دراسات في الإلهيات
الناشر:
تاريخ الإصدار: 2015-02
النسخة: 0
الكاتب
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.
الناشر:
تاريخ الإصدار: 2015-02
النسخة: 0
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.
المقدمة
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على النبيّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله الأطهار الميامين وبعد.
لقد كثُرت الدراسات وتنوّعت الأدلّة الفطرية والنقلية والعقلية وغيرها في البحث عن معرفة الله تعالى، وأرشدت نصوص أهل البيت السلا إلى طريقة هامة لمعرفة الله وهي معرفة الله بالله تعالى. "سُئِل أمير المؤمنين عليه السلام: بما عرفت ربّك؟ فقال: بما عرّفني نفسه، قيل كيف عرّفك نفسه؟ فقال: لا تشبهه صورة ولا يحّس بالحواس ولا يُقاس بالناس قريب في بعده، بعيد في قربه..."1.
وفي الدعاء عن الإمام السجّاد عليه السلام "بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدرِ ما أنت"2.
وُيستفاد من الروايات أنّ الإيمان بالله تعالى مرتبة رفيعة وخاصة وله عدّة مراحل، ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "إنّ الإيمان أفضل من الإسلام، وإنّ اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعزّ من اليقين"3. ويتضح هذا التقسيم أكثرعندما نتأمّل في بقية الروايات التي تشرح هذه الدرجات، وتُقسّمها إلى المراحل التالية:
- مرحلة الإسلام: وهو التصديق بالله تعالى وتوحيده، ونبوّة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إجمالاً، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "الإسلام شهادة ألا إله إلا الله والتصديق برسول الله، به حُقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس"4.
- مرحلة الإيمان: ويعني التصديق بما جاء به الديّن الإسلامي في القلب واللسان وتجسيد ذلك بالجوارح، فقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "... والإيمان الهُدى وما ثبت في القلوب من صفة الإسلام، وما ظهر من العمل به، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة..."5.
- مرحلة التقوى: وهي المرحلة التي يكون فيها المؤمن متوقّياً لكلّ ما يُحتمل إبعاده عن الله تعالى، فيجتنب الشبهات ويفعل المستحبّات كما يترك المكروهات، وجاء في الحديث: أنّ التقوى فوق الإيمان بدرجة، والمعروف عن تفسير التقوى هو: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك".
- مرحلة اليقين: وهي أعلى المراتب وأسماها، وهي مرحلة انكشاف الغطاء وتحوّل الغيب إلى الشهادة، عن الإمام علي عليه السلام: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً"6، بأفضيلة اليقين على الإيمان وأنه فوق التقوى بدرجة.
ومن المعلوم أنّ المعرفة والعلم بأصول الدين من العناصر الأساسية، والمقدّمات التي لا بدّ منها في سلوك سبيل معرفة الله تعالى والترقّي في هذه المعرفة إلى درجة الإيمان أو اليقين، وذلك بحسب التزامه بعقيدته وانعكاس معرفته لله تعالى على حياته العملية وسلوكه، وإلا لتحوّلت تلك المعرفة إلى حجاب بينه وبين الله، ومنعت الترقّي في السير إلى الله تعالى.
هذا الكتاب "دراسات في الإلهيات" من الكتب العقائدية التي تتضمّن مجموعة هامة من الدروس التي تُعزّز المعرفة وتُنير الطريق أمام الإنسان ليسلك إلى ربّه على هدى وبصيرة ونور. ومادة هذا الكتاب في الأصل مأخوذة من كتاب "محاضرات في الالهيات" لسماحة الشيخ علي الرباني الكلبابكاني، تم إعادة تبويبها واختصارها بما يتناسب مع المستوى والأهداف العلميّة المحددة لهذه المّادة.
ويتشرّف مركز نون للتأليف والترجمة بتقديم هذا الكتاب لجميع الدارسين والباحثين، بمنهج وإسلوب ولغة تعليمية، عسى أن يوفّقنا الله تعالى في الدنيا والآخرة.
والحمد لله ربّ العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
[1] الكليني، الكافي، ج1، ص85، حديث5.
[2] الشيخ الطوسي، مصباح المجتهد، ص582.
[3] أصول الكافي، ج2، باب فضل الإيمان على الإسلام، حديث، 1.
[4] أصول الكافي، ج2، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام ح1.
[5] (م.ن).
[6] إبن أبي الحديد، شرح النهج،ج7، ص253.
أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الأسئلة التي تدعوه للبحث عن الله تعالى.
2- يتعرّف إلى أجوبة الأسئلة المتقدّمة.
3- يدرك أهمّية الدِّين وما يترتّب على الإيمان به.
21
لماذا نبحث عن وجود الله سبحانه؟
إنّ هاهنا سؤالين في مجال البحث عن الله والإيمان به، ينبغي أن نبحث عنهما قبل كلّ شيء، هما:
1- ما الّذي يبعث الإنسان للبحث عن وجود مبدئ العالم وصانعه؟
2- ماذا يترتّب على معرفة صانع العالم والإيمان به، وبالتّالي، الإيمان بالدين الإلهي؟
والجواب عن السؤال الأوّل بوجوه ثلاثة:
1- لزوم دفع الضّرر المحتمل:
إنّ هناك عاملاً روحيّاً يحفّزنا للبحث عن هذه الأمور الخارجة عن إطار المادّة والمادّيات، وهو أنّ هناك مجموعة كبيرة من رجالات الإصلاح والأخلاق الدينية فدوا أنفسهم في طريق إصلاح المجتمع وتهذيبه وتوالوا على مدى القرون والأعصار، ودعوا المجتمعات البشريّة إلى الاعتقاد بالله سبحانه وصفاته الكمالية، وادّعوا أنّ له تكاليف على عباده ووظائف وضعها عليهم، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت، وإنّما يُنقل الإنسان من دار إلى دار، وأنّ من قام بتكاليفه فله الجزاء الأوفى، ومن خالف واستكبر فله النّكاية الكبرى.
هذا ما سمعته آذان أهل الدنيا من رجالات الوحي والإصلاح، ولم يكن هؤلاء
23
أفلاطون فيلسوفاً، وأن هذا التناسق هو خاصية كل حرف من هذه الحروف، فقد ارتكب خطأ كبيراً وادّعى أمراً سخيفاً ، فإنّ خاصية كل حرف هي صوته الخاص به ولا يستدعي الحرف هذا التناسق، مع أنه يمكن أن تتشكل وينشأ من هذه الحروف آلاف الأشكال والأنظمة الأخرى غير نظام "أفلاطون كان فيلسوفاً". فإذا لم يصح هذا في جملة صغيرة مركبة من عدّة أحرف ذات أصوات مختلفة وخواص متنوّعة، فكيف بالكون والنظام الكوني العام المؤلّف من ملايين المواد والخواص والأنظمة الجزئية المتنوّعة؟!
36
المفاهيم الرئيسة
- من الأدلّة على وجود الله تعالى برهان النظم، وهو من أوضح البراهين العقلية وأيسرها، وهو يبتني على مقدّمتين، إحداهما حسيّة والأخرى عقلية:
فالمقدِّمة الأولى: الكون يسوده النظام, وهذا مثبت بالمشاهدة الحسيّة والتجربة والعلم.
والمقدِّمة الثانية: النظام يحتاج إلى فاعل منظِّم قادر عليم ذي إرادة وقصد، ويستحيل صدوره عن صدفة عمياء.
- لقد أُشير في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة إلى برهان النظم ومنه قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
- أشكل دايفيد هيوم على برهان النظم بعدّة إشكالات منها:
- إنّ برهان النظم ليس وليد التجربة فلا يمكن تعميمه للكون بأسره:
والجواب: إنّ برهان النظم برهان عقلي وإن اعتمد في إحدى مقدّماته على الحسّ.
- يمكن إسناد النظم السائد في عالم الطبيعة إلى المادة:
والجواب: إنّ المادّة تقصر عن التحسّب للمستقبل وعن إيجاد حالة من التناسق بينها وبين غيرها، فلا يمكن إسناد النظم إليها.
37
متناهية أو غير متناهية إليه لا ينتج عدداً، بل يجب أن يكون إلى جانب هذه الأصفار عدد صحيح قائم بالذات حتى يكون مصححاً لقراءة تلك الأصفار. فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أن فرض علل ومعاليل غير متناهية مستلزم لأحد أمرين: إما تحقق المعلول بلا علّة، وإما عدم وجود شيء في الخارج رأساً، وكلاهما بديهي الاستحالة.
برهان الإمكان والوجوب
إلى هنا تمّت المقدّمات التي يبتني عليها برهان الإمكان، وإليك نفس البرهان:
لا شكّ أنّ صفحة الوجود مليئة بالموجودات الإمكانية، بدليل أنّها توجد وتنعدم وتحدث وتفنى ويطرأ عليها التبدّل والتغيّر، إلى غير ذلك من الحالات التي هي آيات الإمكان وسمات الافتقار.
وأمر وجودها لا يخلو عن الفروض التالية:
1- لا علّة لوجودها، وهذا باطل بحكم المقدمة الثانية (كلّ ممكن يحتاج إلى علّة).
2- البعض منها علّة لبعض آخر وبالعكس، وهو محال بمقتضى المقدّمة الثالثة (بطلان الدور).
3- بعضها معلول لبعض آخر وذلك البعض معلول لآخر من غير أن ينتهي إلى علّة ليست بمعلول، وهو ممتنع بمقتضى المقدّمة الرابعة (استحالة التسلسل).
4- وراء تلك الموجودات الإمكانية علّة ليست بمعلولة بل يكون واجب الوجود لذاته وهو المطلوب.
فاتّضح أنّه لا يصحّ تفسير النظام الكوني إلا بالقول بانتهاء الممكنات إلى الواجب لذاته القائم بنفسه، فهذه الصورة هي التي يُصحّحها العقل ويعدّها
43
والثاني: الحدوث الذّاتي وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم في ذاته، كجميع الموجودات الممكنة التي لها الوجود بعلّة خارجة من ذاتها، وليس لها في ماهيتها وحدّ ذاتها إلاّ العدم، هذا حاصل ما ذكروه في تعريف الحدوث وتقسيمه إلى الزماني والذاتي والتفصيل يطلب من محلّه1.
ثمّ إنّ مرجع الحدوث الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فالاستدلال بالحدوث الذاتي راجع إلى برهان الإمكان والوجوب، فلنركّز الكلام هنا على الحدوث الزّماني فنقول: العلوم الطبيعيّة وحدوث الحياة في عالم المادّة.
أثبت العلم بوضوح أنّ هناك انتقالاً حراريّاً مستمرّاً من الأجسام الحارّة إلى الأجسام الباردة، ولا تتحقّق في عالم الطبيعة عملية طبيعية معاكسةً لذلك، ومعنى ذلك أنّ الكون يتّجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام من حيث الحرارة وعند ذلك لن تتحقّق عمليات كيميائيّة أو طبيعيّة، ويستنتج من ذلك:
إنّ الحياة في عالم المادّة أمر حادث ولها بداية، إذ لو كانت موجوداً أزلياً وبلا ابتداء لزم استهلاك طاقات المادّة، ونضوب ظاهرة الحياة المادّية منذ زمن بعيد.
وإلى ما ذكرنا أشار "فرانك آلن" أُستاذ علم الفيزياء بقوله: "قانون ترموديناميا أثبت أنّ العالم لا يزال يتّجه إلى نقطة تتساوى فيها درجة حرارة جميع الأجسام، ولا توجد هناك طاقة مؤثِّرة لعمليّة الحياة، فلو لم يكن للعالم بداية وكان موجوداً من الأزل لزم أن يقضى للحياة أجلها منذ أمدٍ بعيدٍ، فالشَّمس المشرقة والنجوم والأرض المليئة من الظواهر الحيويّة وعملياتها أصدق شاهد على أنّ العالم حدث في زمان معيَّن، فليس العالم إلاّ مخلوقاً حادثاً"2.
1- لاحظ: العلّامة الطباطبائي، بداية الحكمة، المرحلة 9، الفصل 3.
2-إثبات وجود خدا (فارسي)، ص 21.يحتوي الكتاب على مقالات من أربعين من المتمهرين في العلوم المختلفة، جمعها العالم المسيحي "جان كلورمونسما".
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾4.
أهداف الدرس
المفاهيم الرئيسة
- إنّ التصديق بثبوت صفة العدل للباري تعالى مبنيّ على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وقد ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع أنها حسنة وأفعالاً أخرى يدرك أنّها قبيحة كذلك، وقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها.
- يطلق الحسن والقبح بملاكات متعدّدة منها:
1- ملاءمة الطبع ومنافرته.
2- موافقة الغرض ومخالفته.
3- كون الشيء كمالاً للنفس أو نقصاناً له.
4- ما يوجب مدح الفاعل أو ذمّه عند العقل.
- ومحلّ النزاع هو في الملاك الرابع.
- استدلّ المثبتون لعقلية الحسن والقبح بأدلّة عديدة منها:
1- لو لم يستقلّ العقل بالحكم بالحسن والقبح فلا يمكن الحكم بصدق الشارع والاعتماد عليه.
2- لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من الله تعالى شيء.
- ذكر النافون لعقليّة الحسن والقبح أدلّة لإثبات دعواهم ولكنّها جميعاً لا تسلم من النقد والإيراد.
- في الكتاب الكريم العديد من الآيات الدالّة على الحسن والقبح منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
158
أسئلة الدرس
أسئلة الدرس