات. إلّا أنّ الإمام لم يخبرنا بذلك ولو تلميحًا، وكنّا أحيانًا نسأله عن فتواه في مسألةٍ ما فيجيب ببيان رأيه دون أن يشير إلى حاشيته على «العروة» أو «الوسيلة» ولم نعلم بها إلّا بعد وفاة المرحوم آية الله البروجرديّ، وذلك أيضاً بعد أن راجعه الطلّاب بهذا الصدد وطلبوا منه ذلك.

جاء في بعض الصحف عن أحد المقرّبين إلى الإمام

بعد وفاة المرحوم آية الله البروجرديّ، ورغم أنّ الدرس الأوّل في حوزة قمّ كان درس الإمام، إلّا أنّه لم يكن يفكّر بالمرجعيّة، حتّى إنّه لم يكن يشترك في المجالس والمحافل، التي كانت تُعقَد في قمّ. ذات يوم اقترح عليّ أحد محبّي الإمام وتلامذته أن أذهب إلى سماحته لعلّي أحصل على موافقته على طبع رسالته.كان الوقت صباحاً، دخلت منزل الإمام، كان الإمام جالساً على بساط وكان زميلي يتحدّث في أنّ المجتمع اليوم بحاجة لكم، ومن شدّة حبّه للإمام قال كلمةً لعلّها كانت لغواً، أتذكّر جيّداً أنّ وجه الإمام احمرّ فجأة، وقال: «كلّا ليس كذلك إنّ الإسلام ليس متوقِّفًا عليّ». وحتّى حاشية العروة الوثقى قام عددٌ من الطلّاب بطبعها على نفقتهم، إلّا أنّهم احتاجوا مبلغًا من المال

 


[1]  بررسي وتحليلي أز نهضت امام خميني، ج1، ص28، بتصرُّف يسير.

 

 

98


80

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

من الطراز الأوّل، وعقد المجلس المذكور بحضور صاحب الجواهر، إلّا أنّ الشيخ الأنصاريّ لم يكن موجوداً. قال صاحب الجواهر: «أحضروا الشيخ مرتضى أيضاً (الأنصاريّ)» وبعد البحث عنه كثيراً، وجدوا الشيخ في زاويةٍ من حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) متوجّهاً نحو القبلة يدعو لصاحب الجواهر بالشفاء، وبعد دعائه أخبروه بالأمر، فمضى للاشتراك في ذلك المجلس. أجلس صاحب الجواهر الشيخ بجوار فراشه، وأخذ يده ووضعها على قلبه، وقال: «الآن طاب لي الموت» ثمّ قال للحاضرين: «هذا مرجعكم من بعدي» ثمّ توجّه إلى الشيخ الأنصاريّ وقال له: «قلِّلْ من احتياطك فإنّ الشريعة سمحة سهلة». وانتهى المجلس، ولم يلبث صاحب الجواهر أن التحق بالرفيق الأعلى، وجاء دور الشيخ مرتضى في تولّي قيادة الأمّة، ولكنّه بالرغم من أنّ أربعمئة مجتهدٍ مسلّمٍ باجتهادهم اعترفوا بأعلميّته[1]، امتنع عن الإفتاء وقبول المرجعيّة، وكتب رسالةً إلى «سعيد العلماء» -المتوفّى حوالى 1270هـ الذي كان آنذاك في إيران، وكان الشيخ زميله في الدراسة في كربلاء، وكان يرى أنّه أعلم منه- كتب إليه رسالة بهذا المضمون: عندما كنت في كربلاء، وكنّا ندرس معاً على «شريف العلماء» كنت أكثر منّي فهماً واستيعاباً، والآن ينبغي أن تأتي إلى النجف وتقوم بأعباء هذا الأمر. فكتب إليه «سعيد العلماء» في الجواب بما حاصله: لقد بقيت أنت خلال المدة الماضية في الحوزة مشتغلاً بالتدريس والمباحثة، وبينما انشغلت أنا بأمور الناس، ولذا فأنت أحقّ منّي بهذا الأمر. وبعد وصول الجواب تشرّف الأنصاريّ بزيارة حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وطلب من ذلك الإمام العظيم أن يعينه، بإذن الله تعالى، في هذا الأمر الخطير ويسدّده[2].

 

بكاء الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)

يقول أحد خدم حرم أمير المؤمنين (عليه السلام): «كالعادة ذهبت إلى الحرم الشريف قبل طلوع الفجر بساعة، فجأة، سمعت من شرقيّ الضريح المقدّس صوت بكاءٍ عالياً

 

 


[1]  علماي معاصرين، ص61 نقلاً عن زندﮔـاني شيخ أنصاري.

[2] زندﮔـاني شيخ أنصاري، ص73-74 والكلام يجرّ الكلام، ج1، ص127.

 

 

99


81

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

متفجّعاً ونشيجاً متحرّقاً، تعجبت كثيراً! صوت من هذا؟ هذا البكاء المشجي من أين؟ في هذا الوقت عادةً لا يأتي الزوّار إلى الحرم. وفيما كنت أفكّر في ذلك، كنت أتقدّم قليلاً قليلاً لأرى ما الخبر. فجأة، رأيت الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله) وقد وضع وجهه على الضريح المقدّس وهو يبكي كالثكلى، ويخاطب باللهجة الدزفوليّة بحرقةٍ وأنين أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: سيّدي، مولاي، يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين، هذه المسؤوليّة التي أصبحت على عاتقي خطيرةٌ جدّاً ومهمّةٌ جدّاً، أريد منك أن تحفظني من الزلل والخطأ، وعدم القيام بواجبي، وأن ترشدني دائماً في طوفان الحوادث المؤلمة، وإلّا فسأهرب من تحمّل مسؤوليّة القيادة والمرجعيّة ولن أقبلها[1].

 

3 - المرحوم آية الله السيّد حسين الكوه كمريّ

يُقال إنّ المرحوم آية الله السيّد حسين الكوه كمريّ هو من تلامذة صاحب الجواهر والشيخ الأنصاريّ، وكان مجتهداً مشهوراً، وكان درسه من الدروس الأساسيّة، ومن الواضح أنّ درس الخارج في الفقه والأصول تمهيد للرئاسة والمرجعيّة، والمرجعيّة لأيّ طالب هي بمعنى أنّه ينتقل دفعةً واحدةً من الصفر إلى ما لا نهاية، وعليه، فالطالب الذي له حظّ في المرجعيّة يجتاز مرحلة حسّاسة - هي مرحلة تدريس الخارج - وكان السيّد الكوه كمري في مثل هذه المرحلة .

ذات يوم كان(رحمه الله) عائداً من مكان - مثلاً من زيارة شخص - لم يكن قد بقي إلى حين درسه أكثر من نصف ساعة، فرأى أنّ الوقت لا يتّسع للذهاب إلى البيت؛ ولذا فضّل أن يجلس في المسجد بانتظار موعد الدرس. دخل المسجد ولم يكن قد حضر أحدٌ من طلّابه. رأى في زاوية المسجد شيخاً عادياًّ جداًّ جالسا ًمع طلّاب عدّة يدرّسهم، استمع المرحوم السيّد حسين إلى درسه، وبمنتهى الغرابة رأى أنّ هذا الشيخ العاديّ قمّة في التحقيق. حمله ذلك على أن يأتي في اليوم التالي مبكراً عمداً ويستمع إلى درسه. جاء واستمع، فازداد اقتناعاً بانطباعه الذي كوّنه في اليوم الماضي، وتكرّر ذلك لأيّام

 

 


[1]  المكاسب، ج1، ص123 المقدّمة ط كلانتر.

 

100


82

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

عدّة، فحصل للمرحوم السيّد حسين اليقين بأنّ هذا الشيخ أعلم منه، وأنّه يستفيد من درسه وأنّه إذا حضر تلامذته درس هذا الشيخ فسيستفيدون أكثر. هنا رأى نفسه مخيّراً بين التسليم والعناد، بين الإيمان والكفر، بين الآخرة والدنيا، وفي اليوم التالي عندما جاء طلّابه واجتمعوا قال: أيّها الأحبّة، أريد اليوم أن أقول لكم شيئاً جديداً: هذا الشيخ الجالس في ذلك الجانب مع عدّة طلّاب أحقّ منّي بالتدريس، وأنا أستفيد منه والآن نذهب كلّنا إلى درسه، والتحق بحلقة درس الشيخ العاديّ المستضعف الذي كانت آثار الفقر باديةً عليه. هذا الشيخ الرثّ اللباس هو الذي عُرف فيما بعد باسم الشيخ مرتضى الأنصاريّ الدزفولّي «وأستاذ المتأخِّرين».

وكان الشيخ آنذاك قد عاد لتوّه من سفر استمرّ عدّة سنوات إلى مشهد وأصفهان وكاشان، وكان قد حصل من هذا السفر على زاد وافر، خصوصاً من محضر المرحوم الشيخ أحمد النراقيّ. مثل هذه الحالة لدى أيّ شخصٍ وجدت فهو مصداق «أسلم وجهه لله»[1]. ومن الجدير بالذكر أنّ الشيعة الأتراك قلّدوا المرحوم الكوه كمريّ بعد وفاة الشيخ الأنصاريّ[2].

4 - آية الله السيّد محمّد فشاركي

عندما جاؤوا إليه بعد وفاة الميرزا الشيرازيّ الأوّل لقبول المرجعيّة، قال: «لست أهلاً لذلك؛ لأنّ الرئاسة الشرعيّة تحتاج إلى أمورٍ غير العلم بالفقه والأحكام، من السياسات ومعرفة واقع الأمور، وأنا رجلٌ وسواسيٌّ في هذه الأمور، فإذا دخلت في هذا المجال أفسد ولا أصلح، ولا يسوغ لي غير التدريس» وهكذا أرجع هذا العالم المروّض نفسه، الناس إلى الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ[3].

 


[1] عدل إلهيّ، ص347، بتصرّف يسير والمكاسب، ج1، ص150، المقدّمة ط كلانتر.

[2]  هديّة الرازيّ، ص19، والكرام البررة، ج1، ص421.

[3] لمزيد الاطّلاع على ترجمته راجع «ريحانة الأدب»، ج4، ص341، والفوائد الرضويّة، ص594.

 

101


83

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

ميراث الأعلميّة

أورد آية الله المرحوم السيّد أحمد الزنجانيّ (رحمه الله) «قال ابن المرحوم السيّد محمّد فشاركي (رحمه الله): «بعد وفاة الميرزا الشيرازيّ الكبير، أرسلني والدي إلى المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ - الميرزا الصغير - لأقول له: إذا كنت تعتبر نفسك أعلم منّي فتفضَّلْ قل ذلك حتّى أُرجع زوجتي وأولادي إليك في التقليد، وإذا كنت تعتبرني أعلم فأرجع أنت عائلتك إليّ في التقليد. وعندما نقلت هذه الرسالة إلى الميرزا، فكّر قليلاً وقال: قل لسماحته هو ما رأيه؟ ونقلت هذا السؤال الذي كان بمنزلة الجواب إلى والدي فقال: اذهب وقل له أيّ شيءٍ تراه أنت ميزاناً للأعلميّة؟ إذا كان الميزان دقّة النظر والتحقيق فأنت أعلم، وإذا كان الميزان الفهم العرفيّ فأنا أعلم. وذهبت ثانيةً إلى الميرزا وأبلغته بذلك. ففكّر قليلاً أيضاً وقال: سماحته أيّ الاثنين يعتبره ميزاناً؟ وأبلغت هذا الجواب - السؤال - ففكّر والدي قليلاً وقال بسرور: لا يبعد أنّ دقّة النظر ميزان الأعلميّة وملاكها، ثمّ قال: فلنقلّد جميعنا الميرزا الشيرازيّ[1].

 

فرح المرجعيّة

كان المرحوم السيّد محمّد فشاركي أحد أكبر تلامذة الميرزا الشيرازيّ الأوّل، وكان بعده يعتبر من كبار الفقهاء، وهو أستاذ المرحوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائريّ مؤسّس الحوزة العلميّة في قمّ، وأستاذ عددٍ آخر من الأعاظم.

 

يقول المرحوم الحائريّ: سمعت من أستاذي آية الله فشاركي: «عندما توفي الميرزا الشيرازيّ الأوّل ذهبت إلى البيت فرأيت أنّ في قلبي سروراً، وكلّما فكّرت فلم أجد سببًا لذلك فالميرزا توفي، وقد كان أستاذي ومربّيَّ، والعظمة التي كان يتمتّع بها من حيث العلم والتقوى والنباهة والذكاء عجيبة وقليلة النظير. يضيف المرحوم الفشاركي: وفكّرت مدّةً لأرى أيّ مكان أصابه الخراب! من أين أتيت بهذا السرور وما سببه؟ وأخيراً وصلت إلى هذه النتيجة: لعلّ سبب السرور أنّني سأصبح في هذه

 

 


[1] الكلام يجرّ الكلام، ج1، ص262 - 263.

 

102


84

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

الأيّام مرجع تقليد. فنهضت وذهبت إلى الحرم وطلبت منه (عليه السلام) أن يرفع هذا الخطر عنّي، يبدو أنّي أحسّ بميلٍ إلى الرئاسة. بقي إلى الصبح في الحرم، وعندما جاء صباحاً إلى التشييع رأوا أنّ عينيه محمرّتان بشدّة، وكان واضحاً أنّه كان طيلة ليلته يبكي. وأخيراً حاول وحاول ولم يخضع لتحمّل أعباء الرئاسة. نعم، هكذا يراقب رجال الله أنفسهم، بحيث إنَّهم يصلون إلى حدّ المرجعيّة والجوّ مهيّأ تماماً، ولكنّهم مع ذلك يظلّون أكبر من الرئاسة»[1].

5 - الميرزا القمّيّ والسيّد محمّد المجاهد

يقال إنّه عندما جاء السيّد محمّد المجاهد -ابن صاحب الرياض- إلى قمّ كان المحقِّق القمّيّ -صاحب القوانين- قد بلغ آنذاك سنّ الشيخوخة، فاستضاف ذات ليلةٍ السيّد محمّد مع جمع، وكانت له معهم مباحثات علميّة. في ذلك المجلس قال المحقق القمّيّ: «الهدف من دعوتكم هذه الليلة ومن المباحثات العلميّة، هو أنّ سنّ الشيخوخة فتّت قواي، فأردت أن أتحدّث معكم قليلاً، لتروا هل إنّ ملكة الاستنباط ما تزال موجودةً فيَّ أم لا؟ فقال السيّد محمّد المجاهد: إذا كانت ملكة الاستنباط هي هذه الموجودة فيك فأنا وأمثالي ليست لنا ملكة استنباط».

ونقل عن السيّد محمّد المجاهد أنّه سئل: «هل آية الله السيّد محمّد باقر حجّة الإسلام مجتهد أم لا؟ فقال:

شأنه أجلّ من أن أشهد باجتهاده أنا وأمثالي، بل اسألوه هل السيّد محمّد - يعني نفسه- مجتهد أم لا؟»[2].

6 - السيّد محمّد مهدي الطباطبائيّ (الأخ الأصغر للسيد محمّد المجاهد)

درس السيّد محمّد مهديّ على والده السيّد عليّ -صاحب الرياض- وبدأ بالتدريس في

 

 


[1] يادنامه شهيد قدوسي، ص203.

[2] الوحيد البهبهانيّ، ص261، وقصص العلماء، ص143.

 

103


85

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

زمن والده، وكان تلامذة والده يحضرون درسه الذي كان يشترك فيه مائتا طالبٍ، وقد كان معترَفاً له من الجميع بالاستدلال، والنقض، والإبرام، والجدل، وكان مجتهداً مطلقاً، بصيراً، كاملاً، وكان يُعتبَر أهلاً للمرجعيّة، ولكنّه بالرغم من هذا المقام العلميّ الشامخ، لم يتصدَّ للقضاء، والإفتاء، مع أنّ الجميع كانوا يعترفون له، وقد بذلت جهود كثيرة ليقبل استلام الأموال التي كانت تأتي من الهند للساكنين في كربلاء، ويشرف على صرفها فلم يوافق[1].

والقصّة التالية خير شاهدٍ على عظمة السيّد محمّد مهديّ (رحمه الله):

يقول الشهيد الملّا محمّد تقيّ البرغانيّ القزوينيّ (رحمه الله): تشرّفت بزيارة العتبات المقدّسة (في العراق) بعد الدراسة في أصفهان، وحضرت درس العالم الكبير السيّد علي الطباطبائيّ -صاحب الرياض- وكان يدرّس في اليوم الأوّل في مسألة «نسخ الوجوب وعدم بقاء الجواز» فنقضت كلامه بالشجرة المقطوعة حيث ذهب «الفصل» وبقي «الجنس». وفجأة، تصدّى لي شاب لم ينبت الشعر في وجهه بعد، وكان جالساً بالقرب من السيّد وكان يتكلّم كلاماً تحقيقيّاً بمنتهى الفصاحة والبلاغة وطلاقة اللسان، وكاد أن يلزمني ويتغلَّب عليّ، ولم أكن أتمكّن من مجاراته، فغضبت وقلت: أيّها الطفل، لماذا تخلط؟ فغضب المرحوم السيّد عليّ وقال: إذا كان عندك شيء فقله طبقاً لقواعد البحث، إنّه وإن كان طفلاً إلّا أنّه شبل. وعندما سألت من هو ذلك الطفل، قالوا إنهّ الابن المحبوب والخلف الشريف للسيّد عليّ، عندها سكتّ ولم أقل شيئاً[2].

7 - الشيخ محمّد إبراهيم الكلياسيّ (رحمه الله)

جاء في ترجمة الشيخ محمّد إبراهيم الكلياسيّ الخراسانيّ الأصفهانيّ: أنّه كان يقول: لم أكن أريد كتابة رسالة عمليّة، لكنّ الميرزا القمّيّ (رحمه الله) حكم عليّ بوجوب كتابة رسالة وبيان فتاواي، قلت له: لا طاقة لبدني على جهنّم، وفي النهاية وبناءً على إصراره (وحكمه) كتبت رسالة[3].

 

 


[1]  قصص العلماء، ص10 - 20، ونجوم السماء، ص407 - 408.

[2]  المصدر نفسه.

[3]  المصدر نفسه.

 

104


86

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

مع المرحوم ملّا صالح المازندرانيّ

يقول (رحمه الله): «إنّما تصلح الرئاسة لمن يكون حكيمًا، عليمًا، شجاعًا، عفيفًا، سخيًّا، عادلاً، فهيماً، ذكيّاً، متواضعاً، رقيقًا، رفيقًا، حييًّا، سليمًا، صبورًا، شكورًا، قنوعًا، ورعًا، وقورًا، حرًّا، عفوًّا، مؤثّرًا، مسامحًا، صديقًا، وفيًّا، شفيقًا، مكافيًا، متودّدًا، متوكّلًا، عابدًا، زاهداً، موفيًا، محسنًا، بارًّا، فائزًا بجميع أسباب الاتّصال بالحقّ، متجنّبًا عن جميع أسباب الانقطاع عنه»[1].

انقطاع الإلهام الغيبيّ

يقول المرحوم الشهيد قدّوسي: «سمعت من السيّد البروجرديّ (رحمه الله) مباشرةً قوله: سابقاً، قبل الوصول إلى المرجعيّة والرئاسة كنت أحياناً أسمع صوتاً يرشدني، ولكنّي لم أكن أرَى قائله، هذه الأصوات تكرّرت كثيراً واستمرّت إلى ما قبل فترة، ومع مجيء أمر المرجعيّة والرئاسة لم يستمرّ ذلك الإلهام وانقطع». كان المرحوم القدّوسيّ يقول: «اللافت أنّ رئاسة صحيحة مئة في المئة وإلهيّة كرئاسة السيّد البروجرديّ هي أيضاً مانعة! فكيف بنا نحن؟ إنّ لنا حساباً آخر»[2].

التقوى واجتناب الإمامة في صلاة الجماعة

1 - المحدّث الجليل القمّيّ

يقول أحد العلماء المعاصرين: «عندما كنت في بداية دراستي، وفي مرحلة المقدّمات، كنت أسمع كثيراً اسم المحدّث القمّيّ في مجلس والدي المعظّم، مقروناً بالإجلال، وعندما تشرّفت بالإقامة في مشهد للدراسة، اعتبرت أنّ زيارته غنيمة كبرى. وطيلة عدّة سنوات من معاشرة هذا العالم المؤمن، وبعد التعرّف إلى مراتب علمه وعمله وعبادته وتقواه عن قرب، كان إكباري له يزداد يوماً بعد يوم. في أحد الشهور الرمضانيّة طلبت

 

 


[1]  تحفة العالم في شرح خطبته العالم، ج2، ص157.

[2] يادنامه شهيد قدوسي، ص207.

 

105


87

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

منه -مع عدّة من الأصدقاء - أن يمنّ على المؤمنين والمحبّين بإقامة صلاة الجماعة في مسجد «كوهرشاد»، وبعد إصرارٍ وإلحاح، قبل هذا الاقتراح، وأقام صلاة الظهر والعصر لعدّة أيّام في أحد أقسام المسجد. وكان عدد المصلّين يزداد يوماً بعد يوم، ولم تمض عشرة أيّام حتّى كان الخبر قد انتشر وأصبح عدد الحضور كبيراً جدّاً وغير اعتياديّ. وذات يوم بعد إتمام صلاة الظهر، قال لي وكنت قريباً منه: أنا لا أستطيع اليوم أن أصلي العصر، ثمّ ذهب ولم يعد تلك السنة إلى صلاة الجماعة. وعندما التقيته وسألته عن سبب ترك صلاة الجماعة قال: الحقيقة أنّي في ركوع الركعة الرابعة سمعت صوت المقتدين خلفي يقولون: «يا الله يا الله إنّ الله مع الصابرين» وكان الصوت يأتي من مكانٍ بعيدٍ جدّاً، جعلني هذا أنتبه إلى زيادة عدد المصلّين بنسبةٍ كبيرة، ففرحت لأنّ المجتمعين كثيرون إلى هذا الحدّ. وبناءً عليه، فلست أهلاً للإمامة[1].

والطريف أنّ المحدّث القمّيّ هو ذلك الذي كان في النجف الأشرف في إحدى ليالي الجمعة يقرأ سورة يس بعد صلاة الليل، وعندما وصل إلى هذه الآية الشريفة: ﴿هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ﴾ كرّر تلك الآية عدّة مرّات، ثمّ جعل يكرّر قوله: أعوذ بالله من النار، ويتغيّر حاله جدّاً، بحيث إنّه لم يستطع إكمال السورة، وبقي كذلك حتّى أذان الصبح فقام إلى الصلاة[2]. نعم، وعلى الرغم من هذه التقوى والإيمان الصادق بالله، والخشية منه -سبحانه- لا يرى نفسه أهلاً لإقامة الجماعة، ويعتزلها. هذا هو الإنسان المخلص الذي ملك نفسه وبكلمة العالم الربانيّ وأمثاله... هؤلاء من كانوا؟ ونحن ماذا؟ أولئك روحانيّون أم نحن؟

2 - الميرزا عليّ الشيرازيّ الأصفهانيّ

يقول الأستاذ الشهيد مطهّري ضمن الثناء على هذا الأستاذ الشهيد الكبير: «عندما

 

 


[1]  الفوائد الرضوية، المقدمة بتصرف يسير.

[2]  حاج شيخ عباس قمي مرد تقوا وفضيلت، ص61 - 62.

 

106


88

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

كان يأتي إلى قمّ، كان العلماء من الطبقة الأولى يصرّون عليه أن يصعد المنبر ليعظهم، كان منبره «حال» أكثر من كونه «قال» وكان يجتنب إمامة الجماعة. في إحدى السنوات وفي شهر رمضان، ألزموه، وبعد إصرارٍ كبير، أن يصلّي جماعةً في هذا الشهر في مدرسة الصدر في أصفهان. ومع أنّه لم يحضر بانتظام حيث لم يكن يتحمّل التقيّد بساعة محدّدة فإنّ المؤتمّين به بلغوا من الكثرة حدّاً كبيراً. سمعت أنّ صلوات الجماعة المجاورة لم يبقَ فيها أحد. ولكنّه رغم ذلك لم يستمرّ»[1].

3 - المرحوم الشيخ عبد الله الشوشتريّ

ذهب المرحوم الشوشتريّ ذات يوم لزيارة الشيخ البهائيّ، وبقي عنده مدّة، فارتفع صوت المؤذِّن قال له الشيخ البهائيّ: «صلّوا هنا لنقتدي بكم ونحصل على ثواب الجماعة» ففكّر المولى قليلاً ولم يوافق أن يصلّي في بيت الشيخ، بل نهض وذهب إلى منزله. وسئل: لماذا لم تجب الشيخ إلى طلبه مع أنّك تهتمّ بالصلاة أوّل وقتها؟ فقال: «تأمّلت نفسي قليلاً فرأيت أنّ وضعي النفسيّ يختلف إذا اقتدى بي الشيخ، ولست بحيث لا يكون عندي أيّ فرق بين اقتدائه وعدمه، ولذا لم أجبه إلى البقاء»[2].

4 - فارابيّ عصرنا العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

يقول أحد تلامذة العلّامة: «منذ أيّام الدراسة كنت أذهب إلى بيت العلّامة كثيراً، ولم يدعني أبداً أوفّق للصلاة خلفه جماعة، بقيت هذه الغصّة في قلبي؛ إذ لم أحصل على فيض الائتمام به. ومنذ ذلك الوقت وحتّى الآن والأمر كذلك، إلى أن تشرّف في شهر شعبان 1401هـ.ق بزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد وصلّى في بيتنا، جعلنا غرفته المكتبة؛ ليستطيع تناول أيّ كتابٍ أراد. وحان وقت المغرب، فأخذت سجّادتين له ولأحد مرافقيه الذي كان ممرّضاً له يسهر على راحته. فرشت السجّادتين وخرجت من الغرفة ليبدأ هو بالصلاة فأدخل الغرفة وأقتدي به؛ لأنّي كنت أعلم أنّي إذا كنت موجوداً في

 

 


[1]  در نهج بلاغة، ص12 المقدّمة.

[2]  بيدار ﮔران أقاليم قبله.

 

107


89

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

الغرفة فلن يرضى بالإمامة. ومضى حوالى ربع ساعة على وقت الغروب، سمعت صوتاً يناديني، كان المنادي هو المرافق، وعندما جئت قال: إنّه جالس هكذا وينتظرك لتصلّي. قبلت أنا أقتدي قال: نحن نقتدي، رجوته: اطلب متوسّلاً تفضّلوا أنتم وصلّوا صلاتكم قال: نحن نقدّم الطلب نفسَه، قلت: منذ أربعين سنة وأنا أطلب منك أن أصلّي معك صلاةً واحدة وحتّى الآن لم أوفّق فتفضّل بالقبول. وبتبسّم محبّب قال: «سنةٌ أخرى أيضاً فوق تلك الأربعين». والواقع أنّي لم أجد في نفسي القدرة للتقدّم عليه والصلاة واقتدائه بي، فخجلت خجلاً شديداً. وأخيراً رأيت أنّه مصرٌّ على موقفه ولا يتنازل عنه بأيّ وجه من الوجوه، وليس مناسباً بعد استدعائه لي- أن أخالفه وأذهب إلى غرفة أخرى وأصلّي فرادى، قلت: «أنا عبدٌ لك ومطيع، إذا أمرتني أطيع». قال: «آمر؟ ماذا أقول؟ لكنّ ذلك طلبي». فقمت وصلّيت المغرب واقتدى هو بي. وهكذا وبعد أربعين سنة بالإضافة إلى أنّني لم أتمكّن من الاقتداء به وفي صلاة واحدة وقعت تلك الليلة في مثل هذا الفخ، يشهد الله أنّ قسمات وجهه، وحالة الحياء التي كانت ظاهرة في وجهه أثناء طلبه كانت تخجل النسيم، أمّا صلابته فكانت تذيب الجماد»[1].

 

5 - شريف العلماء (رحمه الله)

هذا العالم الكبير الذي كان أستاذ الشيخ الأعظم الأنصاريّ لم يكن يرضى أن يصلّي إماماً، ولكن عندما أصرّ عليه الناس ذات مرّة وافق وصلّى. وأثناء الصلاة انصرف ذهنه لا إراديّاً - إلى حلّ مسألةٍ علميّة، فلم يصلِّ بعد تلك الصلاة؛ إذ إنّه لم يرَ نفسه أهلاً لذلك[2].

 

6 - آية الله السيّد صدر الدين الصدر (رحمه الله)

هو والد الإمام موسى الصدر، وأحد ثلاثة مراجع كانوا يتولّون إدارة الحوزة العلميّة في قمّ بعد آية الله الحائريّ وقبل آية الله البروجرديّ. عندما جاء آية الله البروجرديّ إلى قم، تنازل له السيّد الصدر عن محلّ إقامته صلاة الجماعة، واعتزل أمور الرئاسة إلى

 


[1]  مهرتابان - القسم الأول، ص 50 - 52.

[2]  قصص العلماء، ص115.

 

108


90

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

حدٍّ كبير، وقال في بيان سبب ذلك: ﴿تِلكَ ٱلدَّارُ ٱلأٓخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلأَرضِ وَلَا فَسَادٗا وَٱلعَٰقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾[1].

 

7 - آية الله الشهيد قدّوسيّ (رحمه الله)

جاء في ترجمة هذا العالم الجليل: كان قدّوسيّ يكره الشهرة وحبّ الشهرة، وكان يعتبر ذلك منشأ سقوط الإنسان، لم يتولَّ طيلة عمره إمامة الجماعة مرّةً واحدة، وفي حدود المستطاع كان يدخل المجالس بهدوء ودون أن يثير انتباه الآخرين، ويجلس في آخر المجلس بين الأشخاص العاديّين. لم يكن يتصدّى للوعظ والخطابة إلّا إذا أحسّ بأنّ التكلّيف الشرعيّ يفرض ذلك. ونادراً ما كان يوافق على المقابلات الإعلاميّة (إذاعة وتلفزيون وصحافة) خصوصاً إذا كان الهدف تسويغ أعماله والدفاع عنها، كان يقول: «السقوط من أعين الناس أفضل من السقوط في شرك هوى النفس»[2]. كان الحضور في درس أخلاق الشهيد قدّوسي صباح الخميس مرّةً واحدة كافياً ليتهاوى قصر آمال الإنسان، ويتيقّن أنّ كلّ شيء غير الله، لا قيمة له، كان يقول بصراحة: «أيّها السادة[3]، إذا كُنتمُ قد جئتم لتتعلّموا ثمّ تذهبوا لتحاربوا الروحانيّ في مدينتكم أو قريتكم وتصبحوا أئمَّة جماعة ليقبّل الناس أيديكم ويقتدوا بكم وتحصلوا على اسم ورسم (جاه) ويعطوكم سهم الإمام، فالعَجَلَ وقبل فوات الأوان وقبل أن تتعاظم مسؤوليّتكم، اذهبوا وابحثوا عن كسب حلال حتّى لا تصبحوا ممّن خسر الدنيا والآخرة»[4].

 

 


[1]  نور العلم - مجلّة - العدد 7، ص79. وليس كلامه(رحمه الله) تعريضاً بالسيد البروجرديّ؛ إذ يبدو أنّ مراد السيّد الصدر أنّ السيّد البروجرديّ جاءته الرئاسة فمن نازعه فيها فهو ممّن يريد علوّاً في الأرض وفساداً؛ لأنّ الله أعلم حيث يجعل رسالته ويؤيّد هذا أنّ الوسادة ثنيت للسيد البروجرديّ ولم تكن قبله مثنيّة لغيره - المعرِّب -.

[2] يادنامه شهيد قدّوسي، ص136.

[3] المخاطبون هم طلّاب العلوم الدينيّة - وكان الشهيد قدّوسي يشرف على مدرسة «الحقّانيّة» كما تقدّم - المعرِّب -.

[4]  المصدر المتقدّم، ص140.

 

109


91

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

إخلاص العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

إحدى خصوصيّات الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله) إخلاصه الكامل والتامّ، وشهرة مؤلَّفاته، وتربيته هذه النوعية من الطلّاب شاهد صدق على هذا المدّعى.

يقول أحد تلامذته في هذا المجال: «الأمر الثالث الذي يلفت الانتباه من الناحية المعنويّة والأخلاقيّة أكثر من الأمرين السابقين، هو تحرّر الأستاذ من أيّ نوع من أنواع التظاهر بالعلم والمعرفة. ودائماً كان محرّكه في العمل الإخلاص ورضا الله -سبحانه- نحن الذين كنّا على صلةٍ به أكثر من غيرنا لا نتذكّر أنّه -ولو مرّةً واحدة- تحدّث في موضوع بحيث تشعر منه التظاهر بالعلم أو أنّه تحدّث في أمر لم يُسأل عنه. لو أنّ شخصاً بقي معه في السفر لمدّة سنة ولم تكن له معرفة مسبَّقة بمستواه العلميّ، لم يكن يتصوّر أبداً أنّ هذا الشخص مؤسّس طريقةٍ جديدةٍ في التفسير وصاحب أطروحةٍ في القواعد الفلسفيّة ومبتكرةٍ لمسائل جديدة في الفلسفة، وأستاذ معترفٌ له في السير والسلوك. كان سلوكه بحقّ طبق مضمون الحديث الذي رُوي عن جدّه رسول الله نبيّ الإسلام العظيم(صلى الله عليه وآله): «أخلص العمل فإنّ الناقد بصير»[1].

إخلاص العلّامة الشيخ محمّد جواد البلاغيّ (رحمه الله)

«كان في أعماله شديد التوجّه إلى الله سبحانه، شديد الإخلاص في العمل، بحيث إنّه في بعض كتبه المطبوعة مثل رسالة «التوحيد والتثّليث» وكتاب «الرحلة المدرسيّة» (المطبوع 1344هـ.ق) لم يكتب اسمه، بل نشرهما باسم كاتبٍ مجهول وكان يقول: «هدفي الدفاع عن الإسلام والتشيّع والحقيقة، وسواء طُبع الكتاب باسمي أو باسمٍ آخر فلا فرق أبداً»[2]. نعم، هذا هو شعار المصلحين المؤمنين بقِيَم الإيمان العليا، وبهذه الفضيلة والسموّ أصبح البلاغيّ في صفّ الأحرار والخالدين، وهذا نموذج في ما يبطل التفسير الماديّ لحركات الإنسان»[3].

 

 


[1] يادنامه علامة طباطبائي، ص48.

[2] مشكاة، مجلّة1، ص126.

[3]  بيدار ﮔران أقاليم قبله، ص27-212.

 

110


92

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

صاحب الذريعة

المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ، صاحب الكتاب القيّم «الذريعة»، عندما يطّلع على عظمة كتاب الغدير للعلّامة الأمينيّ، يطلب من الله أن يهب بقيّة عمره، لصاحب الغدير؛ لينجز الغدير. وقد كتب في التقريظ الذي حرّره في الثاني من شهر رمضان سنة 1371هـ.ق للعلّامة الأمينيّ ما يأتي: «إنّي قاصرٌ عن وصف هذا الكتاب القيّم، وشأنه - الغدير - أجلّ وأسمى من أن يوصف ويُثنَى عليه. إنّ العمل الوحيد الذي يمكنني القيام به أن أدعو الله أن يطيل عمر المؤلّف وأن يجعل عاقبة أمره خيراً؛ ولهذا، فإنّي أدعو الله مخلصاً أن يضيف بقيّة عمري إلى عمره الشريف؛ ليتمكّن من تحقيق كلّ ما يصبو إليه»[1].

الحكيم الشهير

الحكيم الصالح المرحوم الشيخ هادي السبزواريّ. مع أنّ شؤون الزعامة كانت متوفّرةً له، فقد أعرض عنها كلّيّاً، حتّى إنّه لم يتولَّ إمامة جماعة، ولم يشترك في وليمة، ولم يخالط زعماء بلده، ولم تظهر منه أيّة رغبة في تصدّر المجالس والاهتمام بالموائد والدعوات الفخمة وألوان الأطعمة ودعاء قارئ التعزية له وتقبيل العوامّ ليده. كانت حياته عاديّةً جدّاً، بعيدةً عن الكماليّات، ولم يكن يعتبر لنفسه ميزةً على الآخرين، ولم يستغلّ أبداً احترام الناس الوافر له، ولم يدّخر مالاً ولم يربِّ أطفاله تربيةً مترفة، بل عوَّدهم على التواضع، والابتعاد عن الرئاسة والزعامة.

صاحب الحدائق

يقول المرحوم الشيخ عبد الله المامقانيّ في رجاله: «حكم الوحيد البهبهانيّ ببطلان الصلاة خلف صاحب الحدائق، ولكنّ صاحب الحدائق حكم بصحّة الصلاة خلف الوحيد البهبهانيّ، وعندما سئل عن ذلك قال: «تكليفي أن أصحّح الاقتداء به، وتكليفه، بمقتضى فتواه، لا يصحّح الصلاة خلفي، وعدم تصحيحه الصلاة خلفي اجتهاد لا يسقطه عن

 

 


[1] مير حامد حسين، ص145 بتصرف.

 

 

111


93

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

العدالة». وقد تحمّل صاحب الحدائق هذا بسبب رواج المذهب الأصوليّ[1]، ويضيف المرحوم المامقانيّ: أنظر -يرحمك الله تعالى- إلى هذا الرجل كيف روّض نفسه وطهّرها من أرجاس هوى النفس! ولمثله يحقّ إطلاق اسم النائب عن الحجّة -أرواحنا فداه-نعم، إنّه وأمثاله مصداق «العالم الربانيّ» لا أولئك الذين هم مصداق هذه الأبيات:

«يا من باطنك عارٍ من التقوى

وعليك من الخارج ثوب الرياء

لا تضع على الباب ستاراً ذا سبعة

ألوان فليس في بيتك سوى حصير وضيع»

(سعدي)

«يعدّون الرياء حلالاً وكأس الخمر حراماً، ما أطرف هذه الطريقة والملّة! ما أطرف هذه الشريعة وهذا الدين!» (حافظ).

إخلاص المحدّث القمّيّ

عندما كان المحدّث القمّيّ مقيماً في مشهد، كان في أحد المواسم يعظ في مسجد ﮔـوهرشاد، فجاء المرحوم الشيخ عبّاس تربتي - وهو من العلماء الأبرار والروحانيّين العُبَّاد - من «تُربت حيدريّة» محلّ إقامته إلى مشهد؛ ليستفيد من مواعظ الشيخ عبّاس القمّيّ. كان الشيخ التربتي صديقاً قديماً للشيخ القمّيّ، وكانت تربطهما علاقةٌ حميمة ومتينة. وذات يوم ومن فوق المنبر، وقعت عين الشيخ القمّيّ على الشيخ عبّاس التربتي في زاوية من المجلس المكتظّ يستمع إلى حديثه، عندها قال الشيخ القمّيّ: أيّها الناس، سماحة الشيخ موجود، استفيدوا من علمه. وعلى الرغم من كثرة الناس الذين كانوا قد جاؤوا لأجله، نزل عن المنبر وطلب من الشيخ أن يتولّى الحديث إلى آخر شهر رمضان بدلاً منه، وهكذا كان «أنا» عبد الهمّة من تحّرر من كلّ ما أطلته السماء ممّا فيه لون الجذب والإغراء[2].

 

 


[1]  وحيد بهبهاني، ص123. وتنقيح المقال، ج3، ص334 - 335.

[2]  مضمون بيت شعر فارسي والنص بكامله من كتاب حاج شيخ عباس قمي مرد تقوا وفضيلت، ص28-29.

 

112


94

القسم الرابع: الإخلاص، وطهارة النيّة

قال المحدّث القمّيّ لابنه الكبير

«عندما ألّفت كتاب «منازل الآخرة» وطبعته ووصل إلى قمّ، وصلت إحدى نسخه إلى الشيخ عبد الرزّاق الذي كان يبيّن بعض المسائل دائماً في صحن حرم المعصومة (عليها السلام) قبل صلاة الجماعة، وكان والدي المرحوم (الزاير) محمّد رضا من مريدي الشيخ عبد الرزّاق، وكان يشترك يوميّاً في مجلسه.كان الشيخ عبد الرزّاق في النهار يفتح كتاب «منازل الآخرة» ويقرأ منه للمستمعين. وذات يوم، جاء والدي إلى البيت وقال: «يا شيخ عبّاس ليتك كنت مثل هذا الواعظ تستطيع أن ترقى المنبر وتقرأ في هذا الكتاب الذي قرأ لنا اليوم فيه». وعدّة مرات أردت أن أقول له إنّ هذا الكتاب من مؤلّفاتي، ولكنّي كنت في كلّ مرّة أسيطر على نفسي وأسكت، واكتفيت بأن قلت: تفضّل بالدعاء ليوفّقني الله تعالى»[1].

 

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الدنيا كلّها جهل إلّا مواضع العلم، والعلم كلّه حجّة، إلّا ما عمل به، والعمل كلّه رياء، إلّا ما كان مخلصاً، والإخلاص على خطر، حتّى ينظر العبد بما يختم له»[2] وبناءً عليه: ﴿فَمَن كَانَ يَرجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَليَعمَل عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦ أَحَدَا﴾[3].

 

 


[1] المصدر السابق، ص48 - 49.

[2]  بحار الأنوار، ج70، ص242.

[3] سورة الكهف، الآية 110.

 

113


95

القسم الخامس: العبادة

أهمّ أمر ينبغي أن يكون محلّ اهتمام كلّ مسلم هو عبادة الله تعالى والتوجّه إلى ساحة قدسه. ويكتسب هذا الموضوع أهمِّيّةً خاصّة بالنسبة إلى من هم قادة قافلة البشريّة التائهة وعلماء الدين الإلهيّون. ومن هنا، نرى أنّ العلماء الكبار، بالإضافة إلى عنايتهم الكبيرة بسائر أبعاد الدين الحنيف، كانت لهم عنايةٌ خاصّة استثنائيّة بهذا الأمر، وكما كانوا يحزرون قصب السبق في العلم كانوا يأتون في الطليعة في مجالي العبادة والعمل، وقد بلغوا في ذلك القمّة الشامخة، وبكلمة: كانوا علماء وعباداً. وبعبارةٍ أخرى، كان سلفنا الصالح وعلماؤنا الكبار يولون أهمِّيّةً خاصّة للواجبات والمستحبّات والأدعية والزيارات والصلوات المستحبّة، وإذا كنّا نريد أنّ نكون الخلف لهؤلاء الأعاظم والعلماء الربانيّين، فلا شكّ أنّ من الواجب علينا أن نحيا حياتهم ونقتدي بهم ونقتفي أثرهم، ونسعى أن لا نكون مصداق هذا الحديث الشريف: «... عالم تارك لعلمه، فهذا هالك، وإنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشدّ أهل النار ندامةً وحسرة، رجلٌ دعا عبداً إلى الله، فاستجاب له، وقبل منه، فأطاع الله، فأدخله الله الجنّة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتّباعه الهوى وطول الأمل»[1].

 

نصيحة من شيخ الإشراق

يقول هذا الفيلسوف الكبير حول أهمِّيّة العبادة الإسلاميّة وأثرها في تكميل الروح ورقيّ النفس: «ومن الطرائق العبادة الدائمة مع قراءة الوحي الإلهيّ، والمواظبة على الصلوات في جنح الليل والناس نيام، والصوم، وأحسنه ما يؤخّر فيه الإفطار إلى السحَر[2]؛

 

 


[1]  الشيخ الكليني، الكافي، ج1، باب استعمال العلم.

[2]  لا تصرفك غرابة ذلك عن احترام الفكرة إذ الظاهر أن المراد أن يجرب الإنسان ذلك ويمكن أن يختار له نهاراً قصيراً... هذا إذا أمكنه ذلك «وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم» المعرِّب.

 

 

117


96

القسم الخامس: العبادة

لتقع العبادة في الليل على الجوع، وقراءة آيات في الليل مهيِّجة لرقّة وشوق»[1].

وإليك نماذج من عبادة الشموس الساطعة في عالم الروحانيّة، واهتمامهم بالفرائض والمستحبّات.

 

الإمام الخمينيّ(قدس سره)

هذا الرجل العظيم الذي لم تُعرَف بعد منزلته العلميّة والعمليّة حتّى للكثيرين من الخواصّ، يمتاز من علماء الشيعة في هذا الميدان أيضاً، وعندما تطرح أحياناً قصص عن توجّهه وعبادته في الخطب والكتب والمجلّات - ورغم أنّها قطرة من بحار- إلّا أنّها تترك المرء غريق الحيرة. ويذكر هنا بعض ذلك:

 

يقول أحد المقرّبين من هذا القائد الإلهيّ:

«في الوقت الذي نجد أنّ كلّ مظاهر الشجاعة وعدم الخوف في سبيل الله قد تبلورت في روح الإمام، فإنّه أبداً لا يغفل عن الأذكار والنوافل والمستحبّات، وحتّى عندما يكون يتمشّى تكون السبحة في يده ويكون مشغولاً بالذكر والزيارة. يقرأ الإمام القرآن عدّة مرّاتٍ يوميّاً بذلك الصوت الملكوتيّ، وفي كلّ فرصة تسنح ويكون ذلك عادة بعد صلاة الصبح وقبل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو في أيّة فرصةٍ أخرى. فإنّه ملتزمٌ في هذه الأوقات بهذا المستحبّ الإلهيّ، وعندما نذهب إليه مراراً في النهار نجده مشغولاً بقراءة القرآن. في منزل شارع «دربند شميران» رأيناه مراراً يقرأ دعاء كميل بصوته الملكوتيّ الذي يذكّر بتسبيح الملائكة وتقديسها»[2].

 

ويقول أحد ملازمي الإمام في النجف الأشرف:

«يقرأ سماحته كلّ يوم عشرة أجزاء من القرآن في شهر رمضان؛ أي أنّه في كلّ ثلاثة أيّام يختم القرآن مرّة. كان الإخوة يفرحون أنّهم ختموا القرآن مرّة فيكتشفون أنّ

 

 


[1]  فريادروزها، ص195 والتلويحات. ط استامبول، ص113-114.

[2] فرازهائي أز أبعاد روحي أخلاقي وعرفاني إمام خميني، ص19.

 

118


97

القسم الخامس: العبادة

الإمام قد ختمه في المدّة نفسها عشراً أو إحدى عشرة مرّة، وأتصوّر أنّ برنامجه الآن ما يزال كذلك. ذات ليلة في شهر رمضان كنت نائماً، كان بيت الإمام صغيراً (45 متراً)، استيقظت، سمعت صوتاً، ثمّ تبيّن أنّه الإمام كان واقفاً في الظلام يصلّي، وقد رفع يديه في القنوت وهو يدعو ويبكي. كانت عادته في شهر رمضان أن يبقى إلى الصباح مشغولاً بالصلاة والدعاء، وبعد صلاة الصبح ينام قليلاً، ثمّ يبدأ بمزاولة أعماله»[1].

جاء في بعض المطبوعات عن ابن الإمام قوله:

«في اليوم الأوّل لمغادرة الشاه لطهران كنّا في نوفل لوشاتو، اجتمع حول منزل الإمام حوالي ثلاثمئة إلى أربعمئة صحفيّ، أُعِدّ للإمام مكانٌ ووقف فيه، وكانت جميع الكاميرات تعمل، كان المقرر أن يشترك كلّ عدّة أشخاص من الصحفيّين في سؤالٍ واحد، أجاب الإمام عن عدّة أسئلة، سؤالين أو ثلاثة، وسمع صوت آذان الظهر، وفوراً غادر الإمام المكان، وقال: «الآن يفوت وقت فضيلة الظهر، فتعجّب جميع الحاضرين من أنّ الإمام غادر المكان بدون مسوِّغ، فطلب منه شخصٌ أن يصبر عدّة دقائق ليجيب على الأقلّ عن أربعة أو خمسة أسئلة أخرى، فأجاب الإمام مغضباً: غير ممكن أبداً».

الميرزا الشيرازيّ الكبير

هذا العالم الربانيّ، والمرجع الشجاع الواعي، محطّم حكم الأجانب، والمقلّص لنفوذهم، منجّي الشعب الإيرانيّ؛ حيث أعاد إليه شخصيّته، وعزّته، وثقته بنفسه؛ أي الميرزا محمّد حسن الشيرازيّ صاحب الفتوى الشهيرة بتحريم التنباكو.

جاء في ترجمته: «كان يحفظ أكثر آيات القرآن، وكذلك أدعية شهر رمضان وأدعية الأوقات الأخرى والزيارات التي كان يقرأها في حرم الأئمّة، ولم يكن يأخذ معه كتاب دعاء إلى أيّ حرم، علماً بأنّه كان يقضي فترةً طويلة في قراءة الدعاء، والزيارة، وحيث إنّه كان رقيق القلب، فوّار الدمعة فقد كان يبكي كثيراً، وكانت له هيبة كبيرة في نفوس

 

 


[1]  المصدر السابق، ص70.

 

 

119


98

القسم الخامس: العبادة

الجميع حتّى أبنائه، وهذا هو الجلال الإلهيّ»[1]. نقل الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ في «هديّة الرازيّ» عن المولى محمّد زمان المازندرانيّ -أحد تلامذة الميرزا- قوله: «أورد أستاذنا العلّامة النوريّ في «الكلمة الطيّبة» بعض كراماته وأحواله وعباداته ورياضاته الشرعيّة في النجف الأشرف»[2].

حجّة الإسلام السيّد محمّد باقر الشفتي (رحمه الله)

يقول المرحوم الميرزا أحمد التنكابنيّ (رحمه الله): «أوائل دخولي إلى النجف الأشرف، كنت أذهب في وقت صلاة المغرب والعشاء إلى مسجد الشيخ الطوسيّ، حيث كان يصلّي فيه صاحب الجواهر؛ لأقتدي به. ولكن في وقت صلاة الصبح كنت أقتدي بالمرحوم الشَفتي، وكنت أذهب يوميّاً من منزلي الواقع على مسافةٍ بعيدةٍ نسبيًّا للاقتداء به، وكنت أقف قريبًا منه، عندما كان يكبّر تكبيرة الإحرام كان يمدّ، سألت طلّابه: «ليس في «الله» مدّ فلماذا يمدّ السيّد؟» قالوا: «سألناه عن ذلك فقال: عندما أتلفّظ بالكلمة المباركة «الله» أخرج من حالة الاختيار، وهذا المدّ ليس اختياريًّا». كان السيّد يؤدّي الصلاة كلّها بخضوعٍ تامّ وحزن، بل وبكاء. وكان واضحاً لأيّ مستمعٍ أنّه يؤدّي صلاته بمنتهى حضور القلب، وكان يقرأ ذكر الركوع والسجود في النوافل ثلاثًا، ويضع تحت كفيّه تربتين. وباختصار: كانت صلاة ذلك العظيم لا نظير لها ولا مثيل في الحضور والخضوع، وكانت تشجي المستمع وتبكيه. كان السيّد يحفظ المناجاة الخمس عشرة ويقرأها يوميّاً وهو يبكي، وقد سمعت أنّ صلاة الملّا عليّ النوريّ الحكيم المعروف هي من حيث الخوف والهيبة والحضور أكمل من صلاة حجّة الإسلام الشفتي، وفي ذلك الزمان كان العلماء غالباً يؤدّون الصلاة بأفضل ممّا عليه علماء هذا العصر، وكان والدي يصلّي بمنتهى حضور القلب، كما كانت صلاة المرحوم الكلباسيّ (محمّد إبراهيم) كاملة وكان يطيل الصلاة كثيراً»[3].

 

 


[1]  بيدار ﮔران أقاليم قبله، ص219-220. وهديَّة الرازيّ، ص51-52.

[2] هديّة الرازيّ، ص105.

[3] قصص العلماء، ص104-137.

 

120


99

القسم الخامس: العبادة

أهمِّيّة صلاة الجماعة

يقول المحدّث القمّيّ: «رأيت رسالةً فيها صورة إجازتين من المرحوم الكلباسيّ العالم المعاصر للسيّد الشّفتي إلى ولده محمّد، كتب في آخر إحداهما: أخبر الإخوة في الدين والأخلّاء المؤمنين أنّي قلت لك، يا نور عيني محمّد مواجهة: إنّي لا أرضى أن تترك الجماعة بل قلت مبالغاً: لا تصلِّ صلاةً واحدة بغير جماعة»[1].

الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)

العبادات التي كان الشيخ مواظباً عليها يوميًّا إلى آخر عمره الشريف -بالإضافة إلى الفرائض والنوافل الليليّة والنهاريّة والأدعية والتعقيبات- هي عبارة عن قراءة جزءٍ من القرآن وصلاة جعفر الطيّار والزيارة الجامعة وزيارة عاشوراء[2].

الميرزا حسين الخليليّ (رحمه الله)

هذا الرجل العظيم أحد قادة حركة المشروطة، «كان حسن الأخلاق كريم النفس واليد، بهيّ الطلعة، جميل المحضر، متّزناً وقوراً، وفي الوقت نفسه مرحاً. لا يترك أبداً القيام بأعمال مسجد الكوفة والسهلة وسائر العبادات، وكان يعتكف سنويًّا في العشرة الأخيرة من شهر رمضان في مسجد الكوفة، ويقرأ بين الطلوعين زيارة عاشوراء باستمرار، كما كان يذهب سيراً على الأقدام إلى كربلاء في أغلب الزيارات المخصوصة»[3].

الميرزا محمّد جعفر الأنصاريّ (رحمه الله)

هذا العالم الجليل من أقارب المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاريّ، ومن مراجع خوزستان المشهورين. «على الرغم من كلّ انشغالاته الدراسيّة لم يترك عباداته التي كان قد التزم بها منذ سنّ البلوغ، وبالإضافة إلى قراءة جزءٍ من كلام الله وصلاة جعفر الطيّار (قدس سره) كان يقرأ يوميًّا الزيارة الجامعة وعاشوراء في وقتٍ واحد واقفاً، وكان توجّهه أثناء

 

 


[1]  الفوائد الرضويّة، ص11-12.

[2]  زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص90.

[3] المصدر السابق، ص249.

 

121


100

القسم الخامس: العبادة

العبادة مميّزاً.كانت ذاكرته عجيبةً جدًّا؛ فقد كان يحفظ القرآن المجيد وتعقيبات الصلاة وأدعية كلّ شهر وكلّ يوم وليلة في شهر رمضان ...»[1].

العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

«قطع العلّامة مراحل في مراتب العرفان والسير والسلوك المعنويّ، وكان من أهل الذكر والدعاء والمناجاة، عندما كنت أراه في الطريق كان - في الغالب - منشغلاً بذكر الله، وفي الجلسات التي اشتركت فيها بين يديه، عندما يخيّم السكوت على المجلس كانت شفتاه تتحرّكان بذكر الله، كان ملتزماً بالنوافل، وكان أحياناً يُرى في الطريق يصلّي النافلة.كان يحيي ليالي شهر رمضان، يطالع قليلاً ويقضي باقي الوقت في الدعاء، وقراءة القرآن، والصلاة، والأذكار.كان في قمّ يذهب مرّة في الأسبوع على الأقلّ لزيارة حرم المعصومة (عليها السلام)، وفي موسم الصيف كان يتوجّه غالباً إلى زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) وفي الليالي يتشرّف بزيارة الحرم، ويجلس من جهة الرأس الشريف، منصرفاً إلى الزيارة والدعاء»[2].

الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (رحمه الله)

نقرأ في أحوال هذا العالم المتتبِّع، والنشيط والنموذج الرفيع في الاستقامة وعلوّ الهمّة والجَلَد: كان الشيخ بالرغم من كلّ مشاغله العلميّة الكبيرة، وتتبّعه الواسع جدًّا، لا يغفل عن القيام بالعبادات الإسلاميّة، والرياضات الشرعيّة وتهذيب النفس، وترويضها؛ كان يذهب كلّ ليلة أربعاء سيراً على الأقدام من النجف إلى مسجد السهلة (10 كيلو مترات من النجف) ويشتغل هناك بالصلاة والدعاء والعبادة، وكانت هذه سيرته دائماً حتّى بعد وصوله إلى سنّ الثمانين.

وكان الشيخ أيضاً إمام جماعة، استمرّ في ذلك حتّى سنة 1376 في مسجد الشيخ الطوسيّ في النجف. بعد هذه السنة حيث تعرّض لحادث سير في طريق كربلاء، وبسبب

 

 


[1]  زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص382.

[2]  يادنامه علامة طباطبائي، ص131 مُلَخَّصًا.

 

 

122


101

القسم الخامس: العبادة

بعد مسجد الطوسيّ عن منزله اختار مسجد آل الطريحيّ واستمرّ يؤمّ المصلّين فيه إلى ما قبل وفاته بعّدة سنوات[1].

الفيلسوف الكبير الملّا هادي السبزواريّ

وكان يستيقظ كلّ ليلة في الشتاء، والصيف، والربيع، والخريف، في أوّل الثلث الأخير من الليل، وينشغل بالعبادة في ظلام الليل وحتّى طلوع الشمس. وكذلك كان ينصرف إلى العبادة أوّل الليل لمدّة ثلاث ساعات في الظلام، كما كان يمشي في داره نصف ساعة يوميّاً.

الحكيم الجليل الملّا صدرا - صدر المتألّهين الشيرازيّ

هذا المحقّق البعيد الغور تشرّف بحجّ بيت الله الحرام مراراً، وقد تُوفِّي في البصرة في المرّة السابعة التي كان في طريقه فيها إلى بيت الله الحرام[2]. يقول أحد الفضلاء المعاصرين: «صدر المتألّهين، أكبر فيلسوفٍ وعارفٍ إسلاميّ، ومن نوادر الزهّاد والعبَّاد، ومن (سُراة) أتباع الشريعة المحمّدية الحقيقيّين، ومن المخلصين الواقعيّين لأهل بيت النبوّة.كان يعتبر في مراعاة الآداب والسنن الإسلاميّة والمواظبة عليها «سلمان» العصر و«أبا ذرّ» الزمان، لم يتّصل طيلة عمره بأصحاب النفوذ، ولم ينحرف آناً واحداً عن صراط الحقّ والحقيقة، ولم يتّخذ العلم وسيلةً للتقرّب إلى الملوك والحكام، وقد قرن العلم بالعمل، وكان من القوّة في الأمور النظريّة في السنام الأعلى، وفي الاشتغال في العبادة وتصفية الروح في سلك أعاظم أرباب الكشف واليقين»[3].

 

 


[1]  شيخ آقا بزرگ، ص7 8.

[2]  تصرّح بذلك كثير من المصادر منها «ادوار الفقه»، ج1، ص33. وهديةّ الأحباب، ص205 والفوائد الرضويّة، ص38 وسفينة البحار، ج1، ص311، ولؤلؤة البحرين، ص131. والكنى والألقاب، ج2، ص410، ونجوم السماء ومعجم المؤلّفين، مستدرك الوسائل، ج3، ص424، والبحار، ج109، ص131، وتصرّح مصادر أخرى بأنّ وفاته أثناء رجوعه من الحجّ للمرّة السابعة منها قصص العلماء، ص329، ورسالة «سه أصل»، ص9، وفرهنـﮓ معين، ج5، ص990، ومنها ما يتردّد في ذلك مثل أعيان الشيعة، ج9، ص322 حيث قال «وقد توفّي سنة 1050 في البصرة في طريقه إلى الحجّ للمرّة السابعة أو بعد رجوعه».

[3]  اللمعة الإلهيّة والكلمات الوجيزة، ص37 المقدّمة.

 

123


102

القسم الخامس: العبادة

العالم الجليل الميرزا سليمان التنكابنيّ

يقول صاحب «قصص العلماء «حول والده المرحوم الميرزا سليمان التنكابنيّ الذي كان من تلامذة الحكيم الكبير والشهير الآخوند ملّا عليّ النوريّ (رحمه الله): «كان والدي مواظباً على الصلاة أوّل وقتها، وقراءة النوافل الراتبة وكان يقرأ جزءاً من القرآن يوميّاً وأيضاً سورة يس في كلّ صباح مع مئة مرّة «لا إله إلّا الملك الحقّ المبين» وبعض الأذكار الأخرى، وكان يقرأ سورة الواقعة في قنوت الوتيرة ؛ أي نافلة العشاء، ولم يترك صلاة الليل أبداً. استيقظت ذات يوم وقت السحر، فرأيته يبكي بكاءً مريراً، وبعد مدّة عندما توقف بكاؤه سألته عن السبب، فقال: «كنت أقرأ في قنوت صلاة الوتر المناجاة الخمس عشرة وكنت أبكي، فجأةً سمعت من السقف صوتاً يقول: أيّها العالم العامل».

ولم يصرّح المرحوم الوالد بأكثر من ذلك، ثمّ قال: «عندما سمعت ذلك الصوت استولى عليّ البكاء بحيث لم أتمكّن من إتمام الصلاة، ولا إراديّاً جلست وبكيت، وما دمت على قيد الحياة فلست راضياً أن تخبر أحداً بذلك». يقول «صاحب قصص العلماء»: كان المرحوم يقرأ المناجاة الخمسَ عشرةَ في قنوت الوتر دائماً»[1].

إدراك ليلة القدر

جاء في سيرة الشيخ محمّد إبراهيم الكلباسيّ، الذي كان من معاصري الميرزا القمّيّ والسيّد الشفتي، ومن تلامذة السيّد بحر العلوم، وصاحب الرياض، أنّه أدرك ليلة القدر حتماً وأحياها بالعبادة؛ ذلك لأنّه ظلّ لمدّة سنةٍ كاملة يحيي الليالي بالعبادة حتّى الصباح، ومن الواضح أنّ ليلة القدر هي إحدى ليالي السنة[2].

جزء من القرآن يوميّاً

في وصيّة العلّامة المجلسيّ الأوّل (رحمه الله) لولده الشيخ محمّد باقر المجلسيّ -صاحب

 

 


[1] قصص العلماء، ص73.

[2] المصدر نفسُهُ، ج1، ص11، والفوائد الرضويّة، ص10.

 

 

124


103

القسم الخامس: العبادة

بحار الأنوار- يوصيه بقراءة جزء من القرآن يوميّاً، ومطالعة رسالة أمير المؤمنين للإمام الحسن (عليه السلام) المذكورة في نهج البلاغة، والعمل بها.

السيّد عليّ صاحب الرياض

عانى صاحب الرياض كثيراً في سبيل العلم، والمشهور أنّه(رحمه الله) حصل على العلم بالبكاء والتضرّع ومناجاة الله تعالى؛ لأنّه -ظاهراً- لم يكن مستواه أثناء الدراسة بحيث يمكنّه الوصول إلى هذه الرتبة العالية التي وصلَ إليها، ويقال إنّه كان يحيي ليالي الجمعة، حتّى الصباح، مشتغلاً فيها بعبادة الله تعالى.

آية الله النجفيّ القوﭼـانيّ (رحمه الله)

يقول هذا العالم الجليل حول أيّام دراسته ما يأتي: «في هذه الفترة، التي هي السنة الثالثة لإقامتي ودراستي في أصفهان، وبسبب تأثير مواعظ الأستاذ الكامل الآخوند الكاشيّ الذي كنّا نقرأ عليه منظومة السبزواريّ، وبسبب المعارف التي كنّا نتلقّاها منه، رغبت تدريجيّاً بإحياء الليل، إلى أن بدأت أفكّر بالرياضة في مكان رياضة الشيخ البهائيّ، في مقبرة «تخت فولاد أصفهان» بين القبور وفي سرداب، حيث بنوا بمساحة قبر مكاناً مسقفًا بحجار مليئة بالنتوء على عمق درجتين، بمقدار القبر، إلّا أنّ وجهته إلى القبلة بحيث يمكن للإنسان أن يؤدّي فيه صلاته بركوعٍ وسجود. فكّرت أن أُظهر للأصدقاء أننّي ذاهب إلى طهران وأذهب إلى ذلك السرداب أختفي فيه نهاراً، وأقضي الليل في الصحراء بجوار الموتى لأطهّر نفسي من الرذائل وأحلّيها بالفضائل، وأكون بذلك قد قمت بسياحة في مقامات العارفين ومنازلهم. وبقيت هذه الأفكار تراودني مدّة، وكنت أحياناً أتصوّر أنّ ذلك محض رهبانيّة (...) وكنّا نقرأ العزاء ليالي الجمعة، وقرّرت أن أبقى مستيقظاً حتّى الصباح منشغلاً بقراءة القرآن والأدعية والأوراد وأن اشتغل بين الطلوعين بزيارة عاشوراء، وشيئاً فشيئاً أقلعت عن التفكير بمشروع «تخت فولاد»[1].

 

 


[1]  سياحت شرق، ص196-198 ملخَّصًا.

 

 

125


104

القسم الخامس: العبادة

الفيلسوف العظيم المرحوم الميرداماد

يقول المحدّث القمّيّ: «نقل عن «حدائق المقرّبين» أنّ الميرداماد بلغ الغاية في العبادة، وكان يقرأ القرآن الكريم كثيراً، بحيث إنّ أحد الأشخاص المعتمدين نقل لي أنّه كان يقرأ في كلّ ليلة خمسة عشر جزءاً من القرآن»[1].

الآخوند الخراسانيّ صاحب الكفاية (رحمه الله)

يقول مؤلّف كتاب حياة الإسلام: «كان الآخوند يصلّي الصبح والمغرب جماعة إلّا في شهر رمضان حيث كان يصلّي كلّ صلواته جماعة، ولم تفته أبداً نوافل الليل ولا النهار، ولم تكن عبادته صرف أداء التكليف، بل كانت جذبة الحقّ ظاهرة من عباداته»[2]. يقول أحد جيران سماحته: «كان سقف بيتنا متّصلاً بسقف منزله، وكان له(رحمه الله) في سجوده تحرّقٌ وأنينٌ وعويلٌ يفتّت القلب، بحيث إنّ كلّ من كان قاسي القلب وسمعه فمن المستحيل أن لا يتغيّر؛ كان يبكي كما المحبّ عند وصاله، وهو يبكي على زمان الفراق /كما العبد الجاني الذي يعيش كلّ هذا الخوف والاضطراب. كان صافي الباطن نظيف الظاهر، لم يكن يتصنّع أبداً وكان مبرَّءًا من التزوير والتدليس، وكان غاية في مراقبة نفسه، ولم تفته زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) أبداً، إلّا أنّه كان يؤدّيها مختصرة.

قال أحد أصحابه: «قلت له أطل المكث في الحرم قليلاً حتّى إذا لم تكن منشغلاً بشيء، اهتمّ بنفسك بعض الشيء؛ أي راعِ ما يقوله الناس، فرأيت أنّه قبض على لحيته بيده، وقال بمنتهى الانكار: يعني تقول أن أشرك بالله تعالى وألجأ إلى الرياء في آخر عمري ومع ابيضاض لحيتي؟» والخلاصة أنّي تأمّلت في أحوال هذا النور الإلهيّ اثني عشر عاماً فلم أرَ في حالات هذا الشخص الجليل وأقواله وأفعاله مخالفة أبداً للمندوبات والمكروهات الإلهيّة، لم يكن يأتي بذلك تكلّفاً، بل أصبح ذلك مقتضى طبعه. وكان

 

 


[1]  فوائد الرضويّة، ص419. وهدية الأحباب، ص152.

[2]  إشارة إلى قمّة الخضوع وحضور القلب في العبادة والمراد بجذبة الحقّ أنّ الله تعالى يأخذ بيده ويقّربه منه.

 

 

126


105

القسم الخامس: العبادة

الفيلسوف العظيم المرحوم الميرداماد

يقول المحدّث القمّيّ: «نقل عن «حدائق المقرّبين» أنّ الميرداماد بلغ الغاية في العبادة، وكان يقرأ القرآن الكريم كثيراً، بحيث إنّ أحد الأشخاص المعتمدين نقل لي أنّه كان يقرأ في كلّ ليلة خمسة عشر جزءاً من القرآن»[1].

الآخوند الخراسانيّ صاحب الكفاية (رحمه الله)

يقول مؤلّف كتاب حياة الإسلام: «كان الآخوند يصلّي الصبح والمغرب جماعة إلّا في شهر رمضان حيث كان يصلّي كلّ صلواته جماعة، ولم تفته أبداً نوافل الليل ولا النهار، ولم تكن عبادته صرف أداء التكليف، بل كانت جذبة الحقّ ظاهرة من عباداته»[2]. يقول أحد جيران سماحته: «كان سقف بيتنا متّصلاً بسقف منزله، وكان له(رحمه الله) في سجوده تحرّقٌ وأنينٌ وعويلٌ يفتّت القلب، بحيث إنّ كلّ من كان قاسي القلب وسمعه فمن المستحيل أن لا يتغيّر؛ كان يبكي كما المحبّ عند وصاله، وهو يبكي على زمان الفراق /كما العبد الجاني الذي يعيش كلّ هذا الخوف والاضطراب. كان صافي الباطن نظيف الظاهر، لم يكن يتصنّع أبداً وكان مبرَّءًا من التزوير والتدليس، وكان غاية في مراقبة نفسه، ولم تفته زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) أبداً، إلّا أنّه كان يؤدّيها مختصرة.

قال أحد أصحابه: «قلت له أطل المكث في الحرم قليلاً حتّى إذا لم تكن منشغلاً بشيء، اهتمّ بنفسك بعض الشيء؛ أي راعِ ما يقوله الناس، فرأيت أنّه قبض على لحيته بيده، وقال بمنتهى الانكار: يعني تقول أن أشرك بالله تعالى وألجأ إلى الرياء في آخر عمري ومع ابيضاض لحيتي؟» والخلاصة أنّي تأمّلت في أحوال هذا النور الإلهيّ اثني عشر عاماً فلم أرَ في حالات هذا الشخص الجليل وأقواله وأفعاله مخالفة أبداً للمندوبات والمكروهات الإلهيّة، لم يكن يأتي بذلك تكلّفاً، بل أصبح ذلك مقتضى طبعه. وكان

 

 


[1]  فوائد الرضويّة، ص419. وهدية الأحباب، ص152.

[2]  إشارة إلى قمّة الخضوع وحضور القلب في العبادة والمراد بجذبة الحقّ أنّ الله تعالى يأخذ بيده ويقّربه منه.

 

 

126


106

القسم الخامس: العبادة

يشارك في تشييع الجنائز ومجالس الفاتحة وعيادة المرضى، وينظر في الأمور الحسبيّة والحوائج النوعيّة والشخصيّة للمسلمين ولم يكن يردّ لصاحب حاجة طلباً»[1].

 

شهيد المحراب ملّا محمّد تقي البرغانيّ القزوينيّ

جاء في نجوم السماء حول هذا العالم الذي استشهد على يد «البابيّة» الضالّين: «كان (قدس سره) يذهب دائماً عند منتصف الليل إلى مسجده ويشتغل بالمناجاة والأدعية والتضرّع والتهجّد إلى طلوع الفجر الصادق، وكان يحفظ المناجاة الخمسَ عشرةَ، وكانت هذه سيرته إلى الليلة التي شرب فيها شربة الشهادة»[2].

 

السيّد صدر الدين العامليّ الأصفهانيّ

أورد المرحوم الشيخ عبّاس القمّيّ في ترجمته: «وهذا السيّد الجليل كان بكّاءً وكثير المناجاةن وقد نقل أنّه في إحدى ليالي شهر رمضان دخل حرم المؤمنين (عليه السلام) وجلس بعد الزيارة في جهة ما فوق الرأس المقدّس وبدأ بقراءة دعاء أبي حمزة، وبمجرّد أن بدأ بعبارة «إلهي لا تؤدّبني بعقوبتك» سيطر عليه البكاء، وأخذ يكرّر هذه العبارة ويبكي حتّى أغمي عليه وأخرجوه من الحرم المطهّر»[3].

 

دعاء الإمام الباقر (عليه السلام) في السحَر

يقول أحد تلامذة العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله): «تشرّفت ذات مرّة بزيارته -رضوان الله عليه- وذكرت له حاجتي، فقال: لا تنسَ دعاء باقر علوم النبيّين (عليه السلام) في السحَر؛ فإنّ فيه البهاء والجمال والعظمة والنور والرحمة والعلم والشرف، وليس فيه ذكر للحور والغلمان إذا كانت الجنّة حلوةً، فإنّ سبب الجنّة أحلى».

 

«لماذا أنت زاهد في هوى الجنّة؟ لماذا أنت غافل عن سبب الجنّة؟»[4].

 

 


[1]  مرﮔـي درنور، ص394، 395.

[2]  تجد ترجمة هذا العالم الجليل في شهداء الفضيلة للعلّامة الأمينيّ، والكرام البررة، ج1، ص226، 229.

[3]  منتهى الآمال، ج5، ص63.

[4]  مجموعة مقالات، ص 156 - 157، السطر الأخير ترجمة بيت شعر فارسيّ.

 

127


107

القسم الخامس: العبادة

ابن سينا

يقول ابن خَلِّكان في تاريخه حول الشيخ الرئيس: «وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضّأ وقصد الجامع وصلّى ودعا الله عزَّ وجلَّ أن يسهّلها عليه ويفتح مغلقها له». إنّ الإنسان إذا أعرض عن علائق هذه النشأة وصفا خاطره ووجّه نفسه الناطقة، فإنّه يمكنه الوصول إلى عالم الملكوت بشكلٍ أفضل، ويمكنه الحصول على هدفه «الحقيقة» بشكلٍ أسرع»[1].

 

حفيد الوحيد البهبهانيّ

الشيخ أحمد حفيد أستاذ الكلّ الوحيد البهبهانيّ، يقول عن فترة دراسته وذكرياتها: «كان في القلب رأفة عجيبة وفي الصدر انشراح عجيب، وكنت في أغلب الأوقات أبقى إلى الصبح مشغولاً بالمطالعة والكتابة ولم أكن أملّ ذلك أبداً، وفي أكثر ليالي الجمعة كنت أذهب مع الطلّاب إلى مسجد الكوفة، واشتغل بالعبادة. وكنّا نذهب إلى مسجد السهلة وصعصعة وزيد ومسجد الحنّانة وزيارة قبر كميل بن زياد وميثم التمّار ومسلم بن عقيل وهاني بن عروة، وكلّما كنت أشعر بانقباض قلبي كنت أذهب إلى زيارة أهل القبور ومقام صاحب الأمر (عليه السلام) وقبر هود وصالح في وادي السلام، وكان يحصل لي فوراً، انشراح وأنس يعجز قلمي ولساني عن بيانهما»[2].

 

الشيخ المفيد (رحمه الله)

كما هو واضح، فإنّ الشيخ المفيد من كبار علماء الشيعة الأجلّاء، يقول عنه صهره وتلميذه أبو يعلى الجعفريّ: «ما كان ينام من الليل إلّا هجعة، ثمّ يقوم يصلّي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن»[3].

 

 


[1]  المصدر السابق، ص102 - 103.

[2]  الوحيد البهبهاني، ص339.

[3]  خدمات متقابل إلام وإيران، ص483. ومير حامد حسين، ص55.

 

 

128


108

القسم الخامس: العبادة

نعم، هؤلاء العظماء هم الأتباع الحقيقيّون للقرآن، ومصداق واضح لكلّام أمير المؤمنين (عليه السلام): «أمّا الليلَ فصافّون أقدامَهم، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلاً، يُحَزِّنون به أنفسَهم، ويستثيرون به دواءَ دائهم، فإذا مرّوا بآيةٍ فيها تشويق، ركنوا إليها طمعاً، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنّوا أنّها نُصْبَ أعينهم، وإذا مرّوا بآيةٍ فيها تخويف، أَصْغَوْا إليها مسامعَ قلوبِهم، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانُونَ على أوساطهم، مفترشون لجباههم، وأكفّهم، وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى في فَكاك رقابهم، وأمّا النهارَ، فحلماء، علماء، أبرار أتقياء»[1].

الإفراط والتفريط

للأسف فإنّ الكثيرين مبتلون في هذا الأمر - العبادة - إمّا بالافراط أو التفريط؛ فالبعض -وهم طبعاً قلّة يُعَدّون على الأصابع- بمجرّد أن يتعلّموا عدّة مصطلحات حرفيّة وحفظ عدّة أبيات من ألفيّة ابن مالك يبتلون بالتكبّر والتبختر والتفرعن، إلى حدّ أنّهم يصبحون وكأنّهم فتحوا الفضاء أو فلقوا الذرّة، فيديرون ظهورهم لصلاة الجماعة والدعاء وزيارة عاشوراء، ويجعلون وردهم دائماً ما يأتي: إنّ مقام العالم أسمى من مقام العابد، والدعاء، وقراءة القرآن، والزيارة، شغل العجائز، ومن ليسوا مشغولين بالدراسة، والعمل الاجتماعيّ، إنّ الدراسة واجبة، وهذه الأمور مستحبّة.

هؤلاء المساكين لا يعلمون أنّ أشخاصاً كالفيلسوف السبزواريّ، رغم مقامه العلميّ والعرفانيّ الشامخ، كان دائماً يتفرّغ للعبادة ثلاث ساعاتٍ أوّل الليل، وكذلك الشيخ الأعظم الأنصاريّ، وفي زماننا الإمام الخمينيّ مع أنّه محيط العلوم والمعارف ورغم كلّ مشاغله الاجتماعيّة، فإنّه يولي هذا الأمر أهمِّيّة كبرى ويهتمّ به أيمّا اهتمام. العلم بدون زيارة عاشوراء وأمثالها ليس في الحقيقة علمًا، ولا يستحقّ أن يسمّى «العلم الإلهيّ» بل ليس أكثر من معرفة بعض الاصطلاحات الجافّة.

 

 


[1]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص304، خ193، المعروفة بخطبة همام.

 

129


109

القسم الخامس: العبادة

وطبقاً لما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) فإنّ نورانيّة العلم وحقيقته لا تحصل بقراءة بعض الكتب الأدبيّة والأصوليّة والفقهيّة، بل «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء» ومن حيث المبدأ فإنّ الدراسة ليست هدفاً، بل هي مقدّمة لإقامة أحكام الله تعالى وتوجّه عباده إليه.

في مقابل هذا الفريق، فريق آخر تشبّثوا بالدعاء والزيارة فقط، ووضعوا جانباً كلّ أبعاد الإسلام الأخرى، وانشغلوا بهذا البعد فقط، وبشكلٍ ناقصٍ أيضاً ومخرّب ومضرّ، وحصروا هذا الدين الحنيف بالزيارات وأمثالها فهم لا يدرسون، أو يقتصرون في الـ24 ساعة على درسٍ واحد ويمضون أكثر أوقاتهم بالبطالة والكسل ويعتذرون بأنّنا «مشغولون ببناء النفس وتهذيبها» وأنّ «العلم يجلب الغرور» وهو «الحجاب الأكبر» وأمثال ذلك بحيث إنّه يجب أن يقال حول هذه الأقوال من هؤلاء الأشخاص: «كلمة حقّ يراد بها باطل».

هؤلاء أيضاً مخطئون جدًّا، وكما يرفض الإسلام الفريق الأوّل، فإنّه يرفض الفريق الثاني، وينطبق عليهما معاً كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا ترى الجاهل إلّا مفرطاً أو مفرّطاً»[1] ألا يعلم هؤلاء الأشخاص أنّه لو كان بالإمكان أن يصبح الإنسان عالماً بالدعاء وإدارة السبحة وتحريكها فما هي الضرورة التي أوجبت على كبار علمائنا - كما تقدّم - أن يبذلوا كلّ تلك الجهود المضنية في الدراسة؟ ويعانوا كلّ أنواع الحرمان والمشاكل والصعوبات والمصائب؟

هذا الفريق تكون عاقبة أفراده أنّهم يصبحون جهلاء، وبعد فترةٍ يضلّون، ولا يستفيدون شيئاً إلّا كونهم عبئاً على المجتمع، ويصرفون أموال بيت المال، ويريقون ماء وجه الشيعة. من الجدير بهؤلاء أن يطّلعوا على ما جاء في مفاتيح الجنان في أعمال الليلة الواحدة والعشرين والثالثة والعشرين اللتين هما ليلة القدر وربيع العباد و«ليلة القدر خير من ألف شهر» ويقرؤوا هذه الجملة: وقال شيخنا الصدوق: ومن أحيا هاتين الليلتين بمذاكرة العلم فهو أفضل[2].

 


[1] نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص479، باب الحكم، الحكمة 70.

[2]  مفاتيح الجنان، ص222.

 

130


110

القسم الخامس: العبادة

نستنتج ممّا تقدَّم حتّى الآن أنّ الإفراط والتفريط كلَيْهما خطأ، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادة»[1].

 

الاعتدال والطريق الوسطى

يجب أن يسلك الطالب طريقةً معتدلة، ويجب أن يكون منشغلاً بالدراسة بكلّ وسعه، وأن يبذل الجهد الكبير في ذلك مستنفراً طاقته كُلَّها، وأن ينشغل مع ذلك وجنباً إلى جنب بالعبادات والزيارات والأدعية، بحيث لا يضرّ ذلك بدراسته، فيأتي بهذه المستحبّات، فيزيد توجّهه إلى الله تعالى يوماً بعد يوم. وإلّا فإنّ عمله يكون سبباً لتعاسته وشقائه، وفي صورة العكس -أي العبادة بدون دراسة- يجرّه جهله ويُودي به إلى ورطة الهلاك. وسيأتي في ما يلي المزيد حول هذا، إن شاء الله.

 

 


[1]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص58، خ16.

 

 

131


111

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

﴿قُل مَا يَعبَؤُاْ بِكُم رَبِّي لَولَا دُعَآؤُكُم﴾[1] من أهمّ أسباب التوفيق التوجّه الكثير نحو الله تعالى، والاهتمام بالأدعية والتوجّه والتوسّل بالأئمّة الأطهار (عليهم السلام) خصوصاً بالوجود المقدّس بقيَّة الله الأعظم. إنّ هذه التوسّلات تساعد الإنسان مساعدةً عظيمةً جدًّا في تحصيل العلم وكسب الإخلاص وتهذيب النفس وترك الذنوب؛ ولذا لا تصحّ الغفلة عن هذا الأمر. وجدير هنا أن نتذكّر أنّ من أهمّ أسرار توفيق الإمام الخمينيّ(قدس سره) هو توجّه هذا القائد الإلهيّ وعلاقته وتوسّله بالأئمّة الأطهار المعصومين (عليهم السلام) وإليك نماذج من ذلك، ومن سيرة العلماء بشكلٍ عامّ.

 

الإمام الخمينيّ(قدس سره)

جاء في إحدى المطبوعات: «طيلة إقامته في النجف فإنّه لم يترك زيارة حرم الأمير (عليه السلام) كلّ ليلة، إلّا في موارد استثنائيّة، وفي أغلب الزيارات، كان يقصد ضريح سيّد الشهداء (عليه السلام)، وفي عاشوراء يقرأ يوميًّا، زيارة عاشوراء، مع تكرار الفقرات التي ينبغي تكرارها مئة مرّة. منذ أكثر من خمسين سنة وإلى الآن نادراً ما يطلع الفجر والإمام نائم. يهتمّ كثيراً بالتهجّد وقيام السحَر، في النجف الأشرف وحين كانت درجة الحرارة خمسين ورغم شيخوخته والضعف المفرط صام شهر رمضان الذي كان يومه حينها ثمانيَ عشرة ساعة، ولم يكن يفطر إلّا بعد صلاة المغرب والعشاء والنوافل».

 

 


[1]  سورة الفرقان، الآية 77.

 

135


112

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

وفي كتاب «نهضة الإمام الخمينيّ» حديث عن فترة إقامة الإمام في النجف، نجد فيه:

«الآن أيضاً في النجف لم يترك الإمام أبداً برنامجه الخاصّ: الزيارة والعبادات والأعمال المستحبّة. في هذه السنوات التي أمضاها الإمام في النجف، في الشتاء، وفي الصيف، وفي الليالي الممطرة، والباردة، دائماً وفي الساعة الثالثة؛ أي ثلاث ساعاتٍ بعد الغروب، يكون الإمام في الحرم المطهّر للإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ولم يترك ذلك إلّا في موارد استثنائيّة، تلك التي يكون فيها مريضاً أو أنّ الأحكام العرفيّة أُعلِنت في المدينة»[1].

وفي المطبوعة السابقة الذكر:

يقول ابن الإمام: «ذات ليلة وقع في العراق انقلاب، وفُرِضت الأحكام العرفيّة، وجاء وقت زيارة الإمام. تبيّن أنّه ليس موجوداً فاضطربت، فتّشت الغرف فلم أجده، صعدت إلى السطح فإذا بالإمام واقفًا باتِّجاه حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) مشغول بالزيارة».

ويقول أحد المقرّبين من الإمام:

«مثلاً الزيارة الجامعة الكبيرة، كان الإمام يقرأ هذه الزيارة طيلة خمسَ عشرة سنة، كلّ ليلة، إلّا في الليالي التي كان يذهب فيها إلى كربلاء، أو أنّه يكون مريضاً مرضاً شديداً، بحيث لا يمكنه الانتقال من داخل البيت إلى غرفة الاستقبال. كان كلّ ليلة وفي ساعة خاصّة يقف بإزاء ضريح مولى المتَّقين ويقرأ الزيارة الجامعة، الزيارة التي تحتاج قراءتها إلى ساعة تقريباً، إلّا أنّ الإمام يشعر عند قراءتها أنّه واقف بين يدي أئمّته المعصومين يبيّن ما هو حقّهم، إنّها في الحقيقة دورة في التعريف بالإمام، وإنّه لأمر ذو دلالة كبيرة أنّ الإمام التزم بها طيلة خمسة عشر عاماً. كان الإمام في جميع الزيارات المخصوصة ينتقل من النجف إلى كربلاء وزيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) والآن حيث الإمام في طهران فإنّه يؤدّي هذه الزيارات بشكلٍ آخر(...) إنّه وبكلّ قوّة ونشاط يتمشّى يوميًّا

 

 


[1] بررسي وتحليلي أز نهضت إمام خميني، ج1، ص29.

 

136


113

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

ساعتين أو ثلاثًا والسبحة بيده وهو منشغل بالذكر أو بزيارة عاشوراء، وفي هذه الفترة قلّما يزعجه أحد بالاقتراب منه.

 

علاقة الإمام بأهل البيت (عليهم السلام) لا توصف، الإمام عاشق لأهل البيت، بمجرّد أن يسمع نداء «يا حسين» يبكي لا إرادياًّ. رغم أنّ الإمام صابر في مواجهة المصائب ولا تبكيه حتّى المشاكل التي تكون بمستوى شهادة السيّد مصطفى -ابن الإمام- إلّا أنّه بمجرّد أن يقول قارئ العزاء «السلام عليك يا أبا عبد الله» تجري قطرات دموعه. وهذه في الحقيقة ليست علاقةً عاديّة، وفي تلك الأحيان كان فيها كثيرٌ من «المتجدّدين» قبل الثورة يهاجمون مواكب العزاء واللَّطْم - ولو أنّ هذا التفكير نمى لما بقيت آثار من شعائر الإسلام ولأُفرغنا من محتوانا - منذ ذلك الوقت كان الإمام يشجّع تلك المراسم التقليديّة في مواكب العزاء، والآن نرى كيف يوصي الناس بإقامة مجالس العزاء في الأيّام المهمّة خصوصاً في يوم عاشوراء. وعادة يأتي قرّاء العزاء العريقون ويقرؤون الأشعار التي كانت تقرأ قديماً، والإمام يبكي، ويختصر القرّاء ذكر المصيبة في مجالسهم عادة مراعاةً لحال الإمام، حيث إنّه شديد التعلّق بأهل البيت إلى حدّ أنّه قد يؤذيه البكاء الكثير، خاصّة وأنّه في هذه الأوقات يبكي بصوتٍ عال.

 

ذات يوم - وكان ذكرى شهادة الزهراء (عليها السلام) - طُلِب من الإمام أن يتفضّل بالحضور في المجلس الذي ضمّ الإخوة في مكتب الإمام بهذه المناسبة. جاء الإمام وجلس، وبمجرّد أن بدأ أحد الإخوة من أعضاء المكتب بذكر المصيبة بكى الإمام بصوتٍ عال، فاختصر القارئ رعايةً لحال الإمام، وكانت قطراته تنهمر على خدّيه كحبّات اللؤلؤ. ورغم أنّ الدنيا والإعلام يفسّرون بكاء الإمام تفسيراتٍ مختلفة، فإنّه لا يتحرّج من البكاء على سيّد الشهداء حتّى أمام عدسة التلفزيون.

 

ذات يوم، قال أحد طلّاب مدرسة الرفاه للإمام: «لماذا لا تذكرون في أحاديثكم الإمام المنتظر إلّا قليلاً؟» وبمجرّد أن سمع الإمام ذلك وقف وقال: «ماذا تقول؟ ألا تعلم أنّ كلّ

 

137


114

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

ما عندنا هو من الإمام صاحب الزمان |وكلّ ما عندي هو من الإمام صاحب الزمان؟ وكلّ ما عندنا من الثورة هو من الإمام صاحب الزمان؟».

من هنا، فإنّ الإمام بهذا الارتباط المعنويّ بالله وأهل البيت (عليهم السلام) يبقى شامخاً دائماً كالطود ولا يزلزله شيء[1].

يقول أحد أساتذة الأخلاق المعروفين في حوزة قمّ: «عندما كان الإمام الخمينيّ في فرنسا كتب ثلاث رسائل إلى ثلاثةٍ من علماء قمّ قائلاً: الثورة بحاجة إلى دعاء فادعوا لنصر الثورة».

العلّامة الأمينيّ صاحب الغدير

من خصائص العلّامة الأمينيّ العشق والولاء الكامل لآل محمّد عليهم السلام، عشقاً كان مشهوراً تتناقله الألسن، بحيث يمكن القول إنّ الغدير أثرٌ من آثار العشق العارم. ومن هنا، كانت له علاقة خاصّة بسماع مصائب الإمام الحسين وأصحابه، والتأمّل في مصابهم، وكان يبكي بصوتٍ عال بكاءً مريراً ومتفجّعاً، وكثيراً ما اتّفق أنّ الخطباء والنائحين وسائر الحاضرين والمستمعين كانوا يرون العلّامة الأمينيّ وتغيُّر حاله، عند ذكر المصيبة، فيتأثّرون تأثُّرًا شديدًا، ويبكون مثله بكاء المتفجّع. حقًّا كان المجلس الذي يحضره العلّامة الأمينيّ، ويجري فيه ذكر مصائب آل محمّد، وكأنَّ واحدًا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) موجودٌ في ذلك المجلس، وكانت هذه الحالة تشتدّ وتبلغ أوجها عندما يذكر قارئ المصيبة اسم الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) عندها كان تحمرّ جبهته وخدّاه، ويبكي كما يبكي من اعتدى على ناموسه، وها هم يحدّثونه الآن عن ذلك وتشعر أنّ عينيه تقذفان اللهب مع الدموع الغزيرة المنهمرة منهما»[2].

 

 


[1]  فرازهابي أز ابعاد روحي، أخلاقي وعرفاني إمام خميني، ص22-24.

[2]  حماسه غدير، ص298.

 

138


115

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

الوحيد البهبهانيّ

المعروف أنّ الشيخ محمّد باقر المعروف بـ«الوحيد البهبهانيّ» كان عندما يتشرّف بحرم سيّد الشهداء (عليه السلام) للزيارة، يقبّل أوّلاً عتبة «الكفشداريّة» -أيّ محلّ نزع الأحذية- ويمسح وجهه المبارك، ولحيته الشريفة، وبعد ذلك يتشرّف بدخول الحرم بخضوع، وخشوع، ورقّة قلب، ويقرأ الزيارة، وكانت له عناية واحترام خاصَّان لذكر مصيبة سيّد الشهداء (عليه السلام)[1].

الاستشفاء بآثار الأئمّة (عليهم السلام)

يقول المحدّث القمّيّ: «حيث إنّ السيّد نعمة الله الجزائريّ لم يكن يستطيع في بدء دراسته أن يشتري مصباحاً للمطالعة، فقد كان يطالع في ضوء القمر، ونتيجة كثرة المطالعة، ضعف بصره، ولذلك بدأ يمسح بتربة سيّد الشهداء، وتربة سائر الأئمّة (عليهم السلام) على عينيه، ومن بركة تلك التربة كان نور بصره يزداد ويقوى».

ويضيف المحقّق القمّيّ: «وليس هذا الأمر غريباً؛ لأنّ الدميريّ -مؤلّف «حياة الحيوان»- وغيره ينقلون أنّ «الأفعى عندما تصاب بالعمى تمسح عينيها بنبات معيّن فتبصر، وإذا كان الله تعالى يجعل تلك الخاصّيَّة في نبتةٍ مَّا، فما العجب في أن يجعل مثلها في تربة ابن النبيّ (صلى الله عليه وآله)؟» ويضيف أيضاً: «وهذا الحقير أيضاً كلّما ضعف بصري بسبب كثرة الكتابة، أتبرّك بتراب مراقد الأئمّة (عليهم السلام) وأحياناً بمسّ كتابة الأحاديث والأخبار، وبحمد الله فإنّ يميني في غاية القوّة، وأملي، إن شاء الله، أن تقرّ عيني ببركتهم في الدنيا والآخرة»[2].

يقول ابن المحدّث القمّيّ: لا أنسى أنّنا عندما كنّا في النجف ذات يوم صباحاً (حوالى سنة 1357هـ.ق؛ أي قبل وفاته بسنتين) استيقظ والدي وقال: اليوم تؤلمني عيناي بشدّة ولا أستطيع المطالعة والكتابة، وكان يبدو متألّماً جدًّا، كان لسان حاله تقريباً:

 

 


[1]  قصص العلماء، ص202.

[2]  الفوائد الرضوية، ص695.

 

139


116

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

لعلّ آل النبيّ -صلوات الله عليهم- أبعدوني عنهم وطردوني، كانت عادته أن يقول ذلك أحياناً بتأثّر ويبكي».

ويضيف ابن المحدّث القمّيّ:

«عندها كنت منشغلاً بالدراسة، ذهبت إلى المدرسة، وعندما رجعت ظهراً رأيته مشغولاً بالكتابة، قلت: «تحسّنت عيناك؟» قال: «زال الألم كُلِّيًّا». قلت: «بمَ عالجته؟» قال: «توضّأت وجلست تجاه القبلة ومسحت كتاب الكافي على عيني فارتفع الألم». ولم يبتلَ بعدها طيلة عمره بألم العينين». وكتاب الكافي الذي مسح به عينيه كان خطِّيًّا بخطّ الفقيه المشهور الملّا عبد الله التُّوني صاحب كتاب «الوافية»، وكان المحدّث القمّيّ يحبّه كثيراً. وعندما كان مقيماً في مشهد، مرض ابنه الصغير الذي كان عمره ثلاث سنوات، فأحضر له دواءً محلِّيًّا وبعد الغلي، وإضافة قليلٍ من السكّر إليه، جاؤوا بالدواء إلى الطفل ليشربه فوضع المحدّث إصبع يده اليمنى في الدواء وحرّكه قليلاً. قالت زوجته: «اصبر قليلاً لأحضر ملعقة»، قال: «قصدت بذلك الاستشفاء؛ لأنّي كتبت بهذه اليد آلاف الأحاديث عن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام)»[1].

زيارة عاشوراء

جاء في ترجمة المرحوم الشيخ مرتضى حفيد الشيخ الأنصاريّ: «كان من جملة عاداته قراءة زيارة عاشوراء مرّتين في اليوم، صباحاً وعصراً، وكان مواظباً على ذلك جدًّا. وبعد وفاته رآه شخصٌ في النوم، فسأله عن حاله، فقال في الجواب ثلاثاً: عاشوراء، عاشوراء، عاشوراء».

وقد كان الفقيه العادل المرحوم الشيخ جواد مشكور مرجع تقليد قسم من الشيعة في العراق، وفي ليلة 26 صفر 1336هـ.ق. رأى في منامه في النجف الأشرف عزرائيل (عليه السلام) وبعد السلام سأله: «من أين جئت؟

 

 


[1]  حاج شيخ عباس قمي مرد تقوا وفضيلت، ص56-58.

 

140


117

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

- من شيراز، وقد قبضت روح المرحوم الميرزا إبراهيم المحلّاتيّ.

- وما حال روحه في عالم البرزخ؟

- في أفضل الحالات وفي أحسن حدائق البرزخ، وقد وكَّلَ الله به ألف ملك يطيعون أوامره.

- بسبب أيّ عملٍ وصل إلى هذا المقام؟

- بسبب قراءة زيارة عاشوراء».

«المرحوم الميرزا المحلّاتي لم يترك زيارة عاشوراء طيلة ثلاثين سنة في آخر عمره، وفي اليوم الذي كان لا يستطيع قراءتها لمرض أو غير ذلك كان يستنيب من يقرأها عنه».

وفي اليوم التالي لليلة التي رأى فيها الشيخ مشكور هذا المنام، ذهب إلى منزل آية الله الميرزا محمّد تقيّ الشيرازيّ -الميرزا الثاني- وحدّثه بالمنام، فبكى الميرزا، وسئل عن سبب البكاء، فقال: «لقد توفّي الميرزا المحلّاتيّ، وقد كان من أعمدة الفقه». قالوا: «لقد رأى الشيخ مناماً وصدقُه غير معلوم»، قال الميرزا: بلى، منام إلّا أنّه منام الشيخ مشكور وليس منام أفراد عاديّين.

وفي اليوم التالي، جاءت برقيّة من شيراز إلى النجف، تحمل نبأ وفاة الميرزا المحلّاتي وتثبت صدق منام الشيخ»[1].

الشهيد المجهول

كان الشهيد آية الله القدّوسيّ (رحمه الله) يحبّ أهل بيت العصمة حبًّا جمًّا، وكان ملتزماً بزيارة الجمعة وعاشوراء والتوسّل بآل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبالحضور في مجالس عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) كان -رحمة الله عليه- يقول: «كان العلّامة الطباطبائيّ يؤكّد على ذلك» ولم يكن يترك زيارة عاشوراء في أيّام محرّم وصفر، وكان يهتمّ بالزيارة الجامعة وكان يعتقد بقراءة النسخة الأكثر اعتماداً. كان يقول: أنا ملتزم في زيارة عاشوراء بنسخة المرحوم آية الله القاضي أستاذ العلّامة الطباطبائيّ. نسخة المرحوم القاضي كما يأتي: في

 

 


[1]  داستانهاي شكفت، ص243-274، الفقه 114.

 

 

141


118

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

جملة «فأسأل الله الذي أكرم مقامك وأكرمني بك أن يرزقني طلب ثأرك» حذف كلمة «بك» ووصل «وأكرمني» بـ«أن يرزقني»، وكذلك في جملة «أن يرزقني طلب ثارك مع إمام هدى «اختار نسخة «مع إمام مهديّ»[1].

يقول أحد أصدقاء المرحوم القدّوسيّ:

«الظاهر أنّه كان مواظباً على زيارة عاشوراء؛ لأنّه عندما كان المدّعي العامّ للثورة، رأيت في المنام أنّه قد وهب علوماً خاصّة نتيجة مواظبته على زيارة عاشوراء، وعندما حدّثته بذلك تأثّر وقال: منذ مدّة لم أوفّق لذلك. وكان هذا بسبب كثرة أشغاله في الادّعاء العامّ، وقد كان يعتبر هذه الأعمال أولى، ومن هنا قال: منذ مدّة لم أوفّق لقراءة زيارة عاشوراء»[2].

علاج البلاء

يقول الشهيد دستغيب: «نقل عن المرحوم آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائريّ، مؤسّس الحوزة في قمّ: عندما كنت أدرس في سامرّاء ابتلي أهالي سامراء بمرض الوباء والطاعون، وكان يموت في كلّ يوم عدّة. ذات يوم، كنت في منزل أستاذي المرحوم السيّد محمّد فشاركي، وقد اجتمع عدّة من أهل العلم، وفجأة شرّف المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ، وجرى الحديث عن مرض الوباء وأنّ جميع الناس معرّضون للخطر. قال المرحوم الميرزا: «إذا حكمت بحكم فهل يجب تنفيذه أم لا؟» قال جميع أهل المجلس: «طبعاً»، قال: «أنا أحكم أن يقرأ الشيعة الساكنون في سامرّاء من اليوم وحتّى عشرة أيّام زيارة عاشوراء، ويهدون ثواب ذلك إلى روح السيّدة نرجس والدة الإمام الحجّة بن الحسنL ليرتفع البلاء عنهم». أبلغ أهل المجلس هذا الحكم إلى جميع الشيعة وبدأ الجميع بقراءة زيارة عاشوراء. وفي اليوم التالي لم يمت أحد من الشيعة، وتوقّف ذلك كلّيّاً... فسأل بعض السنّة أصدقاءهم الشيعة عن السبب، فقالوا:

 


[1]  يادنامه شهيد قدوسي، ص67-68.

[2]  المصدر السابق، ص49.

 

142


119

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

إنّه زيارة عاشوراء وبدأ السنة بقراءتها فارتفع عنهم البلاء».

يضيف الشهيد دستغيب: «لا شكّ أنّ مقام الميرزا الشيرازيّ أجلّ من أن يقول شيئاً من عنده، وحيث إنّ هذا التوسّل؛ أي قراءة عاشوراء لمدّة عشرة أيّام لم يرد في رواية، فلعلّه أصدر ذلك الحكم إثر رؤيا صادقة أو مكاشفة أو رؤية الإمام، وقد ثبت صدق تأثيره.

كان يُقام مجلس عزاء في منزل الميرزا الشيرازيّ في كربلاء طيلة أيّام عاشوراء، وكان في اليوم العاشر يذهب ومعه العلماء والطلّاب إلى حرم سيّد الشهداء وحرم أبي الفضل العبّاس ويقيمون مجلس عزاء هناك أيضاً، كانت عادة الميرزا أن يقرأ في غرفته كلّ يوم زيارة عاشوراء، ثمّ ينزل للاشتراك في مجلس العزاء. يقول أحد الأعاظم: «ذات يوم كنت حاضراً قبل الموعد المقرّر، فجأة، نزل الميرزا بحالة غير عاديّة منكسراً حزيناً، نزل الدرج ودخل المجلس، وقال: «اليوم يجب أن تذكروا مصيبة عطش سيّد الشهداء ويكون العزاء حولها». فتأثّر جميع أهل المجلس كثيراً، وأغمي على بعضهم، وعلى تلك الحالة انتقلوا برفقة الميرزا إلى الصحن والحرم المقدّس وكأنَّ الميرزا كان مأموراً بهذا التنبيه»[1].

زيارة عاشوراء أربعين يوماً

يتحدّث العالم الواعي والمتّقي المرحوم آية الله النجفيّ القوﭼـانيّ -(رحمه الله) - الذي كان من طلّاب الآخوند الخراسانيّ البارزين، عن ذكريات أيّام دراسته في أصفهان التي استمرّت أربع سنوات (1314 - 1318هـ.ق) فيقول:

«بعد المجيء إلى المدينة (أصفهان) رأيت ذات ليلة، الموت في النوم على شكل حيوان بحجم عجل عمره سنة، ورأيت خلفه ثلاثة أو أربعة من أولاده وهم يسيرون خلفه في الهواء وهم أصغر منه، وأثناء مسيرهم في الهواء مرّوا من فوق منزلنا الذي

 

 


[1]  داستانهاي شكفت، ص323 القصة رقم 148.

 

143


120

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

كان في قوجان ونزل واحد من أولاده فقط على حائط منزلنا. كتبت إلى والدي: «أخبرني عن وضعك؛ لأنّي مشوّش البال عليك» وقبل أن تَصِلَ إليه رسالتي، وصلَتْ إليَّ رسالته يخبرني فيها بوفاة زوجته، وكتب أيضاً أنّ مبلغ الاثني عشر توماناً الذي اقترضته قبل عشر سنوات لزيارة العتبات قد أصبح بسبب الربا ثمانين توماناً، ولم تكن كلّ ممتلكات أبي تعادل ثمانين توماناً.

قرّرت أن أقرأ زيارة عاشوراء أربعين يوماً على سطح مسجد الشاه في أصفهان، وكانت لي ثلاث حوائج: إحداها دين والدي، والثاني المغفرة، والثالثة العلم الكثير والاجتهاد. كنت أبدأ بقراءتها قبل الظهر وأنتهي منها قبل الآذان، كانت تستغرق ساعتين. انتهت الأربعون يوماً، ولم يمض شهر حتّى جاءتني رسالة من والدي يقول فيها: «لقد أدّى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ديني». فكتبت إليه: «بل أدّاه سيّد الشهداء، وكلّهم نور واحد» ولأنّ زيارة عاشوراء ظهر أثرها سريعاً، ولم يكن ذلك ممكناً بحسب الأسباب الظاهريّة، فقد عقدت العزم على أن أقرأها في محرّم وصفر لحاجة هي أهمّ الحاجات في رأيي، وقرأتها أربعين يوماً على سطح مسجد الشاه بكامل الاهتمام وكمال الاحتياط؛ بمعنى أنّي كنت أمضي ساعتين متّجهاً إلى القبلة، واقفاً في مقابل الشمس حتّى النهاية. انتهى الختم الثاني، بعدها رأيت مناماً أنّ الحاجة قضيت»[1].

وقد سافر المرحوم النجفيّ القوﭼـانيّ إلى النجف الأشرف عام 1318هـ وقد كان عمره آنذاك ثلاثاً وعشرين سنة. وهو يبيّن بعض عادات الطلّاب آنذاك كما يأتي: «سنويًّا وفي زيارة الأربعين، نصف رجب، نصف شعبان وعرفة، كان من واجباتي أنا وطلّاب النجف - نوعاً - الذهاب إلى كربلاء. أمّا في أوّل رجب وعيد الفطر وعاشوراء فقد كان الذهاب من المستحبّات، كانوا أحياناً يذهبون وأحياناً أخرى لا يذهبون، وسبب عدم ذهابهم إلى كربلاء في عاشوراء أنّ مجالس العزاء نوعاً في خصوص عاشوراء هي في النجف أفضل منها في كربلاء بمحتواها وروحانيّتها؛ ولذلك يبقون في النجف ويزورون من هناك»[2].

 

 


[1]  سياحت شرق بتصرّف.

[2] سياحت شرق، ص390.

 

 

144


121

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

العلاقة بسيّد الشهداء (عليه السلام)

«إحدى خصوصيّات الشهيد السيّد مصطفى الخمينيّ ابن الإمام الخمينيّ، أنّه كان ملتزماً بالذهاب إلى كربلاء من النجف الأشرف سيراً على قَدَمَيْه، وفي جميع الزيارات الخاصّة بالإمام الحسين (عليه السلام). كان الناس في النجف عادة يذهبون إلى كربلاء سيراً على الأقدام سنويًّا في النصف من شعبان وعرفة والأربعين وأوّل رجب ونصفه، وكان هو يذهب في عدّة مناسبات. أحياناً كانت قدماه تتورّمان وتدميان، إلّا أنّه وبالرغم من ذلك يواصل طريقه، لقد كان (رحمه الله) ظريفاً ذوّاقاً، حلو المعشر أنيس المجلس، ومع ذلك فقد كان في أوقات الدعاء والزيارة لا نظير له أثناء دعاء التوسّل في الطريق إلى كربلاء.كان يواصل السير ويقرأ الدعاء بكلّ توجّه والدموع تنهمر من عينيه طيلة فترة الدعاء، وعندما يحين ذكر مصيبة سيّد الشهداء كان يبكي بكاء الثكلى وبصوتٍ عال وكتفاه يهتزّان من شدّة البكاء.

كان هناك شخصٌ اسمه الشيخ جعفر، يقرأ العزاء دائماً باختصار بعد صلاة الإمام الخمينيّ في مسجد الشيخ، ولم يكن الحاضرون يهتمّون بمجلسه، فكانوا يغادرون المسجد تدريجيًّا. الوحيد الذي كان ملتزماً بالاستماع إليه هو المرحوم الشهيد السيّد مصطفى، حتّى إنّه أحياناً كان يبقى المستمع الوحيد لمجلس الشيخ جعفر»!.

نعم، هذا هو رجل الجهاد ومجلس العزاء، رجل الكفاح ودعاء التوسّل، رجل السيف وزيارة سيّد الشهداء سيراً على الأقدام.

الشيخ محمّد جواد البلاغيّ (رحمه الله)

كان شديد العلاقة بآل بيت الرسالة، خصوصاً الإمام الحسين (عليه السلام)؛ يقول مؤلّف «ماضي النجف وحاضرها»: «له في الحسين (عليه السلام) عقيدةٌ راسخة وحبٌّ ثابت، ولولاه لأمات المعاندون الشعائر الحسينيّة (...) لكنّه تمسّك بها والتزم بشعائرها وقام بها خير قيام (...) وكان يسير شخصيًّا في مواكب العزاء ويحثّ الناس على ذلك»[1].

 

 

 


[1]  مشكاة، العدد 1، ص126-128.

 

145


122

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

قراءة العزاء قبل التدريس

كان آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائريّ يأمر أن يقرأ أحد قبل بدئه بالتدريس مجلس عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) وبعد ذلك يبدأ درسه. كذلك كان سماحته حتّى بعد أن أصبح المرجع الأعلى، يشترك في مواكب اللطم والعزاء وكسائر الناس العاديّين يلطم على رأسه وصدره، وعندما سئل عن ذلك قال: «كلّ ما عندي فهو من الإمام الحسين(عليه السلام)» ثمّ يروي له قصّة مرضه ونجاته من الموت بشفاعة سيّد الشهداء(عليه السلام)[1].

صاحب عبقات الأنوار (رحمه الله)

يقول الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ في ترجمة العالم المحقّق المتتبّع صاحب المجموعة العظيمة والقيِّمة «عبقات الأنوار» مير حامد حسين (رحمه الله) ما يأتي: «أخبرني الميرزا محمّد الطهرانيّ العسكريّ نقلاً عن السيّد حسين اليزديّ الخطيب الحائريّ أنّه - أي السيّد حسين - قال:

«كنتُ مسبوقاً أنّ السيّد حامد حسين لا يطيق سماع المصائب المشجية التي جرت على جدّه الحسين، وأهل بيته (عليهم السلام)؛ ولذا لا تُقرأ في محضره، فاتّفق يوماً أنّه دخل الحسينيّة في «لكهنوا» حين قراءتي ولم أشعر به، وقرأت بعض المصائب وإذا بالأصوات قد ارتفعت، والكلّ يأمرني بالتوقّف عن القراءة، وبعد حين ظهر لي أنّ السيّد قد غشي عليه»[2].

صاحب مستدرك الوسائل

يقول صاحب «الذريعة» عن أستاذه الكبير المرحوم الشيخ حسين النوريّ - صاحب مستدرك الوسائل-: «وممّا سنّه في تلك الأعوام أثناء إقامته في النجف: زيارة سيّد الشهداء مشياً على الأقدام، فقد كان ذلك في زمن الشيخ الأنصاريّ من سفن الأخيار

 

 


[1]  ﮔـنجينه دانشمندان، ج1، ص302.

[2]  نقباء البشر، طبقات أعلام الشيعة، ج1، ص349-350.

 

 

146


123

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

وأعظم الشعائر، ولكن ترك في الأخير وصار من علائم الفقر وخصائص الأدنَيْن من الناس، فكان العازم على ذلك يتخفّى عن الناس لما في ذلك من الذلّ والعار. فلمّا رأى شيخنا ضعف هذا الأمر اهتمّ له والتزمه، فكان في خصوص زيارة عيد الأضحى يكتري بعض الدوابّ لحمل الأثقال والأمتعة، ويمشي هو وصحبه لكنّه لضعف مزاجه لا يستطيع قطع المسافة من النجف إلى كربلاء بمبيت ليلة كما هو المعتاد آنذاك، بل كان يقضي في الطريق ثلاث ليالي (...) وفي السنة الثانية والثالثة، زادت رغبة الناس والصلحاء بالأمر، وذهب ما كان في ذلك من الإهانة والذلّ إلى أن صار عدد الخيم في بعض السنين أزيد من ثلاثين، لكلّ واحدة بين العشرين والثلاثين نفراً».

 

ويقول (رحمه الله): «كان - أعلى الله مقامه - ملتزماً بالوظائف الشرعيّة على الدوام، وكان لكلّ ساعةٍ من يومه شغلٌ خاصّ لا يتخلّف عنه؛ فوقت كتابته من بعد صلاة العصر إلى قرب الغروب، ووقت مطالعته من بعد العشاء إلى وقت النوم، وكان لا ينام إلّا متطهّراً ولا ينام من الليل إلّا قليلاً، ثمّ يستيقظ قبل الفجر بساعتين، فيجدّد وضوءه ولا يستعمل الماء القليل، بل كان لا يطَّهّر إلّا بالكرّ، ثمّ يتشرّف قبل الفجر بساعة إلى الحرم المطهّر، ويقف - صيفاً وشتاءً - خلف باب القبلة فيشتغل بنوافل الليل إلى أن يأتي السيّد داود نائب خازن الروضة، وبيده مفاتيح الروضة، فيفتح الباب ويدخل شيخنا، وهو أوّل داخل إليها وقتذاك. وكان يشترك مع نائب الخازن بإيقاد الشموع، ثمّ يقف في جانب الرأس الشريف، فيشرع بالزيارة والتهجّد إلى أن يطلع الفجر، فيصلّي الصبح جماعة مع بعض خواصّه من العبّاد والأوتاد، ويشتغل بالتعقيب، وقبل شروق الشمس بقليل يعود إلى داره فيتوجّه رأساً إلى مكتبته العظيمة المشتملة على ألوف من نفائس الكتب والآثار النادرة العزيزة الوجود أو المختصرة عنده فلا يخرج منها إلّا للضرورة (...) أمّا في يوم الجمعة، فكان يغيّر منهجه ويشتغل بعد الرجوع من الحرم الشريف بمطالعة بعض كتب الذكر والمصيبة - العزاء - لترتيب ما يقرؤه على المنبر في داره ويخرج من مكتبته بعد الشمس بساعة إلى مجلسه العامّ، فيجلس ويحيّي الحاضرين

 

147


124

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

ويؤدّي التعارفات، ثمّ يرقى المنبر فيقرأ ما رآه في الكتب ذلك اليوم، ومع ذلك يحتاط في ما ليس مصرّحاً به في الأخبار القطعيّة، وكان إذا قرأ المصيبة تنحدر دموعه على شيبته. وبعد انقضاء المجلس، يشتغل بوظائف الجمعة من التقليم والحلق وقصّ الشارب والغسل والأدعية والآداب والنوافل وغيرها، وكان لا يكتب بعد عصر الجمعة - على عادته - بل يتشرّف بزيارة الحرم ويشتغل بالمأثور إلى الغروب. كانت هذه عادته إلى أن انتقل إلى جوار ربّه»[1].

العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

من صفات هذا الرجل الروحانيّ الكبير تعلّقه الذي لا يوصف وخشوعه في محراب آل النبيّ الأكرم، ولم تكن انشغالاته العلميّة ليلاً ونهاراً لتحول بينه وبين التوسّل بهم ورفع التحيّة والسلام إلى مقام الرسالة والولاية، وكان يعتبر أنّ توفيقه رهنٌ بهذه التوسّلات. وكان شديد الاحترام لأحاديثهم، حتّى الروايات المرسلة والضعيفةكان يتعامل معها باحتياط، ولم يكن يحتمل أدنى إساءة أدب واعوجاج سليقة تجاه هذه السلالة الطاهرة.

يقول أحد تلامذة العلّامة:

«كان للأستاذ علاقة خاصّة ومحبّة مميّزة للأئمّة الطاهرين -صلوات الله عليهم أجمعين- وعندما يذكر اسم أحدهم كانت تظهر في وجهه ملامح التواضع والأدب، وكان يكنّ احتراماً خاصًّا للإمام صاحب الزمان (أرواحنا فداه). كان يعتبر أنّ لهم (عليهم السلام) أي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، والصدّيقة الكبرى، مقاماً ومنزلة فوق التصوّر، وكان يتميّز بالخضوع والخشوع الواقعيّين والوجدانيّين تجاههم، ويعتبر منزلتهم ملكوتيّة، كما كان محيطاً بسيرتهم وتاريخهم بشكلٍ كامل».

 

 


[1]  ترجم المؤلف النصّ نقلاً عن طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص546-548. وقد أوردته هنا نقلاً عن مقدّمة دار السلام، نقلاً عن المصدر المذكور بتصرّف يسير.

 

148


125

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

ويقول تلميذٌ آخر من تلامذته:

«... النقطة الأولى: العلاقة بأهل البيت (عليهم السلام)، وفي الحقيقة كان الولاء لأهل البيت بالنسبة إليه بمنزلة الشمعة التي تضيء ليل حياته، كانت علاقته بأهل البيت-خصوصاً أمير المؤمنين (عليه السلام)- تبلغ حدّ العشق. لا أذكر أبداً أنّه مرّ بذكر اسم أحد الأئمّة دون أداء مراسم الاحترام. في مشهد، حيث كان يتشرّف سنويًّا ويقضي الصيف، عندما يدخل صحن حرم الإمام الرضا(عليه السلام) رأيت مراراً - عندما كنت في خدمته - أنّه يضع يديه المرتعشتين على عتبة الباب ويقبّلها - وببدنه المرتجف - من صميم القلب. وأحياناً عندما كنت التمس منه الدعاء، كان يقول لي: اذهب وخذ حاجتك من الإمام (عليه السلام) نحن هنا لسنا شيئاً، كلّ شيء هناك».

لم يكن يتحمّل أدنى إساءة أدب ومن أيّ شخص تجاه آل النبيّ ومقام الولاية، وكان يتعامل مع هؤلاء الأشخاص بمنتهى الحزم. من الممكن أن يتساهل في الأخطاء العلميّة، ويلتزم في تصحيحها ونقدها حدود الأدب العلميّ، أمّا في مقابل الأشخاص الذين يسيؤون -ولو قليلاً- إلى مقام ولاية أهل البيت، فلم يكن يستطيع أن يسكت، بل كان يواجه ذلك بأيّ نحو ٍكان، طريقته هذه واضحة في كتبه، أمّا في المجلس فقد كانت أكثر صراحة وأشدّ وضوحاً. في ليالي شهر رمضان، كان يشترك في المجالس التي يقرأ فيها عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام)، أحياناً كان يبقى إلى السحر، وكان حبّه لأهل البيت، وتعلّقه بهم، يظهر بوضوح.كان غالباً ما يشترك في مجالس العزاء والمراثي، في أيّام الجمعة، وأحياناً كان يبكي بكاءً مريراً، وبصوتٍ عال، بحيث إنّ بدنه كلّه يرتجف، والدموع تنهمر من عينيه، ولا شكّ أن ّكثيراً من توفيقاته وليدة هذه الخصلة (...) وهي خصلة بارزة في جميع تلامذته، كان يحيي جميع ليالي شهر رمضان حتّى الصباح منشغِلًا بالعبادة والكتابة وكان ينام مع طلوع الشمس - وبعد عبادات السحر - إلى الظهر»[1].

 

 


[1]  يادنامه علامة طباطبائي، ص172-174 بتصرف.

 

149


126

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

المسير إلى الجهاد ومسجد السهلة

عندما هاجم الروس والإنكليز إيران في أواخر أيّام الآخوند الخراساني -صاحب «الكفاية»(رحمه الله) - وأصدر المرحوم الخراسانيّ حكم الجهاد، قرّرت الأكثرية الساحقة من علماء العراق، التوجّه معه إلى إيران، يقول مؤلّف كتاب «حياة الإسلام» في هذا الصدد: «بعد أن اتّفق جميع علماء النجف وكربلاء والكاظمين وسامرّاء مع سماحته على التوجّه للدفاع عن البلد الإسلاميّ (إيران) قرّر سماحته التوجّه ليلة الأربعاء 21 ذي الحجّة الحرام سنة 1329هـ.ق إلى مسجد السهلة؛ للتوسّل بوليّ العصر | ومنه إلى كربلاءـ فالكاظميّة، ومنها إلى إيران مع جميع حجج الإسلام.عند ذلك حجز كثير من الفضلاء والمجتهدين غرفهم قبل يوم من الموعد المقرّر، وكان لكلّ عشرة أو اثني عشر منهم غرفة ونقلوا كلّ أمتعة السفر إلى مسجد السهلة، حتّى إنّ الكسبة كالخبّاز والبقّال نقلوا أسباب كسبهم إلى مسجد السهلة، وكثيرٌ منهم قرّروا السفر إلى إيران»[1].

 

صدر المتألّهين

كان هذا الفيلسوف الكبير مقيمًا في «كهك» مشغولًا ببحث المسائل الفلسفيّة وتحقيقها، كان ينتقل بين الحين والآخر من «كهك» إلى قمّ لزيارة المعصومة (سلام الله عليها) والتوسّل بها لحلّ المشكلات العلميّة (...) يقول الملّا صدرا في بحث «اتّحاد العاقل بالمعقول» بهذا الصدد ما يأتي: «إنّ مسألة كون النفس عاقلة لصور الأشياء المعقولة من أغمض المسائل الحكميّة التي لم تنقّح لأحد من علماء الإسلام إلى يومنا هذا، ونحن لـمّا رأينا صعوبة هذه المسألة وتأمّلنا في أشكال كون العلم بالجوهر جوهرًا وعرضًا، ولم نر في كتب القوم، سيّما كتب رئيسهم «أبي عليّ» كالشفاء، والنجاة، والإشارات، وعيون الحكمة، وغيرها، ما يشفي العليل، ويروي الغليل، بل وجدناه وكلّ من في طبقته وأشباهه، كتلميذه «بهمينار» وشيخ أتباع الرواقيّين والمحقّق الطوسيّ نصير الدين وغيرهم (...) فتوجّهنا توجّهاً جبلّيّاً إلى مسبّب الأسباب، وتضرّعنا تضرّعاً غريزيًّا إلى

 

 


[1] مرﮔـي درنور، ص269.

 

150


127

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

مسهّل الأمور الصعاب في فتح هذا الباب؛ إذ كنّا قد جرّبنا مراراً كثيرة سيّما في باب إعلام الخيرات العلميّة وإلهام الحقائق الإلهيّة لمستحقّيه ومحتاجيه أنّ عادته الإحسان والإنعام، (...) وشيمته رفع أعلام الهداية وبسط أنوار الإفاضة، فأفاض علينا في ساعة تسويدي هذا الفصل من خزائن علمه علماً جديداً، وفتح على قلوبنا من أبواب رحمته فتحاً مبيناً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فنقول...»[1].

وقد نقل أحد العلماء عن خطّ صدر المتألّهين (رحمه الله) ما يوضح انتقاله(رحمه الله) من «كهك» إلى قمّ لزيارة المعصومة (عليها السلام) لهذا الغرض، وهو قوله: «كنت حين تسويدي هذا المقام بـ«كهـﮓ» من قرى قمّ فجئت إلى قمّ زائراً لبنت موسى بن جعفر (سلام الله عليهما)، مستمدًّا منها، وكان يوم جمعة فانكشف لي هذا الأمر بعون الله تعالى»[2].

كما نقل أحد العلماء عن خطّ ابن صدر المتألّهين تاريخ هذه الإفاضة (الذهاب إلى قمّ للزيارة وما أفاضه الله عليه) وأنّه يوم الجمعة في شهر جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين بعد الألف وقد مضى من عمر المؤلّف آنذاك ثمان وخمسون سنة»[3].

ويوضح نصّ آخر أنّ يوم الجمعة ذاك كان السابع من شهر جمادى الأولى[4].

الحقيقة المرّة

ممّا تقدّم يتّضح جيّداً أنّ طريقة العلماء الربَّانيّين هي التوجّه والتوسّل بالأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وقراءة الأدعية والزيارات. هنا يجب الاعتراف للأسف أنّ الدعايات المسمومة التي بثَّها المستعمرون قبل الثورة - الإسلاميّة في إيران - تركت أثرها في إبعاد الناس عن الأدعية، والأمر كذلك أيضاً بالنسبة إلى كثيرٍ من الطلّاب الأميّين أو المتعلّمين إلّا أنّهم ليسوا هادفين، بل هم «لا أُباليّون» حتّى إنّ بعض المدارس العلميّة لا تقرأ فيها

 

 


[1]  الأسفار، ج3، ص312 - 313.

[2]  اتحاد عاقل به معقول - فارسي، ص107-109.

[3]  المصدر السابق.

[4]  منتخباتي أز رثار حكماي إلهي إيران، ج1، ص18 الهامش.

 

151


128

القسم السادس: الدعاء- الزيارة - التوسّل بالأئمّة (عليهم السلام)

أدعية تعقيب الصلاة، ويقرؤون بدلاً منها سورة من القرآن وباختصار، تركت «المفاتيح» جانباً إلى أن كان انتصار الثورة، واستطاع الإمام هذا القائد الإلهيّ، أن يقضي على آثار تلك الدعايات المسمومة بحيث أصبح الآن، وببركة وجوده الشريف، يقرأ دعاء الندبة وكميل والتوسُّل والخ... في أكثر مدن إيران وقراها.

ومن المناسب، في نهاية المطاف هنا، إيراد بعض كلماته الدرِّيّة:

يقول (رضوان الله تعالى عليه):

«أوضح الأئمّة الطاهرون كثيراً في المسائل بلسان الأدعية، لسان الأدعية يختلف كثيراً عمّا عداه من أساليبهم (عليهم السلام) والتي كانوا يبيّنون بها الأحكام. أكثر المسائل الروحانيّة، مسائل وراء الطبيعة، وما يتعلّق بمعرفة الله، بينّوه بلسان الأدعية، ولكن نحن نقرأ هذه الأدعية إلى الآخر وللأسف لا نلتفت إلى هذه المعاني[1]، هذه الأدعية، هذه التوجّهات إلى الله تنبّه الإنسان إلى المبدأ الغيبيّ، وليست فقط لا تحدّ من النشاط، بل إنّها سبب النشاط والفعاليّة، الفعاليّة التي ليست للذات، بل لعباد الله، ويفهم أنّ الفعاليّة لعباد الله هي خدمة لله. هؤلاء الذين ينتقدون كتب الأدعية إنما يفعلون ذلك لأنّهم لا يعلمون أنّ هذه الأدعية الواردة عن أئمّتنا كالمناجاة الشعبانيّة ودعاء كميل ودعاء عرفة والسمات و... كيف تصلح الإنسان»[2].

ومن هنا، نرى أنّ الإمام عندما أبعد إلى تركيّا، يطلب في إحدى رسائله الأولى التي كتبها إلى عائلته أن يرسلوا إليه «مفاتيح الجنان» والصحيفة السجّاديّة، ولم يغفل عن هذا الأمر -كسائر أبعاد الإسلام - في أيّ وقت من الأوقات[3].

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُواْ لِي وَليُؤمِنُواْ بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ﴾[4].


 


[1]  الجهاد الأكبر.

[2]  دعاي روز عرفه (روز شناخت) المقدمة بتصرف.

[3]  نهضت إمام خميني، ج2، ص8.

[4]  سورة البقرة، الآية 186.

 

 

152


129

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

من الأمور التي يجب على جميع المسلمين، خصوصاً طلّاب العلوم الدينيّة والروحانيّين، أن يهتمّوا بها، مسألة قيام السحر والتهجّد والتضرّع في الأسحار.

ذُكِرت هذه المسألة في القرآن الكريم في أكثر من عشرة مواضع، وقد ورد الثناء على المتهجّدين بالأسحار بعبارات مختلفة.

والروايات في فضيلة صلاة الليل وذمّ تركها -بناءً على كلام العارف الواصل المرحوم الملكي التبريزيّ (رحمه الله) بلغت حدّ التواتر[1].

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس من شيعتنا من لم يصلّ صلاة الليل»[2].

ويرى أحد أساتذة الأخلاق أنّ من الواجبات الحتميّة للطلّاب أن يهتمّوا بهذا المستحبّ ويلتزموا به وينيروا قلوبهم بالمناجاة في الأسحار، والاختلاء بالله تعالى، والتفكّر في آيات الحقّ، ويحوِّلوا بذلك ظلمة الليل إلى نهار.

يقول المرحوم الملكي التبريزيّ:

«وحكى لي شيخي في العلوم الحقّة: أنّه ما وصل أحد من طلّاب الآخرة إلى شيء من المقامات الدينيّة إلّا - إذا كان - من المتهجّدين».

يقول العلّامة الطباطبائيّ:

«عندما تشرّفت بالنجف الأشرف للدراسة ونظراً للقرابة والرحم، كنت أحياناً أتشرّف بزيارة المرحوم القاضي. وذات يوم كنت واقفاً في مدرسة في النجف فمرّ المرحوم القاضي

 

 


[1]  أسرار الصلاة، ص289.

[2]  المصدر نفسه، ص293، بتصرّف يسير.

 

155


130

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

من هناك، وعندما وصل إليّ وضع يده على كتفي، وقال: «يا بنيّ، إذا كنت تريد الدنيا فصلِّ صلاة الليل، وإذا كنت تريد الآخرة فصلِّ صلاة الليل».

 

وقد أثّر فيّ هذا الكلام إلى حدّ أنّي بعد ذلك وطيلة خمس سنوات رجعت بعدها إلى إيران لم أترك مجلس السيّد القاضي، وكنت أصل الليل عنده بالنهار، ولم أفوّت لحظةً يمكنني الاستفادة فيها من فيضه، وبعد عودتي إلى وطني المألوف وحتّى وقت وفاة الأستاذ كانت علاقاتنا قائمة، وكان المرحوم القاضي - وبمقتضى علاقة الأستاذ والتلميذ - يزوّدني بأوامره وتوجيهاته وكانت المراسلات بيننا مستمرّة». ويضيف العلّامة: «نحن كلّ ما عندنا فهو من المرحوم القاضي»[1]. نعم، هكذا تصنع المواعظ البليغة بأهلها.

 

في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أبغض الخلق إلى الله جيفة بالليل بطّال بالنهار»[2].

 

التربية السيّئة

قال أحد الطلّاب: «قال لي أحدهم - وهو بحسب الظاهر عالم متَّقٍ-: «الأفضل أن لا يصلّي الإنسان صلاة الليل، وأن يصلّي صلاة الصبح في آخر وقتها، حتّى لا يصاب بالعجب والتكبر... وحيث إنّ صلاة الليل تؤدّي إلى الغرور فيجب تركها». أضاف ذلك الطالب إثر كلامه - وحيث أنّي كنت أثق به -: تركت صلاة الليل عدّة سنوات مع أنّي كنت أبقى مستيقظاً وقت السحر».

 

انظر إلى هذه التربية السيّئة والتفكير الأعوج. قيل لذلك الطالب: إنّ ذلك الشخص كان شيطاناً قال هذا القول المزخرف؛ لأنّه إذا كان ذلك صحيحاً فإنّه ينسحب على جميع المستحبّات وعليه، فيجب القول بترك صلاة الجماعة وقراءة القرآن والدعاء حتّى لا نقع في الغرور. وفساد هذا الكلام من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى بسط القول في ردّه.

 

 


[1]  مهرتابان، ص16.

[2]  بحار الأنوار، ج84، ص158. أسرار الصلاة، ص289.

 

 

156


131

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

إنّ من البديهيّ أنّ الإنسان يجب عليه، حتّى مع أداء المستحبّات، أن ينقّي نفسه من الرذائل الأخلاقيّة. ومن حيث المبدأ فإنّ، صلاة الليل نفسها سبب في توفيق الإنسان لتصفية نفسه من الصفات الرذيلة، والله الذي وفّق لصلاة الليل يوفّق للسلامة من مرض العُجْب الخطير. ثمّ إنّ هذا الشخص «اللاأُبالي» إلى هذا الحدّ؛ بحيث إنّه يؤخّر صلاة الصبح إلى آخر الوقت، لا معنى أبداً لابتلائه بالعجب، ولمَ العجب؟ إنّه كالأعمى الذي لا يمكنه أن يرى من ليست محرماً له. إنّ التحدّي الكبير هو أن يلتزم الإنسان بالمستحبّات ولا يُبتلَى بالعجب، أمّا التقوى السلبيّة، فلا قيمة لها، بل المهمّ هو التقوى الايجابيّة.

يقول السالك الكامل المرحوم الملكي:

«نعم، قد ينام من تهيّأ للانتباه لطفاً من الله -اللطيف عليه في سياسته أمر عبوديّته- حفظاً له من العجب أو تعريضاً له لزيادة الأجر من كثرة أسف فوت التهجّد، ولكن الذي يُستفاد من الأخبار أنّ ذلك لا يكون إلّا قليلاً، ليلة أو ليلتين»[1].

ويرى البعض أنّ قيام الليل ونافلته يتنافيان مع الدرس، ويحولان دون التحصيل، وأنَّهما باختصار مضيعة للوقت، ويجب قضاء ذلك الوقت في الدرس والمطالعة.

يقول آية الله الملكي التبريزيّ في جواب هؤلاء:

«وكيف كان فإنّ من له أدنى تتبّع في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) وأحوال السلف من مشايخنا العظام -رحمهم الله- لا يشكّ في أنّ صلاة الليل ليست ضدّ تحصيل العلم، بل هي من أسبابه القريبة والقويّة، وكثيراً ما رأينا من المحصّلين من كان من المتهجّدين وصار ذلك سبباً لاستقامة فهمه، وجودة ذهنه في الوصول إلى المطالب الحقّة في المسائل العلميّة، وارتقى إلى المراتب العالية في العلم، بخلاف الطلّاب المجدّين في مطالعة الكتب العلميّة - غير المتهجّدين - فقلّما خرج منهم صاحب ملكةٍ مستقيمة، نعم، ربّما

 

 


[1]  أسرار الصلاة، ص291.

 

157


132

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

يوجد فيهم مدقّق مشكّك، ولكن لا يكون محقّقاً ولا يكون في علمه بركة كاملة، بل يقلّ خيره ونوره ولا يوفّق لفوائد هذا العلم»[1].

وقد تناول آية الله التبريزيّ أهمِّيّة صلاة الليل بالتفصيل في كتابه القيّم «أسرار الصلاة» فليراجع. وعلى أيّ حال، فلا شكّ في أنّ من أكبر مصاديق توفيق الطالب هو قيام السحر، وكلّ من حُرِم من هذا الفيض يجب عليه أن يكون بصدد الحصول عليه، وليعلم أنّ أحداً لم يتمكّن من الوصول إلى أيّ هدف ومرتبة بدون صلاة الليل.

زينب (عليها السلام) ليلة الحادي عشر من محرّم

في ليلة العاشر من محرّم كانت السيدة زينب (عليها السلام) وكان الإمام الحسين (عليه السلام) كانت زينب وكان الجميع، كلّ شخص، وكلّ شيء... في ليلة الحادي عشر كانت زينب ولم يكن غير زينب، زينب سيّدة النساء، في هذه الليلة كانت زينب هي الراعي، هي قائدة قافلة الأسرى وملجأ الأيتام. رغم ثقل المصائب ومرارتها، كانت زينب طوداً شامخاً واجهت المصائب ولم يرمش لها جفن. تولّت حراسة الأسرى، تولّت جمع النساء والأطفال، تولّت تجميع الهائمين على وجوههم في الصحراء، تولّت تمريض العليل الضعيف.كانت الروح للأجساد التي فقدت الروح، والبهجة للقلوب التي فقدت البهجة، والرمق للنفوس التي فقدت الرمق.

كانت تمضي مسرعةً من هذه الجهة إلى تلك، تبحث عمّن افتقدت، كان ضرب السياط يؤلمها، وأشواك الصحراء تدميها، إلّا أنّ زينب تبحث عن اليتامى، كانت كبدها تحترق، ولكنّها تبحث عن اليتامى. هذا الجسد الذي هدّه الألم، كانت المعجزة، أثبتت زينب كفاءة منقطعة النظير: فلم يسقط طفلٌ تحت حوافر الخيل، ولا احترقت امرأةٌ بالنار، ولا ضاع طفلٌ في تلك الليلة المشؤومة. وبعد أن انجزت زينب كلّ هذه المهامّ، واطمأنّت عن سلامة الجميع، توجّهت إلى الله وانصرفت إلى العبادة وصلّت صلاة الليل. لقد كانت متعبة جدّاً بحيث إنّها لم تستطع أن تصلّيها وقوفاً، فصلّت صلاة الليل

 

 


[1]  أسرار الصلاة، ص 294 - 295.

 

 

158


133

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

من جلوس، وتضرّعت إلى الله تعالى وابتهلت. كانت زينب إلهيّة، والإلهيّون هكذا يواجهون المصائب ولا يرمش لهم جفن صابرين شاكرين.

والد العلّامة الشهيد مطهّري

يقول الأستاذ الشهيد:

«هناك سلسلة لذائذ معنويّة، تنمّي معنويّاتنا، وتسمو بها، صلاة الليل لها عند من هو من أهل التهجّد، وصلاة الليل، ومن هو من الصادقين، والصابرين، والمستغفرين بالأسحار، لذّة وبهجة... تلك اللذّة التي يشعر بها مصلٍّ حقيقيّ وواقعيّ لصلاة الليل، من صلاة ليلة من قوله: «أستغفر الله ربّي وأتوب إليه» من قوله: «العفو العفو» وذكر أربعين مؤمناً على الأقلّ والدعاء لهم، اللذّة التي يشعر بها من قوله: «يا ربّ يا ربّ» لا يمكن أبداً أن يشعر بها شخص بطّال يتسكّع في علب الليل، لذّة صلاة الليل أعمق بكثير، أقوى، أكثر نشاطاً. ولكن إذا أغرقنا أنفسنا في لذّة الدنيا الماديّة، مثلاً نتحلّق أوّل الليل حول بعضنا، ونأخذ بالحديث والضحك، ولنفترض أنّنا لم نغتب لأنّ ذلك حرام، واقتصرنا فقط على المزاح المباح، وبعدها توضع المائدة ونأكل حتّى التخمة، بحيث يصبح حتّى التنفس صعباً علينا، بعدها نسقط كالموتى في فراشنا. هل نستطيع آنذاك أن نوفّق للاستيقاظ سحراً قبل طلوع الفجر بساعتين ونناجي من أعماق الروح «يا ربّ، يا ربّ، يا ربّ»؟ أصلاً لن نستيقظ، وإذا استيقظنا فكالسكارى نعب الماء عبّاً.

إذاً إذا أراد الإنسان أن يدرك اللذائذ المعنويّة والإلهيّة في هذه الدنيا، لا سبيل له إلّا أن يصدَّ نفسه عن اللذائذ الماديّة.

أقسم بالله، أنّ اللذّة التي يشعر بها المؤمن عندما يستيقظ في ذلك الوقت في الليل، ويقع نظره على السماء المليئة بالنجوم، ويقرأ آيات آخر سورة آل عمران التي هي صوت الوجود المنبعث من قلب الوجود... ويتّحد صوته - بقراءتها - مع صوت الوجود - هذه اللذّة - تعادل عمراً من اللذّة الماديّة في هذه الدنيا... إنسان كهذا لا يستطيع أن يعيش مثلنا، لا يستطيع أن يجلس إلى مائدة العشاء مع أنّه ظهراً تناول الأطعمة

 

 

159

 

 


134

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

الدسمة، أنواع اللحوم، والسمن الحيوانيّ والنباتيّ، أنواع الحلويات وأنواع المقبّلات... ولا يستطيع أن يجلس عشاءً ويتناول أيضاً مقداراً من الحساء لتحريك اشتهائه للطعام. الشخص الذي يفعل ذلك لا يستطيع أن يستيقظ عند منتصف الليل، وإذا استيقظ فلا يمكنه أن يلتذّ بالمناجاة؛ لذلك فإنّ الأشخاص الذين كانوا أهلاً لهذه التوفيقات - وقد رأيناهم - لم يكونوا يأبهون لهذه اللذائذ الماديّة التي تعلّقنا بها. ولا مانع من أن أذكر بالخير هنا والدي المعظّم، من أوّل وعيي كنت أرى هذا الرجل الشريف لا يسمح أبداً أن يتجاوز وقت نومه ثلاث ساعات بعد الغروب - كان ينام في هذا الوقت باستمرار، يتناول طعام العشاء أوّل الليل، وبعد ثلاث ساعات بدءاً من أذان المغرب - ينام، ويستيقظ قبل طلوع الفجر بساعتين على الأقلّ، والمقدار الذي كان يقرأه من القرآن هو جزء على الأقلّ، وبأيّ فراغ بال واطمئنان خاطر، كان يؤدّي صلاة الليل. الآن، مضى من عمره حوالى مئة سنة وما رأيت أبداً أنّه رأى مناماً مزعجاً. هذه الأمور تحيي القلب، والإنسان الذي يريد أن يستفيد من مثل هذه اللذّة لا بدّ وأن يخفّف من اللذائذ الماديّة ليصل إلى تلك اللذّة الأعمق»[1] نعم، إنّ أباً كهذا يقدّم للمجتمع ابناً كهذا.

 

الشهيد مطهّري

إحدى خصوصيّات الشهيد مطهّري -رضوان الله عليه- اهتمامه الكبير بالتهجّد وقيام الليل، وقد كان منذ فترة دراسته إلى آخر عمره المبارك ملتزماً بذلك.

يقول الشيخ المنتظري بهذا الصدد: «من خصائص المرحوم التزامه وحبّه المفرط للذكر، والدعاء، وقيام الليل. أذكر أنّه في أوائل تعارفنا، كان ملتزماً بصلاة الليل، وكان يحثّني عليها، وكنت أتملّص من ذلك بحجّة أنّ ماء حوض المدرسة مالح وغير نظيف ومضرّ لعينيَّ، إلى أن رأيت ذات ليلة في النوم أنّي نائم وشخص يوقظني قائلاً: «أنا عثمان بن حنيف ممثّل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) يأمرك الإمام أن تنهض وتصلّي صلاة

 

 


[1]  احياء تفكر إسلامي، ص93-95. ومن الجدير بالذكر أنّ الشهيد مطهري كتب هذا في حياة والده الذي توفّي قبل شهادة الأستاذ الشهيد بعدّة سنوات.

 

 

160


135

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

الليل وهذه الرسالة أرسلها (عليه السلام) إليك». كان مكتوباً في تلك الرسالة التي كان حجمها صغيراً بخطّ أخضر «هذه براءةٌ لك من النار». وفي عالم النوم جلست متحيّراً مفكّراً بالفاصل الزمنيّ بين عصر الإمام (عليه السلام) وعصرنا، وأثناء جلوسي في النوم متحيّراً أيقظني الشهيد مطهّري وبيده إناء ماء قائلاً: «أحضرت هذا الماء من النهر، قم وصلِّ صلاة الليل ولا تبحث عن عذر»[1].

 

يقول حجّة الإسلام السيّد عليّ خامنئيّ رئيس الجمهوريّة(دام ظله)[2]:

«عندما كان الشهيد مطهّري يأتي إلى مشهد كان أحياناً ينزل في بيتنا، الغرفة التي كان ينام فيها يفصلها عن الغرفة التي كنت أنام فيها بابٌ واحد، كان ملتزماً دائماً بقراءة القرآن قبل النوم، وقد سمعت صوته أثناء التهجّد وصلاة الليل كان يبكي، طبعاً كثيرون هم الذين يصلّون صلاة الليل، أما مصلّو صلاة الليل بتلك الحالة من البكاء فهم قلّة، فيما بعد سمعنا من أصدقائه القدامى مثل الشيخ المنتظري وغيره أنّه كان منذ أيّام دراسته يصلّي صلاة الليل ومن أهل التهجّد.

يقول ابن الأستاذ الشهيد مطهري (رحمه الله) في معرض الحديث عن ليلة استشهاده:

«في تلك الليلة التي سمعنا فيها بنبأ اغتياله، بقينا مستيقظين حتّى الصباح، والساعة الثانية والنصف رنّ جرس الساعة التي كانت توقظه كلّ ليلة - على العادة - لصلاة الليل، إلّا أنّه لم يعد على قيد الحياة. كان قد صلّى صلاة ليله مضمّخاً بدمه الطاهر قبل الموعد المقرّر في ظلمة الشارع».

يقول أحد الفضلاء والمحقّقين المعاصرين -على ما نقل عنه-:

«وفي علاقته بإلهه كان عارفاً من أهل الذكر والسلوك والعبادة. لقد قال مراراً: «أحبّ أن أذهب إلى قمّ، وأشتغل بالرياضة، والعبادة، والعرفان». كانت هذه أمنيَّته، لم

 

 


[1]  يادنامه أستاذ شهيد مطهري، الكتاب الأوّل، ص173.

[2]  وليّ أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلاميّة الآن دام ظلّه العالي.

 

 

161


136

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

يترك أبداً طيلة عمره قراءة القرآن قبل النوم، وصلاة الليل، وهكذا... وأثر تلألؤات هذه العبادة وقربه الخاصّ من إمام الأمّة كان يرى الحقائق بعين القلب».

كذلك يقول أحد أصدقاء الأستاذ:

«قيام الليالي المظلمة، والبكاء، والمناجاة في خلوات السحر، والتوغّل في الذكر والفكر، والممارسة في قراءة القرآن ومجانبة أهل الدنيا، وعبّاد الهوى والالتحاق بأهل الله وأولياء الله، كلّ ذلك كان مشهوداً في سيره وسلوكه»[1].

أيضاً يقول أحد الكتّاب المعاصرين:

«مطهّري المتهجّد والمستغفر بالأسحار، كان يُؤنس هذا العالم بكلّ وجوده، وكان متنعّماً به. في إحدى خطبه سمعته يقرأ هذين البيتين -وذلك يدلّ على اهتمامه بهذه المراحل-:

«أخشى أن أذهب ولم أرَ عالم الروح، أخشى أن أذهب من العالم ولم أرَ العالم، فأكون في عالم الروح عندما أذهب إليه من عالم الجسد، لم أر عالم الروح وأنا في عالم الجسد».

هذا الرجل كان يعدّ نفسه -ومنذ سنوات طوال- لهذا السفر وقد أمضى عمراً ينقل الخطى على هذا الطريق متزوّداً زاد التهجّد، ممتطياً صهوة قيام الليل، مسترشداً بدليل فيض السحر، ويقيناً أنّه وصل إلى مقاصد كثيرة. هذه مؤلّفاته الوافرة وخدماته الجليلة علامة فوزه وتوفيقه، وكذلك حصوله على سعادة الشهادة»[2].

 

تهجّد الإمام

يقول أحد المقرّبين من الإمام:

«منذ خمسين سنة لم يترك الإمام الخمينيّ صلاة الليل: في حال الصّحة والمرض، في السجن وفي الأحوال الاعتياديّة وأثناء النفي، وحتّى على سرير المرض كان يصلّي صلاة

 

 


[1]  لبّ اللباب، ص19-20 المقدّمة.

[2]  حوزة، العدد 3، ص31 - 32، مقالة «الآفاق الفكريّة لخارج الحوزة» (فارسي).

 

162


137

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

الليل. مرض الإمام في قمّ، وبناءً على أمر الأطباء كان ينبغي أن ينتقل إلى طهران، كان الجوّ بارداً وكان الثلج والمطر يتساقطان، وكان الجليد يغطّي الشوارع، بقي الإمام عدّة ساعات في سيارة الإسعاف، وبعد الانتقال إلى مستشفى القلب صلّى أيضاً صلاة الليل.

 

في الليلة التي كان قادماً فيها من باريس إلى طهران كان الجميع في الطائرة نياماً، فقط الإمام كان في الطبقة العليا من الطائرة يصلّي صلاة الليل، وإذا كنت قد رأيت الإمام عن قرب فإنّ آثار الدموع على خدّيه المباركين تدلّ على قيام الليل وبكاء ظلام الليل. ينقل بعض أفراد الحرس في قمّ، أحياناً كان الإمام عندما يستيقظ لصلاة الليل يتفقّدهم»[1].

 

جاء في إحدى المطبوعات عن ابن الإمام الخمينيّ قوله:

1 - «في الليلة التي كنّا متّجهين فيها من باريس إلى إيران، في الطائرة قام الإمام لأداء صلاة الليل، وكان يبكي بحيث إنّ مضيفي الخطوط الفرنسيّة، تعجّبوا وسمعت أنّهم سألوا: هل هناك ما يؤذي الإمام؟ قلت: إنّها عادة الإمام في كلّ ليلة.

2 - عندما اعتُقل الإمام، ونُقل من قمّ إلى السجن في زمن الطاغوت، صلّى صلاة الليل بحالة بحيث قال لي في ما بعد أحد من كانوا مع الإمام - الظاهر أنّه العقيد العصار - لقد تأثّرنا كثيراً بصلاة الإمام وظلّ أحدنا إلى طهران يبكي.

3 - عندما كنّا نسير من النجف باتّجاه الكويت، انطلقنا صباحاً الساعة الرابعة وربّما قبل ذلك، انطلقنا بعد أذان الصبح، وبعد كلّ المصاعب والمشاكل التي واجهناها وحوالى الساعة الثانية عشرة نام الإمام في فندق البصرة، ولم ينم ساعتين حتّى رنّ جرس ساعته واستيقظ وصلّى صلاة الليل وبعدها صلاة الصبح».

 

 


[1]  فرازهائي از ابعاد امام، ص20.

 

163


138

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

آية الله الملكي التبريزيّ

يقول أحد المقرّبين منه (رحمه الله):

«عندما كان يستيقظ للتهجّد وصلاة الليل، كان في البداية يبقى في فراشه مدّة، ويرتفع صوته فيها بالبكاء، ثمّ يخرج من الغرفة إلى ساحة الدار، فينظر إلى السماء، ويقرأ آيات ﴿إِنَّ فِي خَلقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ﴾ من آخر سورة آل عمران، ثمّ يضع رأسه على الحائط ويبكي لفترة، وبعد التطهير يجلس مدّة بجانب الحوض قبل الوضوء ويبكي، وباختصار منذ استيقاظه وحتّى المجيء إلى مصلّاه والبدء بصلاة الليل كان يجلس في عدّة أماكن ويقوم ويبكي وعندما يصل إلى مصلّاه فلا يمكن بعد ذلك وصف حاله».

 

المحدّث القمّيّ (رحمه الله)

جاء في ترجمة هذا المحدّث الجليل:

كان في كلّ أيّام السنة في الفصول الأربعة يستيقظ قبل طلوع الفجر بساعة على الأقلّ، ويشتغل بالصلاة والتهجّد. كان يهتمّ كثيراً بعبادة آخر الليل وقبل بزوغ الفجر، وكان يعتقد أنّ أفضل المستحبّات العبادة والتهجّد، يقول ابنه الكبير: «في حدود ما أتذكّر، لم يفته قيام آخر الليل حتّى في الأسفار. كان ملتزماً بذلك».

يقول المحدّث القمّيّ حول أستاذه الميرزا الشيخ حسين النوريّ؛ صاحب المستدرك:

«كان شديد الاجتهاد في الزهد والعبادة. لم تفته صلاة الليل، كان في كلّ ليلة متضرّعاً مناجياً»[1].

 

 

العلّامة المجلسيّ الأوّل

يقول حفيد الوحيد البهبهانيّ في كتاب «مرآة الأحوال»: «سمعت من بعض الثقات أنّ المولى المجلسيّ الأوّل قال: «في ليلةٍ من الليالي، وبعد الصلاة والتهجّد والبكاء والتضرّع بين يدي الله تعالى، وجدت نفسي بحالةٍ علمت معها أنّ أيّ شيء أطلبه من الله -عزَّ وجلَّ- فهو مقرون بالإجابة طبعاً، وسيمنّ الله عليّ بتحقيقه. وفيما كنت أفكّر ماذا

 

 


[1]  حاج شيخ عباس قمي مرد تقوا وفضيلت، ص61-69.

 

164


139

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

أطلب من الله طلباً دنيوياًّ أم أخرويّاً، فجأة ارتفع صوت محمّد باقر بالبكاء في مهده، فقلت: إلهي بحقّ محمّد وآل محمّد (صلى الله عليه وآله) اجعل هذا الطفل مروّج الدين وناشر أحكام سيّد المرسلين ووفّقه التوفيقات التي لا تحدّ». ثمّ يقول حفيد الوحيد: ومن المسلّم أنّ خوارق العادات التي ظهرت من ذلك العظيم ليست إلّا بسبب دعاء هذا العظيم»[1].

 

الشيخ محمّد الأشرفي

كان(رحمه الله) من تلامذة سعيد العلماء، وكان يشتغل من منتصف الليل حتّى الصباح بالتضرّع ومناجاة الله -جلّ وعلا- ويلطم على صدره ورأسه. وعندما يطلع الصباح يكون في غاية الضعف، بحيث أنّ من لا يعرفه كان يتصوّر إذا رآه، أنّه غادر فراش المرض الآن[2]. نعم، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «قد براهم الخوف بَرْي القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض»[3].

 

حجّة الإسلام الشفتي

هذا السيّد الجليل كان يراقب الله تعالى دائماً، ولم يكن يمنعه شيء عن حالة الحضور والمراقبة. ومن كثرة البكاء أثناء التهجّد جرحت زوايا عينيه.

يقول أحد المقرّبين من هذا العظيم:

«ذهبت معه إلى إحدى القرى وبتنا الليل، في الطريق قال لي السيّد: ألا تنام؟ وذهبت لأنام. عندما ظنّ السيّد أنّي نمت، نهض وبدأ بالصلاة، أقسم بالله أنّي رأيت مفاصل كتفه وأعصابه ترتجف بحيث إنّه كان يكرّر ألفاظ الصلاة لشدّة حركة الفكين، حتّى يؤديها بشكلٍ صحيح. يبدو أنّ مفاصل كتفه كانت ترتجف لشدّة حضوره القلبيّ بين يدي الله، وكان بمجرّد أن يخلو المجلس تجري دموعه، كان انهمار دموعه مقارناً لخروج آخر شخص من مجلسه».

 

 


[1]  وحيد بهبهاني، ص100.

[2]  قصص العلماء، ص123.

[3]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص304، خطبة همام، ص193.

 

 

165


140

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

يقول المحدّث القمّيّ:

«نقلت عن سماحته حكايات كثيرة في العبادات والدعاء ومناجاة قاضي الحاجات»[1].

يقول المرحوم التنكابنيّ:

«كان دأبه البكاء والتضرّع والدعاء من منتصف الليل حتّى الصباح، كان يتجوّل في دار مكتبته كالمجانين وهو يدعو ويناجي ويلطم على رأسه وصدره حتّى الصباح. وكان صوت بكائه عالياً بحيث إذا استيقظ جيرانه سمعوه، وفي النتيجة ولكثرة بكائه، ابتلي ببعض الأمراض في أواخر عمره وكان الأطباء يمنعونه من البكاء. وعندما كان يذهب إلى المسجد لم يكن أحد من القرّاء يرتقي المنبر في حضوره».

ويقول المرحوم التنكابنيّ حول ابن المرحوم الشفتي السيّد أسد الله الذي كان من معاصريه:

«يشتغل في كلّ ليلة من منتصف الليل وحتّى الصباح في مكان خالٍ بالدعاء والمناجاة والبكاء، ولم يكن له نظير في البكاء من خوف الله»[2].

آية الله الشيخ جعفر كاشف الغطاء:

جاء في ترجمة هذا المحقّق: كان الشيخ، في العبادة وصفاء الباطن وحالة التضرّع والبكاء بين يدي الله تعالى والتهجّد وقيام الليل والدعاء والمناجاة، أحد أوتاد الدهر، وكان يبذل جهده مهما استطاع حتّى لا يفوته عمل مستحبّ[3].

يقول شهيد المحراب الشيخ محمّد تقيّ البرغانيّ القزوينيّ:

«جاء المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء يوماً إلى قزوين، ونزل في بيت أحد الأعاظم.كانت في ذلك البيت حديقة، وحان وقت النوم، ونام الجميع، ونمت في زاويةٍ من الحديقة. وعندما مضى هزيع من الليل، سمعت الشيخ يناديني قائلاً: «قم صلِّ صلاة الليل»، فقلت: «نعم أقوم»، فمضى الشيخ ونمت مجدّداً، وفجأة سمعت صوتاً،

 

 


[1]  وحيد بهبهاني، ص222.

[2]  قصص العلماء، ص 123 - 137.

[3]  وحيد بهبهاني، ص195.

 

166


141

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

قمت بحثت عن مصدر الصوت. عندما اقتربت، وجدت الشيخ يتضرّع ويناجي ويبكي. وقد ترك صوته أثراً في نفسي بحيث إنِّي منذ تلك الليلة وحتّى الآن وبعد مضيّ خمس وعشرين سنة أستيقظ كلّ ليلة وأصلّي صلاة الليل»[1].

جاء في الفوائد الرضويّة:

«رأيت في بعض المؤلّفات أنّ الشيخ زار «رشت» في إحدى السنين، وحيث إنّ أئمّة الجماعة فيها لم يكونوا يصلّون النوافل، فقد رفع ذلك إلى الشيخ فقال: «لا تقتدوا خلف من لا يصلّي النوافل». وعندما سمع أئمّة الجماعة ذلك التزموا بالنوافل»[2].

يقول الشيخ حسن ابن الشيخ كاشف الغطاء:

«كانت عادة والدي الاستيقاظ كلّ ليلة وقت السحر، وكان يأتي إلى أبواب الغرف ويوقظ العيال والأطفال جميعاً لصلاة الليل قائلاً: «قوموا صلّوا صلاة الليل». وكان الجميع يستيقظون، وكنت أنا آنذاك صغيراً، وكان النوم يغلبني، وعندما كان الشيخ يصل إلى باب غرفتي ويناديني: «قم»، كنت أقول وأنا ممدّد: «ولا الضالّين» أو «الله أكبر» أي إنِّي أصلّي»[3].

آية الله النجفيّ القوﭼـانيّ

يقول (رحمه الله) عن أيّام دراسته في أصفهان: «في هذه الغرفة الجديدة، التي كانت متّصلةً بغيرها من الغرف، فتحنا في وسط المشكاة ثقباً ومددنا منه حبلاً، كان أحد طرفيه في غرفة صديقي، وطرفه الآخر في غرفتي. كان صديقي وقت النوم يربط ذلك الطرف بيده، وأربط أنا هذا الطرف بيدي، حتّى إذا ما استيقظ أحدنا سحراً لصلاة الليل، يستيقظ الآخر بوساطة هذا الحبل بدون أيّ صوت حذراً من أن يستيقظ طالب آخر على صوتنا ولا يكون راضياً بذلك»[4].

 

 


[1]  قصص العلماء، ص193.

[2]  الفوائد الرضوية، ص73. وقصص العلماء، ص189-190.

[3]  قصص العلماء، ص185.

[4]  سياحة في الشرق، ص198-199.

 

 

167


142

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

أستاذ آية الله العظمى البروجرديّ

يقال إنّ المرحوم آية الله السيّد «محمّد باقر الدرﭼـه إي» -أستاذ آية الله البروجرديّ والميرزا النائينيّ وآية الله النجفيّ القوﭼـانيّ- كان يقرأ دعاء أبي حمزة الثماليّ في قنوت صلاة الليل واقفاً.

 

تعطيل الدرس

يقول المرحوم المولى زين العابدين السلماسي الذي كان من خواصّ السيّد بحر العلوم والملازمين له: «كان السيّد بحر العلوم يتجوّل كلّ ليلة في أزقّة النجف ويحمل الطعام للفقراء. ومرّة عطّل الدرس عدّة أيّام، فكلّفني الطلّاب أن استوضحه السبب، وعندما سألته عن ذلك، قال: «لا أدرّس». وبعد عدّة أيّام، سألته مجدّداً عن سبب تعطيل الدرس قال: «لم أسمع أبداً هؤلاء الطلّاب يناجون الله عزَّ وجلَّ في منتصف الليل ويتضرّعون ويبكون، مع أنّي أتجوّل في الليالي في الأزقّة ومثل هؤلاء الطلّاب لا يستحقّون أن أدرّسهم». وعندما اطّلع الطلّاب على ما قاله (رحمه الله) انصرفوا إلى صلاة الليل والتضرّع والبكاء (...) واستأنف السيّد درسه»[1].

 

الشهيد قدّوسي (رحمه الله)

«كان يهتمّ كثيراً حتّى بالمستحبّات والمكروهات. كان يعتبر صلاة الليل ضرورةً للروحانيّ. ذات ليلة، وباضطراب خاصّ، قال -في مسجد كوهرشاد-: «لقد كان صعباً عليّ جدّاً، لم أكن أتوقّع ذلك أبداً حينما سمعت أنّ أحد أساتذة المدرسة «الحقّانيّة»[2] لا يصلّي صلاة الليل. فاتحته بالأمر فتبيّن أنّه لا يراعي تناول الطعام بكميّة قليلة ليلاً».

مرّة أخرى قال: «عندما كنّا في نهاوند، كنّا نذهب بشكلٍ عائليّ مرّةً واحدةً سنويًّا إلى بيت أحد المعارف تلبيةً لدعوته. وبعد تكرار ذلك عدّة مرات، لاحظت أنّي في تلك

 


[1]  قصص العلماء، ص173-174.

[2]  مدرسة في قم كان يديرها الشهيد قدّوسي وكانت مركزاً للطلبة المجاهدين في خط الإمام، وقد تقدّمت الإشارة إليها.

 

168


143

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

الليلة التي أحضر فيها تلك المائدة لا أستيقظ لصلاة الصبح إلّا في آخر الوقت [ولا أوفّق لصلاة الليل] فانتبهت إلى أنَّ في أموال ذلك الشخص إشكالاً.

كان للتهجّد وصلاة الليل والأدعية المختلفة والمأثورة موقع خاصّ عنده، كلّ مجلس كان يحضره الشهيد قدّوسي يجري فيه الحديث حول صلاة الليل وأهميّتها.كان يرى أنّ الطالب الذي لا يستطيع أن يترك النوم والفراش الدافئ من أجل صلاة الليل، ففي المستقبل لن يتنازل عن أمور كثيرة.كان يعتبر الرياء آفةُ الإخلاص، وكان في الوقت نفسِهِ يقول: «أحياناً -وبحربة الرياء هذه- تجعل الشيطان يسيطر عليك، وبحجّة أنّك قد تقع في الرياء يحول بينك وبين صلاة الليل ويسلبك المناجاة والدعاء».

عصر يوم عرفة - ورغم اهتمامه الكبير بالدراسة - كان يعطّل الدروس؛ ليقرأ الطلّاب دعاء عرفة. كان يهيِّئ للطلّاب لوازم الذهاب بشكلٍ جماعيّ إلى جمكران؛ لينصرفوا هناك للدعاء والصلاة. المفضّلون في المدرسة كانوا هم الأكثر تهجّداً لا الأكثر تحصيلاً (فقط). عندما قال البعض: لو أنّنا نطالع بدلاً من صلاة الليل لكان أفضل، قال: ولكن آية الله العظمى الخمينيّ كان يقول: صلاة الليل لا تستغرق وقتاً طويلاً، وهكذا كان يوضّح ضرورة التعبّد إلى جانب العلم. كان يقول: الطالب الذي يكون مستيقظاً وقت صلاة الليل ولا يصلّيها سيصبح من الأشرار»[1].

هذا الرجل الكبير والمربّي النموذجيّ لم يترك صلاة الليل، وكان كلّما استيقظ ليلاً يجدّد وضوءه ثمّ ينام؛ لأنّه كان يرى نفسه في محضر الله.

هنيئاً لهذه النجوم الساطعة في الليالي المظلمة، الذين هم مصداق قوله تعالى:

﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيلِ مَا يَهجَعُونَ ١٧ وَبِٱلأَسحَارِ هُم يَستَغفِرُونَ﴾[2].

 

 


[1]  يادنامه شهيد آية الله قدوسي، ص129 - 130.

[2]  سورة الذاريات، الآيتان 17 - 18.

 

169


144

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) حول مثل هؤلاء: «طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتّى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسّدت كفّها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربّهم شفاههم، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم، أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون»[1].

 

يقول أحد الكتّاب المعاصرين:

«أخي الروحانيّ، إذا كنت تريد خدمة نفسك والمجتمع وحفظ ماء وجه الإسلام والشيعة، يجب أن تكون هكذا وتتّصف بهذه الصفات. وإذا كنت لا تريد - أو لا تستطيع - أن تعيش كما عاش هؤلاء العظماء وتختار هذا الأسلوب، فإنّ طريق السوق مفتوح، وسوق الكسب قائم على قدم وساق».

 

 


[1]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص42، الرسالة رقم 45 «رسالته إلى ابن حنيف».

 

170


145

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

توجيهات عمليّة

إلى المبتعدين عن الكسل والترف، الباحثين عن أسباب السعادة، نُقَدِّمُ فيما يلي نماذج من تعليمات أعاظم عالم العرفان والسير والسلوك، وهي نافعةٌ جدًّا في بناء النفس وتهذيبها والحصول على السعادة الخالدة.

السجدة الطويلة

يقول آية الله الملكي التبريزيّ (رحمه الله):

«كان لي شيخٌ جليلٌ عارف كامل(قدس سره) (المراد آية الله الشيخ حسينقلي الهمدانيّ) ما رأيت له نظيراً (...) سألته عن عملٍ مجرّب يؤثّر في إصلاح القلب وجلب المعارف، فقال(قدس سره): ما رأيت عملاً مؤثّراً في ذلك مثل المداومة على سجدة طويلة في كلّ يوم وليلة واحدة، يقال فيها: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ يقوله وهو يرى نفسه مسجونةً في سجن الطبيعة، ومقيّدةً بقيود الأخلاق الرذيلة، مقرّاً بأنّك يا إلهي لم تفعل ذلك بي ولم تظلمني و(إنّما) أنا الذي ظلمت نفسي وأوقعتها في هذه الهوّة، و[بالإضافة إلى ذلك] قراءة سورة القدر في ليلة الجمعة وفي عصرها مئة مرة».

ويضيف المرحوم التبريزيّ:

«وكان أصحابه عاملين بذلك كلّ منهم على حسب مجاهدته، وسمع عن بعضهم أنّه كان يقوله ثلاثة آلاف مرة، وبالجملة هذه السجدة وبركاتها معروفة عند العاملين بها ولكن بشرط المداومة»[1].

 

 


[1]  أسرار الصلاة، ص270-271 والمراقبات، ص123.

 

171


146

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

مع السيّد بحر العلوم

جاء في رسالة السير والسلوك للسيّد بحر العلوم:

«والأوراد في أوقات الذكر كثيرة، وما أذكره أنا بطريقي يكفي الطالب، وأفضل أوقاته السحر وبعد فريضتي الصبح، والعشاء، وفي كلّ أوقات الذكر، ورد كلمة النفي والإثبات المركّب والبسيط والاسم المحيط، ويا نور يا قدوس كلّاً ألف مرة بعد الفريضتين، وكذلك ورد محمّد رسول (الله)، ويا عليّ بحرف النداء وبدونه، وورد ألف مرة التوحيد في الليالي نفيس»[1].

آية الله الشيخ حسينقلي الهمدانيّ

جاء في إحدى رسائل هذا العارف الكبير:

«والخلاصة أنّه بعد السعي في المراقبة، فمن الطبيعيّ أن لا يخسر طالب القرب الاستيقاظ وقيام السحر على أن يكون على الأقلّ ساعة أو ساعتين قبل طلوع الفجر إلى مطلع الشمس ويصلّي صلاة الليل بآدابها وحضور القلب.

وإذا اتَّسع وقته فليشتغل بالذكر أو الفكر أو المناجاة... إلّا أنّه يجب أن ينصرف في قدر معين من الليل، إلى الذكر بحضور (قلب) وأن لا يخلو في جميع حالاته من الحزن، وإذا لم يتسنَّ له ذلك فليحصّله بأسبابه، وبعد الفراغ يسبّح تسبيح سيّدة النساء (عليها السلام) ويقرأ التوحيد اثنتي عشرة مرّة، ويقول عشراً لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك[2] الخ، ومئة مرة لا إله إلّا الله، ويستغفر سبعين مّرة، ويتلو مقداراً من القرآن الشريف، ويقرأ طبعاً دعاء الصباح المعروف يعني «يا من دلع لسان» إلى آخره، ويكون دائماً على وضوء، وإذا صلّى بعد كلّ وضوء ركعتين فهو جيّد جدًّا... ولينتبه أن لا

 

 


[1]  رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى السيّد بحر العلوم، ص190 والمراد بكلمة ألف إلى قوله المحيط «لا إله إلّا الله» قولها ألفاً ويا نور يا قدوس ألفاً ومحمّد رسول الله ويا علي لم يحدّد عددهما ولكنّ شارح الكتاب قال الأوّل يقال 254 والثاني 121 أو 110 لا فرق والتوحيد التي يقال ألفاً المراد بها سورة التوحيد (المعرِّب).

[2]  «... وله الحمد يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو حيّ لا يموت بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير» مفاتيح الجنان، ص22.

 

 

172


147

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

يصل أذاه لأحد بأيّ وجه من الوجوه، وليسْعَ سعياً بليغاً في قضاء حوائج المسلمين، لا سيّما العلماء، ولا سيّما أتقيائهم، وأن يقرأ ليلة الجمعة القدر مئة مرّة وعصر الجمعة مئة[1].

آية الله الشيخ محمّد البهاريّ

في رسالة إلى أحد أصدقائه «الشيخ أحمد التبريزيّ» يقول(رحمه الله):

«...إذن خلاصة الكلام أنّك في أيّ مرتبة كنت، نصف الرمق ذلك الذي ما يزال فيك، ذلك المقدار (من العمل) الذي يمكنك أن تعمله بسهولة إذا لم تتساهل فيه وعملت به فإنّ قوتك - على العمل - تزيد بمقداره بل أكثر؛ لأنّه تعالى قال: «ادنُ منّي شبرًا أدنُ منك ذراعًا». وإذا تساهلت فيه (المقدار القليل من العمل) فإنّ ذلك المقدار، من قوّتك، يصبح في معرض الزوال، مثلًا، إذا نمت الليل إلى الصباح، كنت تريد أن تستيقظ ولم تستيقظ، الآن الوقت أوّل الصباح بمجرّد أن تلتفت قم؛ فإنّ الاستيقاظ وقت الطلوعين في حدّ ذاته فيضٌ مستقلّ وتوفيق من الله جلَّ جلاله. فلا تفوِّت هذه الفرصة بالتساهل، لا تصغ إلى الشيطان وهو يقول: هناك متّسع كبير في الوقت لصلاة الصبح، إنّ هدفه معلوم، وكذلك (إذا) جلست في مجلس، وثرثرت كثيراً، ولغوت كثيراً، فاسودّ قلبك، إلّا أنّك تستطيع أن تغادر المكان قبل نصف ساعة، بأيّ مُسوِّغ يمكنك، إذن لا تخسر هذه النصف ساعة وقم. لا تقل وما الفائدة أنا منذ الصباح منشغل بالتخريب؛ فإنهّ يمكنك بهذا الجزئيّ (النصف ساعة) أن تفعل الكثير إن شاء الله تعالى.

فمن الواجب إذًا على الشيخ أحمد العمل بهذا الترتيب:

أوّلاً: مهما كان عمله يجب أن لا يضيّع أوقاته، فلا يصحّ أن يذهب بعض وقته سدًى، يجب أن يعيّن لكلّ شيءٍ وقتاً، يقسم أوقاته، يجب أن يعيِّن وقتاً للعبادة، لا يقوم في هذا الوقت بأيّ عملٍ غير العبادة، وأن يعيّن وقتاً لكسبه وتحصيل معاشه، ووقتًا للقيام بشؤون

 

 


[1]  تذكرة المتّقين، ص211-213.

 

 

173


148

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

أهله وعياله، ووقتاً للأكل والنوم، ولا يخلط بين أوقات هذه الأمور فيتلف وقته ويضيّعه، مهما أمكن يخصّص أوّل الليل للنوم فلا يسهر عبثاً ليفوته آخر الليل، وليغلب عليه النوم متذكّراً «الله» ولينم على طهارة وليقرأ الأدعية المأثورة خصوصاً تسبيح الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام)، ولا يجنب مع امتلاء البطن، وأن يستيقظ قبل الصبح (الفجر) وبمجرّد أن يستيقظ يسجد سجدة الشكر، وإذا كان لا يستيقظ تلقائيّاً فَلْيُهَيِّئ أسباب إيقاظه، وبعد الاستيقاظ ينظر في أطراف السماوات، ويقرأ متأمّلاً الآيات المباركة التي أوّلها: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ﴾... إلى ... ﴿إِنَّكَ لَا تُخلِفُ ٱلمِيعَادَ﴾[1] وبعدها يتطهّر، ثمّ يتوضّأ ويستعمل السواك ويتعطّر ويجلس في مصلّاه، ويقرأ دعاء «إلهي غارت نجوم سمائك» ثمّ يشرع بصلاة الليل بالترتيب الذي ذكره الفقهاء -رضوان الله تعالى عليهم- مثل الشيخ بهاء الدين (البهائيّ)(رحمه الله) في «مفتاح الفلاح» وغيره، وفي «المصابيح» وغيرها، وليراعِ في إجمال عمله وتفصيله واختصاره مقدار سعة الوقت.

الحاصل: أن يجعل إلى طلوع الشمس وقت العبادة، ولا يشتغل بأيّ شغل غير العبادة، ولا يؤجّل الأعمال الأخرى إلى ذلك الوقت، ويشتغل في تمام هذه الفترة بالأذكار، والأوراد المشروعة، إذا كان لم يصبح بعد من أهل الفكر، وأمّا إذا اتفق مروره في ساحة الفكر فليُعمل فكره في هذه الأوقات، في الشأن الفكريّ، الذي هو منشغل به. إذا رأى أنّ فكره يجري بسهولة فليستمرّ في الفكر عوضاً من الأوراد والتعقيبات[2].

وإذا رأى فكره جامداً، فليترك ذلك، وليأخذ بالذكر، وليلاحظ أيّ الأعمال يؤثّر فيه، فليقدّمه على سائر الأوراد، سواء قراءة القرآن أم المناجاة، أم الذكر، أم الصلاة، والسجدة، وأن يكون، غالباً مهما أمكن، على طهارة ويستغفر بعد صلاة الصبح مئة مرّة، ويقول

 

 


[1]  سورة آل عمران، الآيات 190 - 194.

[2]  الظاهر أنّ المراد بالفكر التفكير في الله تعالى وقدرته وكلّ المعارف الإلهيّة من النبوّة والإمامة والمعاد وتجد ما يوضح ذلك بعض الروايات التي تحثّ على الفكر في رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى السيِّد بحر العلوم 191-192 ومن هذه الروايات ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أفضل العبادة إدمان التفكّر في الله وفي قدرته» (المعرِّب).

 

 

174


149

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

كلمة التوحيد (لا إله إلّا الله) مئة مرّة، ولا يترك سورة التوحيد إحدى عشر مرّة، ومئة مرّة اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم، وأن يقرأ الإستغفارات الخاصّة بعد صلاة العصر مع سورة القدر عشراً وأن لا يترك الصوم قدر الإمكان، خصوصاً ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وهي الخميس الأوّل والآخر، والأربعاء الوسط من كلّ شهر، إذا كان مزاجه مساعداً وإلّا فمراعاة المزاج أولى؛ لأنّ البدن «مركوب» الإنسان (وساطةُ نقله) فإذا تضرّر تعطّل؛ ولذا لا يصحّ أن يحدّ من أهوائه كثيراً حتّى لا يطغى، ولا يطيعها بعد أبداً، «خير الأمور أوسطها» جارية في كلّ الأمور، الإفراط والتفريط في أيّة مرتبة كلاهما ليسا صحيحين، ومن هنا قالوا: «عليكم بالحسنة بين السيّئتين» وفي كلّ وقت من الليل يمكنه، يُستَحْسن أن يسجد سجدة طويلة، بحيث لا يتعب البدن، ويكون ذكره فيها «سبحان ربّي الأعلى وبحمده» ومهما أمكن.

كلّ ما يقرأه ينبغي أن يكون بحضور قلب فلا يكون انتباهه في مكان آخر، وتنبغي المداومة، بحيث يصبح ما يقرأه ملكته وعادته حتّى لا يتركه»[1].

رسالة إلى المرحوم الأصفهانيّ

كتب آية الله التبريزيّ رسالةً إلى الفيلسوف والأصوليّ المشهور الشيخ محمّد حسين الأصفهانّي، نقل فيها تعليمات عن أستاذه المرحوم الهمدانيّ، نذكر هنا مقتطفات منها:

كان المرحوم المغفور له يقول: يجب أن يقلِّلَ الإنسان الطعام والنوم أكثر من المتعارف قليلاً؛ ليُضعِف البعد الحيوانيّ فيه ويُقَوِّيَ البعد الروحيّ، وميزان ذلك كما بيّنه سماحته هو:

أوّلًا: أن لا يتناول الإنسان الطعام في اليوم والليلة إلّا مرتين ويترك حتّى المتفرّقات التي يتناولها بين الطعامين.

ثانياً: عندما يأكُلُ يجب أن يكون ذلك بعد الجوع بساعة مثلاً، ثمّ يأكل بحيث لا

 

 


[1]  تذكرة المتّقين، ص104-110.

 

175


150

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

يشبع تمام الشبع، هذا في كمّ الطعام. وأمّا كيفيَّته، فبالإضافة إلى الآداب المعروفة، أن لا يأكل اللحم كثيراً، بمعنى أن لا يأكله في وجبتي اليوم والليلة معاً (بل يأكُلُ اللحم في إحداهما)، ويتركه في كلّ أسبوع مرتين أو ثلاثاً في الليل، وفي النهار، (أي أن لا يكون اللحم طعامه في أيّ من الوجبتين، بل يأكل فيها شيئاً آخر). ويتركه مرّة إذا استطاع للتكيّف، ويجب أن لا يكون ممّن اعتاد على تناول البزورات (المخلوطة) ولا يترك صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر إذا استطاع.

وأمّا عن تقليل النوم فكان يقول: أن ينام في اليوم والليلة ستّ ساعات، ويهتمّ طبعاً بحفظ اللسان واجتناب أهل الغفلة كثيراً...

هذه (الأمور) تكفي في إضعاف البعد الحيوانيّ.

وأمّا في تقوية البعد الروحانيّ: فأوَّلًا: يجب أن يكون دائماً متّصفاً بالهمّ والحزن القلبيّ لعدم وصوله إلى المطلوب.

ثانيًا: أن لا يترك الذكر والفكر ما استطاع؛ لأنّ هذين هما جناحا السَّيْر إلى سماء المعرفة.

في الذكر: كان عمدة ما يوصي به، أذكار الصبح، والعشاء؛ أهمّها ما ورد في الأخبار وأهمّ (ذلك) تعقيبات الصلوات، والأكثر أهمِّيّة (من هذه العمدة): ذكر وقت النوم المأثور في الأخبار، لا سيّما أن يغلب عليه النوم حال الذكر متطهِّرًا.

وحول قيام الليل كان يقول:

في الشتاء ثلاث ساعات، وفي الصيف ساعة ونصف، وكان يقول: لقد لمست آثاراً كثيرة في سجدة الذكر اليونسيّ ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾؛ أي في المداومة على ذلك، بحيث لا تترك في اليوم والليلة. وكلّما كانت أكثر كلّما ازداد تأثيرها، وأقلّ ذلك أربعمئة مرّة. وأنا (العبد) جرّبت ذلك كما ادّعى تجربتها عدّة أشخاص.

وواحدة أيضاً: قراءة القرآن بقصد هديّته إلى خاتم النبوّة صلوات الله عليه وآله[1].

 

 


[1]  حوزة، العدد 4، ص66-68.

 

176


151

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

آية الله السيّد أحمد الكربلائيّ

في رسالة إلى بعض طلّابه، أورد (رحمه الله) تعليمات، نذكر هنا خلاصتها:

1 - كمال الدقّة والتأمّل في الوصيّة أوّل الصبح.

2 - كمال المراقبة في تمام النهار.

3 - المحاسبة عند النوم.

4 - التدارك والسياسة بالمجازاة بالضدّ: عند المخالفة يسوس نفسه فيجازيها على المعصية بحملها على ضدّ ما فعلته، على التفصيل المعهود في كتب الأخلاق.

5 - المواظبة على ساعة الخلوة -عن الأغيار - مع الله -جلَّ جلاله- بالمناجاة، والتضرّع، والتبتُّل، والخضوع، والخشوع إليه. وينبغي أن يجعل ذلك في كلّ ليلة بين صلاة المغرب والعشاء، أو بعد العشاء، فيسجد السجدة المعهودة (سجدة الذكر اليونسيّ: لا إله إلّا أنت سبحانك ...) ويذكر الله بعده بما ساعد عليه التوفيق مع كمال الحضور والإقبال على الله تعالى بكلّيَّته (بكلّ وجوده) والإعراض عمّا سواه بأسرهم، كأنّه لا موجود سواه (جلَّ جلاله).

6 - عندما يتعب من الذكر ينصرف إلى التفكّر، من أنا؟ وأين أنا؟ من أين جئت؟ وأين أذهب؟ ويتعمّق في التفكير في نفسه ليجدها وكأنّه لا أحد في عالم الوجود، ويسأل الله -جلَّ وعلا- قائلاً: إلهي عرّفني نفسي، فليست هناك فضيحة وشناعة تفوق عدم معرفة الشخص نفسه.

7 - المواظبة التامّة على التهجّد وقيام السحر والاشتغال بنافلة الليل، مع كمال حضور (القلب) والإقبال، والاشتغال بالتعقيب، وقراءة القرآن إلى طلوع الشمس.

8 - عدم ترك الاستغفار سبعين أو مئة مرّة صباحاً ومساءً.

9 - عدم ترك التهليل مئة مرّة «لا إله إلّا الله» كذلك صباحاً ومساءً.

10 - الأذكار المعهودة: «سبحان الله العظيم وبحمده»، «أستغفر الله» عشر مرّات صباحاً ومساءً على الأقلّ.

 

177

 

 


152

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

11 - وكذلك «لا إله إلا الله وحده لا شريك له..» و«ربّ أعوذ بك..» و«أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له..» والاستغفارات المنقولة عن السيّد ابن طاووس -رضوان الله عليه- و«اللّهم أنت ربّي لا شريك لك أصبحنا وأصبح الملك للّه»، أو «أمسينا وأمسى الملك للَّه»، والصلوات الكبيرة: «اللّهمَّ صلِّ على المصطفى محمّد والمرتضى عليّ (عليه السلام)...».

12 - المواظبة على سورة القدرة مئة مرّة كلّ ليلة جمعة وعصر جمعة.

13 - وأهمّ من كلّ الأمور المذكورة، الاعتقاد بأنّ الله حاضر وناظر في تمام الأوقات ليلاً ونهاراً نوماً ويقظةً في جميع الأحوال وفي جميع الحركات والسكنات، بحيث إذا أمكن لا يغفل آناً وطرفة عين عن حضوره -جلّ سلطانه- وأن لا تنس هذا المسودّ الوجه في جميع الأحوال.

14 - رعاية المواظبة التامّة على دوام التوجّه، والتوسّل بالإمام الحجّة |، فهو وساطةُ فيض الزمان، وعدم ترك دعاء الغيبة و«اللّهمَّ عرّفني نفسك..» بعد كلّ صلاة، وسورة التوحيد هديّة له (عليه السلام) ودعاء الفرج «إلهي عظم البلاء..».

15 - المواظبة على الطهارة مهما أمكن والنوم على طهارة وتسبيح الزهراء (عليها السلام) عند النوم وبعد كلّ صلاة واجبة.

16 - قراءة آية الكرسيّ، والمواظبة على سجدة الشكر بعد الاستيقاظ من النوم وقراءة الآيات المعهودة ﴿إِنَّ فِي خَلقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ﴾[1] بعد الاستيقاظ لنافلة الليل مع كمال التوجّه للمعنى والتفكّر فيه والنظر في السماء والكواكب والآفاق، وقراءة دعاء الصحيفة السجّاديّة (دعاء 32) بعد صلاة الليل، وعدم ترك ذلك[2].

 

 


[1]  سورة آل عمران، الآية 190.

[2]  تذكرة المتَّقين، ص182-186.

 

178


153

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

مع آية الله الهمدانيّ مجدّداً

كتب في إحدى الرسائل:

«طبعاً لا تتساهل في اجتناب المعصية وإذا - لا سمح الله - عصيت، فتب بسرعة، وصلِّ ركعتين، واستغفر الله سبعين مرّة، بعد الصلاة، واسجد، واطلب في سجودك العفو، من الله، فالمرجوّ أن يعفو.

وقد ذكرت المعاصي الكبيرة في بعض الرسائل العمليّة فتعلّمها واتركها. وحذار من أن تحوم حول الغيبة والكذب والأذيّة (أذيّة المؤمنين)، استيقظ قبل الصبح - الفجر - بساعة على الأقلّ، واسجد، وما ذكر في «منهاج النجاة» للمرحوم ملّا محسن فيض -الفيض الكاشانيّ رضوان الله جلَّ جلاله عليه- كافٍ وشافٍ لعمل الليل والنهار، فاعمل بذلك الترتيب، واسْعَ أن لا يكون عملك وذكرك بمحض اللسان، وأن يكون بحضور القلب؛ لأنّ العمل بدون حضور القلب لا يُصلح القلب، حتّى وإن كان له ثواب قليل.

طبعاً طبعاً... فرَّ من الطعام الحرام، لا تأكل إلّا الحلال، كل القليل من الطعام، ولا تأكل كثيراً يعني لا تأكل أكثر من حاجة بنيتك، لا كثيراً بحيث يثقلك ويقعدك عن العمل، ولا قليلاً بحيث يتسبّب بضعفك ويقعدك بسبب الضعف عن العبادة، ومهما استطعت فصم، بشرط أن لا تملأ في الليل - معدتك - بدل النهار.

الحاصل، الطعام بقدر حاجة البدن ممدوح، وكثرته وقلَّته كِلْتاهما مذمومتان. وابدأ بالصلاة بقلبٍ طاهرٍ من الحقد، والحسد، والغلّ، وغشّ المسلمين. ويجب أن تكون سجّادتك ومكان صلاتك مباحين - ورغم أن تنجٌّسَ مكانٍ غير محلّ الجبهة بنجاسةٍ غير مسرية لا يبطل الصلاة- إلّا أنّ عدمه أفضل. وينبغي الوقوف في الصلاة كما يقف العبد بين يدي مولاه الجليل بعنق مُلْتوية وقلب خاضع وخاشع. وبعد صلاة الصبح، أستغفر الله سبعين مرّة وقل كلمة التوحيد الطيّبة «لا إله إلّا الله» مئة مرّة، واقرأ دعاء الصباح المشهور، ولا تترك تسبيح سيّدة النساء بعد الفريضة. واقرأ كلّ يوم ما أمكنك وعلى الأقلّ جزءاً من القرآن باحترام، ووضوء، وخضوع، وخشوع، ولا تتكلّم أثناء القراءة إلّا

 

 

179

 


154

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

لضرورة - واقرأ عند النوم الشهادة، وآية الكرسيّ، والفاتحة مرّة، والتوحيد أربعًا، والقدر خمس عشرة مرَّةً، وآية شهد الله، والاستغفار مناسبان.

إذا استطعت أحياناً فاقرأ سورة التوحيد المباركة مئة مرّة، فذلك جيّد جدًّا.

ولا تغفل عن ذكر الموت، وضع يدك على خدّك الأيمن ونم وأنت تذكر الله (نومة الميت في القبر) ولا تغفل عن الوصيّة، وكرّر ما استطعت الذكر المبارك ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ إفعل ذلك كثيراً في أيّ وقت.

وفي ليلة الجمعة وعصرها في كلّ منهما اقرأ سورة القدر المباركة مئة مرّة، ولا تترك دعاء كميل في كلّ ليلة جمعة، وكذلك المناجاة الخمسَ عشرةَ، ما رأيت حالك منسجماً معها، سيّما مناجاة الشاكين، والتائبين، والمفتقرين، والمريدين، والمتوسّلين، والمعتصمين. إقرأها كثيرًا وكذلك أدعية الصحيفة الكاملة وكلّ ما فيها - (الصحيفة) في موقعه المناسب جيّد جدًّا، وفي وقت العصر استغفر الله سبعين مرّة وقل مرّة: «سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده» واقرأ الاستغفارات الخاصّة ولا تنسَ السجدة الطويلة، وتطويل القنوت جيّد جدًّا. وكلّ هذه، مع ترك المعاصي، جيّدة جدًّا»[1].

إلى المستغفرين بالأسحار

يقول المرحوم آية الله الملكي:

ثمّ إنّ من الأعمال المؤثّرة في إثارة الرقّة، والخشية، والبكاء، أن يغلّ يده إلى عنقه، وأن يلبس المسرح، وأن يحثو التراب على رأسه، ويخرّ على التراب، ويمرّغ وجهه به، وأن يمشي، ويقف، ويضع رأسه على الجدران، ويصيح، ويسكت، ويتمرّغ في التراب، ويفترض نفسه في المحشر، ثمّ يعاتب نفسه لما ورد من عتاب أهل الجرائم، ثمّ ينظر نظرة عن يمينه، ويتفكّر في أحوال أصحاب اليمين، وصورهم، ولباسهم، وزيّهم،

 

 


[1]  تذكرة المتّقين، ص234-237.

 

180


155

القسم السابع: صلاة الليل سرّ النجاح

ثّم ينظر عن شماله ويقدّر نفسه مع أصحاب الشمال، ويتصوّر أحوالهم المنكرة، من سواد الوجه وزرقة العين وغلّ الأيدي، والاقتران مع الشياطين، ولبس القطران، ومقطّعات النيران، والزبانية كلّهم حاضرون، وإلى أمر ربِّهم ناظرون، ثمّ ليحذر من صدور الخطاب بقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠ ثُمَّ ٱلجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١ ثُمَّ فِي سِلسِلَةٖ ذَرعُهَا سَبعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسلُكُوهُ﴾[1].

توضيح لا بدّ منه

من البديهيّ أنّ هذه التعليمات لا يمكن الإتيان بها جميعاً وبشكلٍ دائم - والعمل بها يحتاج إلى وقتٍ كبير، بل قد يكون الإلتزام بها جميعًا مضرًّا، للبعض ومضرّاً بدراستهم. بناءً عليه، يجب العمل طبق توجيه الأستاذ حتّى لا يعطي العمل - لا سمح الله - نتيجةً معكوسة.

يقول العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله) ضمن تعداد الأمور التي يجب أن يلتزم بها السالك:

«الثاني والعشرون: الورد هو عبارة عن الأذكار والأوراد اللسانيّة، وكيفيتّها وكمّيّتها منوطتان برأي الأستاذ؛ لأنّ لها حكم الدواء الذي ينفع البعض، ويضرّ الآخرين. وأحياناً قد يشتغل السالك بذكرين أحدهما يوجّهه إلى الكثرة، والآخر إلى الوحدة، وفي حالة اجتماعهما تبطل نتيجة كلٍّ منهما، ولا ينتفع بشيءٍ طبعاً. إذًا الأستاذ شرطٌ في الأوراد التي لم يرد فيها إذنٌ عامّ. أمّا ما ورد فيه إذن عامّ، فلا مانع منه»[2].

 

 


[1]  المراقبات، ص149-150.

[2]  أقول: أكثر الأمور الواردة في هذه التعليمات ممّا ورد فيه إذن عامّ فلاحظ (المعرِّب).

 

181


156

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

يُعتبَر احترام العلماء الصالحين من أسباب التوفيق، وهو أمرٌ واجبٌ على كلّ مسلم، خصوصاً طلّاب العلوم الدينيّة. إنّ عدم احترام العلماء المتّقين وإهانتهم، ذنبٌ لا يُغتفَر وسببٌ للشقاء وقصر العمر والحرمان من تحصيل العلم والتقوى. والمراد طبعاً العلماء بحقّ، لا علماء السوء؛ فإنّ هؤلاء يجب فضحهم وإطلاع الناس على حقيقة أمرهم. وإليكم نماذج من الأقوال والقصص في مجال احترام العلماء الذين يخشون الله تعالى:

الإمام الخمينيّ (قدس سره)

للإمام القائد في هذا الصدد إيضاحات مربّية جدًّا، يذكر هنا بعضها، يقول سماحته:

1 - «أنا وأنت لسنا أهلاً لذلك، ولكن من الجيّد أن لا ننكر ويكون لدينا إيمان بكلّ ما قاله الله -تعالى- وأولياؤه؛ فلعلّ هذا الإيمان الإجماليّ ينفعنا. أحياناً يكون للإنكار بلا مسوِّغ، والردّ في غير محلّه المناسب وبدون علم وفهم، أضرار كثيرة جدّاً. وليست هذه الدنيا عالم الانتباه لتلك الأضرار. مثلاً، بمجرّد أن تسمع أنّ الحكيم الفلانيّ، أو العارف الفلانيّ، أو المرتاض الفلانيّ، قال شيئاً لا ينسجم مع سليقتك، ولا يستسيغه ذوقك، لا تحمله على البطلان والخيال؛ فلعلّ لذلك المطلب منشأ من الكتاب والسنّة والعقل ولم تره أنت. ما هو الفرق بين أن يفتي فقيه بفتوى في باب الديات مثلاً ولم تسمع أنت بمثلها، فترفض هذه الفتوى دون الرجوع إلى مصدرها، وبين أن يقول سالكٌ إلى الله أو عارفٌ بالله شيئاً في المعارف الإلهيّة أو حول الجنّة وجهنّم وترفضه أنت بدون الرجوع إلى مصدره؟ من السهل أن تهين أو تتجرّأ. قد يكون لدى ذلك الشخص الذي هو من أهل ذلك الوادي (المجال) وصاحب ذلك الفنّ، مستندٌ من

 

 

185

 

 


157

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

كتاب الله أو أخبار أئمّة الهدى ولم تطّلع عليه أنت، عندها تكون قد رددت على الله ورسوله بدون عذرٍ وجيه! ومن المعلوم أنّ قَوْلَهَ «لم ينسجم مع سليقتي» أو «لم يبلغ علمي إلى هذا الحدّ» أو «سمعت من خطباء المنابر خلافه» هذه ليست أعذاراً[1].

2 - من الأمور المهمّة التي ينبغي التنبّه لها وينبغي على الإخوان المؤمنين، خصوصاً أهل العلم -كثّر الله أمثالهم- الاهتمام بها، أنّهم إذا سمعوا كلاماً من بعض علماء النفس وأهل المعرفة، فلا يرمونه بالفساد بدون حجّةٍ شرعيّة، بمجرّد أنّه ليس مألوفاً أو أنّه مبنيٌّ على اصطلاحاتٍ لا حظّ لهم منها، ولا يُحقِّرون أهلها ويُهينونهم، ولا يظنُّون أنّ كلّ من يستعمل مصطلحات مراتب ومقامات الأولياء والعرفاء وتجلِّيات الحقّ والمحبّة، وأمثال ذلك ممّا هو متداول في مصطلحات أهل المعرفة فهو صوفيّ، أو مروّج لدعاوى الصوفيّة، أو أنّه ينسج من عنديّاته وليس له على ذلك حجّة أو برهان شرعيّ. قسماً بروح الصدِّيق أنّ كلمات نوع هؤلاء شرح بيانات القرآن والحديث».

فكّر في هذا الحديث الوارد عن الصادق (عليه السلام) حول القلب السليم، وانظر هل يمكن حمله على شيءٍ آخر غير الفناء الذاتيّ، وترك الذات، والذاتيّة، والإنّيّة، والأنانيّة، كما يرد التعبير على لسان أهل المعرفة؟

هل قرأت مراراً المناجاة الشعبانيّة الواردة عن أمير المؤمنين وأولاده المعصومين (عليهم السلام) وفكّرت في فقراتها وتدبّرت فيها؟ إنّ غاية آمال العارفين ومنتهى أمنيَّة السالكين هذه الفقرة الشريفة في الدعاء الشريف:

«إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك».

ما هو المقصود من التعلّق بعزّ القدس يا ترى، هل حقيقة «لاحظته فصعق لجلالك» غير الصعق المتداول على ألسنة الأولياء؟

 

 


[1]  أربعون حديثًا، الحديث الأول، ص128 - 129.

 

186


158

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

هل المقصود من التجلّيات الواردة في دعاء السمات العظيم الشأن غير التجلّيات والمشاهدات المتداولة عندهم؟ هل في كلمات أيّ عارفٍ يا ترى أكثر ممّا في هذا الحديث الشريف المنقول في الكتب المعتبرة للشيعة والسنّة ويمكن القول إنّه من الأحاديث المتواترة؟ هل رأيته؟

«ما يتقرّب إليّ عبدٌ من عبادي بشيءٍ أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه يتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت إذاً سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته».

باختصار، الشواهد على ذلك أكثر من أن تتّسع لها هذه المختصرات. وهدفنا من هذه الإطالة أن نقرّب إخوتنا الإيمانيّين من المعارف بعض الشيء، وأن نخرج من قلوبهم إساءة الظنّ بعلماء الإسلام الكبار ورميهم بالتصوّف. لا أن نُبرِّئ فقط ساحة العلماء المقدّسة من هذه الأدران؛ إذ إنّه بالإهانة والتحقير لا يصبح العبد ذليلاً عند الله إذا كان طاهراً بل تزداد حسناته. ومهما كان نصيب الإنسان في الدنيا قليلاً، فإنّ الله تعالى قد يجبر ذلك بفضله العميم، بل إنّ أكثر هدفنا هو لفت نظر القرّاء إلى المعارف الإلهيّة وتهذيب الباطن؛ فإنّهما معاً من المهمّات، بل غاية بعثة الأنبياء وإنزال الكتب»[1].

1 - كان شيخنا العارف -روحي فداه- يقول:

«لا تلعن أحداً أبداً حتّى الكافر الذي لا تعلم أنّه مات كافراً إلّا إذا أخبر الوليّ المعصوم عن حاله بعد الموت؛ إذ لعلّه آمن أثناء موته. إذاً لا تلعن بشكل عامّ. واحد له مثل هذه النفس القدّيسة بحيث لا يرضى بلعن شخص هو في الظاهر كافر لاحتمال أن يكون آمن على عتبة الموت، وواحد مثلنا -وإلى الله المشتكى- كان واعظ المدينة، مع أنّه من أهل العلم والفضل، يقول وهو على المنبر وبحضور العلماء والفضلاء: «فلان مع أنّه

 

 


[1] معراج السالكين وصلاة العارفين، ص55-56.

 

 

187


159

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

كان حكيماً كان يقرأ القرآن!» هذا مثل أن نقول: فلان مع أنّه كان نبيّاً معتقداً بالمبدأ والمعاد. أنا أيضاً لا أحترم كثيراً العلم وحده، والعلم الذي لا يستتبع الإيمان هو الحجاب الأكبر، ولكن لا يمكن خرق الحجاب بدون الدخول فيه. العلوم بذر المشاهدات، يبدو أنّ من الممكن أحياناً الوصول إلى مقامات بدون حجاب الاصطلاحات والعلوم، ولكن هذا من غير الطريق العادي، وخلاف السنّة الطبيعيّة. وهو نادر الحصول»[1].

2 - قال سماحته في درس الخارج في الفقه:

مسألة «اليانصيب» من مسائل الفقه الاجتهاديّة، وقد تختلف فيها آراء المجتهدين؛ لأنّ مثل هذه المسألة ليست من مسائل الفقه الضروريّة والواضحة ليتّفق فيها الجميع. في هذه المسألة، كان المشهور أنّ المرحوم الخوانساريّ والمرحوم السيّد يونس الأردبيليّ -رضوان الله عليهما- يقولان بجوازها، طبعاً، اجتهادهما أدّى إلى الجواز وهذا لا يُسوِّغُ أن نطعن عليهما لأنّهما أفتيا بذلك، كما أنّه ليس لهما أن يطعنا علينا لأنّنا لا نقول بالجواز، بل يمكنهما أن يبحثا المسألة معنا بحثاً علميّاً.

يجب أن يكون السادة الطلّاب متنبِّهين جيّداً إلى أعمالهم الصغيرة، يجب أن يكونوا منتبهين إلى ألفاظهم جيّداً، حتّى - لا سمح الله - لا يسلب التوفيق منهم بوساطة شطر كلمة، أو يخرجوا من زمرة المحصّلين أو يخرجوا عن الطريق الإلهيّ والصراط المستقيم[2].

3 - وما أدراك ما ملّا صدرا:

جاء في إحدى المجلّات المعروفة: تحدّث أحد خواصّ الإمام الخمينيّ عن الأوضاع العامّة 1342هـ وقبل ذلك، فقال: «كان الطلّاب قد خصّصوا وقتاً في الليل والنهار يقضونه في قسم الاستقبال من منزل الإمام (البرّاني) وكان يدور في بعض الأحيان نقد لبعض الروحانيِّين وكان الطلّاب متألِّمين؛ لأنّ الإمام لا يخطو خطوة باتجاه المرجعيّة، بل

 

 


[1]  رسالة لقاء الله، ص259.

[2] رسالة نوين، ج2، ص266.

 

188


160

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

يعتزل. وذات يوم جاء المرحوم الشهيد السيّد مصطفى يبلّغنا أنّ الإمام يقول: «سمعت أنّه أحياناً تتمّ غيبة العلماء وإهانتهم، أنا لا أرضى أن يغتاب أحدٌ أحداً في هذا البيت أو يهين أحداً».

كان الإمام يدرّس الأصول عصراً في مسجد السلماسيّ في قمّ، أخبروه أنّه في مجلس درس بعض المحقّقين وجّهت إهانة إلى الملّا صدرا - صدر المتألّهين - فغضب الإمام وقال: «وما أدراك ما ملّا صدرا؟ المسائل التي عجز عنها ابن سينا حلّها الملّا صدرا. لماذا لا نراقب ألسنتنا؟».

المرحوم السيّد حسين القزوينيّ

ضمن تعداد أهمّ الفضائل في كتابه «أخلاق وسير وسلوك» يقول (رحمه الله):

«الحادي عشر: تعظيم الأوامر الإلهيّة وتعظيم علماء الدين وأهل التقوى وأصحاب الورع من المؤمنين وتكريمهم، فذلك منشأ صلاح الدنيا، ونجاة العقبى»[1].

الوحيد البهبهانيّ

سئل (رحمه الله): «بمَ بلغت هذا المقام العلميّ، والعزّة، والشرف، والإذعان من الآخرين»؟ فكتب في الجواب: «أنا لا أعتبر نفسي شيئاً أبداً، ولا أعدّ نفسي في مستوى العلماء الموجودين. ولعلّ الذي أوصلني إلى هذا المقام، هو أنّني لم أكفّ أبداً عن تعظيم العلماء وإجلالهم، وذكر أسمائهم بالخير، وأنّي لم أترك الدراسة في أيّ وقتٍ ما استطعت ذلك، وكنت أقدّمها دائماً على سائر الأعمال»[2].

المحدّث القمّيّ

في مفاتيح الجنان يقول المحدّث الجليل القمّيّ (رحمه الله) حول دعاء الجوشن الكبير:

«الثاني: استحباب قراءة هذا الدعاء في أوّل شهر رمضان، وأمّا قراءته في خصوص

 

 


[1] أخلاق وسير وسلوك، ص26.

[2]  وحيد بهبهاني، ص136 وهديّة الأحباب، ص114 - 115.

 

 

189


161

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

ليالي القدر، فليس في الأخبار ذكر لذلك. لكنّ العلّامة المجلسيّ -قدّس الله روحه- قال في ذيل أعمال ليالي القدر في «زاد المعاد»: «وقد ورد في بعض الروايات قراءة دعاء الجوشن الكبير في كلّ ليلة من هذه الليالي الثلاث»، وكلامه في هذا المجال كاف، أحلّه الله دار السلام»[1].

ويقول هذا المحدّث العظيم في ترجمة أحد فلاسفة الشيعة الكبار:

«وقد نبّه بعض العلماء إلى أخطائه ولكن حيث (أنّي أنا) الحقير لا أرى نفسي أهلاً لنقل عثرات العلماء، فضلاً عن العظماء، والقادة، فلا جرم أطوي كشحاً، وأرجع إلى ترجمته»[2].

وقد جاء في ترجمة هذا المحدّث القمّيّ الجليل:

كان شديد الاحترام لأهل العلم وخصوصاً السادات وأولاد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإذا وجد سيّد في المجلس لم يكن يتقدّم عليه ولا يمدّ رجله باتّجاهه.

وينقل ابنه عن المرحوم سلطان الواعظين قوله: «في أوائل طبع «مفاتيح الجنان»، كنت ذات يوم في سرداب سامرّاء، وكان الكتاب بين يديّ، وكنت مشغولاً بالزيارة، رأيت شيخاً يلبس عباءة عاديّة (من النسيج اليدويّ) وعمامةً صغيرة، جالساً، مشغولاً بالذكر، وسألني الشيخ: «لمن هذا الكتاب؟» قلت: «للمحدّث القمّيّ». وبدأت أمدح الكتاب، قال الشيخ: «لا يستحقّ المدح إلى هذا الحدّ، فلا تمدح بدون مبرّر». قلت مغضباً: «قم واذهب من هنا»، فوضع الجالس بجانبي يده عليّ وقال: «تأدّب، إنّه هو المحدّث القمّيّ». فقمت وقبّلته واعتذرت إليه، وانحنيت لأقبّل يده، ولكنّه لم يسمح بذلك، وانحنى وقبّل يدي وقال: «أنت سيّد»».

 

 


[1]  مفاتيح الجنان، ص85.

[2]  الفوائد الرضويّة، ص379.

 

 

190


162

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

يقال: قبل وفاة المحدّث القمّيّ بساعات جاؤوه بمقدار من عصير التفاح وكانت طفلة من السادات في منزله (رحمه الله) فقال المحدّث: «قدّموا ذلك لهذه الطفلة العلويّة أوّلاً لتشرب ثمّ أعطونيه». وهكذا كان، قدّم العصير للطفلة فشربت قليلاً ثمّ شرب المحدّث الباقي بقصد الاستشفاء»[1].

الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء

يقول صاحب كتاب «اللمعات» في كتابه هذا: «قال أستاذنا الشيخ حسن بن الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب «كشف الغطاء» في مجلس الدرس، ذات يوم: «كان الشيخ الكبير في الليالي، ينام قليلاً ثمّ يستيقظ ويبقى مشغولاً بالمطالعة إلى وقت صلاة الليل، ثمّ يأخذ بالتضرّع والمناجاة إلى طلوع الفجر. ذات ليلة سمعنا صراخه ونحيبه، وكان كأنّه يلطم على رأسه، ركضت أنا وإخوتي فرأيناه وقد تغيّرت حالته وقد بلّلت دموعه ثيابه، وهو يلطم على رأسه ووجهه، أمسكنا بيديه، وسألناه عن السبب قال: «صدر عنِّي خطأ، ذلك أنّي أوّل الليل كنت أفكّر في مسألة فقهيّة بيَّن العلماء الكبار حكمها، وكنت أبحث عن دليل الحكم في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فراجعت كتب الأحاديث عدّة ساعات ولم أجد مستندها، وتعبت وقلت بسبب التعب الشديد: «جزى الله العلماء خيراً، حكموا حكماً بدون دليل» ثمّ نمت، فرأيت في عالم النوم أنّي ذهبت إلى الحرم المطهّر لزيارة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وعندما وصلت إلى محلّ نزع الأحذية رأيت في الصُّفة سجّاداً، ومنبراً عالياً في صدر المجلس، وشخصاً موقّراً ذا وجهٍ جميلٍ ونورانيّ جالساً على المنبر وقد أخذ بالتدريس، وكان المكان غاصّاً بالعلماء الأعلام، يستمعون إلى الدرس، سألت شخصاً: «من هم هؤلاء؟ ومن هو الجالس على المنبر؟» قال: «هو المحقّق الأوّل صاحب الشرائع، وهؤلاء الذين تحت المنبر هم علماء الشيعة». فسررت وقلت في نفسي حيث إنّي منهم طبعاً سيحترمونني، وعندما صعدت إلى حيث كانوا سلّمت، ولكنّهم أجابوا جواب المكره

 

 


[1] حاج وشيخ عباس قمي مرد تقوا وفضيلت، ص62-64.

 

 

191


163

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

العابس، وأرشدوني إلى مكان للجلوس. فغضبت لذلك، والتفتُّ إلى المحقّق، وقلت: «ألستُ من فقهاء الشيعة، فلم تتعاملون معي هكذا؟»

فقال المحقّق بمنتهى الحدّة: «يا جعفر، بذل علماء الإماميّة جهوداً وأنفقوا الكثير حتّى جمعوا أخبار الأئمّة الأطهار من أطراف المدن من الرواة وصنفوا كلّ حديث في محلّه بأسماء الرواة، وأحوالهم، وتصحيحها، وتوثيقها أو تضعيفها حتّى يأتي أمثالك ويجدوا مستند الأحكام ودليلها. أنت جلست عدّة ساعات على السجّادة ولاحظت عدداً من الكتب الموجودة لديك ولم تلاحظ بعد كلّ ما لديك وفوراً اعترضت على العلماء ونسبت إليهم أنّهم أفتوا بدون مستند ودليل، في حين أنّ هذا الرجل الموجود تحت المنبر، أورد هذا الحديث في عدّة أماكن من كتابه، وذلك الكتاب موجود بين كتبك ومؤلّفه هذا الشخص الذي يسمَّى الملّا محسن الفيض الكاشانيّ». أضاف الشيخ جعفر: «فارتعدت فرائصي من كلام المحقّق، واستيقظت من النوم، وبسبب ذنبي والندم عليه أصبحت على هذه الحالة التي ترون»[1].

السيّد محمّد المجاهد[2]

عندما جاء المرحوم السيّد محمّد المجاهد من العراق إلى إيران للجهاد ضدّ الروس، ذهب بعد أن دخل قزوين إلى مسجد الشاه فيها، وتوضّأ من حوض المسجد. وفوراً أخذ أهل قزوين ماء ذلك الحوض للتيمّن والتبرّك والاستشفاء، بحيث لم يبقَ في الحوض منه شيء[3].

المحقّق الطوسيّ

يقول المحدّث القمّيّ حول السيّد المرتضى: «وكان نصير الدين الطوسيّ (رحمه الله) إذا جرى ذكره في درسه يقول «صلوات الله عليه»، ويلتفت إلى القضاة والمدرّسين الحاضرين درسه، ويقول: كيف لا يُصلّى على المرتضى»[4].

 

 


[1]  زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص155-157.

[2]  تقدّم أنّه ابن صاحب الرياض رحمهما الله.

[3]  قصص العلماء، ص125، در بحاثة الأدب ج3، ص401.

[4]  سفينة البحار، ج2، ص227.

 

192


164

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

صدر المتألّهين

أورد أحد أصدقاء الشهيد مطهّري في ترجمته: «أثناء الإقامة في قمّ كنّا يوماً في منزل الشيخ محمّد فريد النهاونديّ مع الأستاذ مطهّري والشهيد بهشتي وشخص أو اثنين آخرين. وصل البحث إلى صدر المتألّهين، فقال صاحب البيت: «بعض آراء صدر المتألّهين مأخوذةٌ من الفخر الرازيّ، وبعض عبارات الأسفار عين عبارات كتاب «المباحث المشرقيّة» للفخر الرازيّ»، وقد دفع هذا الكلام -الذي أثار تعجّب الحاضرين وإنكار بعضهم- على المقارنة بين الكتابين. تناول المرحوم النهاونديّ كتاب الفخر الرازيّ وبدأ يقرأ، وفتح آخر أسفار صدر المتألّهين، طابقنا العبارات معاً فلم يكن هناك أيّ فرق، حتّى إنّنا في مكانٍ ما وجدنا في الكتابين هذه العبارة «هذا ممّا لم يسبقني إليه أحد».

وبألمٍ دافع المرحوم المطهّري عن صدر المتألّهين وقال: «كانت طريقة العلماء في بيان المطلب العلميّ أنّهم إذا رأوا كلام عالمٍ آخر يوضّح مرادهم بشكلٍ مناسب، ينقلون تلك العبارات اقتباساً، دون الإشارة إلى المصدر، مثلاً كثير من عبارات المرحوم الشيخ آقا رضا الهمدانيّ في كتاب الصلاة هي عين عبارات أستاذه الشيخ الأنصاريّ، أو ذكر شخصاً آخر، لا أتذكّر.

قصّة أخرى: جرى البحث في غرفة الشهيد مطهّري في المدرسة الفيضيّة بينه وبين المرحوم الشيخ غلام حسين البادكوبيّ -أحد علماء مشهد ومدرّسيها الأتقياء، وكان ضيف الشهيد- كان البحث حول نظريّة «وحدة الوجود» لصدر المتألّهين. كان المرحوم البادكوبيّ يتابع البحث بدقّة نظر، إلّا أنّه كان كأستاذه المرحوم آية الله الميرزا مهديّ الأصفهانيّ المدرّس المشهور في مشهد، ليسا ضليعين في المسائل الفلسفيّة، وكان يبطل نظريّة صدر المتألّهين، وأحياناً يتّخذ كلامه شكل المغالطة والإصرار عليها، وفي النهاية قال الشهيد مطهّري بحزم: «هذه الجملة من نهج البلاغة: «مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة»، ليست سوى نظرية صدر المتألّهين هذه وقطع البحث»[1].

 

 


[1]  يادنامه أستاذ شهيد مرتضى مطهري، الكتاب الأول، ص327-328.

 

 

193


165

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

آية الله الكلباسيّ

عندما جاء آية الله الكلباسيّ إلى قمّ وذهب إلى مزارها، كان يمشي في المزار حافياً وقال: «هذا المزار مليء بالعلماء ورواة الحديث؛ لذا ورعايةً للأدب، لا أريد أن أسير على قبورهم منتعلاً»[1].

 

سبب التهجّم على العلماء

قبل أكثر من أربعين سنة كتب الإمام الخمينيّ في كتابه القيّم والشريف «كشف الأسرار» تحت العنوان المذكور ما يأتي: «وهؤلاء وكلّ واحد من أصحاب الآراء الباطلة والأقوال النشاز لأنّهم يعلمون أنّ الوحيدين القادرين على التصدّي لهم في المجتمع وفضح أكاذيبهم هم العلماء، وسائر الناس إمّا ليسوا مختصّين في هذا المجال أو إذا كان لهم اطّلاع، قلَّ أو كثر، فإنّهم لا يعتبرون واجبهم التصدّي، لهؤلاء السائبين. الشيء الوحيد الذي يهتمّون به لأجل تحقيق أهدافهم المسموعة ويقدّمونه على كلّ شيء هو أن يوجّهوا التهم والافتراءات إلى العلماء بكلّ وسيلةٍ ممكنة وكذباً وزوراً ليفصلوا الناس عنهم ويحقّروهم في أعين الناس ويضعفوا تأثيرهم الروحانيّ بكلّ ما أمكنهم ليُفتح أمامهم الميدان فينصرفوا بكلّ اطمئنان للتلاعب بأرواح بعض الناس المساكين وأعراضهم وأموالهم. يشهد التاريخ أنّ الجهة الوحيدة التي حفظت دين الناس منذ وفاة نبيّ الإسلام وحتّى اليوم وحالوا دون تأثير أباطيل السائبين هم العلماء والروحانيّون، والآخرون إمّا أنّهم لم يكونوا أهلاً لذلك، أو أنّهم لم يكونوا يعتبرون واجبهم ذلك»[2].

شهيد المحراب آية الله دستغيب

يقول (رحمه الله): «ورد الوعيد بالعقوبة الشديدة على كفران نعمة وجود العلماء، منها ما ورد عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله):

 

 


[1]  منتخب التواريخ، ص453.

[2] كشف الأسرار، ص8 - 9.

 

194


166

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

«سيأتي زمان على الناس يفرّون من العلماء كما يفرّ الغنم من الذئب، فإذا كان ذلك ابتلاهم الله بثلاثة أشياء: الأوّل: يرفع البركة من أموالهم، والثاني: سلّط الله عليهم سلطاناً جائراً، والثالث: يخرجون من الدنيا بلا إيمان»[1].

العلّامة الشعرانيّ

يقول المرحوم الشعرانيّ: «والنصيحة الأخيرة أن لا يعتبروا أنّ العلم بدون التقوى والورع ذا قيمة أبداً، وأن لا يستخفّوا بكلام علماء الدين، وأن يعلموا أنّ تعظيمهم أحياءً وأمواتاً يوجب مزيد التوفيق»[2]. وأنا أغتنم الفرصة هنا، وأحذّر طلّاب العلوم الدينيّة -الذين هم مثلي لم يصلوا إلى كمال العلم- أن لا يسيئوا الظنّ أبداً بكبار علماء الدين؛ إذ إنّ أقلّ جزاء لهذا العمل هو الحرمان من فيض علومهم. ما أتعسه شقاءً أن يكون الشخص سيِّئ الظنّ بكبار علماء الدين ولا يعتني بكلامهم. إذا وجدت عالماً يعترض على كلام آخر ويفنّده، فالسبب في ذلك أنّهم يحبّون الحقيقة أكثر من أيّ شيء آخر، وإذا سها شخص أو أخطأ فمن الواجب التنبيه على ذلك؛ لأنّه ليس معصوماً، ولم يبذل الدقّة المطلوبة، ومرّ به سريعاً، فبقي ذلك السهو في كلامه، ولو أنّه مرّ به ثانية لأصلحه[3].

تعظيم الأستاذ

لتعظيم الأستاذ والعلم ميزة خاصّة، وكلّ ما ورد حول احترام العلماء وما قيل يشتدّ تأكُّده بالنسبة إلى الأستاذ ويكتسب أهمِّيّة تفوق ما عداها، من هنا، كان عظماؤنا يولون هذا الأمر اهتمامًا خاصًّا، وكانوا يحذّرون من الإساءة إلى المعلّم، معتبرين أنّ ذلك -احترام العلماء- أحد أسباب التوفيق في الدراسة.

 

 


[1]  الذنوب الكبيرة، ج2، ص35، والحديث في سفينة البحار، ج2، ص220.

[2]  ترجمة، وشرح فارسي، تبصرة المتعلّمين، ص808.

[3]  ترجمة وشرح فارسي تجريد الاعتقاد، ص569.

 

195


167

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

وفي حديث الحقوق الطويل المرويّ عن زين العابدين (عليه السلام): «وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه وأن لا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء، حتّى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدّث في مجلسه أحداً، ولا تغتب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوًّا، ولا تعادِ له وليّاً، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله -جلَّ وعزَّ- بأنّك قصدته وتعلّمت علمه لله -جلَّ اسمه- لا للناس»[1]. إذا وفّقت لأداء هذه الحقوق تجاه أستاذك سيشهد ملائكة السماء بما فيه خيرك، ونفعك، وأنّك سلكت طريق أستاذك، وطلبت العلم لله، وتعلّمت منه هدفاً إلهيّاً.

 

صاحب الكفاية، قائد ثورة المشروطة في إيران

يقول المرحوم آية الله ضياء الدين العراقيّ، وهو من تلامذة المرحوم الآخوند الخراسانّي صاحب الكفاية:

«بعد وفاة المرحوم الميرزا الشيرازيّ الكبير، جاء ابنه الميرزا عليّ وكان طالباً شابّاً، فأخذ أستاذنا الآخوند يصطحبه معه حيثما ذهب ويقدّمه في كلّ مكان ومجلس. فاستاء تلامذة الآخوند الذين كانوا فضلاء ومجتهدين؛ لأنّهم كانوا يرون أستاذهم يسير خلف طالب شابّ، فدفعوني - وكنت أصغرهم سنّاً - أن أفاتح الأستاذ بالأمر وحملني ذلك على الجرأة، فقلت له: «ما معنى تقديم ابن الميرزا الشابّ وتقدّمه على نفسك في كلّ مكان، مع أنّك لست أقلّ من أبيه الميرزا الشيرازيّ؟

يقول الشيخ آقا ضياء: فنظر إليّ الآخوند نظرة، وقال: «إذا كان ذلك يزعجك فلا تتبعنا... هذا ابن أستاذي واحترامه واجبٌ عليّ»[2].

 

 


[1]  منية المريد، ص106، ويستحسن الرجوع إلى هذا الكتاب للتوسّع في موضوع البحث.

[2] مرﮔـي درنور، ص72.

 

 

196


168

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

«لم يرتق الآخوند المنبر للتدريس طيلة حياة أستاذه الميرزا الكبير الشيرازيّ، مع أنّ عمر الآخوند كان قد تجاوز الخمسين وكان مجتهداً مسلماً ومدرّساً. رغم ذلك واحتراماً لأستاذه، كان لا يرتقي المنبر في النجف ويدرّس طلابه جالساً على الأرض.

وفي أوّل درس بعد وفاة الميرزا في سامرّاء ارتقى الآخوند المنبر وجلس في صدره وقال: «قال الأستاذ (رحمه الله) وأقول».

قالوا وقد كان لهذه الـ«أقول» دويّ في المحافل العلميّة في النجف[1].

الميرزا حبيب الله الرشتيّ

«عندما كان الميرزا حبيب الله (رحمه الله) يريد الخروج إلى الصحن في حرم الأمير (عليه السلام) للتدريس كان يتوضّأ، ويقرأ سورة يس المباركة في الطريق عن حفظ، وعند وصوله إلى باب القبلة يكمل قراءة السورة بجانب ضريح أستاذنا الشيخ الأنصاريّ، ويهدي ثوابها إلى روحه ويستمدّ العون من روح ذلك العظيم؛ ليمكنه تدريس مئات الطلّاب وبيان الحقائق العلميّة بشكلٍ أفضل وأوضح»[2].

قبول عطاء الأستاذ

جاء في ترجمة الشريف الرضيّ مؤلّف نهج البلاغة أنّه كان عزيز النفس جدّاً ولم يكن يقبل هديّة أحد أو عطاءه حتّى الخلفاء العباسييّن، وحتّى والده[3]. وفي القصّة التالية ترى كيف أنّه قبل عطاء أستاذه لسببٍ واحد هو إكرامه واحترامه للأستاذ:

كان الشريف في مستهلّ شبابه يقرأ القرآن على الفقيه المالكيّ إبراهيم بن أحمد الطبريّ، وذات يوم سأل الأستاذ الشريف: «أين تسكن؟

- في منزل أبي في محلّة «بب محول».

 

 


[1]  المصدر السابق، ص98.

[2] المصدر السابق، ص82.

[3] رياض العلماء، ج5، ص83 - 84، ومفاخر إسلام، ج3، ص299.

 

 

197


169

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

- مثلك لا ينبغي أن يسكن في منزل والده... وهبتك منزلي في محلّة الكرخ»[1].

وأبى الشريف، فأعاد عليه أستاذه الكلام، فقال الشريف:

- «يا شيخ أنا لم أقبل برَّ أبي قطّ، فكيف أقبل من غيره؟»

- إنّ حقّي عليك أعظم من حقّ أبيك؛ لأنّي أبوك الروحانيّ وهو أبوك الجسمانيّ.

- قد قبلت الدار»[2].

يقول مؤلّف كتاب السيّد الرضي: «يجب الإلتفات إلى أنّ هذه القصّة وقعت بعد رجوع والد الشريف الرضيّ من الإبعاد والنفي وزواج السيّد الرضيّ، وقبل رفع قرار المصادرة عن أموال والد الشريف، وإلّا فلا مجال أبداً لهذا السؤال والجواب وعطاء البيت وهبته»[3].

أعلى درجات الأدب

يقول أحد تلامذة العلّامة الطباطبائيّ:

«كان لأستاذنا العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله) علاقةٌ وإعجابٌ شديدٌ بأستاذه المرحوم القاضي، كان حقّاً يرى نفسه أمامه صغيراً. وكان يبحث في شخصيّة المرحوم القاضي عن دنيا من العظمة والأبّهة وأسرار التوحيد والملكات والمقامات. ذات يوم قدّمت له هديّة عطر، تناول العطر بيده وفكّر قليلاً وقال: مرّت سنتان على وفاة أستاذنا المرحوم القاضي ومنذ ذلك الوقت وإلى الآن لم أتعطّر. يضيف تلميذه: وإلى هذه الفترة الأخيرة كلّما كنت أقدّم له عطراً كان يقفل القنينة ويضعها في جيبه ولم أرَ أنّه تعطّر، مع أنّه مضى على وفاة أستاذه ستَّةٌ وثلاثون عاماً»[4].

 

 


[1]  السيد الرضي مؤلف نهج البلاغة، ص36-37.

[2]  منية المريد، ص111.

[3] السيد الرضي، ص36-37. بتصرف.

[4]  مهرتابان، ص15 - 16.

 

198


170

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

الميرزا الشيرازيّ الكبير

يقول الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ في «هديّة الرازيّ» في فصل «تلامذة الميرزا»:

«217 - مير سيّد عليّ، إبن مير سيّد حسن أصفهانيّ المدرسيّ، كان يهتمّ به الميرزا كثيراً بسبب الحقّ الذي كان لوالده على الميرزا».

يقول الميرزا: طلب إليّ الشيخ الأنصاريّ في أواخر حياته، أن أجدّد النظر في رسائله «الرسائل» وأنقّحها، مع أنّه كان قد كرّرها عدّة مرّات، ولكن بلحاظ احترام الأستاذ لم أوافق على ذلك[1].

آية الله الحائريّ

حدَّث ابن آية الله العظمى الحائريّ مؤسّس الحوزة العلميّة في قمّ أنّ والده قال:

«التوفيقات التي كانت من نصيبي واستطعت في ظلّها أن أؤسّس الحوزة كلّها رهن الخدمات التي قدّمتها لأستاذي المرحوم السيّد محمّد فشاركي، في الفترة التي ابتُلي بها سماحته بمرض شديد، بلغ به إلى حدّ أنّي كنت طيلة ستّة أشهر أقدّم له الإناء لقضاء الحاجة، وكنت أفتخر بذلك».

غاية الاحترام

كثيرٌ من علمائنا الكبار عندما يذكر أحدهم اسم أستاذه يتبعه بكلمة «روحي فداه» وذلك أسمى درجات التعظيم، والاحترام، والذوبان في الأستاذ. وهنا نماذج من ذلك:

عندما يذكر الإمام الخمينيّ -وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك- أستاذه الشاه آباديّ يقول: «شيخنا العارف الكامل، روحي فداه». وفي تأبين ابنه، يقول الإمام: «هذا الشهيد العزيز ابن شيخنا الجليل الذي له عليّ، حقّاً، حقُّ الحياة، ولا يمكنني باليد واللسان أن أؤدّي واجب شكره».

وعن العلّامة الطباطبائيّ، يقول الشهيد مطهّري في كتبه: «حضرة الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ، روحي فداه».

 

 


[1]  ميرزاي شيرازي، ص15 - 16.

 

199


171

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

ويقول تلميذ آخر للعلّامة:

«هناك نسخة من المبدأ والمعاد لصدر المتألّهين بخطّ الحكيم المحقّق الآخوند ملّا عبد الرزّاق اللاهيجيّ في مكتبة الأستاذ العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ التبريزيّ روحي فداه..»[1].

ويقول أحد الفضلاء المعاصرين:

«أتذكّر نقطة قالها شيخي العالم الأستاذ العلّامة الشعرانيّ، روحي فداه..»[2].

أمضيت سنوات في طهران استفدت فيها من محضر الأستاذ الجليل المرحوم العلّامة الميرزا مهدي إلهي، روحي فداه..»[3].

«لم أسمع أبداً في محضر أستاذي المرحوم جناب العلّامة السيّد محمّد حسن الإلهيّ الطباطبائيّ التبريزيّ من شخص عتاباً أو أيّ كلمة زائدة أو ناقصة»[4].

جزاء سوء الأدب

يقول المحدّث الجليل السيّد نعمة الله الجزائريّ (رحمه الله):

«وكان في أصفهان رجل عالم من مجتهدينا رأيناه، وقرأنا عليه، وقد كان في أوّل تحصيله يقرأ عند مجتهد آخر، فلمّا نشأ ذلك التلميذ، أنكر قراءته على ذلك الشيخ، ولم يقرّ له بالفضل، فبلغ الأستاذ قوله، فدعا عليه وقال: «اللّهم اسلبه كلّ ما قرأ عندي وأخذه عنّي». فسلبه الله الحافظة بعد ما كان مشهوراً بالحفظ، فصار لا يحفظ مسألة على خاطره، بل لا بدّ له في كلّ مسألة من مراجعة كتبه ومؤلّفاته. وهو الآن موجود في أصفهان، ونحن نحمد الله على توفيقه لنا لبرِّ المشائخ والقيام بوظائف خدمتهم، والاستغفار لهم أحياءً وأمواتاً ورضاهم عنّا»[5].

 

 


[1]  رسائل فلسفي ملا صدرا، ص65 المقدمة وغيره.

[2]  معرفت نفسي، ج2، ص232.

[3]  المصدر نفسه، ج2، ص224.

[4]  المصدر نفسه، ص242.

[5]  الأنوار النعمانيّة، ج3، ص91 - 92.

 

 

200


172

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

يقول المرحوم التنكابنيّ:

«كان أحد تلامذة المرحوم العلّامة السيّد إبراهيم القزوينيّ يشكل في مجلس الدرس كثيراً ويناقش أستاذه، وذات يوم أخذ يناقش الأستاذ ويجادله، وأجابه الأستاذ، فرفض كلامه دون دليل، فقال الأستاذ: «لا تهذِ». قال: «أسمع هذياناً». فسكت السيّد القزوينيّ. وبعد انتهاء الدرس رجع التلميذ إلى منزله، وبمجرّد أن أراد الصعود على الدرج إلى الطابق العلويّ أصابه ألم في ظهره، وطالت معاناته فيه، ولم تنفع معه كلّ محاولات العلاج. وبعد وفاة الأستاذ تنبّه إلى أنّ هذا قد يكون بسبب ما جرى بينهما، فعيّن شهريّة لابنه، ونذر الزيارة إلى كربلاء وكان يقدّم خدمات لعائلة أستاذه المرحوم، وحجّ بيت الله الحرام وعلى رغم ذلك لم يشف وما يزال مبتلى بذلك المرض»[1].

جاء في هامش الأنوار النعمانيّة:

«كان في النجف رجل فاضل له خبرة بالعبارات الغامضة والمطالب المعقّدة في مختلف الكتب، وكان يبحث عن مثل هذه المسائل ويستخرجها من الكتب، ويطرحها على العالم الجليل الشيخ محمّد حسن المامقانيّ التبريزيّ -الذي كان من المراجع الكبار وتوفّي سنة 1323هـ- يطرحها عليه في المجالس العامّة ومجالس العلماء والطلّاب، ولم يكن له هدف إلّا إهانة ذلك الرجل العظيم وتحقيره وإظهار عجزه أمام الآخرين. وعندما تنبّه العلماء لنيّته نهوه عن هذه العادة القبيحة ونصحه أصدقاؤه، ولكنّه لم يكن يتقبّل النصيحة وسرعان ما مات؛ إذ ابتلي بمرض عضال وقضى في شبابه ولم يشكّ أحد أنّ السبب في مرضه وقصر عمره إساءته الأدب مع الشيخ المامقانيّ»[2].

جزاء إهانة الشيخ الأنصاريّ

كان الشيخ الأنصاريّ عائداً من كربلاء إلى النجف ومعه جمع من العلماء، منهم العارف الكبير السيّد عليّ الشوشتريّ، وصيّ الشيخ، وأستاذ آية الله الهمدانيّ. عندما

 

 


[1] قصص العلماء، ص12 بتصرّف.

[2]  الأنوار النعمانيّة، ج3، ص92 بتصرّف.

 

 

201


173

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

ركبوا السفينة، وقع حذاء الشيخ سهواً على بساط أحد مشايخ العرب، وكان يبغض الشيخ ويحسده، فقال بوقاحة: «العجم لا أدب لهم ولا معرفة خصوصاً أهل شوشتر» فلم يقل الشيخ شيئاً، وطلب السيّد علي الشوشتريّ من الشيخ أن يجيبه على وقاحته، إلّا أنّ الشيخ بقي ساكتاً. وعصر ذلك اليوم ابتلي الشيخ العراقي بالقولنج، وبعد قليل أخرجوا جنازته من السفينة للدفن[1].

 

 


[1] زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص801 بتصرف.

 

 

202


174

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

في احترام أسماء الله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله) والقرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام)

إذا كان احترام العلماء يحظى بهذا المستوى من الأهمِّيّة، فمن الواضح جدّاً أيّ اهتمام يجب أن يبلغه احترام أسماء الله تعالى، والرسول (صلى الله عليه وآله)، والقرآن الكريم، والعترة الطاهرة. ومن المناسب هنا -استطراداً ولأهميّة الموضوع- ذكر نماذج من أدب العلماء في هذا المجال:

كان السيّد ابن طاووس (رحمه الله) إذا ذكر اسماً من أسماء الله تعالى ذكر بعده دائماً «جلّ جلاله» أو «جلّ وعلا» وأمثال ذلك. ويلاحظ أنّ الإمام الخمينيّ (قدس سره) يلتزم بذلك.

وكان المحدّث القمّيّ (رحمه الله) لا يمسّ جلد كتاب في الحديث بدون وضوء، فضلاً عن أصل عبارات الحديث. وكان كلّما أراد قراءة الروايات أو كتابتها يجلس بأدب - جلسة التشهّد في الصلاة- متوضّئاً مستقبل القبلة ثمّ يبدأ عمله[1].

كان بعض الأجلّاء، لا يتلفّظ بأسماء المعصومين الشريفة، إذا لم يكن متوضّئاً، وفي الرواية أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) كان إذا ذكر اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينحني بحيث يصبح وجهه المبارك قريباً من ركبتيه»[2].

 

 


[1]  حاج شيخ عباس قمي، مرد تقوا وفضيلت، ص56.

[2] ﮔـاهان كبيرة، ص126.

 

203


175

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

مع المحدّث القمّيّ

في أحوال الإمام الصادق (عليه السلام) كتب المحدّث القمّيّ -(رحمه الله): «وكان (عليه السلام) كثير الحديث حسن المجلس وكثير الفوائد، وكلّما أراد أن يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغيّر لونه، يخضرّ تارة ويصفرّ أخرى، بحيث إنّه لا يعرفه من كان يعرفه».

«يقول المؤلّف: تأمّل جيّداً حال الإمام الصادق (عليه السلام) في تعظيم رسول الله وتوقيره، وكيف يتغيّر لونه عند نقل حديثه وذكر اسمه (صلى الله عليه وآله) مع أنّه كان ابن النبيّ وبضعته. وتعلّم منه ذلك، واذكر اسم الرسول (صلى الله عليه وآله) بنهاية التعظيم والاحترام، وصلِّ عليه بعد ذكر اسمه. وإذا كتبت اسمه الشريف، فاكتب الصلوات بعد اسمه بدون رمز وإشارة ولا تكتفِ -كبعض المحرومين من السعادة- برمز (ص) أو (صلعم) ونحو ذلك، بل تتلفّظ باسمه المبارك ولا تكتبه بدون وضوء، ومع ذلك كلّه اعتذر منه (صلى الله عليه وآله) إذ إنّك قصَّرت في واجبك تجاهه وقل بلسان العجز: «أغسل فمي بالمسك وماء الورد ألف مرّة ومع ذلك فإنّ التلفّظ باسمك منتهى إساءة الأدب»[1].

مع الشهيد الثاني

يقول الشهيد الثاني في كتابه القيّم «منية المريد»: «... ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها، وشرفها، وشرف مصنِّفها، فيطبع الأشرف أعلى الكلّ، ثمّ يراعي التدريج، فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكلّ، والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار، أو وتد، في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس، ثمّ تفسير الحديث، ثمّ أصول الدين، ثمّ أصول الفقه، ثمّ الفقه، ثمّ العربيّة... وإذا نسخ شيئاً من كتب العلم الشرعيّة، فينبغي أن يكون على طهارة، مستقبلاً، طاهر البدن والثياب، والحبر، والورق، ويبدأ الكتابة بكتابة «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة على رسوله وآله» وإن لم يكن المصنّف قد كتبها، لكن إن لم يكن من كلام المصنّف أشعر بذلك، بأن يقول بعد ذلك: «قال المصنّف أو الشيخ» ونحو ذلك. وكذلك يختم الكتاب بالحمدلة،

 

 


[1] منتهى الآمال، ج4، ص7، الباب الثامن والشطر الأخير ترجمة بيت شعر فارسي.

 

 

204


176

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

والصلاة والسلام، بعد ما يكتب آخر الجزء الفلانيّ ويتلوه كذا وكذا إن لم يكن أكمل الكتاب، ويكتب إذا أكمل «تمّ الكتاب الفلانيّ» أو «الجزء الفلانيّ» وبتمامه تمّ الكتاب، ونحو ذلك، ففيه فوائد كثيرة.

وكلَّما كتب اسم الله تعالى أتْبعه بالتعظيم، مثل: تعالى، أو سبحانه، أو عزَّ وجلَّ، أو تقدّس، ونحو ذلك، ويتلفّظ بذلك أيضاً، وكلَّما كتب اسم النبيّ (صلى الله عليه وآله)، كتب بعد، «الصلاة عليه وعلى آله والسلام» ويصلّي ويسلّم هو بلسانه أيضاً.

ولا يختصر الصلاة في الكتاب، ولا يسأم من تكريرها، ولو وقعت في السطر مراراً، كما يفعل بعض المحرّرين المختلفين، من كتابة «صلعم» أو «صلم» أو «صم» أو «صلسم» أو «صله»؛ فإنّ ذلك كلّه خلاف الأولى والنصوص، بل قال بعض العلماء «إنّ من كتب «صلعم» قطعت يده».

وأقلّ ما في الإخلال بإكمالها، تفويت الثواب العظيم عليها، فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله)، أنّه قال: «من صلّى عليّ في كتاب، لم تزل الملائكة تستغفر له، ما دام اسمي في ذلك الكتاب».

وإذا مرّ بذكر أحد من الصحابة، سيّما الأكابر كتب «رضي الله عنه» أو «رضوان الله عليه»، أو بذكر أحد من السلف الأعلام كتب «(رحمه الله)» أو «تغمّده الله برحمته» ونحو ذلك، وقد جرت العادة باختصاص الصلاة والسلام بالأنبياء. وينبغي أن يجعل للأئمّة (عليهم السلام)، السلام، وإن جاز خلاف ذلك، بل يجوز الصلاة على كلّ مؤمن، كما دلَّ عليه القرآن والحديث. وكتابة ما ذكر من الثناء ونحوه، هو دعاء يُنْشِئُهُ لا كلامٌ يرويه، فلا يتقيّد فيه بالرواية، ولا بإثبات المصنّف، بل يكتبه وإن سقط من الأصل المنقول أو المسموع منه. وإذا وجد شيئاً في ذلك، قد جاءت به الرواية أو مذكوراً في التصنيف، كانت العناية بإثباته وضبطه أكثر[1].


 


[1]  منية المريد، ص176 - 178.

 

205


177

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

العلّامة بحر العلوم (رحمه الله)

في سياق تعداد لوازم السلوك إلى الله تعالى يقول العلّامة بحر العلوم (رحمه الله) في رسالة السير والسلوك المنسوبة إليه:

«الحادي عشر: حفظ الأدب بالنسبة إلى الله تعالى والرسول وخلفائه الإثني عشر (صلّى الله عليه وعليهم). وهذه المرحلة مغايرة للإرادة - وإن كانتا تجتمعان في بعض الموارد، وهذا الشرط من الشرائط المعظمة؛ تكلّم شخصٌ بين يدي الإمام (عليه السلام) بكلام فيه شائبة ثبوت قدرة للإمام، فسقط الإمام على الأرض ومرغ جبينه المقدّس بالتراب. وآخر حرّك لسانه بكلام اعتراض، فملأ فمه رماداً. وطائفة من أرباب القلوب لم يقرؤا القرآن جلوساً، بل كان أحدهم يمسك القرآن بيديه مواجهاً القبلة واقفاً بمنتهى العجز والمسكنة ويتلو القرآن. وفي محضر القرآن أمّا أنّهم لم يجلسوا أو راعوا غاية الأدب، كما في حضور السلاطين. والبعض كانوا يقفون تعظيماً لأسماء الله والأسماء الشريفة والأئمّة (عليهم السلام). وبعض عاشوا حياتهم في الجلوس والذهاب والأكل وسائر الحالات وكأنّهم يرون الله حاضراً هناك وراعوا الأدب. ورعاية الأدب حين عرض الحاجات والاحتراز من ألفاظ الأمر والنهي من جملة اللوازم»[1].

 

 


[1] رسالة سير وسلوك منسوب به بحر العلوم، ص146.

 

206


178

القسم التاسع: التواضع

﴿وَٱخفِض جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ﴾[1].

لا شكّ في أنّ أحد أهمّ الصفات وأسماها، هو التواضع. التواضع جميل لكلّ من تحلّى به، ولكنّه للروحانيّ أجمل، والتكبّر بالعكس، إنّه قبيح لكلّ من اتصف به، إلّا أنّه من طالب العلم أشدّ قبحاً. الترابيّة والتواضع سبب علوّ الإنسان وسموّه، وإرادة العلوّ سبب في سقوطه إلى حضيض الجهالة والشقاء، ومبعث الابتلاء بالتعاسة. وكثيرة هي الأمور التي تؤدّي إلى الاتّصاف بهذا الخُلُق القبيح: التكبّر والأنانيّة، منها: الجاه والمقام، والمال، والتملّك، والعلم، والمعرفة.

بعض الأفراد المحدودين بمجرّد أن يتعلّموا بضعة اصطلاحات صرفيّة ونحويّة وشبهها، يصابون بالغرور إلى حدّ أنّهم يعتبرون أنفسهم -نعوذ بالله- في مرتبة النبوّة، أو على الأقلّ أعلم العلماء. ومن الطبيعيّ أنّ مثل هؤلاء الأشخاص إذا وفّقوا لتربية صحيحة فسينزلون تدريجيّاً عن برجهم العالي ويدركون أنّه ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلعِلمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾، وفريقٌ آخر اتّخذوا العلم سلّماً ووسيلة، ويتوقّعون أن ينحني الناس احتراماً لهم، وينتظروا أوامرهم ويقوموا عنهم بكلّ أعمالهم ويؤمِّنوا لهم مستلزمات معيشتهم. مثلاً، يتوقّعون أن تنجز الدوائر معاملاتهم بشكلٍ استثنائيّ، ويفسح لهم القصّاب المجال قبل غيرهم، ويقدّم الخبّاز لهم الخبز قبل سائر الناس، ويحطّمون شخصيّاتهم بمثل هذه الترّهات. وللأسف فإنّ الذين يحملون هذا النوع من التفكير ليسوا قلّة، ويجب أن يكونوا بصدد إصلاح أنفسهم. والبعض أيضاً يفتخرون بعلمهم ويقرعون طبل ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ﴾ ويعتبرون أنفسهم لذلك مقدّمين على الآخرين وأفضل منهم. ولكن كما ورد في

 

 


[1]  سورة الشعراء، الآية 215.

 

 

209


179

القسم التاسع: التواضع

الحديث: «من قال أنا أعلم فهو جاهل»[1] هؤلاء أناس جهلة مبتلون بضعف الشخصيّة وعقدة النقص تجاه الناس، إنهم يريدون بهذا الادّعاء الفارغ، وبهذه المحاولات الحصول على شخصيّة كاذبة. وطائفة من فرط التكبّر، إذا صدر عمَّن يباحثهم أو يناظرهم كلام صحيح، فإنّهم يكابرون، وإذا سُئِلوا سؤالاً لا يعرفون جوابه، فهم لا يمتلكون شهامة قول «لا أدري» ويحاولون إسكات السائل باللفّ والدوران؛ ليغطّوا بذلك جهلهم خوف السقوط من أعين الناس.

وفي هذا الفصل، نذكُر -بحول الله تعالى- قِصَصًا هي نقيض النماذج المتقدّمة، ودواء مفيد لتلك الأمراض القاتلة.

يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «فلو أرخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وأوليائه، ولكنّه سبحانه كرّه إليهم التكابر، ورضي لهم التواضع، فألصقوا بالأرض خدودهم، وعفّروا في التراب وجوههم وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين»[2].

ومن الواضح أنّ للتواضع حدوداً وموارد لا ينبغي تجاوزها؛ ليلقي الإنسان نفسه في الذلّ بيده. وقد تكفّلت كتب الأخلاق ببحث ذلك.

الإمام الخمينيّ (قدس سره)

كان الإمام الخمينيّ (قدس سره) متواضعاً بالمعنى الواقعيّ للكلمة، ورغم كلّ هذا السموّ والعظمة والعلم والمعرفة الذي حيّر العالم لم يكن يرى نفسه إلّا طالب علم. ورغم كلّ هذه الخدمات للإسلام، فإنّه لم يكن يرى لنفسه حرماً ولا حم، ويخاطب الشباب المجاهدين في الجبهات: «أقبّل أيديكم وسواعدكم لأنّ يد الله معها، وأفتخر بذلك».

 

 


[1]  بحار الأنوار، ج2، ص110.

[2]  نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص290، الخطبة القاصعة، رقم192.

 

 

210


180

القسم التاسع: التواضع

كتب الإمام عام 1385هـ.ق في برقيّة من النجف أرسلها إلى أحد العلماء في إيران:

«تشرُّفُ الحقير بالعتبات المقدّسة فوز عظيم، إن من حيث زيارة العتبات المقدّسة للأئمّة (عليهم السلام)، وإن من حيث التشرّف بمحضر حضرات المراجع العظام، والعلماء الأعلام، والأفاضل الكرام، في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، وكربلاء المباركة، وسائر العتبات المقدّسة».

ويقول سماحته مخاطباً نوّاب مجلس الشورى الإسلاميّ:

«فكّروا جميعاً بالناس دائماً، هؤلاء هم عباد الله، هؤلاء هم الذين يقتلون الآن على الحدود، هم الذين يواجهون صعوبات الحرب، وهم الذين تشرّدوا، وهم يعيشون في هذه الأماكن وهذه الخيم دون أبسط المقوّمات. هؤلاء هم عباد الله وهم أفضل منّي، ويحتمل أن يكونوا أفضل منكم، فلماذا لا نفكّر بهم دائماً؟».

يقول أحد المقرّبين من الإمام:

عندما أراد الإمام أن يستقلّ الطائرة من بغداد إلى باريس قال: «سأبقى أنتقل من حدود إلى حدود بلدٍ آخر فلا تستوحشوا، وتابعوا أعمالكم بدقّة. أنا خجل واقعاً من الشعب الإيرانيّ لعشقه الشهادة إلى هذا الحدّ ومواصلة الثورة بهذه العزيمة». في حين كانت السبل مسدودة في وجهه، كان يقول: «أنا خجل من الشعب الإيرانيّ ويجب أن أعمل بتكليفي»[1] وإلى الأمس القريب كان الإمام (قدس سره) يجري يوميّاً العديد من عقود الزواج، وكان الإمام (قدس سره) يعاملهم بكلّ لطف ومحبّة ويزوّدهم بنصائحه[2].

وإليك تعريب رسالة ابن أحد الشهداء إلى الإمام (قدس سره) بالنيابة عن جمع من أبناء الشهداء والأسرى والمفقودين:

 


[1] فزارهائي أز أبعاد إمام، ج2، ص79.

[2]  المصدر السابق، ص45.

 

211


181

القسم التاسع: التواضع

قائدنا العزيز والمعظّم...

السلام عليكم

إن شاء الله، تكونون بخير.

إذا كنتم بخير، وكنتم مسرورين فسنكون نحن أيضاً مسرورين.

منذ سنين ومؤسّسة الشهيد تقيم لنا -أبناء الشهداء والأسرى والمفقودين- مخيّماً مركزياًّ. وفي كلّ سنة نتمنّى زيارتكم ولكنّا لم نستطع. هذه السنة جئنا للمرّة الثالثة إلى هذا المخيّم، ونريد منكم وأنتم مكان آبائنا أن توجّهوا لنا نداءً وتزوّدونا ببعض النصائح حول ما ينبغي أن نفعل بعد آبائنا، وماذا نفعل في صفوف المجتمع.

حفظكم الله... إن شاء الله نستطيع أن نزوركم.

إلهي إلهي حتّى ظهور المهديّ احفظ لنا الخمينيّ.

ابن أحد الشهداء يتمنّى هذه الأمنيّة بالنيابة عن جميع المشتركين في المخيّم.

وقد أجابه الإمام عن رسالته وإليك تعريب الجواب:

باسمه تعالى

ولدي العزيز جدّاً...

سرّتني رسالتك المحبّبة التي هي منك وبالنيابة عن سائر أولاد الشهداء والمفقودين والأسرى الأعزّاء. آمل منكم أيّها الأعزّاء الصغار الذين أنتم ذكرى المضحِّين في سبيل الله، ورفعة الإسلام العزيز، أن تبنوا أنفسكم كآبائكم للدفاع عن الإسلام العظيم، والوطن العزيز، وأن تصبحوا بتعلّم العلم، والأدب، والسعي للحصول على الكمال الإنسانيّ، والأخلاق الإسلاميّة، الأولاد الأكفاء لوطنكم.

أنتم -بفقدكم أعزَّاءَكم- أولاد الإسلام والنبيّ العظيم الشأن، وإن شاء الله تعالى توفّقون في حمى ربّ العالمين. وعاملوا أقاربكم خصوصاً أمّهاتكم الصابرات معاملةً حسنة. أسأل الله المنّان السلامة لكم والرحمة للشهداء والسلامة والحريّة لأسراكم ومفقوديكم والسلام عليكم.

شوّال 1405 روح الله الموسويّ الخمينيّ

 

 

213

 


182

القسم التاسع: التواضع

نعم كما يقول بعضهم:

«القائد الذي أجبر ممثّل كارتر وهو في الجّو، أن يرجع من حيث أتى، والذي تحدّى كارتر فكشف عن مضمون رسالته، والذي يستخفّ بجميع القوى الماديّة لطواغيت العالم، يتواضع في مقابل طفل أو عجوز أو مجروح أو جنديّ من حرس الثورة الإسلاميّة، إلى حدّ أن يقول: أنا «طلبه» -أي طالب علم- لا أكثر، أنا خادم للناس، لا تقولوا لي قائداً، يا ليتني كنت حارساً من حرّاس الثورة الإسلاميّة، و«قائدنا الطفل ابن الـ12 عاماً الذي فجّر نفسه بدبّابة عراقيّة وأمثال ذلك».

الآخوند الخراسانيّ قائد ثورة المشروطة

جاء في سيرة هذا العالم الكبير والمجاهد المقدام: هذا الوجود المبارك الذي كان في الواقع قائد الدين والدنيا لملايين المسلمين، كان متواضعاً جدّاً خصوصاً مع أهل العلم، كان يبادر أصغر الطلّاب بالسلام ويقف لهم في المجالس احتراماً. كان يجلّ أهل العلم كثيراً[1].

في ليلةٍ من الليالي والكلّ نيام، كان طالب يقرع بعنف باب الشيخ الخراسانيّ، زوجة هذا الطالب تكاد تضع حملها، ولأنّ هذا الطالب في النجف غريب وفقير ولا يعرف منزل القابلة؛ لهذا يمّم شطر منزل الشيخ. وسرعان ما جاء شخص وفتح الباب دون أن يسأل قبل ذلك من الطارق، رأى الطالب الشيخ وعلى رأسه شال أبيض وقد وضع قلماً فوق أذنه اليمنى، ومن شدّة التعجُّب والخجل نسي الطالب السلام. قال الشيخ: سلام عليكم، ماذا تأمر؟ وماذا يمكنني أن أساعدك؟ وعبّر الطالب الشابّ عن أسفه لازعاج الشيخ وذكر له حاجته، متمنّياً عليه أن يرسل معه الخادم ليرشده إلى منزل القابلة. فقال له: «كلّا، الخادم لا يستطيع المجيء، إنّه الآن نائم. أنا شخصيّاً آتي معك». وأصرّ الطالب على مجيء الخادم ليذهب معه، فقال الشيخ: «وقت عمل الخادم انتهى؛ إنّه يعمل حتّى ساعة معيّنة من الليل، والآن وقت استراحته ونومه،

 


[1] مرﮔـي درنور، ص401.

 

214


183

القسم التاسع: التواضع

اصبر قليلاً وأنا آتي». وبعد لحظات جاء الشيخ وقد لبس عباءته وحمل بيده فانوساً، وخرج من المنزل ومشى مع الطالب مسافةً طويلة منتقلاً من زقاق إلى زقاق حتّى وصل إلى منزل القابلة. جاءت القابلة ثمّ مشى الشيخ معهما إلى منزل ذلك الطالب والفانوس بيده. بعد ذلك عاد إلى بيته. وأوصل إلى ذلك الطالب كميّة من الأرزّ والسكر والقماش.

يقول هذا الطالب: «بعد تلك الليلة كلّما رأيت الشيخ كنت اطأطئ رأسي خجلاً إلّا أنّه كان يغمرني بلطفه باستمرار وكأنّه لم يُسد لي أيّة خدمة»[1].

وعندما قُطِعَ ماء النجف، ولم يمكن ترميم القناة الموجودة، اكتظَّ الناس العطشى فتدافعوا نحو بيت الشيخ، حجّة الإسلام وملجأ الأنام. وفي يومين وليلتين أعطى الشيخ حوالي ثلاثين ليرة للناس. وكلّ من لم يكن يحصل على نصيبه من الماء كان يأخذ بدل كوز الماء ليرة، هي ثمن حمل ماء حتّى لا يتعرّض للخطر من شدّة الزحام. وغالباً كان يعطي النساءَ والعجزة والمرضى ثمن الماء قراناً واثنين وثلاثة ليشتروا ماء الكوفة من السقّائين.

وفي اليوم الثالث اشترى مائتي حِمْل ماء من السقّائين ووزّعه في المنزل على الفقراء والعُجَّز. وكان مثال الفتوّة، فقد شمّر عن ساعده وبدأ بنفسه النفيسة يعطي الماء أو المال بعطف وحنان. وكان يتعرّض لأذًى جسديّ كثير في ذلك الزحام؛ حيث إنّ الإقبال على الماء كبير جدّاً. ومع كلّ ذلك الأذى كان يوزّع على الناس ببشاشة.

ومن يشاهد هذه الحالات من شخص، فمن المفروض، بحسب القاعدة أن يحبّه، لكنّ غالب هؤلاء الناس -خصوصاً العجائز الذين كان هو شخصيّاً يهتمّ بأمرهم -كانوا من الطاعنين فيه بتلقين من بعض المتنفّذين، بل كانوا يعتقدون -وبتعليمات خاصّة-أنّ إدارة السبحة لعدّة مرّات بلعن حضرة آية الله موجبة للفوز والصلاح، وكانت فاكهة

 

 


[1]  مرﮔـي درنور، ص379 - 380.

 

215


184

القسم التاسع: التواضع

مجلسهم سبّ مؤسّسة المشروطة، والمجالس النيابيّة[1].

جاء بدويٌّ إلى النجف ورأى الشيخ يصلّي، بقي فترة متحيّراً مبهوتاً ثمّ قال متعجِّباً: «شلون؟ هذا الشيخ يصلّي؟».

قيل له: «كيف لا يصلّي؟ والحال أنّه هو الذي أقام الصلاة في هذا العصر». وبعد أن تأمّل قليلاً في ذلك الغريق في بحر الإخلاص، قال باكياً: «والله، كثيرون قالوا لنا: هذا الشيخ لا يصوم ولا يصلّي». قيل له: «ليست هذه أوّل قارورة كسرت في الإسلام، إنّ رئيس المسلمين ويعسوب الدين أمير المؤمنين (عليه السلام) قالوا فيه مثل ذلك».

وتتّضح لنا أهميّة قصص الآخوند الشيخ الخراسانيّ (رحمه الله) عندما نعلم أنّه مؤلّف أفضل وأشمل كتاب في الأصول طيلة تاريخ الإسلام «كفاية الأصول» وأنّه الشخصيّة التي كان يحضر درسه ألف طالب، فيهم الكثير من المجتهدين[2]. صرّح بهذا الشيخ آقا بزرﮒ الطهرانيّ وأضاف: طيلة تاريخ الإسلام لم يظهر مدرّس مثله.

الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)

كان الشيخ الأنصاريّ عالي الهمّة جميل الأخلاق، وكان يتابع أمور الطلّاب شخصيّاً ويشرف على تربيتهم كالأب العطوف، لحظّ طلّابه أنّه منذ أيّام لا يحضر إلى الدرس في الموعد المحدّد، فسألوه عن السبب. قال: «أحد السادة الهاشميّين يحبّ دراسة العلوم

 

 


[1] الاستبداد والمشروطة، مصطلحان سادا في زمن الشيخ الخراسانيّ (رحمه الله)، يراد بالأوّل أن يكون الحكم للملك بدون شروط ولا رقابة... ويراد بالثاني «المشروطة» أنّ هناك شروطاً لا بدّ أن يلتزم بها الملك، في طليعتها وجود مجلس يمثّل الناس، وقد بدأت بوادر نهضة المشروطة، سنة 1323 في زمن مظفّر الدين شاه الذي اضطر أمام إصرار الجماهير على توقيع «فرمان» المشروطة، ورغم ذلك ثارت ثائرة الناس لأنّه ذكر من لهم الحقّ في تعيين الممثّلين فعدّد الأمراء والعلماء والمالكين الخ ولم يذكر «أفراد الشعب» مما اضطر الملك إلى تذييل فرمانه وإضافة «أفراد الشعب» وإثر ذلك مات، فخلفه محمّد عليشاه مع تشكيل أوّل مجلس شورى -برلمان- فعمل على إلغائه، فأفتى الشيخ الخراسانيّ(رحمه الله) بخلعه وفي سياق جهوده هذه... حدث ما يذكره المؤلّف نتيجة انقسام شامل آنذاك حول الاستبداد والمشروطة -عن دائرة المعارف شرق- مجموعة اطلاعات عمومي - فارسي، ص398-468 - 69 (المعرِّب).

[2]  مرﮔـي در نور، ص397 - 398.

 

 

216


185

القسم الثامن: احترام العلماء الصالحين

الدينيّة وفاتح بذلك عدّة أشخاص ليدرّسوه المقدّمات، إلّا أنّ أحداً منهم لم يوافق، واعتبروا أنّ شأنهم أجلّ من أن يتصدّوا لهذا الدرس وقد تولّيت تدريسه[1].

محيي علم الأصول الوحيد البهبهانيّ (رحمه الله)

جاء في سيرة هذا العالم الكبير الذي قضى على المنهج الأخباريّ وإلى الأبد:

«لم يترك الوحيد البهبهانيّ التدريس، حتّى في أواخر عمره، ولكي لا يحرم من نعمته فقد اكتفى بتدريس شرح اللمعة للتبرّك ولترغيب العلماء والفضلاء وتشجيع طلّاب العلم»[2].

الشيخ مرتضى الطالقانيّ

يقول أحد الفضلاء والمحقّقين المعاصرين في مقابلة معه:

كانت فترة دراستنا في النجف شيّقة جدّاً باعتبار أنّ الطلّاب كانوا جيّدين ومحصّلين واقعاً. والأساتذة كانوا أتقياء جدّاً وقد بلغوا حدّ النصاب (الكمال) في العلم والعمل. درس الأخلاق ضروريّ واقعاً للروحانيّين. يجب أوّلاً أن يَصْفُوَ الإنسان من الناحية الأخلاقيّة وبعدها يطوي المراحل العلميّة. تذكّرت نقطة مهمّة حول أستاذنا المحبوب الشيخ مرتضى الطالقانيّ، وهي أنّه كان يدرّس الخارج وكان يدرّس الأسفار ويدرّس المنظومة، والكفاية، كما كان يدرّس الطلبة الصغار المبتدئين...»[3].

ويقول عنه في مكان آخر:

في الوقت الذي كان هذا العظيم يدرّسني «الأسفار» لم يكن عنده مانع من أن يدرِّس «الأمثلة» إذا طلب منه ذلك[4].

 

 


[1] زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص78.

[2]  وحيد بهبهاني، ص253.

[3] كيهان فرهنـﮕـي، العدد 7، ص5.

[4] تاريخ حكماء وعرفا، ص92 و«الأمثلة» كتاب يعادل النحو الواضح مثلاً.

 

 

217


186

القسم التاسع: التواضع

الشيخ إبراهيم النجم آباديّ

جاء حول هذا العالم الكبير: «انتقل من نجم آباد إلى طهران متنكّراً، وفي إحدى مدارسها سأل طالباً: «هل تريد زميلاً لك في غرفتك؟» ورأى هذا الطالب أمامه ظاهراً عادياًّ، ولم يخطر بباله أنّه أمام أحد العلماء، فقال: «إذا كان شخصاً يساعد في القيام بخدمات الغرفة ويريحني فيمكنني أن أنسجم معه».

وبدأ الشيخ يعمل في الغرفة كخادم متواضعاً ساكتاً، وكانا معاً في الغرفة بحيث إذا قدم أحد يتحدّ مع ذلك الطالب ويهتمّ به. أمّا الشيخ، فكأنّه غير موجود وكأنّه ليس شيئاً. وذات ليلة، كان صاحب الغرفة يطالع كتاباً في الفلسفة كان يدرسه، وطال سهره والشيخ يتقلّب في فراشه فالضياء يمنعه النوم. وأخيراً أخرج رأسه، وقال له: «ما هو هذا الذي تطالعه الليلة ولا تنتهي منه ولا تنام؟»، قال الطالب المغرور دون اكتراث: «وما دخلك؟».

وبعد أخذٍ وردّ، قال الشيخ: «أرى أنّ أمامك الكتاب الفلانيّ وقد استعصى عليك فهم العبارة الفلانيّة لأنّك تخطئ في قراءتها، ثمّ نهض وقرأ له العبارة بشكل صحيح وشرح له المراد ببيان واضح وشاف. وقال له: «الآن وقد حُلّ الإشكال قم ونم، ولكن بشرط وعهد، أن تمرّ بما رأيت الليلة وكأنْ لم يكن ولا تذكره لأحدٍ أبداً، وأبقى أنا ذلك الخادم وأنت ذلك المخدوم».

وغرق المسكين صاحب الغرفة في بحرٍ من الحيرة. بقي إلى الصبح يفكّر في ما جرى، لم ينم.

وفي اليوم التالي، عندما رجع من درس ذلك الكتاب وضع الكتاب بين يدي صاحبه المجهول، وطلب منه أن يقرّر له الدرس، فسمع شرحاً أكمل وأفضل من شرح أستاذه. عندها استسلم وقرّر الاستفادة من الشيخ. وفي النهاية لم يتمكّن من حفظ العهد فأخبر زملاءه، الأمر الذي أدّى إلى أن يبدأ الشيخ بالتدريس وانتشر خبر مفاده: أخيراً بدأ

 

 

218

 


187

القسم التاسع: التواضع

شخص اسمه إبراهيم بتدريس الفلسفة في طهران وقد فاق جميع المدرّسين[1].

أحد الفضلاء المعاصرين في حوزة قمّ كتب حوالي خمسةٍ وعشرين مجلّداً في الفقه الاستدلاليّ وهو من المجتهدين الكبار، وهو في التواضع بحيث إنّه يدرّس من «كفاية الأصول» إلى الرسالة العمليّة، ورغم أنّه درّس «الكفاية» و«المكاسب» و«الرسائل» رّبما أكثر من عشرات المرّات، لا يأبى أبداً أن يدرّس الكتب العاديّة مثل «الباب الحادي عشر» و«أصول الفقه» و«منية المريد» بل قد شوهد يدرّس لبعض الطلّاب المبتدئين الرسالة العمليّة الفارسيّة في المدرسة الفيضيّة وعلى الملأ العامّ.

المقدّس الأردبيليّ (رحمه الله)

رأى أحد زوّار أمير المؤمنين (عليه السلام) المقدّس الأردبيليّ في الطريق، ولم يعرفه، وكان ذلك الزائر يبحث عمّن يغسل له ثيابه، فقال للمقدّس الأردبيليّ: «خذ ثيابي واغسلها وائتني بها». وأخذها فغسلها وجاء بها؛ ليدفعها إليه، وعرف بعض من كان بما جرى، فبدؤوا يلومون ذلك الزائر وينكرون عليه.

قال المقدّس الأردبيليّ: «ولمَ؟ وماذا حدث حتّى تلوموه؟ إنّ حقوق المؤمن على المؤمن أكثر من هذا بكثير»[2].

قال المحدّث القمّيّ معقّباً على ما تقدّم:

لقد اقتدى مولانا في هذا العمل بالإمام الثامن (عليه السلام)؛ فقد روي أنّ الإمام الثامن دخل الحمام يوماً فقال له شخص لا يعرفه: «دلّك ظهري»، وبدأ الإمام يدلّك ظهره (ويفركه)، فرآه بعض من يعرفه، فجاؤوا واعتذروا إلى الإمام ممّا قاله ذلك الرجل. فبدأ الإمام يحدّثهم مبيّناً أنْ لا غضاضة في ذلك، وهو ماضٍ في عمله إلى أن أنهاه[3].

 

 


[1] تاريخ حكماء وعرفاء متيخر بر صدر المتألّهين، ص39 - 40.

[2]  روضات الجنات، ج1، ص95.

[3]  بيدارﮔـران - أقاليم قبله، ص217، فوائد الرضوية، ص24.

 

 

219


188

القسم التاسع: التواضع

شخص اسمه إبراهيم بتدريس الفلسفة في طهران وقد فاق جميع المدرّسين[1].

أحد الفضلاء المعاصرين في حوزة قمّ كتب حوالي خمسةٍ وعشرين مجلّداً في الفقه الاستدلاليّ وهو من المجتهدين الكبار، وهو في التواضع بحيث إنّه يدرّس من «كفاية الأصول» إلى الرسالة العمليّة، ورغم أنّه درّس «الكفاية» و«المكاسب» و«الرسائل» رّبما أكثر من عشرات المرّات، لا يأبى أبداً أن يدرّس الكتب العاديّة مثل «الباب الحادي عشر» و«أصول الفقه» و«منية المريد» بل قد شوهد يدرّس لبعض الطلّاب المبتدئين الرسالة العمليّة الفارسيّة في المدرسة الفيضيّة وعلى الملأ العامّ.

المقدّس الأردبيليّ (رحمه الله)

رأى أحد زوّار أمير المؤمنين (عليه السلام) المقدّس الأردبيليّ في الطريق، ولم يعرفه، وكان ذلك الزائر يبحث عمّن يغسل له ثيابه، فقال للمقدّس الأردبيليّ: «خذ ثيابي واغسلها وائتني بها». وأخذها فغسلها وجاء بها؛ ليدفعها إليه، وعرف بعض من كان بما جرى، فبدؤوا يلومون ذلك الزائر وينكرون عليه.

قال المقدّس الأردبيليّ: «ولمَ؟ وماذا حدث حتّى تلوموه؟ إنّ حقوق المؤمن على المؤمن أكثر من هذا بكثير»[2].

قال المحدّث القمّيّ معقّباً على ما تقدّم:

لقد اقتدى مولانا في هذا العمل بالإمام الثامن (عليه السلام)؛ فقد روي أنّ الإمام الثامن دخل الحمام يوماً فقال له شخص لا يعرفه: «دلّك ظهري»، وبدأ الإمام يدلّك ظهره (ويفركه)، فرآه بعض من يعرفه، فجاؤوا واعتذروا إلى الإمام ممّا قاله ذلك الرجل. فبدأ الإمام يحدّثهم مبيّناً أنْ لا غضاضة في ذلك، وهو ماضٍ في عمله إلى أن أنهاه[3].

 

 


[1] تاريخ حكماء وعرفاء متيخر بر صدر المتألّهين، ص39 - 40.

[2]  روضات الجنات، ج1، ص95.

[3]  بيدارﮔـران - أقاليم قبله، ص217، فوائد الرضوية، ص24.

 

 

219


188

القسم التاسع: التواضع

الشهيد المظلوم بهشتي (رحمه الله)

في أوائل الفترة التي بدأت فيها حملة الاغتيالات ضدّ المسؤولين في الجمهوريّة الإسلاميّة على أيدي الفئات المسلحة المعادية للثورة، كان لا بدّ للشخصيّات من القبول بالمرافقين والحرس. قال الشهيد: «حيث إنّ الضرورة توجب ذلك أنا أسعى حتّى الإمكان أن احتفظ بطريقتي السابقة، مثلاً، لا أسمح أبداً أن يفتح لي الحرس باب السيّارة، وسأظلّ ملتزماً أن أباشر هذا وأمثاله بنفسي»[1].

العلّامة الشيخ محمّد جواد البلاغيّ (رحمه الله)

قيل الكثير عن تواضع البلاغيّ. قالوا إنّه كان يذهب بنفسه إلى السوق ويشتري ما يحتاجه ويحمله في الشارع والزقاق كسائر الناس، ولم يكن يرضى أبداً أن يساعده أحد في شؤونه، وعندما كانوا يطلبون منه أن يساعدوه في القيام بعمل، أو عمل شيء كان يقول: «صاحب الحاجة أولى بها (أو أولى بحملها)، ورد في الروايات: لعْن من ألقى كلّه على الناس وشقّ على الآخرين باحتياجه». هذا العالم الربّانيّ كان ملتزماً بهذا الأمر الإلهيّ بهذا الشكل وإلى هذا الحدّ[2].

العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

يقول أحد تلامذته:

«كان هذ الرجل دُنْيا من العظمة، كان يجلس في دار المدرسة على الأرض كأيّ طالبٍ صغيرٍ مبتدئ، يأتي إلى المدرسة الفيضيّة قبيل الغروب، وعندما تُقام الصلاة يلتحق -كسائر الطلّاب- بصلاة المرحوم آية الله السيّد محمّد تقيّ الخونساريّ. كان على جانب كبير من التواضع والأدب، وكان يبذل جهداً كبيراً لحفظ الآداب. وقد قلت له مراراً: «إنّ هذه الدرجة من الآداب منك تجعلنا بلا أدب فبالله عليك ارحمنا».

 

 


[1]  في خطاب للشهيد أذيع من إذاعة الجمهورية الإسلامية في السابع من تير/1364هـ.ش.

[2]  بيدارﮔـران - أقاليم قبله، ص212.

 

220


189

القسم التاسع: التواضع

الشهيد المظلوم بهشتي (رحمه الله)

في أوائل الفترة التي بدأت فيها حملة الاغتيالات ضدّ المسؤولين في الجمهوريّة الإسلاميّة على أيدي الفئات المسلحة المعادية للثورة، كان لا بدّ للشخصيّات من القبول بالمرافقين والحرس. قال الشهيد: «حيث إنّ الضرورة توجب ذلك أنا أسعى حتّى الإمكان أن احتفظ بطريقتي السابقة، مثلاً، لا أسمح أبداً أن يفتح لي الحرس باب السيّارة، وسأظلّ ملتزماً أن أباشر هذا وأمثاله بنفسي»[1].

العلّامة الشيخ محمّد جواد البلاغيّ (رحمه الله)

قيل الكثير عن تواضع البلاغيّ. قالوا إنّه كان يذهب بنفسه إلى السوق ويشتري ما يحتاجه ويحمله في الشارع والزقاق كسائر الناس، ولم يكن يرضى أبداً أن يساعده أحد في شؤونه، وعندما كانوا يطلبون منه أن يساعدوه في القيام بعمل، أو عمل شيء كان يقول: «صاحب الحاجة أولى بها (أو أولى بحملها)، ورد في الروايات: لعْن من ألقى كلّه على الناس وشقّ على الآخرين باحتياجه». هذا العالم الربّانيّ كان ملتزماً بهذا الأمر الإلهيّ بهذا الشكل وإلى هذا الحدّ[2].

العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

يقول أحد تلامذته:

«كان هذ الرجل دُنْيا من العظمة، كان يجلس في دار المدرسة على الأرض كأيّ طالبٍ صغيرٍ مبتدئ، يأتي إلى المدرسة الفيضيّة قبيل الغروب، وعندما تُقام الصلاة يلتحق -كسائر الطلّاب- بصلاة المرحوم آية الله السيّد محمّد تقيّ الخونساريّ. كان على جانب كبير من التواضع والأدب، وكان يبذل جهداً كبيراً لحفظ الآداب. وقد قلت له مراراً: «إنّ هذه الدرجة من الآداب منك تجعلنا بلا أدب فبالله عليك ارحمنا».

 

 


[1]  في خطاب للشهيد أذيع من إذاعة الجمهورية الإسلامية في السابع من تير/1364هـ.ش.

[2]  بيدارﮔـران - أقاليم قبله، ص212.

 

220


190

القسم التاسع: التواضع

منذ حوالى أربعين سنة وإلى الآن لم يُرَ في مجلس متّكئاً، بل يجلس دائماً في مقابل الضيوف مؤدَّبًا مبتعداً قليلاً عن الحائط بحيث يكون مجلسه دون مجلس الضيف. كنت تلميذه، وكنت أذهب إلى منزله كثيراً، وكنت أريد أن يكون مجلسي دونه مراعاةً للأدب ولكن هيهات، كان يقوم ويقول: «بناءً على هذا فيجب أن نجلس نحن في الباب أو خارج الغرفة». قبل سنين عديدة كنت في مشهد، وذهبت لزيارته، وجدته جالساً في الغرفة على فراش وكان الطبيب منعه من الجلوس على الأرض بسبب مرض القلب، فقام عن الفراش ودعاني للجلوس عليه فامتنعت. وبقينا فترة واقفين إلى أن قال أخيراً: «اجلس لأقول لك جملة»، تأدّبت وجلست، وجلس هو على الأرض فقال: «الجملة التي كنت أريد أن أقولها هي: هناك أكثر نعومة»[1].

طوال ثلاثين سنة كان لي فيها شرف الاتّصال به، لم أسمع منه أبداً كلمة «أنا»، وفي المقابل سمعت منه مراراً عبارة «لا أعلم» في الإجابة عن الأسئلة، تلك العبارة التي يرى الجهلة قولها عاراً. كان بحر العلم والحكمة المتلاطم الموج، يقولها من فرط التواضع بسهولة، واللَّافت أنّه بعد ذلك كان يجيب عن السؤال على صورة احتمال أو بعبارة «يبدو لي». أتذكّر أنّ شخصاً مضيء القلب كان يقول في محضره همساً وعيناه مغرورقتان: أتعجّب كيف أنّ الأرض تستطيع أن تتحمّل ثقل رجال من هذا النوع[2].

«منذ حوالى ثلاين سنة وأنا على صلة بالأستاذ، أشترك في درسه وأستفيد من جلساته الخاصّة ليالي الخميس والجمعة بمقدار إمكاني. لا أتذكّر أنّه، ولو مرّة واحدة طوال هذه المدّة، غضب أو صرخ في وجه طلّابه، أو أنّه أجرى على لسانه كلمة حادّة تتضمّن إهانةً لأحد، كان يدرّس بكلّ هدوء ومتانة، ولم يكن ينفعل أبداً وكان سريع الألفة والانسجام مع الأشخاص. كان ذلك أدبه مع الجميع، حتّى أصغر الطلّاب، كان يألفهم وكأنّهم من أصدقائه الخلَّص. كان يصغي لكلام الجميع ويعطف عليهم. كان متواضعاً جدّاً، لم أره

 


[1] مهرتابان، ص50 - 51.

[2]  يادنامه علامه، ص37.

 

 

222


191

القسم التاسع: التواضع

أبداً يفتخر بنفسه أو يمدحها، لم يكن يبخل بالعِلم، كان يقدِّم أدقّ المطالب العلميّة وبكلّ بساطة إلى الآخرين، مع أنّها أحياناً قد تكون من ابتكاراته ودون أن يثني على نفسه ويقول: لم يسبقني إليه أحد!

كان حريصاً على بذل العلم، لم يكن يترك سؤالاً دون جواب، وكان يجيب السائل بمستوى إدراكه. كان يقدّم المطالب العلميّة في عباراتٍ قصيرة، ولم يكن يستسيغ العبارات المنمّقة.

لم يكن يهتمّ بكثرة الطلّاب وقلّتهم؛ كان أحياناً يدرّس اثنين أو ثلاثة، ولم يكن يحرم غير الطلّاب من الاستفادة منه؛ فكلّ شخصٍ وفي أيّ زيّ وسنّ كان يذهب إليه يمكنه أن يستفيد منه، وقد استفاد من علمه كثيرون، وكانت تأتيه رسائل من داخل إيران وخارجها تتضمّن أسئلة علميّة ودينيّة، وكان يكتب جواب الرسائل بخطّ يده. كان يخاطب أحياناً بلفظة الأستاذ فيقول: «أنا لا أحبّ هذا التعبير نحن اجتمعنا هنا لنتعاون ونفكّر معاً للحصول على حقائق الإسلام ومعارفه». كان يحبّ المشي، وغالباً ما كان يذهب إلى المجالس المتنقّلة ماشياً وفي الطريق كان أيضاً يجيب عن الأسئلة العلميّة.

ولم تكن أعمال الأستاذ العلميّة في مستوى واحد؛ فمن جهة كان يكتب في التفسير (الميزان) أرقى المطالب ويشرح للأفاضل الطلّاب وأساتذة الجامعات والعلماء الأجانب مثل البروفسور «هنري كوربون» أدقّ المسائل الفلسفيّة، ومن جهة أخرى كان يكتب في أمور الدين وحقائقه بمستوى عاديّ بل كان يكتب حتّى لطلّاب المدارس. نعم، كان هذا الرجل الكبير واقعاً قدوة. أتذكّر أنّي في أوائل دراستي كنت أكتب له رسائل سخيفة وأسأله أسئلة عاديّة، ولكنّه رغم كلّ مشاغله العلميّة كان يكتب جواب الرسالة بخطّه ويرسله في أسرع الأوقات. ذكر أحد الطلّاب أيضاً أنّه سأل العلّامة سؤالاً فأجابه، فسأله السؤال نفسَه ثانية فأجابه أيضاً، وسأله السؤال نفسَه ثالثةً واعترض عليه فأجابه ذلك العظيم للمرّة الثالثة بمنتهى التواضع وكتب الجواب بخطّ يده».

 

 

223

 

 


192

القسم التاسع: التواضع

وفي ما يلي ترجمة نموذج ممّا كتبه سماحته بخطّ يده مع صورته:

باسمه تعالى

«تسلّمت رسالتك العزيزة واطّلعت على رغبتك الكبيرة في دراسة الفلسفة، اللازم أن تدرس هذا الفنّ بالطريقة التي يدرسه بها الآخرون وقد جرّبوا حتّى الآن أن يدرسوا المقدّمات ثم ّيبدؤون بدراسة الفلسفة ولا يستعجلون. ما هو متعارف الآن سليم، والحاصل أنهّم يدرسون المقدّمات العربيّة والمنطقيّة، ثمّ ينصرفون بعدها إلى الكتب المختلفة مثل المنظومة والإشارات والأسفار والشفاء، وإن شاء الله يحصلون على نتيجة كاملة.

والسلام عليكم

محمّد حسين طباطبائيّ

يقول أحد الفضلاء والمحقّقين المعاصرين: في إحدى السنوات الأخيرة تشرّفت بزيارة قمّ، وذهبت إلى منزل العلّامة الطباطبائيّ لزيارته، طرقت الباب ففتحه رجل عجوز. قلت: «السيّد موجود؟

-نعم.

- قل له إذا كان بإمكانه أن أتشرّف بخدمته».

ذهب وعاد وفتح باب غرفة ودخلت، لم يكن في الغرفة سجّادة أو بساط فجلست. جاء السيّد، سلّم عليّ واعتذر بأنّهم على أُهبةِ السفر إلى مشهد للتشرّف بزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «اذهب لآتي بشيء نجلس عليه» وأراد أن يذهب، فأمسكت يده بلطف، وقلت: «لا داعي أبداً»، ونزعت عباءتي وفرشتها، وقلت: «تفضّل يمكننا الجلوس على العباءة». قال: «في هذه المرحلة من عمري علّمتني درساً مربّياً».

قلت: «هذه الجملة -الإنذار- منكم مربّية أكثر. ثمّ جلسنا وتحدّثنا للحظات. ولن أنسى أبداً عظمة تلك اللحظات، وبعدها لم أوفّق للقائه [1](رحمه الله).

 


[1]  يادنامه علامه طباطبائي، ص60 - 61.

 

223


193

القسم التاسع: التواضع

نقل أحد الأصدقاء: رأيت شخصاً سأل العلّامة الطباطبائيّ مسألةً عاديّةً جدّاً وغير مناسبةٍ حول الغسل: أجابه المرحوم العلّامة، وأضاف: «أسأل هذه المسألة لشخصٍ آخر»؛ أي تأكّد من صحّة ما قلت لك بسؤال آخر! قال السائل: «كانت المسألة عاديّة جدًّا بحيث كدت أقول له: مولاي... كما قلت ولا داعي للسؤال»، إلّا أنّه، تواضعاً منه قال ذلك، وعندما مضى قلت للسائل: «ما الداعي أن تسأله هذه المسألة؟». قال: «كنت أعرف الجواب، إلّا أنّي أردت أن أتكلّم عدّة كلمات مع من هو تجسيد للتقوى».

يقول العلّامة الطباطبائيّ: «في مسألة «القوّة والفعل» التي بُحثت في كتاب «أصول الفلسفة» أخذني المرحوم المطهّري إلى منزله في طهران، وأبقاني أسبوعا؛ً كي يصل إلى عمق المسألة ويمكنه أن يكتب حواشيها وشروحها، وباحثني حتّى أقتنع»[1].

صدر المتألّهين (رحمه الله)

صدر المتألّهين أكبر فيلسوف إسلاميّ، يقول فيه أستاذه الميرداماد شعراً يوضّح فيه «أنّ سموّ فضله فاق السماء وأنّ أفلاطون يخشع في محرابه، وأنّه لم يجلس على مسند التحقيق مثله من الأوّلين والآخرين». يعبّر عن نفسه بـ«بعض الفقراء من الأمّة المرحومة».

جاء في سيرة هذا الحكيم الجليل:

«لم يكن في جميع مراحل حياته يعرف الغرور والعُجْب، وكان دائماً متواضعاً. وكي لا يجد الكبر إلى نفسه سبيلاً كان يقوم بأعمال لم يكن نظراؤه يقومون بها بأنفسهم. كان صدر المتألّهين منزّهاً عن تكلّفات العلماء والروحانيِّين والصوفيّين والعارفين في ذلك العصر، ولم يكن له نظير في التواضع في عصره. في شيراز التي هي مسقط رأسه والجميع يعرفونه، وبالإضافة إلى مقامه العلميّ كانوا يعرفون أنّ أباه من تجّار شيراز المشهورين،

 

 


[1]  يادنامه شهيد مطهري، الكتاب الأوّل، ص351.

 

224


194

القسم التاسع: التواضع

كان يتولّى شراء المواد التموينيّة من لحم وخبز وما شابه ويحملها بنفسه إلى المنزل دون أن تزعجه أنظار الناس المنصبّة عليه وهم يتعجبّون كيف أنّ هذا العالم الكبير لا يرسل خدمه لشراء الخبز واللحم.

 

ويُحتمَل بقوّة أنّ صدر المتألّهين كان يقوم بذلك أحياناً ترويضاً لنفسه وتحقيراً لها. كان صدر المتألّهين متمكّناً ماليًّا؛ فقد ورث ثروة أبيه، وكان في بيته عدّة خدم، وكانوا عادة يشترون لوازم البيت، ولكنّ صدر المتألّهين كان يحمل اللحم والخبز بيده إلى البيت أمام أنظار التجّار والآخرين في المدينة التي يعرفه أهلها كي يكسر غرور نفسه[1].

 

الشيخ آقا رضا الهمدانيّ (رحمه الله)

يقول المرحوم السيّد محسن الأمين العامليّ في ترجمة الفقيه الكبير والمحقّق المدقّق المرحوم الهمدانيّ صاحب الكتاب القيّم «مصباح الفقيه»: «... من تواضعه الشديد أنّه كان يقوم لكلّ داخل ويقوم للطلّاب جميعهم، حتّى في أثناء الدرس، والعادة المتّبعة في النجف أنّ الشيخ لا يقوم لأحد من تلاميذه في يوم الدرس سواء في أثنائه وخارجه، فإذا قام لهم علموا أنّ ذلك اليوم يوم تعطيل، أمّا الطلّاب، فيقومون للداخل منهم قبل شروع الشيخ في الدرس، وفي أثناء الدرس لا يقومون لأحد، أمّا شيخنا المترجَم فكلّما دخل واحد منهم قام له ولو في أثناء الدرس فيقوم والكرّاس الذي يقرأ فيه في يده، فإذا كان ذلك في أثناء الدرس كان وحده القائم وباقي الطلّاب جالسون. وكان يشتري لوازم بيته بنفسه، ولا يوكل ذلك إلى أحد. رأيته مرّة واقفاً على القصّاب ينتظر فراغه ليعطيه اللحم وذلك في أيّام الزيارة، والقصّاب مشغول بالبيع للزائرين، لا يلتفت إلى أصحابه المواطنين؛ لأنّ انتفاعه من الغرباء أكثر، وكان واقفاً قبل مجيئي مدّةً ألله أعلم مقدارها، فصحت بالقصّاب أن أعطِ الشيخ ما يريد. فقال الشيخ: ما يخالف. فقلت أيّ شيء ما يخالف يدعك إلى آخر الناس! فاعتذر القصّاب، ووزن له، ووزن لي بعده، ولولا مجيئي لكان حاله حال ابنتَيْ شعيب، ورأيته مرّة يساوم على الحطب يوم الجمعة والخميس؛

 

 


[1]  ملا صدرا، فيلسوف ومتفكر بزرﮒ إسلامي، ص 332-333، 337.

 

225


195

القسم التاسع: التواضع

لأنّهما يوما تعطيل الدروس في الأسبوع، يأتي الحطّابون بالحطب من البرّيّة على حميرهم ويقفون بها في الأزقّة، فتشتري الناس منهم، فقلت له: يا شيخنا كلّف غيرك يشتري لك الحطب فقال: أنا لا أغيّر طريقتي وكان يومئذٍ قد رأس وقلّده الناس...».

«كان يكره الشهرة ويحبّ العزلة إلّا في ما لا بدّ منه لدين أو دنيا، فكان لا يجلس في يوم عيد ولا يحبّ أن يشيّعه أحد إذا سافر، وكان يمشي في الطريق وحده وليس معه بالليل من يحمل أمامه الضياء كعادة كبار العلماء، وإذا رآه من لا يعرفه ظنّه بعض فقراء الطلبة. كنت أمشي معه يوماً ليلاً فاستقبله زائر من العجم، فسأله: «هل تصلّي ركعات الوحشة؟» (صلاة ليلة الدفن ركعتان يهدى ثوابهما للميّت) فقال: «لا». ولم يكن يعمل لنفسه دعاية ولا يلتمس من يعمل له ذلك، ولا يتحدّث بشيء ممّا جرى له ممّا فيه تميّز بشيء»[1].

 

المرحوم البيد آباديّ

هو العالم العابد المرحوم الشيخ محمّد الـﮕـيلانيّ المعروف بالبيد آباديّ. يقول فيه صاحب «روضات الجنّات»: وحكي أنّه (رحمه الله) كان من شدّة زهده في الدنيا وردعه داعية الهوى، لا يعبأ كثيراً بسلاطين وقته فكيف بمن كان دونهم؟! بل كان يظهر كراهيته اللقاء بهم وهم يعظّمونه حقّ التعظيم من كثرة ما يرونه فيه من الكرامات والمقامات، وكان لا يستنكف من ركوب حمير الحمولة العارية والخروج إلى المسافات البعيدة النائية[2].

ولا بأس هنا بالتذكير بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يعتبر هذه الصفة إحدى صفات النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) ويقول: «ولقد كان (صلى الله عليه وآله) يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه»[3].

 


[1]  أعيان الشيعة، ج7، ص21.

[2]  روضات الجنّات، ج71، ص123 بتصرّف يسير.

[3] نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص228، خ16.

 

226


196

القسم التاسع: التواضع

آية الله العظمى الحائريّ (رحمه الله)

قال أحد الأجلّاء: «مرض أحد الطلّاب، فهيّأ له المرحوم الحائريّ الدواء، وحمله إلى منزله. قال لزوجته أن تحضِّره ثمّ حمله هو بيده - ولم يرض أن يحمله خادمه - وأخذه إلى غرفة ذلك الطالب».

 

الشهيد الثاني (رحمه الله)

رغم مقامه العلميّ والروحيّ الشامخ، كان الشهيد يباشر بعض شؤونه الضروريّة بنفسه. جاء في سيرته: كان يحرس الكرم ليلاً، وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة، وكرْمه الذي كان له في جباع معروف محلّه الآن. وكان يحتطب لعياله ليلاً ويشتغل بالتجارة أحياناً، فيتاجر بالشريط ويحمله إلى البلاد النائية وكان يباشر ببناء داره ومسجده الذي هو إلى جنبها في قرية جباع. وذكر تلميذه ابن العودي في رسالته، أنّه كان يقسم أعماله على أوقاته، ولا يدع لحظةً من عمره في غير اكتساب فضيلة وإفادة مستفيد، وخلّف مائتي كتاب بخطّه من تأليفه وتأليف غيره[1].

المبادرة إلى السلام

نقل عن شهيد المحراب آية الله أشرفي أصفهاني قوله: كان آية الله العظمى السيّد محمّد تقي الخونساريّ جمّ التواضع، وكان في تواضعه التزامه بالمبادرة بالسلام. وكان حريصاً عليه في الشارع وعند دخول المدرسة.

يقول آية الله العظمى البروجردي (رحمه الله): «رأيت في عالم النوم أنّه أعلن من مكبّرات حرم المعصومة (عليها السلام) أنّ جنازة السيّد المرتضى وصلت إلى قمّ، ففكّرت في النوم أنّ السيّد المرتضى توفّي منذ سنين طويلة، وهو أيضاً كان في العراق فما هي المناسبة ليعلنوا ذلك في قمّ؟ وعندما استيقظت سمعت مكبّرات الحرم تعلن وفاة آية الله الخونساريّ وأنّ جنازته ستصل».

 

 


[1]  أورد المؤلّف نصّاً حول احتطاب الشهيد ليلاً وقد أوردت هذا النص لشموله ودلالته على أن ّالتواضع ومباشرة الشؤون الضرورية لا تعيق عن العلم، والنصّ منقول عن مقدّمة منية المريد.

 

227


197

القسم التاسع: التواضع

مؤلّف مفاتيح الجنان

المحدّث الكبير عبّاس القمّيّ (رحمه الله) في كتابه القيّم الفوائد الرضوّية - الذي هو في ترجمة علماء الشيعة - عندما يصل إلى اسمه يقول:

«حيث إنّ هذا الكتاب الشريف في بيان أحوال العلماء لم أجد المناسب أن أترجم لنفسي؛ إذ إنّي أحقر وأقلّ من أن أضع نفسي في عدادهم، ولذا صرفت النظر عن ترجمتي مكتفياً بذكر مؤلّفاتي»[1].

هذا هو تواضع إنسان ما تزال مؤلّفاته القيّمة والطريفة منذ أكثر من نصف قرن يستفيد منها ويرجع إليها الخواصّ والعوامّ. نعم، من تواضع لله رفعه الله. هؤلاء هم المروّضون لأنفسهم، الأتقياء المؤمنون حقًّا بالله والمعاد.

مفخرة الإسلام

يقول الأستاذ الشهيد مطهّري (رحمه الله):

«قبل عدّة سنوات دُعيت إلى الجمعيّة الدينيّة لجامعة شيراز، فوقف لتعريفي أحد الأساتذة هناك - وكان قبلاً طالب علم ولعلّه كان تلميذي- وفي آخر حديثه قال هذه الجملة: «إذا كان هذا الزيّ مفخرة للآخرين فإنّ فلاناً مفخرة زيّ الروحانيّة». شعرت أنّني أحترق. وعندما قمت لأتكلّم قلت: «يا فلان ما هذا الكلام الذي خرج من فمك؟! أصلاً هل تفهم ماذا تقول؟ أنا ليس لي إلّا افتخار واحد هو هذه العمامة والعباءة. من أنا حتّى أكون مفخرة العمامة والعباءة؟ ما هذه التعارفات الفارغة التي تتعارفون بها مع بعضكم؟ يجب أن يقال أبو ذرّ مفخرة الإسلام. الإسلام يفتخر بتربية أبناء له يحسب لهم حساباً؛ لأنّ لهم دوراً مهمّاً في الثقافة البشريّة. الدنيا لا تستطيع أن لا تكتب اسم الشيخ نصير الدين الطوسيّ على جزء من القمر؛ لأنّ له دخلاً في بعض اكتشافات القمر. من نحن؟ وما هي قيمتنا؟

 

 


[1] الفوائد الرضويّة، ص220.

 

 

228


198

القسم التاسع: التواضع

كاشف الغطاء (رحمه الله)

الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ذلك الذي يعبّر عنه الشيخ الأنصاريّ «ببعض الأساطين» ويقول صاحب «الجواهر» فيه: «لا أستطيع شرح الفروع الفقهيّة لكشف غطائه». عندما كان في أوج العظمة والشهرة، كثيراً ما شوهد يحمل طرف ثوبه، ويمشي بكلّ تواضع بين صفوف المصلّين يجمع المال للفقراء.

 

 

229

 

 


199

القسم التاسع: التواضع

لا أدري...

قول «لا أدري» في المسائل التي لا إحاطة للإنسان بها علامة الشهامة والتقوى وحسن البحث عن رضا الله والتصديق به. والجهلة يأبون التلفّظ بها؛ لأنّهم يعتقدون خطأً أنّها تحطّ من شخصيّتهم وموقعهم الاجتماعيّ، ولكنّ ذلك ليس إلّا وسوسة شيطانيّة.

قال تعالى: ﴿أَلَم يُؤخَذ عَلَيهِم مِّيثَٰقُ ٱلكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلحَقَّ﴾[1].

يقول أحد الفضلاء: ينبغي أن يورث العالم «لا أدري» إلى أصحابه بمعنى أن يكرّر هذه الكلمة دائماً في المسائل التي لا يعرفها ليألفوها هم ويعتادوا عليها، فتكون ميراثهم منه بعد وفاته ويستعملونها حيث ينبغي.

ويقول عالم آخر: تعلّم «لا أدري» فإنّك إن قلت «لا أدري» علّموك حتّى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتّى لا تدري. واعلم أنّ قول العالم «لا أدري» لا يضع منزلته، بل يزيدها رفعةً ويزيده في قلوب الناس عظمة تفضّلاً من الله تعالى عليه وتعويضاً له بالتزامه الحقَّ، وهو دليل واضح على عظمة محلّه وتقواه وكمال معرفته، ولا يقدح في المعرفة الجهل بمسائل محدودة[2].

 

الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)

«المرحوم الشيخ الأنصاريّ -رضوان الله عليه- الرجل الذي كان في العلم والتقوى نابغة الدهر، وما يزال العلماء والفقهاء يفتخرون بفهم دقائق كلامه. عندما كان يسأل

 


[1]  سورة الأعراف، الآية 169.

[2] منية المريد للشهيد الثاني (رحمه الله)، ص97.

 

231


200

القسم التاسع: التواضع

عن شيء، إذا كان لا يعرفه كان يتعمّد أن يقول بصوتٍ عالٍ: «لا أعلم، لا أعلم، لا أعلم»، كان يقول ذلك وبهذا الشكل؛ ليتعلّم تلامذته أن لا يستحوا من قول «لا أعلم» إذا سئلوا عن أمرٍ لا يعرفونه، وكان (رحمه الله) إذا سئل عن شيء يعلمه يتعمّد الجواب بصوتٍ منخفض[1].

يقول العلّامة المطهّري (رحمه الله)

أيّام الدراسة ذهبت في إحدى السنين إلى نجف آباد قرب أصفهان، كان الوقت شهر رمضان، عطّلت الدروس وكان أصدقاؤنا هناك. ذات يوم، كنت أريد اجتياز الشارع إلى الطرف الآخر، وعندما وصلت إلى وسط الطريق جاءني قرويّ وقال: «مولانا، عندي مسألة فأجبني عن مسألتي»، قلت: «قل»، قال: «هل يتعلّق غسل الجنابة بالبدن أم بالروح؟» قلت: «أنا لا أفهم معنى هذا الكلام، غسل الجنابة كأيّ غسل». وتنبّهت إلى أنّه قد يكون فكّر في معنًى صحيح، قلت: «هو من جهة مرتبط بروح الإنسان؛ لأنّه يحتاج إلى نيّةـ ومن جهة أخرى يرتبط بالبدن؛ لأنّ الإنسان يغسل بدنه». وسألته: «هذا هو مرادك؟».

قال: «لا، أجبني جواباً صحيحاً غسل الجنابة يتعلّق بالبدن أم بالروح؟».

قلت: «لا أدري».

قال: «فلماذا كوّرت هذه العمامة على رأسك؟»[2].

صعدت بمقدار معلوماتي

ابن الجوزي، أحد الخطباء المعروفين في عصره، ارتقى منبراً ذا درجاتٍ ثلاث وبدأ يتحدّث إلى الناس، فقامت امرأة من الجالسين وسألته سؤالاً قال: «لا أدري»... قالت: «إذا كنت لا تدري فلمَ جلست فوق الناس بثلاث درجات؟ قال: «هذه الدرجات الثلاث


 


[1] سيرة نبوي، ص116.

[2] المصدر نفسه.

 

232


201

القسم التاسع: التواضع

التي صعدتها هي بمقدار ما أعلم أنا ولا تعلمونه أنتم، لقد صعدت بمقدار معلوماتي ولو أنّي أريد أن أصعد بمقدار مجهولاتي لكان ينبغي أن يُصنَع لي منبرٌ يلامس فلك الأفلاك»[1].

القاسم بن محمّد بن أبي بكر

أحد فقهاء المدينة المتّفق على علمه وفقهه بين المسلمين، كما وصفه الشهيد الثاني وأضاف: «سئل عن شيء فقال: «لا أحسنه»، فقال السائل: «إنّي جئت إليك لا أعرف غيرك»، فقال القاسم: «لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، واللهِ ما أحسنه» فقال شيخٌ من قريش جالس إلى جنبه: «يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبه منك مثل اليوم»، فقال القاسم: «والله لأن يقطع لساني أحبّ إليّ أن أتكلّم بما لا علم لي به»[2].

الأسترآباديّ

قال الشهيد الثاني (رحمه الله):

وعن الحسن بن محمّد بن شرفشاه الأسترآبادي أنّه دخلت عليه يوماً امرأة فسألته عن أشياء مشكلة في الحيض، فعجز عن الجواب، فقالت له المرأة: «أنت عَذَبَتُك واصلة إلى وسطك فتعجز عن جواب امرأة» فقال: «يا خالة لو علمت كلّ مسألة يُسأل عنها لوصلت عَذَبَتي إلى قرن الثور»[3].

الله أعلم

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إذا سئلتم عمّا لا تعلمون فاهربوا». قالوا: كيف الهرب؟ قال: تقولُنّ ؟«الله أعلم».

 

 


[1]  سيرة، ص115 - 116.

[2] منية المريد، ص140.

[3] المصدر نفسُه، والمراد بالعَذَبَة: طرف العمامة.

 

233


202

القسم التاسع: التواضع

الأستاذ الذي صار أميّاً، بسبب التكبّر

يقول الشهيد دستغيب (رحمه الله):

قبل حوالى أربعين سنة وفي هذه الغرف في مسجد مشير الملك الشيرازيّ، حيث كان الطلّاب يقيمون كان يوجد مدرّس ماهر -وعمداً لا أذكر اسمه- كان يدرّس القوانين والمطوّل وكان مشهوراً بقوّة الذاكرة وسعة اطّلاعه. ونام ذات ليلة، وعندما استيقظ صباحاً رأى أنّه فقد ذاكرته، حتّى إنّه كان يريد أن يصلّي الصبح فنسي سورة الحمد. لقد صلّى سبعين سنة، والآن لا يتذكّر الصلاة، فتح القرآن رأى نفسه أنّه لا يستطيع القراءة. لقد فقد ذاكرته إلى حدّ أنّه لم يعد يميّز الألف من الباء وبقي على هذه الحال إلى أن مات[1].

 

 


[1]  استعاذه، ص240.

 

234


203

القسم التاسع: التواضع

إقرار بالحقّ...

المتواضعون يقرّون بالحقّ، فإذا لاحظوا أثناء المناظرات والمباحثات أنّ الطرف المقابل يقول الحقّ يسلّمون، بدون أدنى محاولة التفاف، ويخضعون للحقّ بكلّ معنى الكلمة.

الميرزا الشيرازيّ (رحمه الله)

يقول الشيخ آقا بزرﮒ في سياق تعداد تلامذة الميرزا:

«كان المولى محمّد الهرنديّ تلميذ العلّامة الأنصاريّ، وكان مرجعاً في مدينته، وبعد سنة 1300هـ.ق رجع إلى العراق لزيارة العتبات المقدّسة، وكان له لقاء بالميرزا، وجرى بحث هذين العظيمين في إحدى المسائل، وبعد ذلك عاد إلى الكاظميّة. وتنبّه الميرزا الشيرازيّ في ما بعد أنّ الحقّ مع المولى الهرنديّ، فأمر أن يكتبوا له بذلك ويرسلوا الرسالة إليه مع رسول يتوجّه إليه لهذا السبب قبل مغادرته ليخبره بأنّ الحقّ معه.

قال الميرزا: كم للمرحوم الشيخ -الأنصاريّ- من التلامذة الفحول ملأوا فجاج الأرض وهم مجهولون!»[1].

الرجوع عن الفتوى

جاء حول العالم الكبير المرحوم الميرزا إبراهيم الخوئيّ (رحمه الله): ولد سنة 1248 في خوى، وفي الخامسة والعشرين ذهب إلى النجف الأشرف، ودرس فيها على الشيخ وبعده على السيّد الكوهكمري في الفقه والأصول واستجاز في الرواية من الشيخ محمّد حسين

 


[1]  ميرزاي شيرازي، ص145.

 

235


204

القسم التاسع: التواضع

الكاظميّ والشيخ مهدي كاشف الغطاء. كانت مرتبته العلميّة بحيث إنّه تباحث مع الميرزا الشيرازيّ في مسألة فقهيّة واختلفا في الفتوى فيها. وعندما جدَّد الميرزا الشيرازيّ النظر في مدرك المسألة، وجد أنّ الحقّ مع الخوئيّ فعدل عن فتواه وأخبر الميرزا الخوئيّ بذلك[1]. حدث ذلك عندما كان الميرزا الشيرازيّ الكبير في أوج النفوذ والشهرة، إلى حدّ أنّه قضى -في زمان الشاه القاجاري- بسطر واحد على نفوذ الاستعمار الإنكليزيّ في إيران.

في مجلس الدرس

اشترك الآخوند الخراسانيّ ذات يوم في درس أستاذه في سامرّاء ليتبرّك بحديثه. كان الأستاذ جالساً على منبر يستدلّ على وجهة نظره في إحدى مسائل الدرس، فأشكل الآخوند على ما اختاره الأستاذ وأوضح رأياً آخر يتبنّاه. وأجابه الأستاذ مفنّداً أدلّة تلميذه، وأضاف أدلّة أخرى على ما ذهب إليه. وتكرّر هذا الأمر بينهما مرّتين أو ثلاثاً وكان سائر الطلّاب ساكتين يتابعون ما يجري بدقّة، وعندما احتدم النقاش قبل الآخوند رأي أستاذه احتراماً له وسكت. انتهى الدرس، وفي اليوم التالي عندما ارتقى الميرزا المنبر وقبل أن يبدأ الدرس، توجّه إلى الطلّاب والفضلاء الحاضرين قائلاً: «المسألة التي دار البحث فيها أمس الحقّ مع جناب الآخوند ورأيه هو الصحيح»[2].

الأستاذ المتواضع

يقول المحدّث الخبير السيّد نعمة الله الجزائريّ (رحمه الله): «... وما أحسن الإنصاف من العالم، وقد كان لي شيخ جليل قرأت عليه كثيراً من العربيّة والأصول فما وجدت أحداً أنصف منه، وذلك أنّه ربّما أشكلت المسألة علينا وقت الدرس، فإذا طالعتها أنا وكنت أصغر الشركاء سنّاً قال لي ذلك الشيخ: «هذا الحقّ وغلطت أنا وجميع هؤلاء»، فيغلّط نفسه والطلبة لأجل معرفته بصحّة كلامي، ثمّ يقول لي: إمْلِ عليّ ما خطر بخاطرك

 

 


[1]  زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص171.

[2]  مرﮔـي درنور، ص71.

 

236


205

القسم التاسع: التواضع

حتّى أعلّقه حاشية على كتابي»، فأملي أنا عليه وهو يكتبه حاشية، وهو وقت تأليف هذا الكتاب في بلاد حيدر آباد من بلاد الهند واسمه الشيخ جعفر البحرينيّ مدّ الله أيّام سعادته.

المحقّق الأردبيليّ

كانت تدور مباحثات بين الشيخ عبد الله الشوشتريّ والمقدّس الأردبيليّ -رضوان الله عليهما- وكثيراً ما كان المقدّس يسكت أثناء البحث أو يطلب تأجيل البحث ليراجع المسألة، ثمّ يأخذ بيد العلّامة الشوشتريّ ويخرجان من البلد، فيقول له: «هات مسألتك». فيتكلّم فيها بالتفصيل والتحقيق ويبيّن رأيه في وجوهها. ويسأله الشوشتري: «لمَ لمْ تبيّن ذلك هناك مع إحاطتك التامّة بالمسألة»؟ فيقول: «كنّا نتباحث أمام الآخرين وكان من الممكن أن ندخل في المجادلة ومحاولة تغلّب أحدنا على الآخر. ولكن هنا لا أحد إلّا الله تعالى ونحن بمنأى عن المباهاة والمفاخرة»[1].

الشيخ الأنصاريّ

كان الشيخ الأنصاريّ رغم مستواه العلميّ، يصغي تمام الإصغاء إلى كُلِّ من يتحدّث في مجلس الدرس، حتّى إذا كان من أصغر الطلّاب، وذات يوم قال الشيخ من فوق منبر التدريس:

«أيّام دراستي بخدمة شريف العلماء والمولى النراقيّ والشيخ عليّ بن الشيخ (المعروف بكاشف الغطاء) كنت مغروراً بذهني وإدراكي وذاكرتي، بحيث إنّي كنت كلّما تعمّقت في مطلب ووصلت فيه إلى رأي، لم أكن أعد أهتمّ بما يقوله أساتذتي حوله، بل لم أكن أستمع إلى كلّ ما يقولونه حول ذلك المطلب، ولكنّي الآن وصلت إلى قناعة ضرورة الإصغاء حتّى إلى أقلّ الطلّاب حتّى آخر كلامه؛ لأنّي جرّبت فوجدت أنّي قد أرجع عن رأي تبنيّته، بسبب كلام طالب مبتدئ»[2].

 


[1] الأنوار النعمانيّة، ج3، ص4.

[2]  زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص77 - 78.

 

237


206

القسم التاسع: التواضع

كان الميرزا الشيرازيّ قليل الكلام في درس الشيخ، وعندما كان يتكلّم أحياناً كان صوته هادئاً إلى حدّ أنّ الشيخ كان يضطر أن يميل باتّجاهه ليسمع كلامه. وكلّما كان الميرزا يريد الكلام كان الشيخ يسكت الحاضرين قائلاً: «جناب الميرزا يريد أن يتكلّم». وبعد أن يستمع إلى كلامه، يقرّره الشيخ للطلّاب (أيّ يعيد عرضه عليهم). ومن يعرف الشيخ يعلم مدى أهمّيّة هذا الأمر وعظمته[1].

تكريم التلميذ

كان الشيخ حسن صاحب «المعالم» والسيّد محمّد صاحب «المدارك» معاً تلميذَيْ المحقّق الأردبيليّ وكان المقدّس الأردبيليّ (رحمه الله) عند تدريسه لهما مشغولاً بكتابة كتابه القيّم شرح إرشاد العلّامة (رحمه الله) وكان يقدّم لهما أقساماً من كتابه ويقول: «أصلحا عباراته غير الفصيحة». وكان يفعل ذلك دون أن يهتمّ بما قد يقال من أنّه يستعين بطلّابه. إن في ذلك لعبرة[2].

الاستفادة من التلميذ

بلغ المستوى العلميّ، وقدرة الاستنباط عند آية الله العظمى البروجرديّ -رضوان الله عليه- إلى حدّ أنّه كان في شبابه يعترض على أستاذه الآخوند الخراساني ويشكل عليه. كان الآخوند الخراسانيّ من المدرّسين الذين يقلّ نظيرهم في العالم الإسلاميّ؛ فقد كان في الأصول عالماً استثنائيّاً، ومن أساتذة هذا العلم كما كان في فنّ التدريس أستاذاً لا نظير له، وكان يتمتّع بقدرة عجيبة في البيان والتحقيق والتقرير. كان يشترك في درسه حوالى ألف ومائتي شخصٍ ولعلّ خمسمئة منهم كانوا مجتهدين. يقال إنّ صوته كان قويًّا بحيث إنّ صوته بدون مكبّر كان يملأ فضاء المسجد، وإذا أراد تلميذ أن يُشكِل كان عليه أن يقف ويقول ما يريد.

 

 


[1]  ميرزاي شيرازي، ترجمة هدية الرازي، ص37.

[2]  ريحانة الأدب، ج3، ص393.

 

238


207

القسم التاسع: التواضع

في مقابل أستاذ قدير من هذا النوع وقف آية الله البروجردي -وفي شبابه- وطرح إشكاله وقرّر ما يريد بيانه، قال المرحوم الآخوند: «أعد عليّ كلامك» وكرّر البروجردي كلامه، فرأى الآخوند أنّ كلامه سليم، وإشكاله وارد؛ ولذلك قال:

«الحمد لله لم أمت حتّى استفدت من تلميذي»، «التواضع دليل الوصول إلى الكمال لأنّ الراكب عندما يصل يترجّل»[1].

مع الإمام الخمينيّ (قدس سره)

يقول الإمام في أحد مؤلّفاته القيّمة: «وإذا كنت -لا سمح الله- من أهل الجدال والمراء في المباحثة العلميّة -كما يتّصف بعضنا نحن الطلبة بهذه السريرة القبيحة- فتصرّف لمدّة بخلاف ما تهوى نفسك. فإذا دار نقاش علميّ في المجالس الرسميّة الحافلة بالعلماء والعوامّ، ورأيت أنّ الطرف الآخر يقول شيئاً صحيحاً، فاعترف بخطئك وأيّد كلامه، والمأمول أن تتخلّص من هذه الرذيلة في فترة قصيرة. إن شاء الله لا يكون كلام بعض أهل العلم ومدّعي المكاشفة صحيحاً! يقول: كشف لي في إحدى المكاشفات أنّ «تخاصم أهل النار[2] الذي أخبر به الله تعالى هو مجادلة أهل العلم والحديث». وإذا احتمل الإنسان النصيحة فيجب أن يجتهد كثيراً ليكون بصدد التخلّص من هذه الخصلة.

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وما أقبح أن يُحْرَم الإنسان بوساطة مغالبة جزئيّة لا طائل تحتها ولا ثمر لها ولا أثر، من شفاعة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ويُحوِّل مذاكرة العلم التي هي من أفضل الطاعات -إذا وقعت بالقصد الصحيح- إلى أعظم المعاصي، فتجعله تالي عبدة الأوثان»[3].

 

 


[1]  حكايتها وهدايتها در آثار شهيد مطهري ص106، والسطر الأخير ترجمة بيت شعر فارسي.

[2] إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهلِ ٱلنَّارِ﴾ سورة ص، الآية 64.

[3]  «الأربعون حديثًا، الحديث الأوّل، ص151 - 152 والعبارة الأخيرة إشارة إلى الحديث المرويّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ذروا المراء فإنّ أوّل ما نهاني عنه ربّي بعد عبادة الأوثان المراء»، منية المريد، ص158.

 

239


208

القسم العاشر: التسامح والنبل

إحدى الصفات الفاضلة والأخلاق الحميدة التي أكّدت عليها الآيات والروايات، مسألة التسامح والعفو عن الحمقى والجهلة والتحمّل والنبل في مقابل البلهاء.

يجب أن يكون صدر الإنسان كالبحر، فلا يبادر إلى الانتقام بمجرّد أن يؤذيه أحد، بل ينبغي أن ينظر إلى مثل هذه الأمور بعين التسامح، فلا يضيق صدره، ولا ينكسر قلبه، ولا يثنيه ذلك عن مواصلة السير باتّجاه هدفه. وبالإضافة إلى العفو عن المسيء، ينبغي أن يحسن إليه.

الذين يتحفّزون للانتقام لدى أقلّ إهانة أو احتقار يواجههم، هم ضيّقو الأفق، لم تنفعهم إنسانيّتهم. ما أكثر ما رأينا أشخاصاً يستشهدون بكلام آذاهم قبل عشرات السنين، وما زالوا يفكّرون بالعقاب الذي يشفي غليلهم بأيّة وسيلة وأيّة حيلة، يمكنهم تحقيق ذلك، كأنّه لم يقرع أسماعهم قوله تعالى: ﴿وَأَن تَعفُوٓاْ أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ﴾[1]. ولم يلامس شغاف قلوبهم هذا النداء المحّبب: ﴿ٱدفَع بِٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾[2].

ولقد مدح القرآن الكريم المتّصفين بهذه الصفة الحميدة وأمر المسلمين بالتحلّي بها. قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغوَ أَعرَضُواْ عَنهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعمَٰلُنَا وَلَكُم أَعمَٰلُكُم سَلَٰمٌ عَلَيكُم لَا نَبتَغِي ٱلجَٰهِلِينَ﴾[3].

 

 


[1]  سورة البقرة، الآية 237.

[2]  سورة فصلت، الآية 34.

[3]  سورة القصص، الآية 55.

 

243


209

القسم العاشر: التسامح والنبل

وهذه نماذج من سيرة العلماء حول هذا الموضوع:

المحقّق الطوسيّ (رحمه الله)

جاء في سيرة المحقق الشيخ نصير الدين الطوسيّ (رحمه الله): «سلّم شخص رسالة إلى المحقّق من شخص آخر تتضمّن أسوأ السباب والشتائم، وفيها قوله عن المحقّق «الكلب ابن الكلب».

فقال المحقّق ملاطفاً: «وصفه لي بالكلب غير صحيح ؛ لأنّ الكلب من الحيوانات التي تسير على أربع، وهو يعوي، وجلده مكسوّ بالوبر، وله أظافر طويلة، وهذه الخصوصيّات ليست موجودة فيّ، فإنّ قامتي مستقيمة وجسدي لا يكسوه الوبر وظُفْري عريض وأنا ناطق وضاحك، وفصولي وخواصّي غير فصول الكلب وخواصّه وما هو موجود فيّ مناقض لما قاله صاحب الرسالة عنّي».

وهكذا أجابه بهذه اللطافة دون أن يجري على لسانه كلمة سيّئة أو يؤذي رسوله[1].

الأستاذ الأكبر

جاء حول الآخوند الخراساني (رحمه الله): «كان يتحمّل كلّ الإساءات التي كانت توجَّه إليه من علماء السوء، بل إنّه لشدّة حيائه كان يهتمّ بالقيام بالآداب الاجتماعيّة تجاه مصادر السوء أولئك، بل كان ذلك يزداد. وإذا واجه أحدهم مشكلة ما، كان يبذل جهده لمساعدته، وكان إذا جرى ذكرهم في مجلسه يذكر أسماءهم مقرونة بالتعظيم، ولم يكن يجرؤ أحد أن يذكرهم بسوء في مجلسه[2].

في أحداث «المشروطة» عندما وقع الخلاف بين الروحانيِّين كثيراً ما كان يتّفق أن يضطرّ بعض أفراد الطرف الآخر إلى اللجوء إلى الآخوند لحلّ مشاكل كانت تواجههم، فكان يلبّي طلباتهم بكلّ رحابة صدر. ذات مرّة جاءه شخص، وكان من أشدّهم وقيعة

 

 


[1]  بيدار ﮔران أقاليم قبله، ص218، والفوائد الرضوية، ص609.

[2]  مرﮔـي درنور.

 

 

245


210

القسم العاشر: التسامح والنبل

فيه وذمّاً له. كان هذا الشخص من خطباء كربلاء المعروفين، وأراد أن يبيع بيته ليسدّد ديونه، قال له المشتري: «إذا وقّع الآخوند على سند بيتك اشتريه وإلّا فلا».

ولم يكن ذلك الخطيب مستعدّاً أبداً للذهاب إلى الآخوند؛ لأنّه قد هاجم الآخوند مراراً وعلى رؤوس الأشهاد لدفاعه عن المشروطة، ومن جهة أخرى كان يخشى أن يتعرّض له أحد من مؤيّديه عند الذهاب إليه، فيكون قد عرّض نفسه للخطر. ولكن ضغط الدَين ألجأه إلى ذلك، فجاء من كربلاء إلى النجف والتقى الشيخ الآخوند، احترمه الشيخ كثيراً، وأجلسه في صدر المجلس وجلس دونه وعبّر عن سروره بلقائه، وبيّن ذلك الشخص سبب مجيئه قائلاً: «أرجو أن توقّع هذا السند لأستطيع أن أبيع بيتي». تناول الشيخ السند من يده وقرأه، ثمّ وضعه تحت الفراش.

واعتمل الحقد في قلب الخطيب. كان يقول في سِرِّه: «أرأيت؟ لقد كشف هذا الرجل عن حقيقته، لم يوقّع السند، بل أخذه منّي ولن أستطيع بيع البيت أبداً». وفي هذه الأثناء، قام الشيخ وأخرج من خزانته عدّة أكياس من الليرات ودفعها إلى ذلك الخطيب قائلاً: «أنت من أهل العلم وأنا لا أرضى أبداً بضغط الحاجة على أهل العلم، خذ هذا المبلغ، وأدِّ ديونك ولا تبع بيتك فتشرّد عائلتك، وإذا احتجت أيضاً - لا سمح الله- فتفضّل إلى هنا، إذا كان عندي ما تحتاجه فسأكون ممتنّاً». يضيف ناقل القصّة: «عندما رأى الخطيب ذلك وسمع، غمره الحياء وسيطر عليه الخجل... إلى حدّ أنّه أصبح عند ذلك من أنصار الشيخ ومحبّيه»[1].

يقول آية الله السيّد هبة الدين الشهرستانيّ (رحمه الله):

كنت ذات يوم في منزل الشيخ الآخوند في النجف، وكنت جالساً في خدمته، وكان ذلك عندما بدأت ثورة المشروطة في إيران ووقع الاختلاف بين العلماء. في ذلك اليوم جاء سيّد إلى منزل الآخوند وقال له: «أنا أقلّد آية الله السيّد كاظم اليزديّ وأريد أن

 

 


[1] مرﮔـي درنور، ص381 - 382.

 

246


211

القسم العاشر: التسامح والنبل

أجري معاملة مع فلان فأخذت له ختم وإمضاء وإجازة السيّد كاظم اليزدي وحيث إنّه يقلّدكم فلم يوافق وقال: ائتني بإجازة الآخوند». فقطع أستاذنا الآخوند كلامه وقال: «اذهب وقل له عن لساني يقول الآخوند: إذا كنت واقعاً تقلّدني فيجب أن تضع ختم السيّد كاظم اليزديّ وإمضاءه على رأسك وتطيعه فوراً»[1].

الميرزا الشيرازيّ (رحمه الله)

«لم يكن له (رحمه الله) نظير في حسن اللقاء وحسن السليقة وحلاوة الحديث. عند اللقاء مع أيّ شخص كان يوفِّيه حقّه، بحيث إنّ ذلك الشخص يفارقه راضياً مسروراً. لم يكن أحد يتمتّع بمثل رحابة صدره. كان الداخلون عليه كثيرين جدّاً، وكان فيهم المؤمن والمنافق والخائن والأمين، الصالح والطالح، وكان يتحدّث مع كلّ منهم بما يناسب شأنه ومنزلته. قسماً بالله، إنّه لم يقل كلمة نابية حتّى لمستحقّها، ولم يقطّب في وجه أحد، ولم يجاز الإساءة إلّا بالإحسان، بل كان يخاطب المسيء بأعذب منطق مقروناً بالتبسّم والاعتذار. إنّه الخُلُق العظيم الذي ورثه من نبيّ الإسلام العظيم»[2].

«إذا كان سليمان قد أودع المارد السجن فأودع مارد طبعك السجن وكن سليمان»[3].

العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله)

يقول أحد تلامذة العلّامة:

كانت للأستاذ الجليل في مواجهة سيّئي السريرة والشياطين طريقة مستوحاة من الكتاب والسنّة. أتذكّر عندما قام أحمق مغرض بعمل جاهل لإضعاف شخصيّته العلميّة واستجازه جمع من محبّيه في التصدّي له، قال بكلّ هدوء واطمئنان: ﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلمَكرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهلِهِۦ﴾[4] وسرعان ما أصبح ذلك الجاهل مصداق هذه الآية الشريفة. وقد

 

 


[1] المقامات العليّة، ص49.

[2] ميرزاي شيرازي، ص48 - 49.

[3] مضمون بيت شعر فارسي.

[4] سورة فاطر، الآية 43.

 

247


212

القسم العاشر: التسامح والنبل

تكرّرت هذه التجربة مع عدّة أشخاص ابتلوا بمصائب وفضائح عجيبة، وقد ثبتت هذه الحقيقة عمليّاً، وهي أنّ كفران نعمة وجود الرجال الإلهيِّين وإساءة الأدب إلى العلماء سبب في سلب التوفيق، والخذلان والافتضاح في الدنيا والاخرة»[1].

«تعلّم الحلم من الصدف، فمن يقطع رأسك قدّم له الجواهر لا يعكّر الحجر صفو بحر متلاطم، العارف الذي يتألّم ما زال ماؤه ضحلاً»[2].

العفو عن القاتل

في عصر زعامة المرحوم آية الله العظمى السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ، وفي إحدى الليالي بينما كان في النجف الأشرف يصلّي صلاة المغرب والعشاء جماعةً أقدم شخص على قتل ابنه الذي كان أهلاً لخلافة والده حقًّا. وعندما اطّلع هذا الرجل ابن السبعين عاماً على خبر شهادة ابنه، أظهر من الصبر والتحمّل ما لا يوصف، قال: لا حول ولا قوة إلّا بالله، ثمّ قام وصلّى العشاء، وعفا عن قاتل ابنه[3].

لا تُشح بوجهك عن المذنب أيّها العابد، وانظر إليه نظرة عفو إذا كنت أنا قد فعلت فعل اللئام، فمرَّ بي أنت مرور الكرام.

سمعت أحد أساتذة الأخلاق الكبار يقول: كان آية الله الأصفهانيّ يأخذ شهريّاً صرّة من رسائل الإهانة والشتائم التي كانت تصلُ إليه ويلقيها في النهر، وكان من العظمة بحيث إنّه لم يكن يتكلّم بشيء عمّا فيها أبداً، وكان يسامح أصحابها.

وينقل شبيه ذلك عن آية الله العظمى البروجرديّ نقلاً عن خادمه.

 

 


[1] يادنامه علامة، ص40 - 41.

[2] مضمون بيتين/ الثاني السعدي.

[3] ﮔـنجينئه دانشمندان، ج1، ص221، للتوسع راجع «الكلام يجر الكلام»، ج1، ص207 - 208.

 

248


213

القسم العاشر: التسامح والنبل

الدعاء للتلميذ

يقول السيّد الجزائريّ:

«وأمّا تلاميذنا فمنهم من آذانا غاية الإيذاء، وعقَّنا نهاية العقوق، فنحن نقول: اللّهم قابل إساءته إلينا بالإحسان، وقابل عقوقه لنا ببرّك به، ووفّقه لكلّ خير بحقّ محمّد وآله الطاهرين»[1].

«من السهل أن تجازي الإساءة بالإساءة، إن كنت رجلاً فأحسن إلى من أساء إليك».

«أنا أسيء وأنت تجازيني بالإساءة، فأخبرني ما الفرق بيننا إذًا؟»[2].

التكفير

كان الشيخ محمود -حفيد الوحيد البهبهانيّ- من العلماء الكبار والأجلّاء، ولكنّ الميرزا المسيح -الذي كان أحد العلماء المعاصرين له ونتيجة سوء تفاهمٍ بينهما- أفتى بكفره. ومرّت مدّة، ثمّ جاء الميرزا المسيح إلى قمّ للتشرّف بزيارة المعصومة (عليها السلام). وصلّى جماعةً في مسجد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) وهو أحد أكبر مساجد قمّ.

ولحسن الحظّ كان الشيخ محمود قد جاء إلى قمّ قبل ذلك، وعلم أنّ الميرزا المسيح يقيم الجماعة فحضر إلى المسجد واقتدى بالميرزا في الصلاة. وبعد الصلاة سأله من حوله باستغراب: «الميرزا المسيح يكفّرك وأنت تحضر جماعته؟» فقال في الجواب: «وما المانع؟ لا منافاة في أن يشتبه الأمر على الميرزا ويحكم بكفري. ولكن أعتبره أنا عادلاً، وطبق المباني الفقهيّة، فعندما يعمل كلّ منا برأيه يكون مثاباً ومأجوراً». وعندما بلغ ذلك الميرزا المسيح بادر إلى زيارة الشيخ وتحوّلت الخصومة إلى صداقة. وكان الميرزا دائماً معجباً بأخلاق الشيخ[3].

 

 


[1] الأنوار النعمانيّة، ج3، ص92.

[2] ترجمة بيت منسوب للخيّام وما قبله ترجمه بين السعدي.

[3] قصص العلماء، ص146 - 147.

 

249


214

القسم العاشر: التسامح والنبل

وقد نُقل شبيه هذه القصّة عن الميرزا القمّيّ صاحب «القوانين»، والحكيم الكبير الشيخ ملّا عليّ النوريّ.

سائل غير مؤدّب

وزّع الشيخ جعفر كاشف الغطاء يوماً مبلغاً على فقراء أصفهان، وبعد نفاد المال أمّ المصلّين. وبين الصلاتين وفيما كان الناس منشغلين بالتعقيب، جاء سيّد فقير وقليل الأدب ووقف مقابل الإمام قائلاً: «أيّها الشيخ أعطني مال جدّي، الخمس». قال الشيخ: «تأخّرت قليلاً وللأسف لم يبق شيء». فما كان من هذا السيّد غير المؤدّب إلّا أن تفل على لحية الشيخ بكلّ وقاحة. أمّا الإمام، فإنّه ليس فقط لم يصدر عنه أيّ ردّ فعل قاس، بل نهض وأمسك طرف ثوبه ومشى بين المصلّين وهو يقول: «كلّ شخص يحبّ لحية الشيخ فليساعد السيّد» وكان الناس قد شاهدوا ما جرى فامتثلوا وملأوا طرف ثوب الشيخ مالاً. ثمّ جاء الشيخ وقدّم ذلك كلّه إلى السيّد، ووقف يصلّي العصر[1].

الميرزا الشيرازيّ (رحمه الله)

«كان في سامرّاء رجل يحقد على الميرزا الشيرازيّ لسبب عاطفيّ، فقام هذا بالاعتداء بالضرب على ابنه الميرزا محمّد الشيرازيّ فتوفّي بسبب ذلك، ولم ينبس الميرزا ببنتِ شفة ولم يصدر عنه أدنى ردّ فعل، وحاول أعداء الإسلام آنذاك استغلال هذه الحادثة لإيجاد اختلاف بين المسلمين. فجاء عدد منهم إلى سامرّاء، وقابلوا الميرزا في محاولة لتحقيق هذا الهدف، وطلبوا منه أن يردّ على ما حصل ويصدر تعليماته. فأنكر عليهم الميرزا بشدّة قائلاً: «أريد أن تفهموا جيّداً أنّه لا يحقّ لكم التدخّل في أيّ من أمورنا نحن المسلمين وهذه حادثة عادية وقعت بين أخوين». وخرجوا من بين يدي الميرزا يجرّون أذيال الخيبة. وعندما بلغ ذلك «الباب العالي» في استامبول، فرح الخليفة العثمانيّ بهذا الموقف الذكيّ من مرجع الشيعة، وأمر والي بغداد أن يقوم شخصيّاً بزيارة الميرزا ويقدّم

 

 


[1] الفوائد الرضويّة، ص74.

 

250


215

القسم العاشر: التسامح والنبل

له الشكر ويعتذر عن وقوع الحادثة مبدياً أسفه[1].

رغم الإساءة الشديدة من أخوة النبيّ يوسف -على نبيّنا وآله عليه أفضل الصلاة والسلام- ورغم كلّ الشدائد والمصائب التي واجهها بسببهم فإنّه في النتيجة عفا عنهم وقال لهم:

﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾[2].

والعالم الدينيّ يجب أن يتشبّه بيوسف وليكن لسان حاله مترنّماً بقول الشاعر:

ولقد أمرُّ على اللئيم يسبّني

فمضيت ثمّة قلت لا يعنيني

 


[1] شيخ آقا بزرﮒ، ص28 - 29، تصرح مصادر أخرى بأنّ الذين أرادوا استغلال الأمر هم الإنكليز وأنّ السفير البريطاني قام بزيارة الميرزا فواجهه (رحمه الله)بما ذكر ويبدو أنّ الأتراك كانوا وراء الحادثة باعتبار أنّ الميرزا شيعي وإيراني وكان الخلاف آنذاك بين تركيا وإيران كبيراً فدخل الانكليز على الخطّ وأدرك الميرزا ذلك فقطع الطريق على مكرهم الأمر الذي حمل الخليفة العثمانيّ على تقدير ذلك الموقف، بل ذكر أنّه طلب تفويض السفير الإيرانيّ بحسم الأمر وقد حكم المعنيّون على البعض بالإبعاد إلّا أنّ عفو الميرزا شملهم (المعرِّب).

[2] سورة يوسف، الآية 92.

 

251


216

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

أنبياء اللّه والأئمّة المعصومون (عليهم السلام) هم أكثر الناس خدمة للناس، وأشدّهم حَمْلاً لهمومهم، وإحساساً بآلامهم؛ لقد واجهوا لأجل الناس مشاكل لا تُحتمَل، وعندما كانوا يواجَهون بعدم استجابة الناس لدعواتهم، كانت تبلغ بهم الحسرة على ضلالهم حدّاً لا يوصف. يقول القرآن الكريم خطاباً للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله):

﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤمِنِينَ﴾[1].

وفي مكان آخر خطاباً للناس:

﴿لَقَد جَآءَكُم رَسُولٞ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾[2].

ومن الناحية المادّيّة كان الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) يقدّمون أكبر العون للفقراء. وأحياناً إذا لم يكن عندهم ما يُقيلُ مُؤْنَةً لهم كانوا يبكون رثاءً لحالهم.

ويشكلّ إيثار المولى أمير المؤمنين وأهل بيته(عليهم السلام) لليتيم والمسكين والأسير نموذجاً لهذا النهج في حمل همّ الناس والتفاني في خدمتهم، دوّى في الملأ الأعلى وأنزل الرحمن فيه سورة ﴿هَل أَتَىٰ...﴾ وقد ورد في الروايات تأكيد شديد على ذلك إلى حدّ أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يقول: «من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم»[3] وقد سئل (صلى الله عليه وآله): «من أحبّ الناس إلى الله؟ فقال: «أنفع الناس للناس»[4].

 

 


[1] سورة الشعراء، الآية 3.

[2] سورة التوبة، الآية 128.

[3]  الكافي، ج3، ص238.

[4] المصدر السابق، ص239.

 

255


217

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

ويشهد التاريخ أنّ أنفع الناس للناس وأشدّهم خدمة لهم وحملاً لهمومهم بعد الأنبياء والأئمّة هم علماء الدين، وقد بذلوا جهوداً جبّارة في المجالين المادّيّ والمعنويّ على هذا الصعيد، وقد تحمّلوا المشاقّ، وواجهوا التحدّيات وأنواع الظلم والجنايات في سبيل تحرير الناس من نير الفقر الثقافي والاقتصاديّ، وإحياء القيم السامية الإلهيّة والإنسانيّة ووضع إصر الأغلال عن الناس، وذلك في الحقيقة هو فلسفة وجود العالم الروحانيّ.

يقول سعدي:

- «جاء ذو بصيرة من المعبد إلى المدرسة ناقضاً عهد أصحاب الطريقة، فسألته عن الفرق بين العالم والعابد حتّى فضَّل ذاك على هذا.

- قال: العابد يريد أن ينجو بنفسه مع طغيان الموج، والعالم يريد أن يأخذ بيد الغريق لينقذه»[1].

باختصار، يجب أن ينصبّ سعي العالم على نجاة الغريق:

«أسلك طريق الرجال الأحرار وخذ بيد المنقطع في الطريق»[2].

وهذه نماذج من سيرة العلماء الأبرار:

الإمام الخمينيّ (قدس سره)

يقول أحد المقرّبين من الإمام:

«من أجمل أبعاد حياة الإمام كيفيّة علاقته بالناس، لا مجال لاستعراض حياة القادة العالميِّين وتعاملهم مع الناس، وكيف كانت تحكم لقاءاتهم بالناس مراسم وبروتوكولات، وطبعاً مقايسة أولئك بالإمام لا يناسب شأن مقامه. ونكتفي هنا بذكر بعض النماذج القليلة جدّاً:

 

 


[1] تعريب ثلاثة أبيات.

[2] تعريب بيت.

 

257


218

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

ليست علاقة الإمام بالناس علاقة عاديّة، بل هي حبّ عارم (عشق) إنّه يقتدي في ذلك بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) ﴿حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ إنّه يحمل همّ الناس، ويعاملهم كالأب العطوف الذي يتمنّى لأبنائه الصالحين السعادة دائماً. ولقد بكى الإمام مراراً وهو يشاهد عبر التلفزيون مناظر الفقر والحرمان التي كانت تُعرَض. وأنتم تذكرون الأيّام الأولى لانتصار الثورة عندما كان الإمام في قمّ، كان يستقبل الناس يوميّاً أكثر من ستّ ساعات، ولم يكن يصدر عنه أبداً ما يدلّ على تبرّمه أو تعبه من ذلك.

كان الناس يتوافدون من الثامنة صباحاً وحتّى الواحدة ظهراً، ومنذ الرابعة عصراً حتّى الثامنة ليلاً، وفي بعض الليالي كانت وفود الناس تظلّ حتّى العاشرة متجمهرة أمام منزل الإمام، يقولون: نحن ننتظر الخمينيّ، وكان الإمام يخرج للقائهم.

في كثير من الأيّام، كان يجتمع أكثر من مئة وخمسين شخصاً في غرفة واحدة: الحرّ شديد، وأضواء المصابيح الكاشفة لمصوّري التلفزيون تزيد الحرارة، وأنفاس الحاضرين تزيد الجوّ اختناقاً حتّى تتخيل نفسك في جحيم. كانت صدورنا أحياناً تضيق فنخرج من الغرفة، والإمام جالس لعدّة ساعات يستمع إلى الناس ويتحدّث إليهم بعد كلّ كلمة تُلْقَى.

لا أنسى أنّ الشهيد مطهّري جاء قبل استشهاده بأسبوع، وقد كان ضغط الزائرين على الإمام كبيراً إلى حدّ أنّ الشهيد انتظر من الساعة الثالثة صباحاً إلى الثامنة ليلاً بجوار غرفة الإمام ولم يوفّق للقائه. وبعد أن انتهت زيارات الناس، التقى الإمام. كان الإمام دائماً يؤكّد على المسؤولين أن يهتمّوا بالناس، يجب أن تكونوا خدّاماً للناس. كان دائماً يحذّر أعضاء مكتبه: «إيّاكم أن تسيئوا معاملة الناس وليس لكم الحقّ أن تمنعوا الناس».

ذات يوم، خرج الإمام لاستقبال الناس قبل الموعد المعتاد، وكان المكان يغصّ بالناس الذين تجمهروا خلف الحواجز التي وضعت هناك، وكان يشتدّ تدافعهم عند مجيء الإمام بالخصوص. فنظر الإمام إلى من حوله، وقال: «إن لم تزيلوا هذه الحواجز

 

257 


219

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

فسأحرقها. كان الإمام يستقبل كلّ ولد يأتي، حتّى إذا استلزم الأمر أن يبقى ساعات في البرد والحرّ. وقد صعد مراراً إلى السطح (للسلام على الناس) والثلج يتساقط، كانت يده ترفرف كعلمٍ يحمله بطل. أردنا ذات مرّة أن نضع فوق رأسه مظلّة، فغضب وقال: «والناس ماذا يفعلون؟ لا حاجة لي بالمظلّة».

لقد بلغت جماهيريّته إلى هذا الحدّ، رغم كلّ مشاغله ومسؤوليّاته كان البعض يأتون أحياناً لطرح مشاكلهم العائليّة أو مسائل مشابهة. كان كثير من الناس يتوقّعون أن يلتقوا بالإمام بدون تحديد موعد مسبَّق في أيّة ساعة وأيّ وقت؛ ولذلك كان الأخوة الحرس وأعضاء المكتب يتحمّلون أقسى المسؤوليّات وأشدّها؛ لأنّه كان يتحتّم عليهم جميعاً أن يواجهوا الناس بمنتهى النبل وحسن الخُلُق وحبّ الناس، وحتّى إذا تعرّضوا للضرب فإنّ عليهم أن لا يقولوا شيئاً؛ ذلك لأنّ الإمام شديد العلاقة بشعبه، إنّه يحبّه حبّاً جمّاً.

كانت هناك مشكلة كبرى في الأيّام الأولى لوصول الإمام إلى قمّ، كان الإمام يرفض أن يرافقه حارس مسلّح، كان يقول دائماً: «أنا لا أريد مسلّحاً». مع أنّه كان يذهب ليلاً إلى بيوت الفضلاء والشهداء وكان احتمال الخطر كبيراً. وكان الناس في قمّ بمجرّد أن يعرفوا أنّ الإمام يمرّ الآن في الشارع الفلانيّ أو الزقاق الفلانيّ، يخرجون جميعاً من بيوتهم ويحيطون بسيّارته، حتّى إنّ بعضهم يجلس على سقف السيّارة، لا السائق يعود يعرف أين يذهب ولا الإمام.

رغم ذلك كان يقول: «لا يتبعني أحد، الناس يحرسونني». طبعاً كنّا -وبغاية الاحتياط- نرسل عدّة حرّاس مخفيّين في سيّارة أخرى؛ ليقوموا بما يمكنهم. وقد تولّيت قيادة السيّارة عدّة أيّام، كان الإمام يقول: «انتبه لماذا تسرع؟».

عندما استشهد آية الله مفتّح، جاء الإمام إلى وسط آلاف الذين كانوا يشيّعون جسده المخضّب بالدماء، ولشدّة حبّ الناس للإمام أحاطوا به، وازدحموا بحيث إنّ سقف السيّارة كاد يخرب، انتشرت رائحة الدخان واحتراق الفرامل، ولم أعد أعرف ماذا

 

258


220

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

أصنع! إذا بقي الإمام في السيّارة وبقي ازدحام هكذا فالسيّارة حتماً ستتعطّل وقد تحترق، وإذا خرج الإمام منها فإنّ شدّة عواطف الناس قد تتسبّب بما لا تُحمَد عُقباه. وحاولت أن أسرع قليلاً مستعملاً صفّارة الإنذار، فارتفع صوت الإمام: «ما الخبر؟ تريد أن تدوس الناس بعجلات السيّارة!». قلت: «مولانا السيّارة تحترق». قال: «اصبر، أريد أن أنزل وأمشي بين الناس كما يمشون».

وكنت أعلم أنّه إذا نزل فإنّ الحرس المحيطين سيزدحمون عليه لتقبيل يده، ناهيك عن مئات الآلاف من الناس المتجمهرين. أحياناً تكون الطريق سالكة، إلّا أنّه يأمر بالتوقف؛ ليسلّم على الناس. وأحياناً كان بعض الأطفال يتبعون السيّارة إلى المنزل، فيأخذهم الإمام إلى البيت، ويقدّم لهم هدايا كتباً أو غيرها. بأيّ مقياس يمكنك أن تقارن هذه الروح مع قادة الدنيا؟ قائد ثورة لم يخضع للعالم كلّه كيف تتجلّى فيه هذه الروح العاطفيّة؟»[1].

يقول أحد مرافقي الإمام في النجف:

«كنّا أحياناً نذهب إلى الإمام ونقول: إنّ فلاناً جاء وهو بحاجة إلى مساعدة فيعطيه الإمام مبلغاً كبيراً... وفي ما بعد نكتشف أنّ هذا الشخص كان محتاجًا جدًّا. في هذا المجال يقول أحدهم: «كلّ من كنت أقصده لمساعدتي كان يعطيني مبلغاً قليلاً، ولكنّي عندما جئت إلى الإمام -ورغم عدم معرفته بي- فقد أنقذ حياتي بهذه المساعدة وأنقذ أولادي من الموت».

عندما كان الإمام يخرج إلى الحرم أو إلى عمل آخر، أو عند رجوعه إلى البيت كان أحياناً يقول: «يا فلان اشترِ عباءة لفلان»[2].

 

 


[1] فرازهائي أز ابعاد، ص37 - 41، بتلخيص وتصرف.

[2]  المصدر السابق، ص70.

 

259


221

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

يقول سماحته مخاطباً نوّاب مجلس الشورى الإسلاميّ بتاريخ 82/21/95هـ.ش:

﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفسَكَ﴾ ما هو سبب الغصّة التي كان يتجرّعها رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ كان يتجرّع الغصّة من أجل الناس، غصّته كانت من أجل الكُفّار، كان يتحسّر عليهم؛ لأنّهم لا يفهمون وهم يوقدون لأنفسهم جهنّم بأيديهم. لماذا لا تكون في قلوبنا بارقة صغيرة من هذه الأنفس المطمئنّة والشريفة؟ فنعمل لأجل الشعب، لا لأنفسنا. ولو أنّنا جميعاً عملنا للأمّة لصلح كلّ شيء[1].

ويقول أيضاً في لقائه مع جمع من المحرومين وسكّان الأكواخ بتاريخ 60/1/16هـ.ش:

«هذه الثورة الإسلاميّة المهمّة مدينة لجهود هذه الطبقة المحرومة طبقة سكّان الأكواخ، الطبقة التي أوصلت هذه النهضة إلى النصر، وهي أيضاً لا تتوقّع شيئاً. أنا أعتبركم، يا سكّان الأكواخ، فوق سكّان القصور، إذا كان أولئك أهلاً للمقايسة بكم»[2].

أستاذ العرفان والأخلاق

يقول أحد تلامذة العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله):

«كان المرحوم السيّد عليّ القاضي - أستاذ العلّامة الطباطبائيّ في العرفان والذي تقدّمت ترجمته - من الناحية العمليّة آية عجيبة، ويعرف أهل النجف وخصوصاً أهل العلم الكثير من قصصه. كان في منتهى الفقر وكانت عائلته كبيرة، وكان في منتهى التسليم والتفويض والتوحيد، بحيث لم تخرجه هذه العائلة ذرّة عن مساره.

حدّثني أحد أصدقائي في النجف -وهو فعلاً من أعلامها- فقال: ذهبت ذات يوم إلى دكّان بائع الخضار، رأيت المرحوم القاضي منحنياً ينتقي الخسّ، إلّا أنّه على عكس المتعارف كان يختار الخسّ الذابل ذا الأوراق الخشنة. وقفت أتأمّله بدقّة إلى أن انتهى من الانتقاء وقدّم الخسّ لصاحب الدكّان ليزنه، ووضعه السيّد تحت عباءته ومضى.

 

 


[1] رهبر، ص25.

[2] المصدر السابق، ص26.

 

260


222

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

وكنت عندها طالباً شابّاً، وكان المرحوم القاضي رجلاً مسنّاً، فتبعته وقلت له: «مولاي، لديّ سؤال، لماذا اخترت، بعكس الجميع، الخسّ غير المرغوب فيه؟».

قال: «عزيزي، هذا الرجل بائع وفقير، وأنا أساعده أحياناً، ولا أريد أن أعطيه شيئاً بلا عوض؛ لأحفظ له عزّته وماء وجهه، أوّلاً، ولا يعتاد على «الأخذ» مجّاناً فيتكاسل في الكسب، ثانياً. وبالنسبة إلينا لا فرق بين الخسّ الطريّ والناعم أو هذا الخسّ، وأنا أعلم أنّ هذا الخسّ لن يشتريه منه أحد، وعندما يُقفِلُ دكّانه ظهراً سوف يلقي بها بعيداً؛ ومنعاً لتضرّره وخسارته فقد اشتريت هذا منه»[1].

وقد شاهدت شبيه ذلك من أحذ أساتذة الحوزة العلميّة في قمّ، وهو من تلامذة المرحوم القاضي بالوساطة، وعجبت من إيثار ذلك الرجل وعظمته.

«لم يمت من دأبه جميل الفعال بل استراح وأودع الله روحه».

كمّ الجبّة

«في إحدى السنوات قامت زوجة الوحيد البهبهانيّ، مجدّد علم الأصول، بتهيئة جبّة له في فصل الشتاء. وفيما كان، عند الغروب، متوجّهاً إلى المسجد للصلاة، أسرع أحد الأوباش حافياً وقد خلع قبّعته، وقال للوحيد: «ليس عندي قبّعة. البرد شديد جدّاً، ساعدني بأيّة طريقة».

قال له الوحيد: «هل معك سكّين؟»، قال: «نعم»، فأخذ منه السكّين فوراً وقطع كمّ جبّته، وقال له: «ضَعْ هذه على رأسك ريثما يمكن تهيئة شيء لك غداً». ثمّ ذهب إلى المسجد وأدّى الصلاة. وعندما رجع إلى المنزل رأت زوجته أنّ جبّته بلا كمّ، فتألّمت كثيراً وقالت بغضب: «لقد تعبت كثيراً حتّى هيّأت لك هذا الثوب وقد فعلت به ما فعلت قطعت كمّه؟».

 

 


[1] مهرتابان، ص20.

 

261


223

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

كثيراً ما كان الوحيد يتقبّل الصلاة والصوم الاستئجاريَّيْن ويؤدّيهما ويعطي أجرتهما لتلامذته الفقراء كالمحقّق القمّيّ[1].

الشهيد الميرزا مهديّ الخراسانيّ (رحمه الله)

كان الشهيد الخراسانيّ ماهراً في أكثر العلوم.كان البحر الزاخر والسحاب الهتّان، منصرفاً دائماً إلى إفاضة أنواع العلوم والآداب وتشجيع الطلّاب. وتُنسَب إلى السيِّد الشهيد كرامات عدّة؛ منها أنّه عندما كان يذهب في الأسحار والليالي، في الساعات التي تكون أبواب الحرم فيها مغلّقة، إلى زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) كانت أبواب الروضة المطهّرة تفتح به. وأيضاً، كان في سواد الليل المظلم يحمل الزاد والطعام للفقراء والأيتام مع مبالغ من المال، ويوزّعها عليهم[2].

عتاب الأستاذ

كان السيّد جواد العامليّ الفقيه المعروف - صاحب كتاب «مفتاح الكرامة»- يتناول طعام العشاء، فسمع الباب يُطرَق، وعندما عرف أنّ الطارق هو خادم أستاذه السيّد مهديّ بحر العلوم أسرع نحو الباب. قال الخادم: السيّد الأستاذ يطلب مجيئك الآن، وضع الطعام أمامه ولكنّه لن يبدأ قبل أن تذهب إليه. ودون أن يكمل السيّد جواد تناول عشائه، أسرع إلى بيت السيّد بحر العلوم. وبمجرّد أن وقعت عين الأستاذ عليه، قال له -بغضب وحدّة لا عهد له بهما من قبل-: «سيّد جواد أما تخاف الله؟ أما تستحي من الله؟» واستبدّت الحيرة بالسيّد جواد، ماذا جرى وما الأمر؟ لم يعاتبه السيّد طيلة حياته بمثل ذلك العتاب! وحاول جاهداً أن يهتدي إلى السبب فلم يفلح، ولم ير بدّاً من السؤال.

- هل يمكن أن يتفضّل السيّد الأستاذ بذكر التقصير الذي حصل منّي؟

 

 


[1] وحيد بهبهاني، ص141.

[2] وحيد بهبهاني، ص210، وشهداء الفضيلة، ص422، والفوائد الرضويّة، ص671 - 673.

 

262


224

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

- منذ سبعة أيّام بلياليها وجارك (الشيخ محمّد نجم العامليّ) لا سبيل له إلى القمح والأرزّ، وهو في هذه المرّة يستدين التمر الزهريّ من البقّال المجاور ويقتات به مع عياله، واليوم ذهب ليستدين التمر، وقبل أن يطلب ذلك قال له البقّال: أصبح دينك كبيراً. فخجل بعد ذلك أن يطلب شيئاً ورجع إلى البيت صفر اليدين، وبقي هو وعائلته بدون طعام.

- أُقسِم بالله أنّي لم أعلم بذلك أبداً! ولو أنّي علمت لقمت بما يجب.

- كلّ إنكاري عليك لأنّك لا علم لك بأحوال جارك! لماذا تمضي سبعة أيّام بلياليها هكذا وأنت لا تعلم؟ ولو أنّك كنت تعلم ولم تفعل شيئاً لقلت لك: يا يهوديّ أو يا نصرانيّ!

- وماذا تأمر الآن؟

- يأخذ الخادم هذه الصينيّة من الطعام إلى باب ذلك الرجل، وعند الباب تأخذ الصينيّة أنت وتطرق الباب وتطلب منه أن تتناولا طعام العشاء معاً. وخذ هذا المال وَضَعْه تحت سجّادته أو حصيره. وتعتذر منه على تفصيرك في حقّه مع أنّه جارك. واترك الصينيّة هناك وتعالَ، ولن أتعشّى حتّى تأتي وتخبرني بما جرى».

وحمل الخادم الصينيّة الكبيرة وعليها أنواع الطعام اللذيذ، ومضى مع السيّد جواد، وعند الباب تناول السيّد جواد الصينيّة ورجع الخادم.

ودخل السيّد جواد، وبعد أن سمع صاحب البيت اعتذاره ورجاءه تناول الطعام. أكلَ لقمات فعرف أنّه (لم يُحَضَّرْ في منزل السيّد جواد العامليّ) فما كان منه إلّا أن قال: «هذا الطعام ليس طبخاً عربيّاً. وعليه، فليس من بيتك، وإذا لم تقل من أين فلن آكل أبداً». وعبثاً حاول السيّد جواد أن يَثْنيه، ولم يرَ في النهاية بدّاً من إخباره وبكلّ ما كان. ووافق الشيخ على تناول الطعام قائلاً: «عجيبٌ أمر هذا السيّد، فوالله لم يطّلع على سرّي أحد، فمن أين عرف؟».

ينقل المرحوم النوريّ - صاحب المستدرك - في كتابه «الكلمة الطيّبة» هذه القصّة عن المولى زين العابدين السلماسيّ الذي كان من خواصّ السيّد بحر العلوم، ويذكر اسم

 

263


225

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

الشيخ محمّد نجم العامليّ، وأنّ المبلغ الذي قُدّم إليه كان ستين شوشاً، وهو الوحدة النقديّة المتداولة آنذاك[1].

 

لم يحرم فقيراً

نُقِل عن المرحوم الشيخ محمّد صالح البرغانيّ قوله: قال أبي: رأيت في النوم أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) جالس والعلماء جالسون بين يديه والمقدّم عليهم جميعاً هو ابن فهد الحِلِّي. تعجّبت كيف أنّ هؤلاء العلماء جميعاً - ما لهم من المقام والشهرة- يجلسون دون ابن فهد مع أنّه ليس مشهوراً كثيراً بين العلماء؛ ولذا سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله): «سبب ذلك أنّ العلماء الآخرين كانوا إذا جاءهم فقير وعندهم مال للفقراء يعطونه، أمّا إذا لم يكن عندهم من ذلك لا يعطونه. أمّا ابن فهد، فإنّه لم يردّ فقيراً أبداً صفر اليدين، وإذا لم يكن عنده مال مخصّص للفقراء، كان يعطيهم من ماله؛ ولذا أحرز هذه المرتبة دونهم»[2].

الحكيم القمشه إي (رحمه الله)

يقول الأستاذ الشهيد المطهّري (رحمه الله) حول الخصوصيّات الأخلاقيّة للحكيم القمشه إي:

«كان رجلاً حرّاً وعارف المشرب والمذاق بكلّ معنى الكلمة، كان يأنس بالوحدة ويبتعد عن الجمع إلى حدّ ما. كان في شبابه ثريّاً، وفي مجاعة عام 1288 وزّع جميع أمواله المنقولة وغير المنقولة على المحتاجين، وعاش درويشاً إلى آخر عمره. ويضيف الأستاذ: لم يترك الحكيم القمشه إي زيّ القرويِّين أبداً، ولم يتزيّ بزيّ العلماء. المرحوم جهانـﮕـيز خان قشقائي -أستاذ آية الله البروجرديّ في الفلسفة الذي تتلمذ عليه لسنوات- يقول:

 

 


[1] داستان راستان، ج2، ص50، والكلمة الطيّبة، ص287، والفوائد الرضويّة، ص89، والكنى والألقاب ج2، ص69 - 70.

[2]  بيدار ﮔـران أقاليم قبله، ص216 - 217، وقد وردت القصّة في كتاب «حسد»، ص800، مختلفة عمّا ذكر هنا.

 

264


226

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

ذهبت إلى طهران على أمل الاستفادة من محضر الحكيم القمشه إي، وقصدته في الليلة الأولى لوصولي. لم يكن زيّه علمائيّاً، وكان زيّه يشبه زيّ باعة قماش النسيج اليدويّ في «سدة» (خميني شهر فعلاً). فاتحته بحاجتي، فقال: «ميعادي معك غداً في الخرابات» (محلّة خارج خندق طهران يومها). وكان هناك مقهى يديره درويش.

 

ذهبت في اليوم التالي ومعي أسفار صدر المتألّهين، فرأيته في خلوة جالساً على حصير. فتحت الأسفار فبدأ يقرأه عن ظهر قلب، ثمّ يأخذ بتحقيق المطلب. وقد أثار وجدي بحيث إنّي سكرت، وكدت أجنّ ولَمْ أدرك ما بي. فقال: «نعم قوّة الشراب تسكر الإبريق!»[1].

 

أستحي من الفقراء

جاء في كتاب «حياة الإسلام»:

«كان المال لدى الآخوند الخراسانيّ والحصى على حدٍّ سواء، ومع أنّه كان بالنسبة إلى مقامه الشامخ مُعدِماً وصفر اليدين، فقد كانت الرواتب التي كان ملتزماً بتسديدها تبلغ شهريّاً ستمئة تومانٍ ينبغي أن تُدفَع كلّها نقداً. كان كثير من العوائل المحترمة لا مورد لهم إلّا ما يؤمّنه سماحته لها.

وكان كلّما سافر إلى كربلاء للزيارة ينبغي أن يدفع، على الأقلّ، مئة وخمسين إلى مائتي ليرة للفقراء والطلّاب هناك، وعندما لم يكن يتمكّن من تهيئة هذا المبلغ، ولو عن طريق الاقتراض، كان ينصرف عن الزيارة؛ ولهذا لم يتشرّف بالزيارة في السنين الأخيرة إلّا مرّة أو مرّتين في السنة.

وكان يتكفّل بخبز سبعمئة شخصٍ من الفقراء والعاجزين والطلّاب. كان هناك مخبز خاصّ للفقراء، فكان يدفع شهريّاً حوالي ثلاثمئة تومانٍ ثمن خبز، وأحياناً كان يتأخّر الدفع ثلاثة أشهر أو أربعة، فيرتفع دين الخبّاز على الآخوند إلى أربعمئة أو خمسمئة ليرة، في حين أنّه لم يكن لديه شيء. وحيث أنّ الخبّاز لا يملك شيئاً، كان يضطرُّ لقطع

 

 


[1] خدمات متقابل إسلام وإيران، ص606 - 607.

 

 

265


227

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

الخبز، وعندما كان يطالبه أحد، لا يعرف حقيقة الحال، بتوصية الخبّاز أن لا يقطع الخبز عنه، كان يبتسم ويقول: «لو كانت التوصية تؤثّر لأوصيت، ولكنّها لا تؤثّر».

وقد قال مراراً: «كلّما رأيت هؤلاء الفقراء الذين قُطِع عنهم الخبز أستحي منهم».

وكان الآخوند يستدين بأيّ شكل أمكن، ثمّ يواصل الخبّاز التوزيع على الفقراء. وبالإضافة إلى جميع ما تقدّم، كانت هناك مصاريف يوميّة لحوائج الفقراء من أهل البلد والزوّار والطلّاب وغير الطلّاب لم تكن تخضع لضابطة معيّنة.

كان المنزل دائماً غاصّاً بأرباب الحوائج، وكذلك خارج المنزل، وكانت المسافة بين منزله وبين مكان نزع الأحذية في الحرم المطهّر حوالي مئة قدم، وكان يوميّاً ينفق في هذا الطريق حوالي أربعة أو خمسة توامين[1] على الفقراء والسائلين. وإذا أظهر طالب حاجته الماسّة، كان يضع يده في جيبه ويقبض دون أن يحصيها ويعطيها له. وكثيراً ما كانت تشتمل القبضة على التومانين أو الثلاثة من التوامين البيض مع ليرة أو ليرتين. كان يتحلّى برحابة صدرٍ قلّ نظيرها.

ويمكنني أن أقسم بجرأة أنّه إذا لم يكن يرجّح في حمل همّ الفقراء على أهل بيته، فإنّه كان على الأقلّ ينظر إليهم وإلى أهل بيته على حدّ سواء. وكان يوزّع ما زاد على حاجته من الهدايا بين الطلّاب. قال له أحد الأصحاب: «بع هذه الأمور التي تزيد على حاجتك وادّخر ثمنها لوقت الضيق». قال: «لم أتعلّم هذه الأمور»[2].

ويتحدّث مؤلّف كتاب «حياة الإسلام» عن ابتلاءات الآخوند في فترة المشروطة فيقول:

«وقف أحد فضلاء طلّابه في مجلس الدرس وقرأ رسالة جاءت من أهل تبريز. كانت خلاصتها كما يأتي: تنصبّ حُمَمْ النار على رؤوسنا، رجالنا وشبابنا يُقتَلون، ونساؤنا

 

 


[1] كان هذا المبلغ آنذاك كبيراً.

[2] مرﮔـي درنور، ص400 - 401.

 

266


228

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

وأولادنا أصبحوا أيامى ويتامى، وأنتم هناك مشغولون بالنوم واللذّة ولا تفكّرون بنا. وعندما اطّلع الآخوند على مضمون الرسالة تأثّر تأثّراً شديداً وقال:

«لا أولئك أدركوا ولا أنتم، أيّة مرارة تجرّعت وأتجرّع! أمّا إنّكم ترونني أروح وأجيء فليس ذلك إلّا مجرّد صورة، توجّهون القذائف من بعيد. نحن في نوم؟ والله لم يبق لنا قلب! وإذا كانوا لا يرون الجهود التي بذلتها من أجلهم، فلا يرون على الأقلّ كيف أصبح سبّي ولعني وسائر أهل العلم شائعاً بين الأراذل والجهال؟ ومن جهة يأتي ستّة أشخاص وثمانية من طهران لقتلي، ومن جهة أخرى يظهر الخليفة العثمانيّ عداءه، ومن جهة ثالثة هؤلاء يؤنّبون ويوبّخون أنّنا نائمون».

وعندما بلغ الآخوند ذلك بكى الطلّاب جميعاً، وبعدها قال:

«أتحمّل ذلك كلّه تأسّياً بالأئمّة (عليهم السلام) وكنت بصدد علاج مشاكل أهل تبريز، وسأبقى لن أتراجع ولن أستكين بل سأبذل ما يفوق طاقتي»[1].

الشيخ زين العابدين المازندرانيّ (رحمه الله)

كان (رحمه الله) من تلامذة صاحب الجواهر والشيخ الأنصاريّ، ومرجع تقليد لجماعة من الشيعة... وقد جاء «كان يقترض ما استطاع ويعطي الناس، وكان كلّ مدّة يأتي أحد أثرياء الهند فيسدِّد قرضه. يقول ابنه الثاني الشيخ عليّ المعروف بشيخ العارفين:

في إحدى زيارات الشيخ (زين العابدين) إلى سامرّاء، مرض هناك مرضاً شديداً، فجاء الميرزا الشيرازيّ لعيادته، قال الشيخ: «أنا لست مضطرباً لشيء إلّا لأنّ روحي تعرض عند الموت - بناء على عقيدتنا نحن الإماميّة - على صاحب العصر (عليه السلام) وإذا سألني الإمام: لقد أعطيناك من الاعتبار والوجاهة لتستطيع الاقتراض والتوزيع على الفقراء فلم لم تفعل؟ فبماذا أجيبه؟

 

 


[1] زندﮔـاني آخوند خراساني، ص170 - 171.

 

 

267


229

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

يقال إن الميرزا الشيرازيّ عندما سمع ذلك منه، رجع إلى البيت وقسم كلّ ما كان عنده من الحقوق وسائر الأموال على المستحقّين».

ويقول أيضاً:

كان والدي، ذات ليلة، يصلّي في الحرم في كربلاء، وبعد انتهاء صلاته جاءته امرأة وحادثته طويلاً. وعندما أردنا الرجوع إلى المنزل، قال للخادم الذي كان يحمل الفانوس أن يسلك طريقاً آخر. ومشينا مدّة حتّى وصلنا إلى بيت، طرق الشيخ البابَ، ففتح الباب رجلٌ صاحب مقهى، وعندما رأى الشيخ اضطرب وانحنى وقبّل يد الشيخ:

- «ماذا تأمر؟

- أريد أن ترجع إلى زوجتك.

- أمتثل وأرجع».

عرفنا بعدها أنّ هذا الرجل كان قد طلّق زوجته مع أنّ له منها عدّة أولاد وأخرجها من المنزل، فاستنجدت بالشيخ ليتوسّط لها مع زوجها.

ومن المعروف أنّه عندما طغى الماء في كربلاء، خرج الشيخ من المدينة وبدأ ينقل التراب بعباءته ليضعه في طريق الماء وعندما رأى الناس أنّ هذا العالم الكبير يعمل بنفسه، تأسّوا به، وبدأ الجميع ينقلون التراب، فأقاموا سدّاً بقي لعدّة سنوات.

كذلك نُقِلَ عنه أنّ فقيراً وقف يوماً على بابه، ولم يكن لدى الشيخ ما يعطيه له، فتناول طاسة النحاس التي كانت في البيت وأعطاها له قائلاً: خذها وبعها.

وبعد أيّام عندما تنبّه أهل البيت لعدم وجود الطاسة، قالوا: «سرقها اللصّ». وسمعهم وهو في غرفة كتبه، فناداهم: «لا تتّهموا اللصّ، أنا أخذتها»[1].

 

 


[1] مرﮔـي درنور، ص79 - 80.

 

268


230

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

رهن المنزل

جاء في سيرة الشيخ جعفر كاشف الغطاء:

«بلغ من شدّة اهتمامه بالفقراء ومساعدته لهم أنّه في أكثر السنوات كان ينفق كلّ ما لديه، وعندما لا يبقى شيء، وعندما لا يمكنه تحصيل شيء، كان يرهن منزله وينفق ثمنه على الفقراء، ويبقى لا يستطيع استعمال البيت والسكن فيه حتّى يحصل على المبلغ المطلوب في إحدى سفراته، فيسترجع البيت»[1].

المحقّق الأردبيليّ (رحمه الله)

من كرامات المحقّق الأردبيليّ(رحمه الله) أنّه في سني الغلاء كان يتقاسم كلّ طعامه مع الفقراء، فيدع لنفسه سهماً كسهم الفقير... وذات مرّة اعترضت عليه زوجته وأنكرت ذلك قائلة: «في مثل هذه السنة تترك أطفالك بلا طعام، وفي النتيجة يحتاجون إلى سؤال الناس».

ولم يقل المقدّس شيئاً، وذهب إلى مسجد الكوفة للاعتكاف. وفي اليوم الثاني جاء إلى بيته شخص ومعه كميّة كبيرة من الطحين والحنطة، وقال: «صاحب المنزل بعثه إليكم وهو معتكفٌ في مسجد الكوفة». وعندما رجع المحقّق -الذي لم يكن له علم بما جرى أصلاً- إلى البيت وأخبرته زوجته علم أنّ ذلك من الله تعالى وقام بما ينبغي من لوازم الشكر»[2].

الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)

كان يعتبر أنّ مساعدة الفقراء والمعوزين من وظائفه الحتميّة، وكان ذلك دأبه منذ صباه. وقد تواتر عن ثقاتٍ أنّه كان يوجد في مزار «يير محمّد» في محلّة حيدر خانه بدزفول فقير عاجز، وكان الشيخ يقدّم طعام عشائه كلّ ليلة إلى ذلك الفقير، وينام جائعاً أو يكتفي بأقلّ شيء.

 

 


[1]  قصص العلماء، ص188.

[2] ريحانة الأدب، ج5، ص368ن وقد وردت القصّة في مصادر أخرى أكثر تفصيلاً راجع مثلاً المظالم للشهيد دستغيب (رحمه الله).

 

 

269


231

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

يقول في «لؤلؤ الصدف»:

كانت هِبات الشيخ سرّاً، وقد عيّن لكثير من الفقراء مخصّصات شهريّة وسنويّة كانت تصِلُ إليهم باستمرار دون أن يعرفوا مصدرها. في الليالي المظلمة وفي الأسحار كان يقصد بيوت الفقراء متنكّراً متلثّماً ويعطي كلّ عائلة بمقدار حاجتها. وعندما توفّي، عرف أنّ ذلك الشخص الذي كان يطرق الأبواب في الأوقات غير المتعارفة هو الشيخ الأنصاريّ[1] وكان دائماً إذا قدّمت إليه أشياء ثمينة -كهديّة- يقول لخادمه الملّا (رحمه الله): «بع هذا، ووزّع ثمنه على الفقراء والطلّاب».

قال أحد كبار العلماء: «ذهبت إلى الشيخ وقلت له: «السيّد الفلاني -الذي هو من فضلاء العصر- مضطرٌّ جدّاً وامرأته مريضة فتفضّل بمساعدته». قال الشيخ: «ليس لديّ شيء إلّا مبلغ للصلاة والصوم -الاستئجاريَّيْن- فلأعطه سنتي عبادة»، قلت: «إنّه ابن عائلة من العوائل الشريفة والكبيرة، ولم يعتد ذلك، وهو بالإضافة إلى ذلك يدرس، وهذه الأمور تتنافى مع الدراسة». ففكّر الشيخ قليلاً، وقال: «أنا أؤدّي سنتي العبادة وخذ المال وادفعه له». وهكذا كان.

رغم كلّ مشاغله كالتدريس وأجوبة الاستفتاءات، وصلاة الجماعة، وعيادة المرضى، وزيارة الناس له، وردّ الزيارات وتشييع الجنائز، والذهاب إلى بيوت الفقراء، والعبادات الشخصيّة، وإدارة الأمور الماليّة وإصلاح المفاسد العامّة...رغم ذلك كلّه كان يؤدّي العبادة الاستئجاريّة ويدفع أجرتها إلى الطلّاب.

كذلك ينقل السيّد عليّ الدزفوليّ -الذي عُرِف بالمحتاط لشدّة احتياطه- عن أحد أقربائه قوله:

«ذهبت في النجف الأشرف -تحت ضغط الفقر- إلى الشيخ وأطلعته على أحوالي.

قال الشيخ: «ليس لديّ الآن شيء أبداً. اذهب إلى فلان، وقل له يُعطِكَ مبلغ سنتي

 

 


[1] زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص80 - 81.

 

 

270


232

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

صلاة، وخذ المال لك وأنا أؤدّي السنتين». وهكذا رضي الشيخ أن يصلّي هو ويدفع المبلغ للسيّد حتّى لا يردّه يائساً.

وكان من جملة عادات الشيخ إقامة مجلس عزاء في منزله كلّ ليلة جمعة مع تقديم الطعام لعدد من الفقراء[1].

الصلاة الاستئجاريّة

قد يتصوّر البعض أنّ أداء الصلاة الاستئجاريّة عمل سهل، وليس الأمر كذلك. خصوصاً لطالب العلم المولع بالكتاب والمطالعة. إنّه لمثل هذا، عملٌ في غاية الصعوبة.

ومن المناسب هنا، إيراد كلام للعالم الكبير المجرّب آية الله العظمى السيّد حسن النجفيّ القوﭼـانيّ المتوفّى سنة 1363هـ.ق، الذي يتحدّث عن وضعه الاقتصاديّ الحرج أواخر إقامته في النجف الأشرف عند بدء الحرب العالميّة الأولى، وكان يومها عالماً كبيراً يدرس الكفاية والمكاسب ومنظومة السبزواريّ. يقول (رحمه الله):

«نعم، أخذت، عدّة سنوات، صلاة استئجاريّة من سماحته - يقصد أحد العلماء الكبار في عصره- ولكن في المرّة الأولى أعطاني السنة بثلاثة توامين ونصف، أعطاني خادمه أوّلاً تومانين، وقال: «تعال غداً عصراً تأخذ توماناً ونصفاً». أخذت التومانين إلى البيت، قالوا: أحد أطفالك مريض، خذه إلى الطبيب، حملت الطفل ومضيت إلى الطبيب، وأعطاني وَصْفَةَ الدواء، اشتريت الدواء بقرانين (التومان عشر قرانات) ورجعت إلى البيت فوضعت الثمانية عشر قراناً في زاوية، وقلت: «لا يأخذ أحد منها شيئاً فيبقى المريض بدون دواء!» (لأنّه سيحتاج أن يشتري له الدواء كلّ يوم) وفي اليوم التالي، قريب الغروب ذهبت وأخذت الخمسة عشر قراناً ووضعتها في الكيس ومشيت باتّجاه الصحن في حرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأذّن المؤذّن لصلاة المغرب وعندما اجتزت السوق ووصلت إلى الصحن، رأيت أحد أصدقائي وكان له عليّ ثلاثة قرانات قلت: «تعال

 

 


[1] شخصيت و زندﮔـاني شيخ أنصاري، ص82.

 

271


233

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

خذ ثلاثة قراناتك»، قال: «لست مستعجلاً، فعلاً عندي مال». قلت: «يا شيخ، أنا فعلاً لديّ مال، ويجب أن أؤدّي دينك حتّى إذا متّ الليلة أسلم منك». ومددت يدي إلى جيبي فلم أجد الكيس، فتّشت جيباً آخر، بل كلّ جيوبي وغيرها رأيت أنّ كيس النقود والذي فيه ختم ولوازم أخرى لا أثر له، ولم يظهر له أثر. وبالرغم من حملة تفتيش واسعة، لم أحصل على هذا المال. التومانان اللذان أخذتهما إلى البيت صُرفا على علاج الطفل؛ فقد استمرّ مرضه عشرة أيّام، وكلّ يوم كنت أحمله إلى الطبيب وفي طريق العودة أشتري دواءً وطعاماً له بقرانين إلى أن نَفَدَ التومانان وشُفي الطفل. قلت يا ليت أنّ هذين التومانين ضاعا أيضاً، فعلى الأقلّ ما كنتُ ابتُليتُ بمشاكل أخرى، وأنا الآن مشتغلٌ بالصلاة بجدّ علّها تنتهي بسرعة وآخذ سنة أخرى. وهذه الصلاة أصعب من كلّ عمر «سخرة» يفرضه أرباب الديوان على الرعايا. إنّ الصلاة الاستئجاريّة عمل شاقّ تدع الإنسان من الناحية العمليّة والروحيّة والجسديّة في عذاب وخوفٍ للعاقبة.

وبالجملة، بعد ثلاثين يوماً أو أربعين يوماً، أكملت صلاة السنة، وذهبت وحدّثت خادم سماحته بما جرى، وبألف منّة أعطاني خمسة قرانات حيراناً لما فات... أعطاني سنة بأربعة توامين. وكنت لمدّة طويلة لا أعرف النوم ليلاً ولا نهاراً إلّا مضمضة؛ يعني كنت أحصل على تمدّد الأعصاب نهاراً دون أن أغفو. ولكنّي ليلاً كنت أغفو لأنّي كنت أزيد أوقات الصلاة ما استطعت، بل أحياناً كنت أصلّي جميع أوقات الليل والنهار، كنت أصلّي وجبة أو وجبتين ليلاً، وكذلك نهاراً، وكلّ وجبة ساعتان متتاليتان، بحيث يدوخ رأسي وتكاد عيناي تخرجان من الحدقة. وكنت أشتغل ساعتين أو ثلاثًا بالتدريس (كفاية، مكاسب، منظومة) وأنشغل ساعةً بالقراءة، حيث كنت أقرأ الجرائد بدقّة وأقرأ عمود الأخبار الخارجيّة».

ويقول في مكان آخر:

«وما كنّا نرجوه من سماحته هو سنة صلاة بثلاثة توامين أو أربعة، ثمّ إنّ ذلك لم يكن يحصل عادة إلّا بعد تكرار الذهاب عدّة مرّات. كنّا نذهب إليه عدّة مرّات ويكون

 

272


234

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

جوابه بالنفي، فإذا أجاب بالإيجاب أحياناً كان يقول: «يا شيخ عبد الرحيم، أعطه سنة صلاة»، فيتلو آنذاك صيغة الإجارة بأربع مجيديّات مع تعيين الأوقات وقراءة الإقامة، بعدها كان يقول: «اذهب وتعال غداً لتأخذ المبلغ». وكنّا نذهب عدّة مرّات لاستلام المبلغ. وبعد كلّ هذا الجهد كان يعطينا أربعة توامين. وطيلة ثلاثمئة وستّين يوماً. إذا لم يؤدِّ حرفًا من المخرج المختصّ به، أو تشوّش بال أحدنا أثناء الصلاة، أو انحرف يميناً أو يساراً، أو إذا لم يكن قصد القربة خالصاً فالصلاة باطلة والذمّة تبقى مشغولة. إنّ أيّ سجن مع الأعمال الشاقّة ليس فيه هذا العذاب الروحيّ والبدنيّ»[1].

 

ويؤثرون على أنفسهم

قال حجّة الإسلام الشيخ محسن قراءتي: «قبل انتصار الثورة الإسلاميّة، ذهب أحد الروحانيّين المخلصين للتبليغ إلى إحدى القرى. ولم يكن في تلك القرية ماء للشرب، وكان الأهالي يبذلون جهداً كبيراً ويتحمّلون مشقّات كثيرة للحصول على الماء، ولم يكن باستطاعتهم تأمين مبلغ لمدّ شبكة الماء إلى قريتهم. وعندما رجع هذا المبلّغ المخلص إلى قمّ، باع منزله الذي كان يسكن فيه، وأمّن وصول الماء إلى تلك القرية، وسكن هو في بيتٍ استأجره. وقد ظلّ مستأجراً إلى أن توفّي (رحمه الله) وأولاده الأيتام الآن كذلك».

وأضاف الشيخ قراءتي: «عندما ذكرت هذه القصّة في درس في التلفزيون اتّصل بي تلفونيّاً شخص من أهل الخير قائلاً: «أنا مستعدٌّ لدفع ثمن بيت لأبناء هذا المبلِّغ». وفعلاً سلّمني المبلغ ودفعته إلى أولاده».

﴿لِمِثلِ هَٰذَا فَليَعمَلِ ٱلعَٰمِلُونَ﴾[2].

 

 


[1] سياحة في الشرق، ص532 - 539.

[2] سورة الصافات، الآية 61.

 

273


235

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

طريقة الميرزا (رحمه الله)

كان للميرزا الأوّل وكلاء في كلّ مدينة من التجّار، يرسل إلى كلّ منهم أسماء الفقراء في تلك المدينة، ويحدّد لهم المبالغ التي يقدّمونها لهم. هؤلاء الفقراء غير الأشخاص الذين كانت لهم مبالغ مخصّصة شهريّاً وسنويّاً. وكانت طريقة الميرزا هذه تغطّي -بالإضافة إلى كلّ مدن العراق- نقاط إيران المختلفة. وكان يقدّم لفقراء تلك المدن ما أمكنه، وإذا كان يوجد في إحدى المدن عالم كبير يُعتمد عليه يُطمأنّ إليه، كان يرسل إليه سنويّاً مبلغٌ من المال ليوزّع بعضه على الفقراء المستحقّين حقيقة، ويأخذ بعضه له.

 

يضيف العلّامة السيّد حسن الصدر (رحمه الله):

قال لي: ليس من الإنصاف أن نأخذ الحقوق الشرعيّة من مدينة فيها فقراء وننساهم. إنّ الناس يرسلون لنا كلّ شيء ولا يعطون شيئاً لأحد.

وكان الميرزا يهتمّ بشكل خاصّ بطلّاب العلوم الدينيّة والمحتاجين في المشاهد، فقد كان يقرّر لكلّ منهم شهريّة بلا استثناء حتّى الذين كانوا يوافقون على العبادة الاستئجاريّة، كان يرسل إليهم مقداراً للعبادة ومقداراً كمساعدة[1].

 

الشيخ عبد الوهّاب الطهرانيّ (رحمه الله)

هو ابن عمّ والد الشيخ آقا بزرﮒ الطهرانيّ، ومن تلامذة الشيخ الأنصاريّ، وقد جاء في سيرته:

كان شديد التقوى والعبادة والقناعة، وكان يقسم المال الكثير الذي كان يرسله إليه والده لتشجيعه على مواصلة الدراسة، بين الطلّاب المحتاجين، ويحتفظ لنفسه بسهم كسهم أحدهم[2].

 

 


[1] ميرزاي شيرازي، ص58.

[2]  زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص338.

 

274


236

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

السيّد المرتضى(رحمه الله)

يقول اليافعيّ:

كان شديد الاهتمام بالمحتاجين والعوائل الفقيرة، وكان قد عيّن مبالغ شهريّة لكثير من المعوزين، ولم يكونوا يعرفون مصدرها. وبعد وفاة السيّد انقطع ذلك عنهم فعرفوا أنّه منه[1].

المرحوم السبزواريّ (رحمه الله)

جاء في سيرة هذا الفيلسوف - صاحب المنظومة-: «وأمّا معاشه، فقد كان له يوم من قناة عميد آباد، وكان له سنويّاً أربعون توماناً من بستانه، وثلاثون «خروار»[2] من الغلّة عشرة أحمال من القطن، كان ينفق قسماً من هذا الدخل -بمنتهى القناعة- على معاشه ويقسم الباقي بين الفقراء. وفي كلّ سنة في العشر الأخيرة من صفر كان يقيم مجلس العزاء ثلاث ليال، ويقدّم الخبز واللحم للفقراء المشلولين والعمي والعاجزين، ويعطي لكلّ منهم قراناً. وكان كذلك يدفع خمس أمواله وزكاتها سنويّاً بيده إلى السادات والمستحقّين[3].

الشهيد قدّوسي (رحمه الله)

أحد زملائه في الدراسة وأصدقائه القدامى يقول فيه: «من خصائصه كذلك الاهتمام الشديد والسعي الحثيث في قضاء حوائج المؤمنين وحلّ مشاكلهم. لم يراجعه أحد في مشكلةٍ ما إلّا وحاول قدر جهده حلّها، كان يبذل جهوداً كبيرة في مجال مساعدة الطلّاب المحتاجين، ولكن دون أن يعرف أحد بذلك. أحياناً كان يؤمّن مهر تزويج بعضهم، وكنت أنا وساطةً في إيصال ذلك إليهم. كان يؤمّن لبعضهم ثمن بيت دون أن يعرف أحد أيضاً. وجميع مساعداته كانت سرّاً.

 

 


[1]  السيّد الرضيّ مؤلّف نهج البلاغة، ص65.

[2]  الخروار حمل الدابّة أو ما يعادل 300 كلغ.

[3]  تاريخ حكماء وعرفا، ص112 - 113.

 

275


237

القسم الحادي عشر: الجماهيريّة وخدمة الناس

المرحوم الشيخ إبراهيم النجف آباديّ

يقول الشهيد المظلوم السيّد بهشتي في إحدى خطبه بمناسبة استشهاد الشهيد مطهرّي حول جماهيريّة الشيخ إبراهيم:

رحمة الله على الشيخ إبراهيم. إنّه من الفضلاء الذين تخرّجوا من قمّ، عالم جليل وخدوم وجماهيريّ (شعبي) وهو الذي بنى مدرسة نجف آباد الموجودة فعلاً؛ ولكي يقتصد في بنائها، كانوا يأتون بالآجرّ والحجارة إلى الشارع العامّ، ويقوم هو والناس قبل الصلاة وبعدها بنقل ذلك إلى مكان المدرسة. حدّثني أصدقائي النجف آباديّون أنّ الشيخ كان دائماً في خدمة الناس، أحياناً كان يصادف أن يتنازع رجل وزوجته عند منتصف الليل، ولا يمكن لأحدهما إمتاع الآخر وإرضاؤُهُ، وفي النتيجة يأتي شخص عندَ الثانية بعد منتصف الليل إلى باب الشيخ، يطرق الباب: «يا الله.. يا شيخنا...» ويكون هو نائماً، يستيقظ، في بيت الحاجّ فلان مشكلة عائليّة، فلنذهب لإصلاح ذات بينهم.

لم يكن يقول: صباحاً، كان يقول: «فلنذهب»، ويرتدي ثيابه ويمضي فيدخل البيت مرحاً بشّاشاً ويقول: فعلاً نريد الشاي، ويجلس بالقرب من السماور يشرب هو، ويقدّم لهم، ويصلح بين الرجل وزوجته، وتنتهي المشكلة، ثمّ ينهض وينصرف إلى منزله. إذا كان ثمّة روحانيّون في صلب المجتمع ويقيمون علاقات مع وجدان المجتمع والناس، فليس ذلك إلّا لأنّهم يعيشون مع الناس حقّاً».

 

276


238

القسم الثاني عشر: التوكُّل

التوكلّ والاطمئنان وتفويض الأمور إلى الله القادر المتعال - من جملة الصفات الحميدة لعباد الله تعالى.

الأمر الذي ينقذ من الاضطراب والتشويش والتردّد وحمل همّ المستقبل، ويمنح الإنسان قوّة القلب والإرادة والانصراف إلى القيام بأعماله والمثابرة عليها هو التوكلّ عليه -عزَّ وجلَّ- والاطمئنان إليه، سبحانه.

وهو أمر ورد التأكيد عليه كثيراً في القرآن الكريم، وقد اعتُبِر في بعض الآيات من خصال المؤمنين السامية، كما اعتُبِر المتوكِّلون في عددٍ آخر من الآيات، ممّن يحبّهم الله تعالى.

وفي جميع الأمور المادِّيّة وغيرها، يجب أن يكون اعتماد الإنسان على الله تعالى، ويجب أن يعتقد بأنّ تأثير الأسباب والعلل هو منه -عزَّ وجلَّ- بمعنى أن يكون ملتزماً بمفاد: «لا مؤثّر في الوجود إلّا الله». «أوحي إلى داوود: يا داوود، إن أنا وضعتك فمن يرفعك، وإن أنا رفعتك فمن يضعك، وإن أنا أعززتك فمن يذلّك، وإن أذللتك فمن يعزّك، وإن أنا نصرتك فمن يخذلك، وإن أنا خذلتك فمن ينصرك؟ فقال داوود: الأمر والحكم لك وبيدك»[1].

ويجب أن يبذل الطلّاب -بشكلٍ خاصّ- جهدهم للتحلّي بهذه الصفة؛ لأنّ التوكُّلَ هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها مواجهة الفقر الذي هو طابع حياة أكثر الطلّاب؛ لينصرفوا إلى مواصلة دروسهم دون اضطراب وقلق.

 


[1]  تفسير أدبي وعرفاني قرآن مجيد، ج1، ص169، والنصّ منقول بالمعنى (المعرِّب).

 

279


239

القسم الثاني عشر: التوكُّل

في رسالةٍ إلى واحدٍ من أهل المعرفة يعدّد فيها الأمور التي ينبغي للسالك الحصول عليها، يقول العالم الجليل والعارف الكبير الشيخ محمّد البهاريّ (رحمه الله): «السابع: أن لا يكون في أيّ أمر متّكلاً على حوله وقوّته، بل يكون في جميع الأحوال متّكلاً على صانعه وخالقه جلّ شأنه»[1].

ويقول الشهيد الثاني (عليه الرحمة والرضوان):

«فما يلزم كلّ واحد منهما - المعلم والتلميذ- بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة وغيرها توجيه نفسه إلى الله تعالى، والاعتماد عليه في أموره وتلقّي الفيض الإلهيّ من عنده؛ فإنّ العلم كما تقدّم من كلام الصادق (عليه السلام) ليس بكثرة التعلّم، وإنّما هو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء، ينزّله على من يريد أن يهديه.

وأن يتوكَّلَ عليه ويفوّض أمره إليه، ولا يعتمد على الأسباب فيتَّكلُ عليها وتكون وبالاً عليه، ولا على أحد من خلق الله -تعالى-، بل يلقي مقاليد أمره إلى الله -تعالى- في أمره ورزقه وغيرهما، يظهر عليه حينئذٍ من نفحات قدسه ولحظات أنسه ما يُقيمُ به أوده ويحصّل مطلبه ويصلح به أمره. وقد ورد في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّ الله تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه عمّا ضمنه لغيره، بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتّى يحصل غالباً، وطالب العلم لا يكلّف بذلك، بل بالطلب، وكفاه مؤونة الرزق إن أحسن النيّة وأخلص العزيمة.

وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله -تعالى- بي وجميل معونته منذ اشتغلت بالعلم، وهو مباديء عشر الثلاثين وتسعمئة إلى يومي هذا وهو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسعمئة». ويضيف(رحمه الله): «وبالجملة ليس الخبر كالعيان، وروى شيخنا المتقدّم محمّد بن يعقوب الكلينيّ -قدّس الله روحه- بإسناده إلى الحسين بن علوان قال: «كنّا في مجلس نطلب

 

 


[1] تذكرة المتّقين، ص114.

 

280


240

القسم الثاني عشر: التوكُّل

فيه العلم، وقد نفدت نفقتي في بعض الأسفار، فقال لي بعض أصحابنا: «من تؤمّل لما نزل بك؟» فقلت: «فلاناً». فقال: «إذًا والله لا يسعف حاجتك ولا يبلغك أملك ولا ينجح طلبتك.» قلت: «وما علمك رحمك الله؟» قال: «إنّ أبا عبد الله (عليه السلام) حدّثني أنّه قرأ في بعض كتبه أنّ الله تبارك وتعالى قال: «وعزّتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي، لأقطعنّ أمل كلّ مؤمّل غيري باليأس...»[1].

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):

«أوحى الله -عزَّ وجلَّ- إلى داوود (عليه السلام): ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمّ تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلّا جعلت له المخرج من بينهنَّ، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته، إلّا قطعت أسباب السماوات والأرض من يديه وأسخت الأرض من تحته، ولم أبال بأيّ وادٍ هلك»[2].

ومن الواضح أن ّمفهوم التوكّل على الله تعالى لا يعني أن يترك الإنسان الأمور كلّها لله، ولا يكون بصدد القيام بالأسباب الاعتياديّة، بل كما يقول مولوي: «إذا كنت متوكّلاً فازرع وتوكّل على الجبّار/ ولا تغفل في التوكّل عن الأسباب واسمع سرّ «الكاسب حبيب الله»».

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأعلى الصوت: «اعقل جملك وتوكّل»[3].

وعليه، فمن الواجب دائماً القيام بالواجب وعدم التنصّل من المسؤوليّة بحجّة التوكّل.

«يقال إنّه قبل حوالى أربعين سنة أمطرت الدنيا في سامرّاء عقاربَ بمعنى أنّ الأرض كانت تنبعث فيها العقارب من كلّ مكان، وهرب طلّاب المدرسة في سامرّاء، إلّا واحداً

 

 


[1]  منية المريد، ص61 - 62.

[2] الكافي، ج3، ص103 - 104.

[3] تعريب ثلاثة أبيات لمولوي.

 

291


241

القسم الثاني عشر: التوكُّل

منهم فقد قرّر الاستخارة، واستخار فكانت الاستخارة على البقاء جيّدة. فبقي ونام، فلدغته العقرب ومات، وأخرجوا جسده من المدرسة. إنّه هراء حقّاً. يتوكّل على الله ويلقي بنفسه في قبضة العدوّ، يجب أن يتوكّل على الله ويهرب من العدوّ»[1].

«منك الجهد ومنه العناية» يقول الفيلسوف الجليل الملّا هادي السبزواريّ (رحمه الله):

توكّل أن تدع الأمر إلى

مقدّر الأمور جلّ وعلا

وليس هذا أن تكفّ عن عمل

إذ ربّ أمر بوسائط حصل

توكّل الإمام الخمينيّ (قدس سره)

يقول أحد المقرّبين من الإمام:

«من أبرز الصفات الروحيّة للإمام، اطمئنان النفس، ومن يعرف الإمام حقّ المعرفة يعلم أنّه في جميع المنعطفات والمتغيّرات والمصاعب في حياته لم يضطرب أو يتزلزل حتّى للحظة واحدة، ولم يفقد صوابه أمام أيّة مشكلة على الإطلاق. إنّه باستمرار يعرف ما يريد وبكلّ وضوح رؤية وإصرار، سواء قبل انتصار الثورة أو بعدها.

ولقد عرف الناس ذلك منه بعد الانتصار أكثر من قبل، وعندما كانت تعصف بالبلاد بعض الحوادث المؤلمة وتعلو الكآبة وجوه الجميع من المسؤولين إلى الناس. كان الإمام كالطود الشامخ، ليس فقط أنّه لم تكُنْ تعتريه ذرّة من اضطراب، بل إنّ طمأنينته كانت تبعث الدفء والطمأنينة في جميع القلوب.

قد يقول البعض: إنّ الكثيرين إذا لاحظوا مراحل الثورة وحضور الناس الدائم في الشدائد خاصّة، ومدى تفانيهم واحتمالهم وشدّة التزامهم الدينيّ، يستطيعون أن يدركوا أنّ المستقبل لصالح حركة الثورة، فيشعرون بالاطمئنان، ولكن إذا أمعنّا النظر قليلاً، سنجد أنّ هذا الاطمئنان أيضاً والفهم المسبِّب له ينبع من معين طمأنينة الإمام،

 

 


[1]  استعاذه، ص210 - 211.

 

282


242

القسم الثاني عشر: التوكُّل

هذا المعين العذب الذي لا ينضب. مع أنّ أفق طمأنينة الإمام كان باسماً ومشرقاً حتّى عندما لم يكن يلوح في الأفق شبح للنصر، عندما كان حتّى الذين هم من أهل السياسة والفهم والحسّ الثوريّ لا يجرؤون على التفكير بالثورة بعدما رأوا فشل بعض الحركات التي كانت تتداعى في منتصف الطريق أو لا تكاد تبلغه، أو تفشل في مهدها، من قبيل المشروطة وحركة النفط وغيرهما.

كانت الحوادث واضحة أمام عين الإمام البصيرة وضوح الشمس، وكان كلامه وكلّ مظاهر حياته تطفح بالاطمئنان والتوكّل.

عندما ألقي القبض عليه، وأرادوا نقله إلى طهران، كان بعض أنصاره حول السيّارة يبكون والإمام يصبِّرهم. وفي الطريق -يقول الإمام- انحرفت السيّارة عن الطريق الأصليّ إلى جادّة ترابيّةٍ، فأيقنت أنّهم يريدون قتلي، ولكن رجعت السيّارة مجدّداً إلى الشارع العامّ، فتأمّلت في نفسي فوجدت أنّي لم أضطرب أبداً.

وعندما هاجم العراق إيران في خطّةٍ مدروسة تماماً وفي لحظةٍ واحدة، وصل خبر قصف المطارات ودخول آلاف الدبّابات مع مئات الألوف من الجنود الحدود الإيرانيّة ومن مختلف المناطق، سيطر الخوف على الجميع. كانت واقعاً لحظات شديدة الوطأة على المسؤولين، وأسرع جميع مسؤولي الجيش إلى جمران، وأصبحت عيون الملايين ترنو إلى بيت الإمام، وخفقت القلوب وتطلّع مراسلو الصحف والمصوّرون الجميع ينتظرون إعلان الإمام رأيه، وهم يتساءلون ماذا سيقول؟ هل يصرخ هو أيضاً: وإسلاماه؟ هل يستسلم لمطالب الآخرين؟ هل يطلب مساعدة الدنيا في مواجهة هذا الهجوم ويعتذر إلى أمريكا؟ أم يهادن روسيّا؟ ماذا يفعل؟ إلّا أنّ الإمام إمام، ويجب قبل كلّ شيء أن يطمئن القلوب المضطربة، ثمّ ينصرف إلى إفهامهم ما ينبغي القيام به. إنّ المقام ليس مقام عجلة، إنّه مقام سيطرة على الأعصاب، كان الإمام يدرك جيِّدًا أنّ عواطف الناس بلغت أوج الغليان، ولسان حالهم: نحن رهن إشارتك. ولكن من الواضح أنّ العدوّ المحتلّ الثمل بنشوة النصر، لا يشكو ضعف المعنويّات ولا قلّة العدّة والعتاد، وإذا

 

283


243

القسم الثاني عشر: التوكُّل

واجهه الناس فلن يكون في قلبه ذرّة رحمة، بل سيعمل على إبادة كلّ شيء. من المؤكَّد أنّ النفير العامّ آنذاك كان سيجعلنا نخسر أفضل طاقاتنا البشريّة وغيرها دفعة واحدة. وفجأةً يصبّ الإمام على نيران العواطف والحيرة ماء الاطمئنان والصبر ويقول بهدوء حول قصف المطارات: «لصّ جاء ورمى حجراً وهرب».

وفي هذا السياق أيضاً والجميع قلقون على مصير الحرب (وما يؤول إليه أمرها) وإذا بالإمام يقول: «الحرب نعمة إلهيّة». ومنذ الأيّام الأولى يهزأ بصدّام وقادسيّته.

ولا تنتهي قصّة توكّل الإمام وطمأنينته عند هذا الحدّ، فقد بشّر بالصلاة في القدس وبشّر كذلك بنجاة جميع المستضعفين. حقّاً إلى أين يصل اطمئنان الإمام وكم هو بعيد ساحلُه!

ومن المناسب جدّاً الإشارة هنا، إلى ما قاله كاتب مسيحيّ، كان قد جاء إلى إيران بمناسبة ذكرى انتصار الثورة الإسلاميّة، قال بعد رجوعه: «لقد شدّتني أمور كثيرة في الثورة الإيرانيّة ولكنّ الأهمّ فيها جميعاً انطباعي عن قائد الثورة، لقد رأيت الكثيرين من الشخصيّات والسياسيِّين في العالم، ولكنّي لم أرً أحداً في طمأنينته وهدوئه. رأيته في حسينيّة جماران، وفي حين أنّه رجل ثوريّ لا يستكين، تشعر بأنّ دنيا من الهدوء والاطمئنان تصحبه»[1].

يقول أحد المقرّبين من الإمام:

«أنتم تعلمون أنّ عبء حوادث الثورة كان دائماً على كاهل الإمام، ولولا ذلك الاطمئنان والتوكّل لكان من المستحيل أن يستطيع تحمّل كلّ هذه المشاكل. كان المسؤولون في أكثر الحوادث يخرجون عن طورهم، ولم يكن وعيهم السياسيّ يكشف لهم عن أيّ مخرج، ولكنّه كان بجملة واحدة ينهي كلّ اضطرابهم.

في مجريات احتلال وكر التجسّس (الأمريكيّ) كان أكثر المسؤولين غير راضين، وفي كلّ

 

 


[1] ويزﮔـيهايي أزوندﮔـي إمام خميني، ص121 - 127.

 

284


244

القسم الثاني عشر: التوكُّل

يوم كانوا يطرحون أمراً جديداً، واحد يقول: ليس بالإمكان محاربة أمريكان، والثاني يقول: لقد أنزلت أمريكا قوّاتها في المنطقة، وآخر يقول: جاء الأسطول الفلانيّ الأمريكيّ. وحده الإمام كان يقول: أمريكا لا تستطيع أن ترتكب أيّة حماقة. ذات يوم شكى أحد الشخصيّات الثوريّة أمام الإمام من المؤامرات، ووضع الإمام بهدوء يده على صدره قائلاً: أنت لماذا تخاف؟ لا يحدث أيّ شيء.

والعجيب أنّه مهما كان يقال عن مؤامرات الشرق والغرب، ليس أنّه فقط لم يكن يضطرب أبداً، بل كان يصبح أكثر اطمئناناً بالنصر. وليس عجيباً من القائد الذي يفقد ولداً كآية الله الشهيد السيّد مصطفى -الذي كان باستطاعته أن يكتب في شبابه آلاف الصفحات في التفسير وأن يتفوّق في المسائل الفقهيّة على الكثير من أساتذته، ولم يكن يترك التهجّد وقيام الليل- وفي شهادة شخصيّة كهذه لم يهتزّ الإمام بمقدار ذرّة، وفي اليوم التالي يواصل تدريسه. وقد اشترك في تشييعه لاستحباب ذلك وكونه فقط عملاً يرضاه الله تعالى، وفي ما بعد كان وكأنّه لم يفقد ابناً.

أو عند استشهاد أصحابه كمطهّري وبهشتي اللذين يدرك الإمام أكثر من سواه مدى الخسارة الناجمة للفكر الإسلاميّ من جرّاء فقدهم ويشعر بمدى حاجة الحوزات العلميّة والجامعات إليهم، ولكنّه رغم ذلك يبقى عند استشهادهم متماسكاً.

في الليلة التي وصل فيها إلى المكتب خبر استشهاد الاثنين وسبعين شخصاً، أُصبنا جميعاً بدُوار، ولم نكن ندري كيف نوصل هذا الخبر إلى الإمام. الإمام الذي كان يحبّ بهشتي بقلبه وروحه (حبّاً جمّاً)، أُوعز إلى الإذاعة أن لا تذيع الخبر؛ لأنّ الإمام يستمع إلى نشرة آخر الليل. تمّ الاتّفاق أن يذهب السيّد أحمد والشيخ رفسنجانيّ في اليوم التالي إلى الإمام لإخباره بما جرى بطريقةٍ مناسبة خشية أن يصاب الإمام بسوء. وأوصيَ من في البيت أن يبعدوا المذياع عن الإمام: إذ كان من المحتمل أن يذاع الخبر الساعة السابعة أو الثامنة صباحاً. والطريف هنا أنّ عائلة الإمام عندما حاولت قبل الساعة السابعة أخذ المذياع، يقول لها الإمام: «دعي المذياع مكانه، فقد سمعت

 

285

 

 


245

القسم الثاني عشر: التوكُّل

الخبر من إحدى الإذاعات الخارجيّة». والأطرف من ذلك أنّه عندما ذهب الشيخ رفسنجاني والسيّد أحمد إلى الإمام لإخباره، عزَّاهما الإمام وهدّأ روعهما، ونقل لهما قصّة هي أنّ أحد علماء الإسلام كان على المنبر فأخبر بوقوع حادثة توفّي فيها عدد كبير. فقال ذلك العالم هذا تقارب آجال؛ أي إنّ الآجال اقتربت من بعضها، فقد كان مقرّراً أن لا يموت هؤلاء في وقت واحد... لكنّ الله سبحانه قارب بين الآجال (فماتوا في وقت واحد)[1].

ولم تمرَّ عدّة أيّام، وكنّا في المكتب فأخبرونا بانفجار رئاسة الوزراء وكان خبراً مفجعاً. أمر الإمام: «اذهبوا وتأكّدوا، أريد أن أعرف مصير السيّدين رجائي وباهنر». وبمقدار ما كان يكره بني صدر والليبرالييّن ولم يكن يحبّ أن يضايقوه بذهابهم إليه، كان يحبّ رجائي وزيارته، إلّا أنّ هذه الفاجعة لم تزلزل صبر الإمام، وبقي متماسكاً مطمئنًّا بالنصر»[2].

جاء في إحدى المطبوعات قبل انتصار الثورة بقليل حول الإمام:

«هذا الرجل ابن السبعين ونيّف الذي هزّ بعزمه الراسخ التاج والعرش الشاهنشاهيَّيْن بتاريخهما الممتدّ 2500 سنة، جالس في إحدى غرف بيت متواضع على الأرض المفروشة، وقد بدأ يحدّثنا بدون أيّة مراسم وتشريفات. وكثيراً ما يقول في الجواب عن حمايته وحراسته: «الله حافظي». جلسنا أمام قائد الثورة دون أيّة قيود، نظراته الساحرة وشخصيّته الجليلة تبهر كلّ الحاضرين. ولا يوجد سؤال يمكنه أن يخرجه من هدوئه. لقد قال مراراً: الشاه يجب أن يذهب»[3].

 

 


[1] هذا العالم الكبير هو الآخوند الخراسانيّ صاحب الكفاية (رحمه الله)حيث يقال: «أنّه عندما ضرب الوباء النجف فقضى في يوم أو يومين على عدد كبير منهم عائلة الآخوند وابنته وسيطر الخوف على الناس... صعد (رحمه الله) المنبر ووعظ الناس وعزّاهم وصبّرهم وقال: أيّها الناس، لا تخافوا الموت حقّ وكلّ من يأتي أجله يموت والآن لم يحدث إلّا تقارب الآجال» فقال له طالب أصفهاني: سماحة الأستاذ، نحن نخاف من تقارب الآجال هذا. زندﮔـاني آخوند خراساني.

[2]  فرازهائي أز ابعاد، ص24 - 27.

[3]  تفسير آفتاب، ص422 - 423.

 

 

286


246

القسم الثاني عشر: التوكُّل

ركن الإسلام الأوّل

يقول الشيخ أحمد الدشتيّ -وكان مقرّباً من الآخوند الخراسانيّ-:

«كان الوضع الماليّ للشيخ -ووضعنا جميعاً- سيّئاً. وذات ليلة كان للشيخ درس خاصّ يشترك فيه تلامذته البارزون مثل الميرزا النائينيّ والمرحوم السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ والشيخ ضياء الدين العراقيّ والشيخ عبد الله الـﮕـلبايـﮕـانيّ وعدد آخر. عندما انتهى الدرس، رأينا سيّداً من آل الرفيعي جاء مع شخص آخر زائر، ودفع ذلك الرجل الزائر مقداراً من الحقوق الشرعيّة إلى الشيخ فوضع هو المبلغ تحت الفراش (الذي يجلس عليه).

نحن الذين كنّا نشاهد ما يجري وكلّنا في غاية الإفلاس فرحنا فسيعطينا الشيخ شيئاً، ولكن سرعان ما تبدّل أملنا يأساً؛ إذ رأينا أنّ ذلك السيّد قام وأسرّ في أذن الشيخ شيئاً.

فناوله الشيخ قلماً وورقة كانا بالقرب منه، وأشار إليه أن أكتب، فكتب ذلك السيّد شيئاً مختصراً وأعطاه للشيخ، وعندما نظر الشيخ في ذلك قطّب حاجبيه ومزّق الورقة، ثمّ مدّ يده تحت الفراش وأخرج ذلك المبلغ وأعطاه للسيّد فأخذه وخرج مع الزائر شاكرين.

يقول الشيخ أحمد الدشتيّ: ولم نفهم شيئاً من كلّ ما جرى، وحملنا الفضول بشدّة على معرفة التفاصيل، إلّا أنّ الأصدقاء لم يكونوا يجرؤون على الاستفسار. وحيث إنّي كنت أجرأهم في ذلك، أشاروا إليّ أن أسأل أنت، فسألته: «مولانا، يمكن أن تتفضّلوا ببيان القصّة»؟ قال: «أيّة قصّة؟» قلت: «هذا الذي حدث، مجيء هذين الشخصين ودفع أحدهما ملبغاً من المال ووضعك المال تحت الفراش، ثمّ إسرار السيّد لكم بشيء ثمّ كتب شيئاً، فأخرجتم المبلغ ودفعتموه له، فقاما وانصرفا. نحن لم نفهم من ذلك شيئاً». قال: «هناك أمور كثيرة في الدنيا لا نفهم معناها، وهذه واحدة منها».

قال الشيخ أحمد: ولكنّي أصرَرْتُ على الأمر وأيّدني واحد أو اثنان من الحاضرين،

 

287


247

القسم الثاني عشر: التوكُّل

فقال سماحته: «ما دمتم مصرّين، فاعلموا أنّ ذلك الرجل الزائر جاء ودفع أربعمئة ليرة فأخذتها، فقال لي ذلك السيّد إنّ له ولدين ويريد أن يزوّجهما ولكنّه مملق؛ ولكي لا يسمع أحد قلت له أن يكتب المبلغ الذي يحتاجه، فكتب مئة ليرة فرأيت أنّ هذا المبلغ لا يكفي لتزويج ولدين فدفعت إليه المبلغ كلّه».

وعندما قال الشيخ ذلك، بدأ جميع الحاضرين بالقال والقيل: أن كيف يا مولانا؟ أنتم تعرفون أفضل منّا أنّ وضعنا الماليّ سيِّئ. ودعنا نحن إلى جهنّم، لماذا لا تفكّرون بوضعكم أنتم؟ الآن أنتم وعيالكم في ضائقة إلى هذا الحدّ كيف تعطي الأربعمئة ليرة دفعة واحدة إلى هذا السيّد؟ على الأقلّ كنت تدع شيئاً لك، أو على الأقلّ كنت تترك شيئاً لطلّابك.

قال الشيخ أحمد: وفيما كنّا نوجّه هذه الاعتراضات، فجأة رأينا الشيخ يبكي، فسكتنا جميعاً متحيّرين، وبدأنا نعتذر إليه مؤكّدين أنّنا لم نكن ننوي الجرأة على ساحة أستاذنا المقدّسة.

وبعد دقائق هدأ وقال: «تألّمي وانزعاجي ليس سببه أنّني أعتبر ما قلتموه جرأة عليّ، وسبب انزعاجي أنّني أرى أنّ جميع الأتعاب التي تحمّلتها بسببكم طيلة سنوات ذهبت هدراً؛ لأنّني أرى أنّكم لم تدركوا بعد ركن الإسلام الأوّل وهو التوحيد، وأنتم غافلون عنه ولا تعلمون أنّ الرزق من الله وليس من عبد الله. إذا كان قصدكم من هذا الكلام أن أدّخر لنفسي هذه الأموال وأمثالها، فلا حاجة لي بالإدّخار؛ لأنّي عندما خرجت من مشهد إلى النجف لم يكن معي إلّا مجلّدان من الكتب ومنّ الله عليّ بكلّ هذه النعمة والعزّة. وإذا كان قصدكم أطفالي، فإنّ وضعهم جيّد والله رازقهم. وإذا كان قصدكم أنفسكم، فأنتم يجب أن تتوكَّلوا على الله وأن يكون هو أملكم وليس غيره. أنا حزين؛ لأنّي أجد أنّكم نسيتم الله وأمّلتم عبده». وعندما تفضّل الشيخ بهذه النصائح تأثّر طلّابه جميعاً تأثّراً شديداً وأطرقوا خجلاً»[1].

 

 


[1]  مرﮔـي درنور، ص384 - 386.

 

288


248

القسم الثاني عشر: التوكُّل

في الصحراء المجدبة

قرّر آية الله النجفيّ القوﭼـانيّ -وبعد مدّة من الدراسة في مشهد ولأسباب يوضّحها- السفر إلى أصفهان؛ ليتابع دراسته هناك. ويتّجه إليها سيراً على الأقدام مع طالب يزديّ كان صديقه. وخوفاً من أن يضلّا الطريق التحقا في الصحراء بقافلة لأهل يزد، وهذه قصّة حدثت معهما في الصحراء نتيجة التوكّل على الله تعالى:

كان في تلك القرية «خان» للمسافرين لم ينزل فيه اليزديّون، بل حطّوا الرحال في ساحة أمامه. ونزلت وصاحبي في إيوان مشرف على القافلة. قلت له: «أنا أُهيِّئ الشاي وأُحضر علف الدابّة، وأنت اذهب واشترِ خبزاً». وعندما رجع بعد نصف ساعة، قال: لا يوجد خبز في هذه القرية، كما رجع عدّة أشخاص من القافلة لم يجدوا خبزاً أيضاً مثلي يائسين، وقد قرّروا أن يعدّوا طعاماً ممّا ادّخروه في أمتعتهم لوقت الضرورة، نحن نحتاج طعاماً لهذه الليلة والليلة القادمة حيث إنّه لا قرية أخرى في الطريق.

الماء غير موجود، والخبز بطريق أولى، وحتّى النبات الصحراويّ -العلف- لا وجود له، ليسدّ الإنسان حاجته به. فالمشكلة ليست واحدة أو اثنتين - قلت: يا شيخ، هؤلاء رجعوا ولم يبحثوا أكثر، اتّكالاً على ما في الخرج، فلماذا رجعت معهم ولم تبذل جهدك؟

تعالَ اجلس واشرب الشاي، فعمّا قريب يكون جاهزاً واشرب الغليون واطمئنّ ولا تغتمّ؛ فإنّ رزق كلّ إنسان مقرون بنفسه وحياته، ولن يسبق أحدهما الآخر أبداً وهما موزونان بالميزان الإلهيّ. أنا الآن أذهب وأقلب هذه القرية رأساً على عقب. وفي الأثناء، رأينا عدّة من اليزديِّين رجعوا وقالوا لرفاقهم: «لا تنتظروا ولا تتحيّروا عبثاً فلا يمكن الحصول في هذه القرية على شيء».

وذهبت متّكلاً على الله، وما إن دخلت زقاق القرية حتّى رأيت باب البيت الأوّل مفتوحاً، فدخلت لأرى أحداً وأطلب منه خبزاً. رأيت في وسط الدار امرأة بجانب التنور ترقق قطع العجين وتلقي بها في التنور، فأدرت ظهري -على عادة طلّاب العلوم الدينيّة حتّى لا يقع النظر على أجنبيّة ولو بلا ريبة- ورفعت صوتي:

 

289


249

القسم الثاني عشر: التوكُّل

- «يا أمّ، عندك خبز؟

- نعم، تفضل ادخل».

ودخلت الدار.

- «كم تريد؟

- منّاً واحداً (3 كيلوات).

- هل تريد شيئاً آخر؟

- إذا كان لديكم شيء من المرق.

- لبن ومخيض وحليب وجبن كلّ شيء موجود، ولديّ زبدة طازجة.

- أريد (5 سير) 3750 غرام» من تلك الزبدة».

فأمرت تلك المرأة ابنتها فأعطتني ذلك.

- «كم ثمن هذا؟

- الخبز بنصف قران والزبد بقران».

وأخرجت خمسة أقراص خبز من التنّور وأعطتني إيّاها. كان طحين الخبز من أفضل أنواع القمح البلديّ، وكلّ رغيف نصف ذراع أبيض ونظيف، لم نر من مشهد إلى ذلك المكان مثله، بل كان الخبز في تلك القرى أسود مخلوطاً بغير الطحين. جئت بالخبز والزبد إلى صاحبي وقلت له: «أنت قد شربت عدّة أكواب من الشاي، أخرج الطاسة، الخبز ما يزال حارّاً، اثرده لقمةً لقمة، وضعه في الطاسة مع الزبد واخلطهما معاً لتذوب الزبدة وتنفذ في الخبز (وعندها نأكله) وأكون أنا قد تناولت كوب شاي ودخّنت».

قال: «هذا الخبز بهذه الروعة الذي لم أر مثله إلّا في قوﭼـان من أين جئت به؟».

قلت: «من ما وراء الطبيعة».

قال: «تمزح». قلت: «أنت فكّر وقسِّم، هل رأيت في هذه القرى - ما عدا حوالي طبس - لبناً أو مخيضاً طازجاً؟ وهل رأيت زبدة على الإطلاق ولو قذرة ومليئة بالشعر فضلاً عن هذه النظافة؟ وهل رأيت في مثل هذه القرى ثوراً أو بقرة؟ وهذه القرية

 

290


250

القسم الثاني عشر: التوكُّل

لنفترض أنّك لم تسأل كلّ أهلها، فهؤلاء اليزديّون سألوهم وهم أعرف منّي ومنك بهذه القرية، ومع ذلك رجعوا يائسين وصفر الأيدي، والآن انظر في أيّ وضع هم من أجل تأمين طعامهم وأيّ محشر كبير أمامك.

- لست مقتنعاً، أحدّد لك مكان البيت فهل تجده؟ أو إذا وجدته فهل تجد تلك الأمّ وذلك التنّور الحامي؟ الخبز والزبد والعجين والمخيض واللبن كلّه من الجنّة. أين سمعت بمنَّيْن من الخبز بقران؟ وأين سمعت بمنِّ زبدة بثمانية قرانات وفي واد غير ذي زرع؟ إلّا تحتمل أنّ الله أخر هؤلاء اليزدييّن الليلة هنا لنستريح قليلاً ونرحل معهم صباحاً حتّى لا تهلكنا حصباء الطريق. والآن، كل هذا الطعام اللذيذ واشكر الله ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلمُحسِنِينَ﴾. قال: «إنّه واقعاً لذيذ جدّاً». قلت: «إلّا أنّ جزءاً من لذّته بسبب أنّه مختصّ ومنحصر بنا، حتّى إذا لم ننتبه لذلك؛ لأنّ الوجود الارتكازيّ للأشياء مؤثّر أيضاً. إنّ جميع موجبات اللذّة والسعادة في هذا العالم هي فقط إضافات واختصاصات، والوجود الخارجيّ للأموال من درهم ودينار وحديقة وما شابه لا توجب لذّة لك وسعادة ما لم تُضَفْ إليك وتختصّ بك، وبمجرّد أن تصبح لك وتختصّ بك ترقص طرباً. وإذا كان الإنسان مؤمناً شكر الحقّ، وإذا تلف شيء من مختصّاته فلا تذهب نفسه حسرات. حتّى إنّه لو فرض أنّ كلّ بني البشر رزقهم الله نعمة على حدّ سواء ودونما ذرّة من تفاوت في أيّ من النعم لما كان أحد يشعر بلذّة سعادة، وفضلاً عن ذلك لما كان أحد يشكر الله. سئلت الأسماك عن الماء فقالت لم نر ماءً أبداً؛ ذلك لأنّ الماء يغمرها جميعاً وعندما تعيش سمكة على اليابسة عندها تدرك أنّ الماء نعمة عظيمة لها، كما قيل: تعرف الأشياء بأضدادها. ولعلّ إحدى أسرار وحكم التفاوت بين الأفراد في نِعَم الحقّ تعالى هي المعرفة والشكر». تناولنا طعامنا، وتمدّدنا نستريح - كنا ندخّن وعيوننا مشدودة إلى السماور واليزديِّين وهم يحضّرون طعامهم والعلف.

الرزق مقسوم فلا ترحل له

والموت محتوم فلا تحفل به[1]

 

 

 


[1] سياحة في الشرق، ص133 - 138.

 

292


251

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

الشيخ محمّد تقيّ البافقيّ

بعد إطلاق سراحه من سجن رضا بهلوي، أُبعِد العالم المجاهد الشيخ محمّد تقيّ البافقيّ إلى الريّ (جنوب طهران).

كان البافقيّ (رحمه الله) ذات يوم جالساً في منزله، فإذا برئيس شرطة المنطقة قد دخل. وبعد السلام والإذن بالجلوس جلس قرب الباب، وقال:

- «مولانا أنا مأمور من قبل رؤسائي أن أوفّر لك ما تحتاجه وأنفّذ طلباتك».

فغضب البافقيّ وهو الموحّد المتوكّل على الله، وقال:

- «ومن أنت حتّى تدّعي تنفيذ جميع طلباتي وقضاء حوائجي؟

- أنا رئيس الشرطة.

- إنّ حاجتي الآن أن تظهر غيمة في هذه السماء الصافية المشمسة وتمطر لتبلّل الأرض فهل تستطيع أن تحقّق ذلك؟

- كلّا لا أستطيع.

- رؤساؤك هل يستطيعون؟

- كلّا.

- ورؤساؤهم كيف؟ الشاه نفسه هل يستطيع؟

- كلّا لا يستطيع أحد منهم ذلك.

- إذًا ما دمت تعترف بعجزك وعجز كلّ مسؤولي المملكة وتعترف باستجدائهم، كيف تريد أن تؤمّن حوائجي؟ وماذا يمكنني أن أطلب من مسؤولي المملكة العاجزين وغير القادرين؟ قم ولا تتكلّم بعد بألفاظ الشرك هذه».

فقام رئيس الشرطة خجلاً، وأيقن أنّه لا يمكنه التأثير بشيء على مثال التوكّل والتوحيد هذا[1].

 


[1] مجاهد شهيد حاج شيخ محمّد تقي البافقي، ص125.

 

293


252

القسم الثاني عشر: التوكُّل

توكلّ آية الله البروجرديّ وإخلاصه

يقول الشهيد الأستاذ مطهّري (رحمه الله):

«في السنوات الأولى لمجيء المرحوم آية الله البروجرديّ -أعلى الله مقامه-، وبنتيجة المرض، من بروجرد إلى طهران ومنها إلى قمّ واستقرّ فيها على أثر طلب الحوزة العلميّة. بعد عدّة أشهر من إقامته في قمّ جاء الصيف وعطّلت الحوزة. فقرّر (رحمه الله) السفر إلى مشهد للزيارة؛ لأنّه أيّام اشتداد مرضه كان قد نذر أن يزور الإمام الرضا (عليه السلام) إذا منّ الله عليه بالشفاء، وقد عبّر عن رغبته هذه في مجلس خاصّ وسأل أصحابه: «من منكم يذهب معي؟ قال الحاضرون: «نرى ونخبركم». وتقرّر أن تعقد جلسة في غيابه للتشاور، وأخيراً قرّروا أنّ المصلحة في عدم السفر من قمّ إلى مشهد، وكان السبب الأساس هو أنّ آية الله البروجرديّ حديث عهد بقمّ ما يزال الناس في سائر المدن الواقعة في الطريق لا يعرفون هذا الرجل العظيم حقّ المعرفة؛ ولذا فلن يهتمّوا باستقباله واحترامه كما ينبغي.

قرّروا -بناءً على ذلك- أن يحولوا بين السيّد والسفر، إلّا أنّهم كانوا يعلمون أنّه لا يمكنهم طرح السبب الحقيقيّ على السيّد - فاتّفقوا على ذكر أعذار أخرى من قبيل أنّه أجريت له عمليّة جراحيّة قريباً والسفر بالسيّارة هذه المسافة الطويلة قد يؤدّي إلى ما لا تحمد عقباه (ولم يكن آنذاك بين مشد وطهران طائرة أو قطار).

وفي جلسة أخرى ذكر المرحوم أمر السفر مجدّداً فحاول الأصحاب أن يثنوه، وفي النهاية كشف أحد الحاضرين عن السبب الحقيقيّ من وجهة نظر الطلّاب والأصحاب. وعندما أدرك السيّد هدفهم الأساس، فما كان منه -وهو مثال التوكُّل والإخلاص (رحمه الله)- إلّا أن بدا عليه الغضب وقال بلهجة حادّة وروحانيّة: «لقد أخذت من الله سبعين سنة من العمر وقد منّ الله عليّ بتفضّلات ليس فيها شيء بسبب تدبيري. كنت أسعى دائماً أن أعرف واجبي لأؤدّيه. الآن وبعد سبعين سنة ليس من المناسب أن أهتمّ أنا بأمري وأفكّر بشؤوني الشخصيّة، كلّا سأذهب»[1].

 

 


[1] إمداد هاي غيبي درزندﮔـي بشر، ص89 - 91 بتصرف.

 

295


253

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

من الأمور المهمّة لكلّ مسلم، وتشتدّ أهمِّيّتها بالنسبة إلى الروحانيّ، مسألة الإباء وعزّة النفس وصرف النظر عن مال هذا وذاك وثروته. وبرعاية هذا الأصل الأساس يستطيع المرء أن يصون كرامته ويحفظ عزّته، الأمر الذي يمكِّنه أن يبقى متحرّراً من قيود الرقّ والعبوديّة لزيد وعمرو. من يطمع بمال الآخرين وعطائهم، ويتقبّل هداياهم - طبعاً في كثير من الموارد لا دائماً - فهو في الحقيقة يذلّ نفسه ويحطّم عزّته الإسلاميّة والإيمانيّة ويقضي على شخصيّته.

وإنّما اعتبرت مراعاة هذا الأصل أكثر أهمِّيّةً بالنسبة إلى الروحانيّ؛ فلأنّ الروحانيّ لا يمكنه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويذبّ عن حياض الإسلام ويقف في وجه الخائن بشجاعة، إلّا إذا كان لم يتحمّل منه أحد؛ ليمكنه التصدّي دون أن يدخل في حسابه أنّ مصالحه الشخصيّة تتعرّض للخطر ويقوم بواجبه الإلهيّ، وإلّا فإنّه يبقى عاجزاً عن القيام بواجبه الأصليّ الذي هو صيانة حدود الإسلام وهداية المجتمع إلى التكامل والسموّ.

ومن هنا، فإنّ كثيراً من العلماء الكبار والواعين - لمختلف أبعاد المسائل كما سنرى- كانوا يرفضون هدايا أصحاب المناصب والأثرياء التي تشكّل في الحقيقة وثيقة عبوديّة ذلك العالم لصاحب تلك الهديّة، وكانوا يرفضونها بكلّ جرأة ودون أيّ تردّد.

وفي الروايات نجد ذمّاً كبيراً لهذه الصفة السيّئة، قبول هذا النوع من الهدايا كما نجد وصفاً لها «بالعبوديّة الدائمة» كما وصف الطامع بأنّه رهن الذلّة والصغار[1].

جاء في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام):

لَنَقْلُ الصخر من قُلَلِ الجبال

أحبُّ إليّ من مِنَنِ الرجال

 

 


[1] الطمع رقّ مؤبدّ، نهج البلاغة، الحكمة رقم 180، والطامع في وثاق الذلّ، الحكمة رقم 226.

 

299


254

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

وذقتُ مرارة الأشياء طرّاً

فما طعمٌ أمرّ من السؤال

ولم أر في الخطوب أشدَّ هولاً

وأصعبَ من مقالات الرجال[1]

وهكذا يتّضح أنّ من الواجبات الحتميّة على الروحانيّ أن لا يعمد في تدبير معاشه إلى مديد الطمع لهذا أو ذاك، ولا يحني رقبته لأيّ شخص، سواء كان أهلاً لذلك أم لم يكن، بل إذا أراد شخص أن يدفع إليه مالاً فابتداءً ودون طلب منه فإنّ عليه أن يرفض ذلك، إلّا في موارد خاصّة مستثناة، وتأتي الإشارة إليها في آخر هذا القسم.

يقول الشهيد الثاني

«فممّا يلزم لكلّ واحد منها (العالم والمتعلّم) بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة وغيرها، توجيه نفسه إلى الله -تعالى- والاعتماد عليه في أموره وتلقّي الفيض الإلهيّ من عنده (...) ولا يعتمد على الأسباب فيتَّكل عليها وتكون وبالاً عليه، ولا على أحد من خلق الله -تعالى- بل يلقي مقاليد أمره إلى الله تعالى في أمره ورزقه وغيرهما، يظهر عليه حينئذٍ من نفحات قدسه ولحظات أنسه ما يُقيمُ به أوده ويحصِّل مطلبه ويُصلِح به أمره. وقد ورد في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «إنّ الله تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصّة عمّا ضمنه لغيره»، بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي (...) وطالب العلم لا يُكلَّف بذلك (...) إن أحسن النيّة وأخلص العزيمة.

«وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه اللهُ من حسن صنع الله تعالى بي وجميل معونته منذ اشتغلت بالعلم، وهو مبادي عشر الثلاثين وتسعمئة إلى يومي هذا، وهو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسعمئة... وبالجملة ليس الخبر كالعيان...»[2].

نستنتج ممّا تقدّم أنّ «العالم الدينيّ والروحانيّ عموماً يجب أن يتحلّى بالإباء وعزّ

 


[1] ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام) ولعلّ العجز الأخير «أصعب من ملاحاة الرجال».

[2] منية المريد، ص61. وقد تقدّم إيراد النص ولعلّ إعادته هنا لفائدته الهامّة في البابين.

 

300


255

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

النفس... أن يترفّع عن السفاسف فيبقى غنيّاً - بقناعته - مرفوع الهامةِ محلّقاً في الأعالي.لا يصحّ أن يرخّص طالب العلم الدينيّ والعالم مقامه الروحيّ ومتاعه المعنويّ في مقابل ما في أيدي الناس، وفي الوقت نفسِه الذي يحرص فيه على أن يكون متواضعاً، يجب أن يكون عزيز النفس أبيًّا وعفيفاً»[1].

يجب أن لا تخدعه ثروة هذا أو ذاك أو جاهه أو منزله وسيّارته... وكلّما وسوس له الشيطان قائلاً: أنظر إلى الآخرين، أيّة حياة مرفّهة يعيشون، وأنت منذ سنين متمادية حليف الجوع أليف الفقر والفاقة، فليترنّم بتأمّل وتعمّق شديدين بهذه الآيات:

﴿كَم تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥ وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦ وَنَعمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧ كَذَٰلِكَ وَأَورَثنَٰهَا قَومًا ءَاخَرِينَ ٢٨ فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾[2]، ﴿فَذَرهُم يَخُوضُواْ وَيَلعَبُواْ حتّىٰ يُلَٰقُواْ يَومَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾[3].

كان أحد الطلبة يقول:

«كلّما نظرت إلى رفاهية أهل الدنيا، وتألّمت نتيجة ذلك لوضعي، وكاد الشيطان أن يجرّني إلى الركون، ألجأ إلى قراءة هذه الآيات والتفكير فيها، فتغلب عليّ حالة من الانصراف عن الدنيا والشوق إلى عالم الآخرة لا يحدّها وصف ولا بيان».

 

 


[1]  عن كتاب «بيداء ﮔـران أقليم قبله» ص520 - 221.

[2]  سورة الدخان، الآيات 25 - 29.

[3] سورة الزخرف، الآية 83.

 

301


256

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)

«يُروَى أنّ تجّار بغداد جمعوا مبلغاً كبيراً من أصل أموالهم وخصّصوه للشيخ الأنصاريّ. سلّموا المبلغ لأحدهم وأرسلوه إلى النجف وطلبوا منه أن يقول للشيخ: «هذا المبلغ ليس من الحقوق الشرعيّة، الخمس، الزكاة، أو مظالم العبادة حتّى تستشكل بالاحتفاظ به لنفسك، إنّه من أصل أموالنا ونحن نهبه لك؛ لتوسّع على نفسك لأنّك في سنّ الشيخوخة ووضعك الاقتصاديّ كما تعلم».

ورغم إصرارهم، لم يقبل الشيخ هذا المبلغ وقال: «أليس هي خسارة كبرى لي أنّي بعد أن أمضيت عمري فقيراً أجعل نفسي الآن غنيّاً؟ وأمحو اسمي من طومار الفقراء وسجّلهم فأحرم في يوم الجزاء من ثوابهم؟»[1].

وقد دفع أحد أثرياء إيران على أبواب سفره إلى الحجّ مبلغاً من المال إلى الشيخ الأنصاريّ ليبني به أو يشتري بيتاً لسكنه، إلّا أنّ الشيخ -بسبب عزّة نفسه وإبائه- لم يصرف ذلك المبلغ في شؤونه الخاصّة وإنمّا صرفه جميعه في شراء أرض وبناء مسجد عليها وهو أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف باسم مسجد الشيخ الأنصاريّ، وله اسم آخر وشائع بين الناس هو مسجد الترك.

وعندما رجع ذلك الثريّ من الحجّ أراه الشيخ الأنصاريّ ذلك المسجد، وقال له: «هذا هو منزلي الذي كنت أنت السبب فيه»[2].

وفي زمن مرجعيّة الشيخ الأنصاريّ، أراد أخوه الشيخ منصور الأنصاريّ السفر إلى مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) للزيارة، وعندما عزم على السفر قال له الشيخ: «في هذا السفر ستلتقي شئت أم أبيت بالشاه وأمراء دولة إيران، ولكن احذر أن تفقد عزّة نفسك فتقبل منهم مالاً وتصبح بذلك عبداً لهم، وإلّا إذا قبلت منهم شيئاً، فلا تدعني أراك، أو بعد رجوعك من مشهد إبقَ في دزفول»[3].

 

 


[1] زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص86.

[2]  المصدر نفسه، ص435، الصدر.

[3] المصدر السابق نفسُه.

 

302


257

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

مؤلّف نهج البلاغة

«كان الشريف الرضيّ (رحمه الله) شديد الالتزام بمبادئ الدين الحنيف وأحكام الشريعة، فكان شديد الاجتناب للتملّق والمداهنة، لا يتجاوز أبداً الحقيقة في قصائده التي مدح بها الخلفاء العباسيّين أو السلاطين الديلميّين أو وزراءهم والعلماء المعاصرين وأصدقاءه. ورغم كلّ الروابط التي كانت تربطه بهم، فإنّه لم يقبل صلة أحد منهم. وقد ردّ صلات بهاء الدولة الديلميّ عدّة مرّات، بل إنّه لم يقبل حتّى صلة أبيه، وكان كريماً جواداً، خصوصاً بالنسبة إلى العلماء والسادة»[1].

يقول ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة في أوّل الجزء الأوّل من شرح النهج: «وكان عفيفاً شريف النفس، عالي الهمّة، ملتزماً بالدين وقوانينه، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة، حتّى إنّه ردَّ صلات أبيه، وناهيك بذلك شرف نفس وشدّة ظلف (أي شدّة منع لنفسه) فأمّا بنو أبويه فإنّهم اجتهدوا على قبول صِلاتهم فلم يقبل»[2].

يقول أحد الوزراء المعاصرين للسّيد الرضيّ (رحمه الله):

«ولد للسيّد الرضيّ مولود، فأرسلت إليه ألف دينارٍ في طبق، على ما هو المتعارف في مثل ذلك، فردَّه الرضيّ قائلاً: «الوزير يعلم أنّي لا أقبل من أحدٍ شيئاً». أرسلت ذلك الطبق ثانية وقلت: «إنّ هذا المبلغ للمولود ولا علاقة لك به»، فردَّه ثانية وقال: «أطفالنا أيضاً لا يقبلون من أحد شيئاً». أرسلته إليه ثالثة، وقلت: «أعطِ هذا المبلغ للقابلة»، فردّه وقال: «إنّنا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنّما عجائزنا يتولّين هذا الأمر من نسائنا، ولسن ممّن يأخذ أجرة، ولا يقبلن صلة». أرسلته إليه رابعة، وقلت: «هذا للطلّاب الذين يدرسون عندك». فقال السيّد الرضيّ: «ها هم الطلّاب جميعاً حاضرون، ليأخذ كلّ منهم ما يريد».

 

 


[1]  السيّد الرضيّ، مؤلّف نهج البلاغة، ص23 - 24، بتصرّف.

[2]  شرح النهج، ج1، ص33.

 

303


258

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

عندها قام أحد الطلّاب وتناول ديناراً واقتطع منه مقداراً احتفظ به ثمّ ردّ الباقي إلى الطبق.

وسأله السيّد الرضيّ عن سبب ذلك، فقال: «احتجت البارحة شيئاً من الزيت للمصباح، ولم يكن المتولّي لنفقة المدرسة موجوداً فاستدنت من البقّال حاجتي من الزيت، وقد أخذت هذا المقدار من الدينار لأداء ديني هذا». ثمّ ردّ الطبق.

هكذا كان العلماء الربانيّون والطلّاب الروحانيّون على هذه الدرجة من عزّة النفس والإباء وعلوّ الهمة[1].

يقول مؤلّف «ريحانة الأدب»، وكذلك في «قصص العلماء» بعد نقل ما تقدّم:

«بعد ذلك أمر السيّد بأن يكون مع كلّ طالب من طلّاب المدرسة مفتاح لصندوق ماليّة المدرسة ليأخذ حاجته عند الضرورة، ولا يضطرَّ لمراجعة المسؤول عن ذلك»[2].

لم يقبل هديّة الملك

جاء في ترجمة الفيلسوف الكبير الملّا هادي السبزواريّ -(رحمه الله) أنّه لشدّة عزّة نفسه لم يكن يطلب من أحد شيئاً، ولم يكن يقبل الهدايا أصلاً. وأمضى عمره بمنتهى الزهد والتقوى والصدق والصفاء وعدم التكلّف ومنتهى عزّة النفس. لم يكن يهتمّ بأحد من الأعيان والأغنياء. زاره الشاه ناصر الدين في بيته بسبزوار، وجلس على الحصير الذي كان فراش غرفة تدريسه وطلب منه تأليف كتاب في أصول الدين. ثمّ أرسل إليه في ما بعد مبلغ خمسمئة تومانٍ -وكانت آنذاك مبلغاً كبيراً- إلّا أنّ هذا الرجل الأبيّ لم يقبلها، وأمر أن يصرف نصفها على الطلّاب، والنصف الآخر على الفقراء موصياً أن يُعطَى السيّد الهاشميّ ضعف ما يعطى لغيره[3].

 

 


[1]  بيدار ﮔران أقاليم قبله، ص221 - 222، وجواب الشريف في المرة الثالثة منقول عن شرح النهج، ج1، ص40.

[2]  ريحانة الأدب، ج3، ص122.

[3]  المصدر نفسه، ج2، ص423 - 424.

 

304


259

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

الملك والحكيم

وينقل الشهيد مطهّري -رضوان الله عليه- تفاصيل وافية عن لقاء الشاه ناصر الدين بهذا الحكيم الإلهيّ، فيقول:

«في سفره إلى خراسان، كان الشاه ناصر الدين يستقبل من مختلف قطاعات الناس في كلّ مدينة يصلُ إليها، ثمّ يشيّعونه عندما يخرج، إلى أن وصل إلى سبزوار، فاستقبلته مختلف قطاعات أهلها. وكان الشخص الوحيد الذي لم يستقبله ولم يزره -بحجّة أنّه معتزل-هو الحكيم والفيلسوف والعارف المعروف الملّا هادي السبزواريّ.

ومن عجيب القضاء أنّ الشخص الوحيد الذي كان الشاه يفكّر برؤيته عن قرب في هذا السفر هو هذا الرجل الذي كان صيته قد انتشر تدريجيّاً في جميع أنحاء إيران، وكان الطلّاب ينثالون عليه من مختلف الجهات، حتّى شكّل حوزة علميّة عظيمة في سبزوار.

الشاه الذي تعب ممّا سمع ورأى من التزلّف والتملّق، قرّر أن يذهب بنفسه لزيارة الحكيم. قيل للشاه: «الحكيم لا يعرف شاهاً ولا وزيراً». قال الشاه: «ولكنّ الشاه يعرف الحكيم». أخبروا الحكيم بالأمر وتمّ تحديد موعد. وذات يوم قريب الظهر، توجّه الشاه مع أحد خدمه إلى منزل الحكيم.

كان البيت عاديّاً جدّاً، والمحتويات مثله. وأثناء الحديث قال الشاه: «لكلّ نعمة شكر، شكر نعمة العلم التدريس والإرشاد، شكر نعمة المال الإعانة والإغاثة، شكر نعمة السلطنة طبعاً قضاء الحوائج؛ لهذا فإنّي أرغب أن تطلب منّي شيئاً لأوفّق للقيام به.

- ليست لي أيّة حاجة ولا أريد شيئاً.

- سمعت أنّ لك أرضاً زراعيّة، اسمح لي أن آمر بإعفائها من الضريبة.

- في سجلَّات ماليّة الدولة، يحدّد المبلغ الذي تدفعه كلّ مدينة، والتغيير الجزئيّ لا يغيّر شيئاً من ذلك، إن لم يأخذوا هذا المبلغ منّي أخذوه من غيري حتّى لا ينقص المبلغ

 

305


260

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

المحدّد عن سبزوار. والشاه لا يرضى أن يكون التخفيف عنّي أو إعفائي سبباً في فرض مبلغٍ على الأيتام والعجائز. بالإضافة إلى أنّ الدولة التي من واجبها حفظ أرواح الناس وأموالهم وتترتّب عليها نفقات يجب تأمينها ونحن ندفع ما يترتّب علينا عن رضى ورغبة». قال الشاه: «أرغب في تناول طعام الغداء في خدمتكم ومن طعامك الذي تأكله عادة، فلو تأمر أن يأتوا بطعامك».

ودون أن يتحرّك الحكيم من مكانه صاح: «أحضروا طعامي». وبسرعة جاؤوا به، طبق من الفخّار عليه عدّة أقراص من الخبز وعدّة ملاعق مع إناء مخيض وكمّيّة من الملح. وضعوه أمام الحكيم والشاه. قال الحكيم: «كل، فإنّه خبز حلال زراعته وحراثته بتعبي». أكل الشاه لقمة، إلّا أنّه رأى أنّه لم يعتد أكل مثل هذا الطعام، بل هو عنده لا يؤكل. فطلب من الحكيم أن يأذن له ليحمل معه قليلاً من ذلك الخبز تيمّناً وتبرّكاً. وبعد لحظات غادر الشاه منزل الحكيم تتملّكه الحيرة والدهشة[1].

صاحب الحدائق (رحمه الله)

في معرض ترجمته لنفسه يقول العالم الكبير الشيخ يوسف البحرانيّ مؤلّف الكتاب العظيم «الحدائق الناضرة»:

«حتّى عصفت في تلك البلاد -شيراز- عواصف الأيّام التي لا تنيم ولا تنام، ففرَّقَتْ شملها وبدّدت أهلها (...) فخرجتُ منها إلى بعض القرى(...) فبقيت فيها مشتغلاً بالمطالعة، وصنّفت هناك كتاب «الحدائق الناضرة» إلى باب «الإغسال» وأنا مع ذلك مشتغل بالزراعة لأجل المعاش والكفّ عن الحاجة إلى الناس»[2].

أكل الخبز من العمل الخسيس، أفضل من منَّة الرئيس

أمضى الشيخ الرئيس ابن سينا مدّة طويلة من عمره في المجال السياسيّ والوزارة، وهذا من جملة ما عابه عليه العلماء من بعده. قالوا: لقد صرف أكثر وقته في هذه

 

 


[1]  داستان راستان، ج2، ص68 - 71.

[2] لؤلؤة البحرين، ص445.

 

306


261

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

الأمور، مع أنّه كان باستطاعته -بحكم الطاقات والمواهب التي يمتلكها- أن يكون أكثر نفعاً وفائدة.

ذات يوم كان الرئيس ابن سينا مارّاً في موكبه بأبّهته وضجيجه وخدمه وعلمائه، فصادف في الطريق شخصاً كنّاساً يكنس الأرض، وابن سينا معروف بقوّة السمع حتّى حُكيت عنه في ذلك الأساطير. كان ذلك الكنّاس يردّد لنفسه بيتاً من الشعر مضمونه: لقد أعززتك أيّتها النفس كي تمرّ عليك هذه الدنيا بيسر وسهولة. ضحك ابن سينا لأنّ هذا الرجل يكنس ويمنّ على نفسه بأنّه احترمها وأكرمها حتّى لا تعاني صعوبات الدنيا وشدائدها. لوى ابن سينا عنان فرسه وتقدّم منه قائلاً: للإنصاف، لقد احترمت نفسك كثيراً. فلم تجد أفضل من أن تختار هذا العمل الشريف!

وأدرك الكنّاس من قرائن الحال أنّ هذا الشخص وزير، فقال له جملة تصبّب منها ابن سينا عرقاً من الخجل ثمّ مضى ولم يعقّب. قال الكنّاس: «أكلُ الخبز من العمل الخسيس أفضل من مِنَّة الرئيس»![1].

طالب علم دينيّ في أيّامه الأولى

يتحدّث آية الله نجفيّ قوﭼـانيّ (رحمه الله) عن عزّة نفسه في معرض حديثه عمّا جرى بينه وبين أبيه عندما قرّر إرساله لطلب العلم الدينيّ، فيقول:

«إذا ذهبت إلى المدرسة فسأبقى جالساً، الطعام لا يهضم. ويجب أن تبقى عيناي مسمّرتين إلى الكتاب حتّى منتصف الليل، من جهة سأتجرّع غصّة عدم فهم الدرس ومن جهة أخرى غصّة المورد الماليّ. ثمّ بعد مدّة لن أبقى قريباً منكم، وسأكابد مرارة البعد عن الوطن لا أنيس ولا معين. فإذا لم أمت، فمن المقطوع به أنّني سأصبح أكثر ضعفاً ممّا أنا عليه الآن، لن أستطيع ممارسة الزراعة وما شابه.

 

 


[1]  تعليم وتربيت در إسلام، ص271 - 272.

 

307


262

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

ولنفترض أنّي رجعت سالماً وأصبحت مجتهداً وملأت جرابي من العلوم، إلّا أنّي لا أقوى على العمل، ويقيناً لن أطمع بما في أيدي الآخرين؛ لأنّي أعتبر المشايخ الذين يطمعون بما في أيدي غيرهم أو يكون لهم أدنى توقّع من الغير، في متن الكفر أو هامشه، وحتّى إذا متُّ فلن أفعل شيئاً من ذلك.

وقد قرأت في مدرسة «المئة كلمة» أنّ عليّاً (عليه السلام) قال: «ذلّ من طمع» ولن أرضى أبداً لنفسي الذلّ.

يضيف مخاطباً والده: آنذاك جنابك إمّا أن تكون موجوداً ولكنّك عاجز، أو لا سمح الله لا تكون موجوداً. فماذا سيفعل آنذاك هذا الابن النشيط الذي يجيد العمل بعد أن تكون حوّلته بنتاً عمياء عرجاء؟ قال: وهل الله تعالى غير موجوداً آنذاك؟

- الله موجود دائماً، لكن جاء في كتب التاريخ أنّ الله قتل سبعين نبيّاً من أنبيائه بين الصفا والمروة أو الركن والمقام من شدّة الجوع ولم يتداخله الحزن عليهم.

- إذا كان الله تعالى قدَّر أن تموت أنت من الجوع فسيقتلك به حتّى إذا كانت صولتك ودولتك ملء السمع والبصر. قم اذهب وافعل ما قلت لك في النهار، تذهب إلى غرفة أستاذك للدرس وترجع ليلاً للمبيت في منزل صديقنا.

- على عيني في أمان الله.

ذهبت مصطحباً معي ذلك الكتاب الذي اشتريته بأربعة ريالات، قلت باسمِ الله وتوجّهت إلى المدرسة، كان عمري آنذاك ثلاث عشرة سنة بالتحديد سنة 1308هـ.ق، قبل وفاة الميرزا الشيرازيّ الكبير بأربع سنوات»[1].

وفي مكان آخر يتحدّث السيّد القوﭼـانيّ النجفيّ (رحمه الله) عن مجريات دخوله إلى النجف الأشرف فيقول: «باختصار، في الثلاثة - الأربعة أشهر الأولى صرت «لا، لا» من جميع الجهات، لا مأوى لا ثياب. لا طبخ، لا طعام، لا أنيس. وكان دأبي الطبيعيّ، كتمان

 

 


[1] سياحت شرق، ص44 - 45.

 

308


263

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

أمري وعدم إظهار حاجتي حتّى عن الله المتعال، وعليّ (عليه السلام)... وما يزال... (المقصود المبالغة في الكتمان وللسيّد القوﭼـانيّ أسلوبه الخاصّ) لأنّي كنت أعتبر إظهار حاجتي للمخلوق ولو للتسلية إحدى درجات الكفر، والحديث عنها مع الخالق والأولياء منافياً للتسليم. كنت أعتبر من واجبي سُنَّة السكوت الحسنة، احترق وتكيّف.

وكنت شديد الحساسيّة من الشكوى إلى حدّ أنّها إن صدرت عن غيري، استبدَّ بي الغمّ، وقد صبرت حتّى تبدّلت مرارة هذا الصبر والجوع بالحلاوة والمنِّ والسلوى.

كانت دواعي سعادتي فقط فهم درس الآخوند الخراسانيّ وكتابته وزيارة حضرة الأمير (عليه السلام) والتمرّغ على أعتابه. حتّى إنّي كتبت رسالة ألقيتها في الضريح، وخلاصة ما فيها أّني أريد أن أراك أو أرى ابنك حجة العصر (عليه السلام) ونظمت بيتين من الشعر في مدحه»[1].

ماء وجه القناعة والفقر

كتب الشهيد مطهَّري (رحمه الله) حول العالم الحرّ الميرزا عسكريّ الشهيديّ ما يأتي:

«كان المرحوم العسكريّ مشهوراً بالتحرّر وصراحة اللهجة، ورغم أنّه كان في غاية الفقر، فلم يكن يقبل من أحد شيئاً، وقد اطَّلع على فقره أحد من علماء طهران، فأخبر بذلك بعض المسؤولين من ذوي المناصب العليا. وهكذا تمّ تحديد راتب شهريّ معتدٍّ به، أخذ ذلك العالم أمر الصرف وأرسل معه رسالة إلى المرحوم العسكريّ.

وبعد أن اطّلع على الرسالة تألّم كثيراً من صديقه الطهرانيّ فكتب على مغلّف الرسالة: «نحن لا نريق ماء وجه القناعة والفقر» ثمّ أرسل إليه الرسالة وما فيها»[2].

المحدّث القمّيّ

في إحدى السنوات طلب أحد المحسنين من المحدّث القمّيّ أن يقبل التزامه بدفع

 

 


[1]  المصدر نفسُه، ص305 - 306.

[2]  خدمات متقابل إسلام وإيران، ص615.

 

309


264

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

مبلغ خمسين ديناراً عراقيّاً بإزاء مجلس وعظ المحدّث وخطابته، وكان مصروف المحدّث آنذاك شهرياًّ ثلاثة دنانير، إلّا أّنه رغم ذلك قال لهذا المحسن:

«أنا أرتقي المنبر لأجل الإمام الحسين (عليه السلام)». ورفض قبول ذلك المبلغ[1].

المرجعيّة الشيعيّة

في السنوات الأولى من مرجعيّة المرحوم آية الله البروجرديّ -أعلى الله مقامه- أرسل أحد تجّار طهران المعروفين والمتديّنين حوالة بمبلغ ماليّ كبير في ورقة عاديّة، سلّمها لشخص قادم إلى قمّ ليوصلها إلى السيّد البروجرديّ. وعندما أمسك السيّد بالورقة رمى بها جانباً وقال: «من الآن وصاعداً لا ترسلوا لنا هذا النوع من الحقوق الشرعيّة! أنتم تتصوّرون أنّكم تمنّون علينا. الحوزة أشرف وأعزّ وأكثر احتراماً من أن توجّه إليها مثل هذه الإهانة». بعدها جاء ذلك التاجر إلى قمّ وقدّم اعتذاره الشديد.

إنّه لفخرٌ للمرجعيّة الإسلاميّة الشيعيّة أن لا تخضع لمراكز القدرة ولا للناس، بل إنّ الناس بدافع عقيدتهم يؤدّون واجباتهم، ويدفعون الحقوق الشرعيّة المترتّبة عليهم[2].

الوحيد البهبهانيّ (رحمه الله)

يُحكَى أنّ العالم العامل الشيخ رضا الأسترآباديّ قال: «أيّام إقامتي في كربلاء والتشرّف بملازمة الوحيد البهبهانيّ، جاء أحد التجّار للزيارة وأحضر قطعة قماش ثمينة هديّة لسماحته، وحيث إنّه كان قد سمع أنّه لا يقبل شيئاً من أحد... فقد حاول أن يجد الطريقة المناسبة ليقبلها منه. قال له الطلّاب: «إذا توسّط لك في قبول الهديّة الشيخ رضا الأسترآباديّ فقد يقبلها الشيخ الوحيد؛ لأنّه يحبّه ويكرمه».

 

 


[1] حاج شيخ عباس قمي مروتقوا وفضيلت، ص46 - 47.

[2]  حكايتها وهدايتها وآثار شهيد مطهري، ص91.

 

310


265

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

ولأنّي كنت يائساً من قبول الأستاذ لهديّته فقد رفضت طلبه، إلّا أنّه بالغ في الإصرار، ووعدني إذا نجحت في إقناع الأستاذ أن يعطيني قطعة قماش لي. قلت في نفسي: «فلأحاول، إذا قبل الأستاذ الهديّة أكون قد قضيت حاجة مؤمن، وحصلت على هديّة، وإلّا فلن يصلني ضرر». أخذت الهديّة وقصدت منزل الأستاذ. كان الوقت ظهراً والحرّ شديداً. طرقت الباب، جاء الأستاذ بثياب الاستراحة وفتح الباب، وعندما رآني سألني عن سبب مجيئي فقلت بخجل: «أحضر رجل مؤمن قطعة قماش هديّة لك بنيّة أن تلبسها وهو يتمنّى قبولها». وقبل أن أكمل كلامي بدت عليه علامات الغضب الشديد، وقال: «تصوّرت أنّك في هذا الحرّ تركت عملك وشغلتني عن بحثي العلميّ من أجل حلّ مشكلّة علميّة». قال هذا وأقفل الباب بسرعة ورجع. بقيت مبهوتاً، وقلت فوراً: «مولاي، لي طلب آخر».

فتح الباب وقال: «ماذا؟

- ذلك الرجل وعدني أن يقدّم لي هديّة إذا قبلت هديّته، فلا تجعلني أخسر ذلك».

عندما سمع ذلك ضحك وقال: «بنيّ، ادرس ولا تصرف وقتك في هذه الأمور العبثيّة». ثمّ قبل الهديّة، وقال: «بشرط أن لا تتوسّط بعد في مثل هذه الأمور». ومضى، وبقيت يتملّكني العجب من عظمة نفسه وسجاياه وأخلاقه الحميدة»[1].

المصلح الكبير

جاء في ترجمة السيّد جمال الدين الأسد آباديّ، هذا العالم المضحِّي والمصلح الثائر أنّه لم يكفّ عن نشر دعوته رغم أنّ كلّ قوّة بريطانيا ومصر استنفرت لمواجهته. وقد وصل الأمر إلى حدّ أنّ الخديوي توفيق قرّر إبعاده عن القاهرة. وذات ليلة، فيما كان السيّد عائداً إلى بيته هاجمته قوّات الشرطة وألقت القبض عليه؛ لنقله إلى السكّة الحديديّة لإرساله إلى السويس.

 

 


[1] وحيد بهبهاني، ص142.

 

311


266

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

ولم يكن السيّد يحمل أيّ مبلغ من المال، وعندما علم القنصل الإيرانيّ بذلك حاول أن يعطيه شيئاً فقال السيّد: «احتفظ به لنفسك، أنت أكثر حاجة إليه، الأسد أينما ذهب يتدبّر أمر صيده».

 

الشهيد آية الله قدّوسي (رحمه الله)

كما كان الشهيد السعيد آية الله قدّوسي عزيز النفس أبيًّا، كذلك كانت المدرسة الحقّانيّة التي تولّى إدراتها؛ فقد كان الطلّاب يتحلّون بعلوّ الهمّة وشدّة عفّة النفس. وكان (رحمه الله) يمتنع عن قبول الهدايا العينيّة التي كان الناس يرسلونها إلى الطلّاب أحياناً؛ حتّى لا يؤثّر ذلك على روحيّة الطلّاب، كان يربّي الطلّاب على عزّة النفس. وذات ليلة، كنت في بيته فطرق الباب، وعندما رجع الشهيد قال: «أحد الأشخاص أحضر طعاماً جاهزاً من طهران لطلّاب المدرسة فلم يقبله الطلّاب وجاء يرجو أن أقنعهم بذلك، وقد أخبرته بأنّي لا أتدخّل لإقناعهم».

كان يلتزم بعدم التفريق بين الطالب المجهول والمعروف ابن العالم الفلانيّ وما شابه. يعطي الجميع على حدٍّ سواء. ولذلك كان يرفض قبول الهدايا التي تستلزم بعض التبعات والمداراة. صحيح أنّ ردّ الهدايا عادة أمر صعب؛ حيث يفسّر بعدم احترام الـمُهدي ويتسبّب ببعض السلبيّات الحادّة أحياناً، ومن الناحية الشرعيّة يعتبر ذلك مرفوضاً يتنافى مع الخُلُق الإسلاميّ، إلّا أنّ الهديّة التي يتوقّع صاحبها خدمة ما من الذي أهدى إليه تجعل رقبة الإنسان في نير العبوديّة. ليست هديّة في الحقيقة بل هي نوع رشوة تعطى في صورة هديّة ليلين المُهْدَى إليه، ويقوم بما لا تقرّه الضوابط تحت تأثير العلاقات والروابط. وأحياناً لا يكون في نيّة المهدي شيء من ذلك، إلّا أنّ المهدى إليه يشعر بأنّه -ولو بصورة لا شعوريّة- سيتعامل مع صاحب الهديّة بايجابيّةٍ أكثر من تعامله مع غيره. سيوسوس له الشيطان ليميّزه من غيره في مثل هذه الحالة لا يكون قبول الهديّة راجحاً.

ولعلّ، من هذا النوع، تلك الهديّة المعتدّ بها -حوالي نصف كيلو زعفران- التي

 

 

312

 


267

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

أرسلها إليه والد أحد الطلّاب، فلم يقبلها رغم الإصرار الكبير؛ لأنّه رأى أنّه إذا قبلها وجاء هذا الطالب يطلب إجازة بعد مدّة، أو نقص معدّل علاماته في الامتحان، وما شابه فإنّ من الصعب أن يتعامل معه كما يتعامل مع الآخرين[1].

نصيحة عارف جليل

المرحوم الشيخ محمّد البهاريّ، من تلامذة آية الله الشيخ حسينقلي الهمدانّي الكبار، ومن الواصلين إلى حريم القرب الإلهيّ. يتحدّث عن صفات العالم فيقول:

«الثالث: لا بدّ أن يكون متوكّلاً على مولاه، آيساً ممّا في أيدي الناس، فلا يتملّق لأحد من الأغنياء ويسمّي ذلك تواضعاً، فإنّ تواضع الفقير هو التكبّر عليهم من حيث إنّهم أغنياء.

الرابع: أن لا يداهنهم بالخوض في الباطل طمعاً بما في أيديهم من حطام الدنيا (...).

السابع: ما يعطيه إيّاه غيره من المال: إن علم أنّه حرام وجب عليه الامتناع، وإن علم أنّه مشتبه أو حلال فيه منَّة فردّه له راجح، وإن علم أنّه هديّة محلّلة بغير منَّة استحبّ له القبول تأسّياً بالنبيّ والأئمّة (عليهم السلام) وإن كان من الصدقات وهو مستحقّ، فإن علم أنّه يعطي رياءً وسمعة يمكن أن يُقال بعدم جواز الأخذ إذا صدق أنّه إعانة على الإثم.

وينبغي له التعفّف عن السؤال ما استطاع؛ فإنّه فقر معجَّل وحساب طويل لعدم خلوِّه من الآفات غالباً؛ إذ هو متضمّن للشكوى، وذهاب ماء الوجه والذلّ عند غير الله وإيذاء المسؤول، وإعطائه استحياءً أو رياءً أو إلجاءً، أمر يورث شتم السائل وإيذاءه، إلى غير ذلك من الآفات؛ ولذا روي «أنّ مسألة الناس من الفواحش». نعم، لو كان في مقام الاضطرار فله ذلك، بل قد يجب إلّا أنّ تشخيص درجات هذه المقامات في غاية الإشكال والصعوبة»[2].

 

 


[1]  يادنامه شهيد آية الله قدوسي، ص41 - 42 و50 و185 - 1856.

[2]  تذكرة المتّقين، ص137 - 139.

 

313


268

القسم الثالث عشر: الإباء وعزّة النفس

أرسلها إليه والد أحد الطلّاب، فلم يقبلها رغم الإصرار الكبير؛ لأنّه رأى أنّه إذا قبلها وجاء هذا الطالب يطلب إجازة بعد مدّة، أو نقص معدّل علاماته في الامتحان، وما شابه فإنّ من الصعب أن يتعامل معه كما يتعامل مع الآخرين[1].

نصيحة عارف جليل

المرحوم الشيخ محمّد البهاريّ، من تلامذة آية الله الشيخ حسينقلي الهمدانّي الكبار، ومن الواصلين إلى حريم القرب الإلهيّ. يتحدّث عن صفات العالم فيقول:

«الثالث: لا بدّ أن يكون متوكّلاً على مولاه، آيساً ممّا في أيدي الناس، فلا يتملّق لأحد من الأغنياء ويسمّي ذلك تواضعاً، فإنّ تواضع الفقير هو التكبّر عليهم من حيث إنّهم أغنياء.

الرابع: أن لا يداهنهم بالخوض في الباطل طمعاً بما في أيديهم من حطام الدنيا (...).

السابع: ما يعطيه إيّاه غيره من المال: إن علم أنّه حرام وجب عليه الامتناع، وإن علم أنّه مشتبه أو حلال فيه منَّة فردّه له راجح، وإن علم أنّه هديّة محلّلة بغير منَّة استحبّ له القبول تأسّياً بالنبيّ والأئمّة (عليهم السلام) وإن كان من الصدقات وهو مستحقّ، فإن علم أنّه يعطي رياءً وسمعة يمكن أن يُقال بعدم جواز الأخذ إذا صدق أنّه إعانة على الإثم.

وينبغي له التعفّف عن السؤال ما استطاع؛ فإنّه فقر معجَّل وحساب طويل لعدم خلوِّه من الآفات غالباً؛ إذ هو متضمّن للشكوى، وذهاب ماء الوجه والذلّ عند غير الله وإيذاء المسؤول، وإعطائه استحياءً أو رياءً أو إلجاءً، أمر يورث شتم السائل وإيذاءه، إلى غير ذلك من الآفات؛ ولذا روي «أنّ مسألة الناس من الفواحش». نعم، لو كان في مقام الاضطرار فله ذلك، بل قد يجب إلّا أنّ تشخيص درجات هذه المقامات في غاية الإشكال والصعوبة»[2].

 

 


[1]  يادنامه شهيد آية الله قدوسي، ص41 - 42 و50 و185 - 1856.

[2]  تذكرة المتّقين، ص137 - 139.

 

313


268

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

للحرص على الأموال العامّة و«بيت المال» والدقّة والاحتياط في صرفها أهمِّيّة خاصّة في الإسلام. وقد حظيت هذه المسألة بأقصى درجات العناية، وتعتبر دقّة قادة الإسلام في شأن بيت المال واحتياطهم وبعد نظرهم من أكثر الأمور عبرة في سيرة هؤلاء العظماء.

ويكشف التأمّل في هذا البعد من سيرتهم عن آفاق جديدة في عظمتهم وسموّ روحهم.

وقد احتفظ التاريخ بنماذج كثيرة عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) أكتفي هنا بذكر عدّة منها من أقوال الإمام عليّ (عليه السلام) وأفعاله. والمأمول أن تكون هذه المواقف وهذه الدرر الثمينة المستقاة من الوحي الإلهيّ في وضعنا الحاضر، درساً للجميع خصوصاً للمسؤولين والروحانيِّين الذين يراقب الجميع في هذه المرحلة تصرّفاتهم ويحسبون لها ألف حساب.

1. يقول الإمام عليّ (عليه السلام) في إحدى خطبه: «والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتّى استماني من بُرِّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم، كأنّما سُوِّدت وجوههم بالعظم، وعاودني مؤكّداً وكرّر عليّ القول مردّداً، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أنّي أبيعه ديني، وأتبَّع قياده مفارقاً طريقتي، فأحميت له حديدة، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دنفٍ من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل! أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه؟ وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه؟ أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من اللظى؟!»[1].

 

 


[1]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص346 - 347، خ224.

 

317


269

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

. «وقدم عليه عقيل (...) فقال: أعطني ما أقضي به ديني، وعجِّل سراحي حتّى أرحل عنك، قال: فكم دينك يا أبا يزيد؟ قال: مئة ألف درهم. قال: لا والله ما هي عندي ولا أملكها، ولكن اصبر حتّى يخرج عطائي فأواسيكه ولولا أنّه لا بدّ للعيال من شيء لأعطيتك كلّه. فقال عقيل: بيت المال في يدك وأنت تسوِّفني إلى عطائك. وكم عطاؤك وما عساه أن يكون ولو أعطيتنيه كلّه؟ (...) فقال له [الإمام] عليّ: إن أبيت يا أبا يزيد (...) أخذت سيفك وأخذتُ سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة، فإنّ بها تجّاراً مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله فقال: أو سارقاً جئت؟ قال: تسرق من واحد خيرٌ من أن تسرق من المسلمين جميعاً...»[1].

3. كتب (عليه السلام) كتاباً إلى زياد بن أبيه نائب ابن عباس على البصرة عندما كان ابن عباس حاكم البصرة ومدن الأهواز وفارس وكرمان، جاء فيه: «وإنّي أقسم بالله قسماً صادقاً، لئن بلغني أنَّك خُنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدّنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر ضئيل الأمر، والسلام»[2].

4. كتب (عليه السلام) إلى عماله: «أدقُّوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا عنّي فضولكم، واقصدوا قصد المعاني، وإيّاكم والإكثار، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار»[3].

وقد بذل العلماء الصالحون وما يزالون دقّةً كبيرة في صرف «بيت مال المسلمين فاجتنب كثيرٌ منهم «سهم الإمام» و«الشهريّة» كالحكيم المعروف المرحوم القشقائيّ، الذي كان ينفق من إجارة أرض كانت له، والمرحوم المحدّث القمّيّ الذي كان يقول: «لست أهلاً لآخذ من سهم الإمام». وكان تاجر متديّن يدفع له مبلغاً قليلاً يسدّ به نفقاته. والعلّامة الطباطبائيّ، والشهيد المظلوم الدكتور بهشتي، والشهيد المجهول القدر القدّوسي الذي كان يبلغ احتياطه أنّه إذا احتاج أن يقترض مبلغاً فإنّه لم يكن يقترض

 

 


[1]  بحار الأنوار، ج41، ص113 - 114.

[2]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، كتاب 20.

[3]  بحار الأنوار، ج41، ص105.

 

318


270

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

من طالب يأخذ «الشهريّة» المقرّرة في الحوزة؛ حتّى لا تكون أمواله مختلطةً بسهم الإمام (عليه السلام).

كذلك المرحوم آية الله العظمى الحائريّ الذي كان زعيم الحوزة في قمّ، وكان مرجعاً مطلقاً، وكانت تَصِلُ إليه مبالغ طائلة من الحقوق الشرعيّة. ورغم ذلك -وبناءً على ما أورده بعضهم- «كان جميع أثاث بيته عند وفاته لا يعادل 1500 تومانٍ، وكان مديناً إلّا أنّه لم يرضَ بتسديد دينه من بيت المال. وعندما اطّلع الدائنون على ذلك، سامحوه بكلّ ما لهم في ذمّته».

بل ذكر الإمام الخمينيّ (قدس سره) في إحدى خطبه، قبل سنين طويلة في بداية مواجهة للطاغوت، أنّ عائلة آية الله الحائريّ لم تكن تملك ليلة وفاته ثمن طعام العشاء[1].

نعم، هكذا كانوا، وهكذا هم الرجال الإلهيّون المؤمنون بالمعاد ومصاديق ﴿إِنَّمَا يَخشَى ٱللَّهَ مِن عِبَادِهِ ٱلعُلَمَٰٓؤُاْ﴾[2].

ورغم ذلك، لا يكاد ينقضي العَجَبُ من بعض الأشخاص الذين يغدقون من بيت المال بلا حساب ولا كتاب، ويؤثرون أقاربهم والمنتسبين إليهم، ويعيشون من بيت المال والحقوق الشرعيّة حياة هي مضرب المثل في الترف. وهكذا يقدّمون للناس صورة مشوّهة عن العلماء ويسيؤون إلى الإسلام والحوزة، ويزرعون الاختلاف والتفرقة، فتبّاً لهم.

ومن الجدير بالذكر هنا، ما يرتبط بواجب الناس والروحانيّين الذين يوصلون الحقوق الشرعيّة إلى العلماء، إنّ عليهم أن يبذلوا دقّة كبيرة في من يوصلون إليهم فلا يعطوا هذه الأموال إلى هذا وذاك. يقول أحد الكتّاب المعاصرين: «إنّ على الناس أيضاً في هذا المجال مسؤوليّات منها: أن لا يدفعوا الحقوق الشرعيّة لكلّ شخص وكلّ فرد، بل يوصلونها إلى حيث تصرف في حفظ الدين وشؤون الدين، وباللغة الفقهيّة يجب أن

 

 


[1] صحيفة نور، ج1، ص55.

[2]  سورة فاطر، الآية 28.

 

319


271

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

ينتبهوا إلى رضا الإمام (عليه السلام) بصرفها الذي هو حفظ الدين بكلّ معنى الكلمة وبقاء انتقاله إلى الأجيال القادمة حتّى تبرأ ذمّتهم. ويجب أن ينصبّ اهتمامهم على المركز الفقهيّ الاجتماعيّ الأصيل الذي يخدم الإلتزام الأصيل على مستوى العالم الإسلاميّ»[1].

«يجب أن يعرف الطلّاب الشباب العالم الذي يستحقّ الترويج بين الناس، والعالم الذي لا يستحقّ. فكما أنّ ترويج العالم بحقّ، واجب شرعيّ وخدمة للدين والمجتمع وتعزيز لحرّيّة المجتمع واستمرار الشريعة، فإنّ الترويج للعالم غير الجدير خيانة للإسلام والتاريخ وحصير الإسلام وموقعه؛ ولذلك فهو من أكبر الكبائر وأعظم الخيانات للدين الحقّ ويوم القيامة، هؤلاء الذين روّجوا لهم، ويعاقبون عن كلّ مفسدة ونتيجة سوء ترتّبت على رئاسة علماء السوء هؤلاء، وعن كلّ وهن لحق بالدين من جرّاء عدم حسّهم الجهاديّ»[2].

وباختصار، يجب دفع الحقوق الشرعيّة إلى العالِم الذي يعلم رضا الإمام صاحب العصر |بدفع الحقوق إليه. لا إلى الذين قال الشهيد مطهّري في أمثالهم قبل عشرين عاماً: «ممّا يحمل على الأسف الشديد أنّ الناس يرون بأمّ العين أنّ الأولاد والأحفاد والحواشي لبعض الـ... (كذا) يستغلّون الهرج والمرج وعدم النظم في موازنة الحوزات فيختلسون المبالغ الطائلة بحيث إنّهم يعيشون سنين متمادية يصرفون بمنتهى الإسراف ولا ينفد ما اختلسوه. هل فكّرتم... بمدى إساءة هذه الأمور إلى عالم الروحانيّة[3]؟! ولأطو كشحاً.

دقّة الإمام (قدس سره)

يقول أحد ملازمي الإمام في النجف الأشرف:

«كان المرحوم السيّد مصطفى ابن الإمام -الذي أعتقد أنّه كان شخصاً لا نظير له- يأخذ مصروفَه أسبوعيّاً من الإمام، ولم يكن الإمام يعطيه أبداً أكثر من مصاريفه

 


[1] شيخ آقا بزرﮒ، ص246.

[2]  بيدار ﮔران أقاليم قبله، ص125 - 126.

[3]  بحثي دربارﮤ مرجعيت وروحانيت، ص176.

 

320


272

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

الضروريّة. وعندما أراد المرحوم السيّد مصطفى التشرّف بحجّ بيت الله الحرام فقد أمّن المبلغ الذي احتاجه من ثمن بيته في النجف ومن مبلغ كان لزوجته. كان الإمام يقول دائماً: «لا يحقّ لأحد أن يستعمل الهاتف إلى خارج النجف». كان الإمام يأذن باستعمال الهاتف داخل النجف، أمّا إلى كربلاء مثلاً وغيرها، فلم نكن نستطيع الاتّصال؛ لأنّ الإمام حرّم ذلك حتّى على ولده. قال له: «لا يحقّ لك أن تتّصل بطهران ولا غيرها».

ولكن إذا كان الأمر مرتبطاً بشؤون الثورة لإيصال بيان بوساطة الهاتف أو غير ذلك من الاتّصالات فقد كان ذلك مسموحاً.

وفي مجال آخر حول الاقتصاد في استعمال الورق، ذات مرّة كتب أحد الإخوة -وكان المسؤول الماليّ عند الإمام- شيئاً على ظهر مغلّف وأرسله إلى الإمام، فكتب الإمام الجواب على قصاصة ورق، وكتب تحته: كان يمكنك الكتابة على مثل هذه الورقة. بعدها كان هذا الأخ يجمع قصاصات الورق، ويحتفظ بها؛ ليكتب إلى الإمام عليها عند الحاجة. وكان الإمام يكتب الجواب على الورقة نفسِها. كثيراً ما اتّفق أن يخرج الإمام من داخل البيت إلى «البرّاني» فيرى مصباحاً كهربائيّاً مضاء دون حاجة إليه فيطفِئُه، وفي اليوم التالي يؤنّب فيقول: «لمَ تركتم المصباح مضاءً؟».

كان الإمام متشدّداً في مسائل الهاتف، إلى حدّ أنّ ابن الإمام أجرى مرّة عدّة اتّصالات فاضطرَّ لتهيئة مبلغ ودفعه إلى المسؤول الماليّ قائلاً: «لقد أجريت عدّة اتّصالات شخصيّة»[1].

ويقول أحد أعضاء مكتب الإمام -في طهران- في هذا المجال:

بساطة عيش الإمام- التي تتلخّص في أنّها لا تتجاوز ما عليه الفرد العاديّ من الناس- شاهدٌ حيٌّ ومعبِّر عن روحه الجماهيريّة. دائماً توجد لدى الإمام مبالغ طائلة من الحقوق الشرعيّة، ولكنّه يراقب المصاريف بدقّة عجيبة. مراراً حذّر أعضاء المكتب

 

 


[1]  فرازهائي أز أبعاد روحي إمام، ص74 - 75 بتصرف.

 

321


273

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

بشّدة من استعمال الهاتف للأمور الشخصيّة؛ لذلك فإنّنا في حوائجنا نستعمل الهاتف العموميّ. لا تجد في منزل الإمام مصباحاً واحداً مضاءً دونما حاجة إليه.

أثناء الوضوء، يحرص الإمام على الدقّة اللامتناهية في صرف الماء، إلى حدّ أنّه كان يقفل الصنبور «الحنفيّة» في الفترة الوجيزة التي تفصل بين المسح والغسل. دائماً كان الإمام ينبّه إلى الدقّة في المصاريف، وأحياناً كان يسأل: «لماذا زادت؟ انتبهوا»[1].

سطور من نور

يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره):

«... لأنّ الفقيه إذا كان همّه أن يجمع الحطام لم يكن عادلاً، ولم يعد مؤتمناً للرسول ومنفّذاً لأحكام شريعته»[2].

«الذي يعمل ويسعى للحصول على الدنيا -ولو في أمر مباح- ليس أمين الله ولا يمكن الاطمئنان إليه - تكاليف فقهاء الإسلام تختلف عن تكاليف الآخرين. يجب على فقهاء الإسلام -بلحاظ مقام الفقاهة- ترك كثير من المباحات والإعراض عنها»، «إذا لم تدرسوا -لا سمح الله- فحرام أن تبقوا في المدرسة، ولا يمكنكم أن تأخذوا شيئاً من الحقوق الشرعيّة الخاصّة بطلّاب العلوم الإسلاميّة»[3].

يطلب من السائل أداء القسم

الشيخ إبراهيم الكلباسيّ -(رحمه الله) المتوفّى سنة 1262هـ والذي أوردنا حتّى الآن عدّة قصص عنه- كان شديد الاحتياط في الأموال العامّة، فإذا طلب منه فقير شيئاً كان يطلب منه شاهداً على فقره ويطلب منه أداء القسم أنّه لا يكذب وأنّه لن يسرف في المال الذي سيأخذه منه، وأنّه سيصرف باعتدال ثمّ يعطيه مصرف شهر[4].

 

 


[1]  المصدر نفسُه، ص46 - 47.

[2]  الحكومة الإسلاميّة، ص69 - 70.

[3]  المصدر نفسُه.

[4]  الفوائد الرضويّة، ص11، ولا تخلو هذه الطريقة من غرابة كما لا يخفى ولعلّ له (رحمه الله) من أحوال الناس حوله ما يُسوِّغ ذلك (المعرِّب).

 

322


274

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

ويضيف المحدّث القمّيّ بعد نقل ما تقدّم:

«جاء شخص إلى المرحوم الكلباسيّ ليدلي بشهادته على أمر مهمّ، فسأل المرحوم:

- «ما هي مهمّتك؟

- أغسل الموتى».

سأله المرحوم عن أحكام الغسل فقال (رحمه الله): «عندما نُنزل الميت في قبره نقول له كلاماً معيّناً فما هو؟».

أجاب الغسّال: «نقول: هنيئاً لك أنّك انتقلت من الدنيا، ولم تضطرَّ لأداء الشهادة عند الشيخ الكلباسيّ!».

ريالات فقط

قال أحد العلماء الكبار والأتقياء في الحوزة العلمية بقمّ -وهو تلميذ آية الله القاضي أستاذ العلّامة الطباطبائيّ- إنّ أحد علماء تبريز ذهب إلى النجف في عصر زعامة ومرجعيّة الشيخ محمّد حسن صاحب «الجواهر». وعندما رآه قال: «لا عجب أن يصل إلى ما وصل إليه لأنّي أعرف منه ما يؤهِّله لذلك». ذات يوم أردت أن أوزّع على الطلّاب مبلغاً من المال... ولدى الحساب رأيت أنّ بإمكاني أن أعطي لكلّ طالب توماناً. وكان آنذاك مبلغاً معتدّاً به، بدأت بالتوزيع حتّى وصلت إلى الشيخ صاحب «الجواهر». قلت: «هذا سهمك تفضّل.

- لا آخذه.

- لماذا؟ ما هو السبب؟

- أنا لا أحتاج اليوم أكثر من ريالين -التومان عشر ريالات- ولا آخذ شيئاً من الحقوق الشرعيّة لمصرف الأيّام القادمة.ومن قال إنّي سأبقى حيّاً؟

- إذًا خذ ريالين وأعطني الباقي.

- ليس عندي ثمانية ريالات».

 

323


275

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

ثمّ ذهبنا إلى من صرف التومان فأعطيته الريالين، مصرف يومه ذاك.

نعم، هكذا كان الرجال الطاهرون أمثال صاحب «الجواهر»، الذي ما تزال جواهره لأكثر من قرن منهلاً لجميع الفقهاء ومحوراً علميّاً في جميع الحوزات.

صاحب «الضوابط»

صاحب «الضوابط» هو السيّد إبراهيم الموسويّ القزوينيّ، الفقيه المعروف كان معاصراً لصاحب «الجواهر». وكان يصِلُ إليه سنويًّا أكثر من عشرين ألف تومانٍ من الهند ومبالغ كبيرة من إيران وسائر البلاد، ومع ذلك كان يعيش فقيراً ولم يكن له إلّا القليل الذي يسدّ الرمق ويقيم الأود وبمنتهى الاقتصاد[1].

اعتراض والدة الشيخ الأنصاريّ

كان للشيخ الأنصاريّ أخ اسمه الشيخ منصور، وكان من العلماء الكبار جليل القدر، إلّا أنّه كان في غاية الفقر وضيق ذات اليد. وذات يوم رقّت والدته لحاله، فتوجّهت باللوم إلى أخيه الأكبر الشيخ الأنصاريّ الذي كان آنذاك المرجع الوحيد للشيعة. قالت: «أنت تعلم أنّ أخاك منصور كثير العيال وهو يتجرّع غصص الفقر، والشهريّة التي تعطيه إيّاها لا تكفيه. في حين أنّ كلّ هذه الأموال تحت تصرُّفك وتستطيع أن تعطيه أكثر ممّا تعطي الآخرين!»، أصغى الشيخ بدقّة إلى كلام والدته، وعندما أتمّت كلامها قدّم إليها مفتاح الغرفة التي كانت الأموال الشرعيّة فيها وقال لها بلهجة مؤدّبة: «يا أمّي، خذي هذا المفتاح، وخذي لمنصور ما أردت، بشرط أن لا أكون أنا مسؤولاً شرعاً عن ذلك وتكون مسؤوليّته وتبعته عليك أنت. هذه الأموال التي هي عندي حقوق الفقراء والمعوزين، وهي تُقسَم بينهم بالتساوي، وكلّ الفقراء في هذا المجال على حدّ سواء كأسنان المشط، لا فضل لأحدٍ منهم على غيره. والدتي، إذا كان لديك جواب تقدّمينه يوم القيامة حين تُسألين عن المبلغ الإضافيّ الذي تُؤدِّينه لمنصور فخذي ما أردتِ، ولكن

 

 


[1] قصص العلماء، ص10.

 

324


276

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

اعلمي أنّ أمامنا حساباً دقيقاً جدّاً وصعباً ومرعباً، وليس فيه أدنى تسامح». وعندما سمعت والدة الشيخ هذا الكلّام -وكانت معدن تقوى وفضيلة وخوف من الله تعالى- ارتعدت فرائصها وتابت إلى الله تعالى وأرجعت المفتاح إلى ابنها معتذرة، ناسية احتياج منصور[1].

الشيخ الأنصاريّ ووالدته

كانت عادة الشيخ الأنصاريّ أنّه بعد رجوعه من مجلس درسه يذهب مباشرة إلى والدته ليسلّي هذه العجوز بالحديث معها، فيسألها عن أوضاع الناس المتقدّمين ويمازحها حتّى يضحكها، ثمّ يذهب إلى غرفة المطالعة والعبادة.

ذات يوم قال الشيخ لأمه: «أتذكرين أيّام طفولتي عندما كنت منشغلاً بدراسة المقدّمات وكنت ترسلينني لقضاء حوائج البيت فكنت أؤجلها إلى ما بعد الانتهاء من الدرس والمباحثة؟ فكنت تغضبين وتقولين: أنا بلا خَلَف. فهل ما تزالين الآن بلا خَلَف؟»، أجابت أمّ الشيخ مازحة: «نعم، ما زلت كذلك، لأنّك آنذاك لم تكن تقوم باحتياجات البيت، واليوم لشدّة احتياطك في صرف الأموال الشرعيّة ضيّقت علينا الخناق»[2].

رأي الشيخ الأنصاريّ في الأموال الشرعيّة

في فترة زعامة الشيخ الأنصاريّ وقيادته، وعندما كان سيل الحقوق الشرعيّة يَصُبُّ عنده من مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ. كانت عائلة الشيخ تعيش في ظروف اقتصاديّة قاسية؛ لأنّ الشيخ كان قد خصّص للمنزل مبلغاً لا يكاد يُذكَر. وذات يوم حدّثت عائلة الشيخ أحد العلماء -الذي كان يحظى باحترام خاصّ لدى الشيخ الأنصاريّ- شاكية له، وطلبت منه أن يفاتح الشيخ بذلك ليزيد المبلغ المقرّر للمنزل. استمع الشيخ لكلّام محدّثه إلى آخره، ولم يعلّق بشيء لا نفياً ولا إثباتاً. وفي اليوم التالي عندما جاء الشيخ إلى المنزل قال لزوجته: «اغسلي ثيابي واحتفظي بماء الغسالة القذر». وفعلاً قامت الزوجة

 

 


[1]  المكاسب، ج1، ص25 - 26 بتصرّف.

[2] زندﮔـاني وشخصيت شيخ أنصاري، ص59.

 

325


277

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

بذلك وأخبرت الشيخ، فطلب منها إحضار ذلك الماء القذر، فأحضرته. فما كان منه إلّا أن قال لها: «اشربي هذا الماء».

- أشربه؟ لا. ما هذا الذي تأمرني به؟ وهل يشرب عاقل هذه القذارة؟

- إذاً اسمعي جيّداً وتأمّلي بدقّة، هذه الأموال التي بين يديّ هي عندي مثل هذا الماء القذر، فكما أنّك لا تستطيعين ولا تريدين أن تشربي من هذا الماء، كذلك أنا لا أستطيع أن أصرف من هذا المال؛ لأنّه لا حقّ لي ولا يجوز أن أعطيكم أكثر ممّا أعطي الآن. إنّ هذه الأموال أموال الفقراء، وأنتم وسائر الفقراء عندي بمنزلة واحدة»[1].

ونقل أيضاً أنّ زوجة الشيخ الأنصاريّ طلبت منه ذات يوم شراء قطعة قماش لتغطّي بها الفُرش واللُّحف التي توضع في جانب الغرفة نهاراً! إلّا أنّ الشيخ لم يستجب لذلك لشدّة احتياطه.

وعندما آذاها منظر الفرش واللحف أمام الناس قرّرت أن تقتصد في مصرف البيت لتشتري قطعة القماش هذه. وفعلاً بدأت تشتري بدل 225 غراماً من اللحم (3 سير) 187,5 غراماً (2 سير) واستطاعت بسبب ذلك طيلة فترة معيّنة، أن توفّر ثمن الغطاء الذي احتاجته، فاشترته.

وعندما علم الشيخ بذلك قال باستياء شديد: «يا ويلي! لقد صرفت حتّى الآن مقداراً من الأموال الشرعيّة بدون مسوِّغ، كنت أتصوّر أنّ (3 سير) 225 غراماً من اللحم هي الحدّ الأدنى الذي نحتاجه والآن اتّضح لي خطأ ذلك. ثمّ أمر الشيخ بارجاع قطعة القماش وأن لا يشتروا من اللحم إلّا مقدار 2 سير ونصف (187 غراماً ونصف).

حبائل الشيطان

يقول أحد تلامذة الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله):

«عندما كنت في النجف الأشرف أدرس عند الشيخ الأنصاريّ، رأيت الشيطان ذات

 


[1]  المكاسب، ج1، ص128 - 129، المقدّمة تصحيح وتعليق كلانتر، بتصرّف.

 

326


278

القسم الرابع عشر: التقوى في صرف الأموال العامّة

ليلة في ما يرى النائم يحمل حبالاً عديدة. سألته: «ماذا تفعل بهذه الحبال؟» قال: «ألقيها في أعناق الناس وأجرهم إليّ فأصطادهم، وأمس ألقيت أحد هذه الحبال في عنق الشيخ مرتضى الأنصاريّ وسحبته من غرفته إلى أواسط الزقاق الذي يقع منزله فيه، لكن للأسف أفلت منّي رغم الجهد الكبير الذي بذلته»