المقدّمة
المقدّمة
يبقى التبليغ الدينيّ في جوهره فعلَ تذكيرٍ وبناء؛ تذكيراً بالله تعالى، وبالقيم التي أرادها للإنسان، وبالمسؤوليّات التي تترتّب عليه في نفسه وأسرته ومجتمعه. ومن هنا تأتي الحاجة إلى مادّةٍ تبليغيّة تساعد العالم والمبلِّغ على تناول القضايا التي تمسّ حياة الناس، بلغةٍ واضحة، وفكرةٍ مركّزة، استناداً إلى القرآن الكريم والروايات الشريفة.
وانطلاقاً من هذه الحاجة، تأتي هذه المجموعة من المواعظ ضمن «سلسلة زاد الواعظ»، لتقدّم في كلّ فصل باقةً من الموضوعات المتنوّعة التي يمكن الإفادة منها في المنبر والمسجد والمجالس التبليغيّة، بما ينسجم مع حاجات الناس وأسئلتهم، ويجمع بين البناء الإيمانيّ والبعد الأخلاقيّ والاجتماعيّ.
وتتنوّع موضوعات هذا العدد بين العدل، والأخوّة، والمغفرة، والأمل، والثبات، والوقت، والصبر، والمواساة، والمحبّة، والأسرة، ووعد الله؛ وهي وإن بدت موضوعات متفرّقة، فإنّها تلتقي في هدفٍ واحد: بناء الإنسان المؤمن الذي يعي مسؤوليّته، ويحفظ بوصلته في أوقات الرخاء والشدّة، ويترجم إيمانه إلى موقفٍ وسلوكٍ وعلاقةٍ بالآخرين.
وقد روعي في إعداد هذه المواعظ أن تكون قريبة التناول، واضحة البناء، بعيدة عن
5
المقدّمة
الحشو، وقابلةً للاستفادة منها في الموعظة والخطاب التبليغيّ، مع إمكان تطويرها أو اختصارها بحسب المقام والجمهور والظرف.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الجهد نافعاً في ميادين التبليغ، وأن يوفّق العلماء والمبلّغين لحمل رسالة الدين بأفضل بيان، وأن يجعل الكلمة الصادقة سبباً في إحياء القلوب، وتقويم السلوك، وتعزيز الصلة بالله تعالى؛ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1].
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
[1] سورة الذاريات، الآية 55.
6
المقدّمة
الموعظة الأولى
العدل خُلُق المنتظرين
هدف الموعظة
ترسيخ مفهوم الانتظار المسؤول، عبر حثّ المؤمن على الالتزام بالعدل ورفض الظلم في حياته وسلوكه، تمهيداً ليكون أهلاً لنصرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
محاور الموعظة
1. العدل ميزان الإيمان
2. العدل محور النهضة المهدويّة
3. الانتظار مسؤوليّة
تصدير الموعظة
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾[1].
[1] سورة إبراهيم، الآية 42.
7
الموعظة الأولى: العدل خُلُق المنتظرين
قد يطول أمد الظلم حتّى يظنّ بعض الناس أنّه أصبح قدراً لا يتغيّر، وقد تتراكم مظاهر الجور حتّى يبدو العدل بعيداً عن الواقع، لكنّ القرآن الكريم يضع لنا قاعدة واضحة، مفادها أنّ الله لا يغفل عن ظلم الظالمين، وأنّ تأخّر العقوبة لا يعني غياب الحساب. ومن هنا يأتي الإيمان بالإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بوصفه جزءاً من الوعد الإلهيّ بإقامة الحقّ والعدل.
العدل ميزان الإيمان
إنّ العدل في المنظور القرآنيّ ليس قيمةً اجتماعيّةً فحسب، ولا مبدأً يُلتزم به عندما يكون في صالحنا، بل هو تكليفٌ إلهيّ وميزانٌ ينبغي أن يحكم علاقة الإنسان بنفسه وبربّه وبالآخرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾[1].
ولأنّ العدل قد يصطدم بالهوى والمصلحة والانتماء، شدّد القرآن الكريم في الأمر به، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾[2]، فالمعيار القرآنيّ لا يتغيّر بتغيّر الأشخاص.
من هنا، فإنّ الاختبار الحقيقيّ للعدل ليس عندما يكون الحقّ إلى جانبنا وفي صالحنا، بل عندما يكون على أنفسنا، أو عندما يتعلّق بمَن نختلف معه؛ ولذلك حذّرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[3]،
[1] سورة النحل، الآية 90.
[2] سورة النساء، الآية 135.
[3] سورة المائدة، الآية 8.
8
الموعظة الأولى: العدل خُلُق المنتظرين
فالخصومة والبغضاء لا تبرّران تجاوز حدود العدل.
وقد جاءت النصوص القرآنيّة شديدةً في التحذير من الظلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[1]، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[2]، فالظلم انحرافٌ يفسد علاقة الإنسان بالحقّ ويحرمه الهداية والفلاح.
العدل محور النهضة المهدويّة
وإذا كان العدل بهذه المكانة في المنظور القرآنيّ، فإنّه يحتلّ موقعاً محوريّاً في النهضة المهدويّة؛ وقد تواترت الروايات في تأكيد أنّ الإمام المهديّ (عليه السلام) يظهر ليعيد إلى الحياة ميزان القسط، ويواجه واقعاً استشرى فيه الظلم والجور، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «المهديّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة يضلّ فيها الأمم، ثمّ يُقبل كالشهاب الثاقب، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً»[3]. والتعبير النبويّ «يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً» يكشف عن اتّساع هذه النهضة؛ فالمسألة ليست معالجة مظلمة هنا أو إصلاح خلل هناك، وإنّما مواجهة واقعٍ استشرى فيه الجور حتّى ملأ جوانب الحياة، ليأتي الإصلاح المهدويّ شاملاً، يعيد للعدل حضوره وموقعه في حياة الإنسان والمجتمع. ويؤكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا المعنى في رواية أخرى: «منّا مهديّ هذه الأمّة. إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعَت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا
[1] سورة الأنعام، الآية 21.
[2] سورة البقرة، الآية 258.
[3] الخزّاز القمّيّ، عليّ بن محمّد، كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، تحقيق السيّد عبد اللطيف الحسينيّ الكوهكمري الخوئيّ، انتشارات بيدار، إيران - قمّ، 1401هـ، لا.ط، ص67.
9
الموعظة الأولى: العدل خُلُق المنتظرين
كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقِّر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك مهديَّنا، التاسع من صلب الحسين، يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غفلاً، يقوم في الدين في آخر الزمان كما قمتُ به في أوّل الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما مُلِئت جوراً»[1].
الانتظار مسؤوليّة
من هنا، فإنّ الانتظار الحقيقيّ لا يمكن أن يكون حالةً سلبيّةً يكتفي فيها الإنسان بتمنّي ظهور الإمام، بل هو التزامٌ أخلاقيّ وعمليّ بأن يهيّئ نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه ليكون أقرب إلى القِيَم التي ستقوم عليها دولة القسط.
وقد ركّز الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) على أنّ قضيّة العدل أكبر من أن تُحلّ بالوسائل المادّيّة وحدها؛ لأنّ المشكلة ليست في امتلاك الإنسان للعلم والتكنولوجيا، بل في الاتّجاه الذي يوجّه هذه القدرات؛ ولذلك يقول (قُدِّس سرّه): «قضيّة العدالة لا يمكن حلُّها بواسطة العلم المتطوّر والتكنولوجيا المتقدّمة»، موضّحاً أنّ العلم نفسه قد يتحوّل إلى أداةٍ بيد الظلم والاستكبار إذا لم تحكمه القِيَم الإلهيّة. ثمّ يبيّن أنّه قد «باتت هناك حاجة إلى قوّة معنويّة، قوّة إلهيّة، إلى اليد القويّة للإمام المعصوم، وهو الذي يستطيع القيام بهذه الأمور؛ ولذلك فإنّ المهمّة العظيمة لبقيّة الله (أرواحنا فداه) هي «يملأُ اللهُ به الأرضَ قسطاً وعدلاً»، فالمهمّة العظيمة لذلك العظيم هي القسط والعدل»[2].
وهذا المعنى يحمّلنا مسؤوليّةً مباشرة في فهم الانتظار؛ فإذا كنّا ننتظر إماماً تكون مهمّته
[1] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، تحقيق إبراهيم الميانجي ومحمّد باقر البهبودي، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403هـ - 1983م، ط2، ج52، ص266.
[2] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/04/2020م.
10
الموعظة الأولى: العدل خُلُق المنتظرين
إقامة القسط، فلا يصحّ أن يكون العدل قيمةً نطالب بها في الظروف التي تناسب أهواءنا وميولنا، ثمّ نتخلّى عنها عندما تتعارض مع مصالحنا أو مصالح مَن نحبّ. ولا يستقيم أن نستنكر ظلم الآخرين، بينما نمارس الظلم في دوائرنا الصغيرة؛ في البيت، أو في العمل، أو في علاقاتنا الاجتماعيّة، أو في مواقفنا من حقوق الناس. فدولة العدل التي ننتظرها لا تُبنى بعقليّةٍ تبرّر الظلم إذا صدر من القريب، وتدينه إذا صدر من الخصم.
إنّ الانتظار، بهذا المعنى، يبدأ من الإنسان نفسه: أن يتعلّم العدل قبل أن يطالب به، وأن ينصف الآخرين، وأن يؤدّي الحقوق، وأن يرفض الظلم دائماً، وأن ينتصر للحقّ ولو كان على حساب هواه. وكلّما اقترب الإنسان في سلوكه ومواقفه من هذه القِيَم، كان انتظاره أصدق وأعمق؛ لأنّه بذلك يكون لبنةً في المجتمع الذي يستحقّ أن يحمل مشروعها.
11
الموعظة الثانية: رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
الموعظة الثانية
رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
هدف الموعظة
بيان أنّ الاقتداء برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يكون بالمحبّة والشعارات وحدها، بل بتحويل أخلاقه وثباته على الحقّ إلى سلوكٍ ومواقف في حياتنا.
محاور الموعظة
1. من ظلمات الجاهليّة إلى نور النبوّة
2. رسول الله قرآنٌ ناطق
3. نور الرسالة لا يتراجع أمام الظلام
تصدير الموعظة
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[1].
[1] سورة القلم، الآية 4.
12
الموعظة الثانية: رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
حين أراد الله تعالى أن يعرّفنا رسولَه الأكرم محمّداً (صلّى الله عليه وآله)، لم يكتفِ بذكر نسبه، ولا بمعجزاته، ولا بانتصاراته، بل اختصر جانباً عظيماً من شخصيّته قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا يكشف لنا أنّ الرسالة التي جاء بها النبيّ لم تكن منفصلة عن شخصيّته؛ فقد كان (صلّى الله عليه وآله) أوّلَ تجسيدٍ حيٍّ للقرآن الذي نزل على قلبه الشريف، وأوّلَ شاهدٍ على أنّ الإيمان ينبغي أن يترجم في الصدق والأمانة والرحمة والعدل والصبر والصمود.
لقد جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مرحلة كانت البشريّة تعاني فيها من ظلمات متراكمة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَرْسَلَه عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ، واعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ، وانْتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَلَظٌّ مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ»[1]، وبذلك يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) واقعاً لم يكن مقتصراً على الجزيرة العربيّة، بل كان العالم آنذاك يعيش أزمات في القيم والعدل والإنسانيّة.
من ظلمات الجاهليّة إلى نور النبوّة
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[2].
لقد كانت بعثة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تحوّلاً عظيماً في مسار الإنسانيّة والحياة؛ فقد جاء ليأخذ بالإنسان من ظلمات الانحراف إلى نور التوحيد، ومن الجهل إلى الوعي، ومن امتهان الكرامة إلى استعادة إنسانيّته، ومن الخضوع للأهواء والطواغيت إلى العبوديّة لله
[1] الرضيّ، السيّد أبو الحسن محمّد بن الحسن الموسويّ، نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، دار الكتاب اللبنانيّ، لبنان - بيروت، 1387هـ - 1967م، ط1، ص122، الخطبة 89.
[2] سورة البقرة، الآية 257.
13
الموعظة الثانية: رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
وحده. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا التحوّل بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾[1]، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عمل على بناء الإنسان من الداخل، وتغيير نظرته إلى نفسه وإلى الله وإلى الآخرين، لينعكس هذا التغيير على المجتمع كلّه؛ لذلك كان نور الرسالة في أثرها الذي أحدثته في الإنسان: أخرجته من عبادة الحجر والبشر إلى عبادة الله، ومن العصبيّة والظلم إلى الأخوّة والعدل، ومن الفوضى إلى منظومةٍ أخلاقيّة تقوم على الصدق والأمانة والرحمة والمسؤوليّة.
لقد واجه النبيّ الجهل بالعلم والوعي، والظلم بالعدل، والقسوة بالرحمة، والانحراف بالهداية، ولم يفصل العبادة عن مسؤوليّة الإنسان تجاه الناس، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إذا كان ثمّة ذكرٌ في العالم للقيم الإنسانيّة والفضائل الأخلاقيّة والمعالي في وجود الناس، فبسبب وجوده المبارك، وبسبب تلك البعثة التي جمعت كمال البعثات وفضائل الأنبياء كلّها»[2].
رسول الله قرآنٌ ناطق
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[3].
إنّ عظمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا تكمن في عظمة ما جاء به فحسب، بل في أنّ
[1] سورة المائدة، الآية 15.
[2] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 04/03/2010م.
[3] سورة الأحزاب، الآية 21.
14
الموعظة الثانية: رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
الرسالة التي دعا الناس إليها تحوّلت في شخصه إلى واقعٍ حيّ؛ فأمر بالصدق وكان الصادق، ودعا إلى الأمانة وكان الأمين، وتحدّث عن الرحمة وكان أرحم الناس، ودعا إلى الوفاء وكان أوفى الناس بالعهد... لقد كان رسول الله النموذج الإنسانيّ الذي يقدّم للناس صورةً حيّة عمّا تريده الرسالة منهم.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «إنّ رسولنا الأعظم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) لديه من الكمالات العقليّة والمعنويّة والروحيّة والنفسيّة وعلى كلّ صعيد، ما بلغ به وفيه القمّة»[1]؛ لذا فإنّ حياته (صلّى الله عليه وآله) نفسها ينبغي أن تكون نموذجاً يُقتدى به، فالإسلام يريد من الإنسان معرفة الحقّ وترجمته في السلوك إلى صدقٍ وأمانةٍ ورحمةٍ وعدلٍ ووفاء. ومن هنا نفهم الحديث المشهور عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»، فغاية الرسالة صنع إنسانٍ يَظهر الدين في أخلاقه ومعاملاته ومواقفه.
وعليه، ماذا يعني أن نحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونحيي ذكره إذا بقيت أخلاقه خارج حياتنا؟ ماذا يعني أن نكثر من الصلاة عليه، ثمّ نكذب عندما تكون الحقيقة ضدّ مصلحتنا؟ أو نرفع شعار الأمانة، ثم نخون الأمانات؟ أو نتحدّث عن رحمته، ثمّ نقسو على من يختلف معنا؟ أو نصلّي في المسجد، ثمّ نظلم في البيت أو نغتاب في المجالس أو نأكل حقوق الناس؟ إنّ الاقتداء بالنبيّ يكون بأن تصبح أخلاقه ميزاناً لسلوكنا.
نور الرسالة لا يتراجع أمام الظلام
لم تكن دعوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طريقاً مفروشاً بالأنصار والقدرة والنفوذ، بل
[1] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 25/01/2013م.
15
الموعظة الثانية: رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
بدأت في بيئةٍ معادية، وكان المسلمون في مكّة قلّةً مستضعفة، فيما كانت قريش تملك المال والقوّة والنفوذ والقدرة على الإيذاء. ومع ذلك، لم يتردّد رسول الله في إعلان الحقّ، ولم يجعل قلّة الأتباع سبباً للتراجع، ولا شدّة الأذى مبرّراً للصمت، ولا قوّة الخصم معياراً لما ينبغي أن يقال أو يُترك.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾[1]، إنّ هذا الأمر الإلهيّ صدر حين كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وحيداً، ليس معه إلّا أمير المؤمنين والسيّدة خديجة (عليهما السلام)، وهذا يكشف أنّ مسؤوليّة الإنسان تجاه الحقّ لا تُقاس دائماً بالقدرة على تحقيق النتائج الفوريّة. وقد واجه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أشكالاً متعدّدة من الضغط: سخريةً واستهزاء، وتعذيباً لأصحابه، وحصاراً اجتماعيّاً واقتصاديّاً، وتهديداً مباشراً لحياته... ومع ذلك بقي ثابتاً؛ لأنّ صاحب الرسالة لا يجعل الحقّ تابعاً لميزان القوّة، ولا يغيّر مواقفه بتغيّر الظروف. والآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2]، تبيّن أنّ الهداية إلى سبل الله ليست منفصلة عن الجهاد وبذل الجهد وتحمّل الكلفة.
لكنّ الثبات على الحقّ لا يعني التهوّر، ولا يعني أن يواجه الإنسان كلّ موقف بالطريقة نفسها، ولا أن يتجاهل حساب النتائج والمصالح والمفاسد؛ فقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غاية الحكمة والتدبير، واختار الأسلوب والوقت والوسيلة المناسبة، لكنّه لم يجعل الحكمة ذريعةً للتنازل عن المبدأ. فالفرق كبير بين أن نختار أسلوباً حكيماً في الدفاع عن الحقّ، وبين أن نغيّر الحقّ نفسه لأنّ الدفاع عنه أصبح مكلفاً.
[1] سورة الحجر، الآية 94.
[2] سورة العنكبوت، الآية 69.
16
الموعظة الثانية: رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات
إنّ نور الرسالة لا يُختبر عندما تكون الطريق مضيئة وسهلة، بل عندما يشتدّ الظلام وتصبح كلفة النور عالية. هناك يظهر صدق الإيمان، وهناك تتبيّن حقيقة الثبات، وهناك يصبح الاقتداء برسول الله (صلّى الله عليه وآله) موقفاً فعليّاً لا مجرّد شعارات.
17
الموعظة الثالثة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
الموعظة الثالثة
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
هدف الموعظة
بيان معنى الأخوّة الإيمانيّة في العلاقات، وحثّ المؤمنين على بناء صلاتٍ قائمة على المودّة والاحترام والتواصل، وتجنّب القطيعة والجفاء، والمبادرة إلى الإصلاح عند وقوع الخلاف.
محاور الموعظة
1. الأخوّة مسؤوليّة
2. التواصل يحفظ المودّة
3. الخلاف لا يبرّر القطيعة
4. الإصلاح يحفظ الأخوّة
تصدير الموعظة
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[1].
[1] سورة الحجرات، الآية 10.
18
الموعظة الثالثة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
يضع القرآن الكريم الأخوّة بين المؤمنين في موقعٍ متقدّم من بناء المجتمع؛ فلا يجعلها مجرّد شعورٍ داخليّ أو عنوانٍ يُقال، بل يربطها مباشرةً بمسؤوليّة الإصلاح. فالمؤمن يعيش مع الآخرين بروح الأخوّة، ويحفظ علاقاته معهم، ويتفقّد أحوالهم، ويصِلهم، ويحتوي الخلاف معهم، ويسعى إلى إصلاح ما يفسد بينهم. ومن هنا، فإنّ جودة علاقات الإنسان بالناس جزءٌ من حقيقة إيمانه؛ لأنّ الإيمان الذي يسكن القلب ينبغي أن يظهر أثره في طريقة التعامل مع الآخرين.
الأخوّة مسؤوليّة
الأخوّة الإيمانيّة هي رابطةٌ تجعل للمؤمن حرمةً ومكانةً في قلب أخيه، وتفرض عليه أن يحفظ هذه العلاقة في حضوره وغيابه، وفي الرضا والغضب، وفي أوقات الاتّفاق والاختلاف.
يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[1]، فحُسن الكلام أصلٌ في بناء العلاقات، والكلمة الطيّبة قد تفتح باباً للمودّة، بينما الكلمة الجارحة قد تترك أثراً طويلاً في النفس؛ ولهذا اهتمّ الإسلام بأدقّ تفاصيل العلاقة بين الناس: بحسن الظن، وحفظ الكرامة، واحترام الآخر، والابتعاد عن السخرية والإهانة، وحفظ اللسان، والتعامل بالرفق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾[2].
فالإنسان قد يلتزم كثيراً من العبادات، لكنّ علاقته بالناس تكشف جانباً مهمّاً من حقيقة
[1] سورة البقرة، الآية 83.
[2] سورة الحجرات، الآية 11.
19
الموعظة الثالثة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
سلوكه الإيمانيّ: كيف يتحدّث مع أهله؟ كيف يعامل جاره؟ كيف يتعامل مع صديقه عندما يختلف معه؟ هل يحفظ الودّ عند الخصومة؟ وهل يستطيع أن يختلف من دون أن يهدم العلاقة؟ هذه الأسئلة تدخل في صميم الأخوّة التي يريدها الإسلام.
التواصل يحفظ المودّة
إنّ العلاقات بين المؤمنين لا تبقى حيّةً من تلقاء نفسها؛ فهي تحتاج إلى تواصلٍ ورعاية. وكثير من القطيعة لا تبدأ بخلافٍ كبير، وإنّما تبدأ بانقطاع السؤال، ثمّ طول الغياب، ثمّ تراكم العتب، حتّى يصبح التواصل نفسه ثقيلاً على الطرفين، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الجفاء يفسد الإخاء»[1]؛ ولذلك جاءت الشريعة بالتأكيد على صلة الناس والتواصل معهم، ولا سيّما الأرحام، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾[2]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ صلة الرحم تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتيسّر الحساب، وتدفع البلوى، وتزيد في الرزق»[3].
والصلة ليست محصورةً في الزيارات الطويلة أو اللقاءات المتكرّرة؛ فقد تكون بسؤالٍ صادق، أو اتّصالٍ للاطمئنان، أو رسالةٍ في وقتها، أو مبادرةٍ تزيل وحشة الغياب. والمقصود أن تبقى جسور العلاقة مفتوحة، وألّا نسمح للانشغال أو العتب أو اختلاف الطباع بأن يحوّل القريب إلى غريب.
[1] الليثيّ الواسطيّ، الشيخ كافي الدين عليّ بن محمّد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسينيّ البيرجنديّ، دار الحديث، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ص50.
[2] سورة النساء، الآية 1.
[3] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفّاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج2، ص157.
20
الموعظة الثالثة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
ومن المهمّ أن ندرك أنّ العلاقات الجيّدة لا تعني كثرة المخالطة دائماً، بل تعني حفظ المودّة والاحترام وحسن التواصل. فقد تقلّ اللقاءات بحكم الظروف، لكنّ القلب يبقى حاضراً، والسؤال قائماً، والودّ محفوظاً.
الخلاف لا يبرّر القطيعة
الاختلاف جزءٌ من الحياة؛ فالناس يختلفون في طباعهم وآرائهم وتقديراتهم، وقد يقع بينهم سوء فهم أو عتاب أو خصومة. والمشكلة تبدأ عندما يتحوّل الخلاف من موقفٍ عابر إلى قطيعةٍ طويلة، ومن اختلافٍ في الرأي إلى إسقاطٍ للآخر وإلغاءٍ لمكانته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[1]. إنّ الآية لا تفترض غياب الإساءة أو الخلاف، وإنّما تعلّم المؤمن كيف يتعامل معه. فليس كلّ خلاف يحتاج إلى قطيعة، وليس كلّ إساءة تستدعي ردّاً مماثلاً، وليس كلّ موقفٍ يحتاج إلى استحضار الأخطاء القديمة. أحياناً يكون حفظ العلاقة أهمّ من الانتصار في النقاش، ويكون التنازل عن بعض ما نحبّ أهون من خسارة إنسانٍ تجمعنا به أخوّة أو رحم أو صداقة.
ومن الأخطاء التي تفسد العلاقات أن يجعل الإنسان كرامته مرتبطةً بأن يكون هو المبادر دائماً، أو أن ينتظر اعتذار الآخر قبل أن يخطو خطوةً نحو الإصلاح. وقد يكون الطرفان ينتظران المبادرة نفسها، فيطول الجفاء بسبب عنادٍ يستطيع أحدهما إنهاءه بكلمة؛ ولذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته: «احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِه عَلَى الصِّلَةِ، وعِنْدَ صُدُودِه عَلَى اللَّطَفِ والْمُقَارَبَةِ، وعِنْدَ جُمُودِه عَلَى الْبَذْلِ، وعِنْدَ تَبَاعُدِه
[1] سورة فُصِّلت، الآية 34.
21
الموعظة الثالثة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
عَلَى الدُّنُوِّ، وعِنْدَ شِدَّتِه عَلَى اللِّينِ، وعِنْدَ جُرْمِه عَلَى الْعُذْرِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَه عَبْدٌ وكَأَنَّه ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ، وإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِه، أَوْ أَنْ تَفْعَلَه بِغَيْرِ أَهْلِه»[1].
الإصلاح يحفظ الأخوّة
لقد أعقب القرآن الكريم عبارة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ بأمرٍ صريح ومباشر، فقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾؛ وهذا يكشف أنّ حفظ العلاقات مسؤوليّة تحتاج إلى مبادرة، خصوصاً عندما تتعرّض للخلل، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصوم»[2].
وإنّ إصلاح ذات البين قد يبدأ بخطوةٍ صغيرة: أن تبادر بالسلام، أو تتّصل بمن انقطعت عنه، أو تعتذر عن كلمةٍ أخطأت فيها، أو تقبل اعتذاراً قُدّم إليك، أو تنقل كلاماً طيّباً بدل أن تنقل ما يزيد الخصومة، وقد يكون الإصلاح أحياناً بأن نمتنع عن نقل الكلام الذي يوسّع الخلاف، أو أن نرفض الدخول في خصومةٍ لا تعنينا.
لكنّ مسؤوليّة الإصلاح لا تقع دائماً على المتخاصمَين وحدهما؛ فحين تقع القطيعة بين اثنين، يبقى للمحيطين بهما دورٌ في رأب الصدع وتقريب القلوب. من هنا، فإنّ المجتمع المؤمن معنيٌّ بحفظ علاقاته الداخليّة، ولا يصحّ أن يتحوّل الخلاف بين شخصين إلى قطيعةٍ اجتماعيّة أوسع؛ لأنّ ترك الخصومة تستفحل يوسّع أثرها، بينما التدخّل الحكيم في الوقت المناسب قد يحفظ علاقةً ويمنع جفاءً طويلاً، وقد جعل القرآن الكريم الإصلاح
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص403، الكتاب 31.
[2] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسّسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، إيران - قمّ، 1414ه، ط1، ص522.
22
الموعظة الثالثة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
شأناً يتوجّه إلى الجماعة، فقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾[1]، فالأمر بالإصلاح لم يُوجَّه إلى المتخاصمين فقط، بل إلى من حولهما أيضاً.
قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾[2]، وعندما تصبح المبادرة إلى الصلح، وحفظ المودّة، وصلة الناس، وحسن التعامل، والسعي إلى الإصلاح بين المتخاصمين، ثقافةً في حياتنا، يصبح المجتمع أقرب إلى الصورة التي أرادها الله تعالى له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فالإسلام يريد إنساناً يعبد الله، وفي الوقت نفسه يحمل همّ عباده؛ يصلح، ويعين، ويواسي... عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ أنفعهم لعياله»[3].
[1] سورة الحجرات، الآية 9.
[2] سورة النساء، الآية 128.
[3] الحميريّ القمّيّ، عبد الله بن جعفر، قرب الإسناد، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، إيران - قمّ، 1413ه، ط1، ص120.
23
الموعظة الرابعة: سارعوا إلى مغفرةٍ
الموعظة الرابعة
سارعوا إلى مغفرةٍ
هدف الموعظة
تعزيز روح المبادرة إلى التوبة والاستغفار، وترسيخ الوعي بأنّ المغفرة الإلهيّة تحتاج إلى مسارعةٍ صادقةٍ مقرونةٍ بالندم وترك الذنب وإصلاح ما ترتّب عليه من آثار.
محاور الموعظة
1. المسارعة إلى المغفرة
2. الاستغفار ليس كلمة
3. أثر الاستغفار في الدنيا
4. لا تؤجّل العودة إلى الله
تصدير الموعظة
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[1].
[1] سورة آل عمران، الآية 133.
24
الموعظة الرابعة: سارعوا إلى مغفرةٍ
إنّ القرآن الكريم لا يحثّ على طلب المغفرة فحسب، بل يقول: ﴿وَسَارِعُوا﴾؛ لأنّ الإنسان قد يعرف خطأه، ويعترف بتقصيره، ثمّ يؤجّل التوبة إلى وقت آخر. والمشكلة أنّ ذلك الوقت ليس مضموناً. لذلك، فإنّ على الإنسان ألّا يتعامل مع التوبة والاستغفار كأمر يمكن تأجيله، بل كحاجة عاجلة، لأنّه لا يدري متى تنتهي فرصته، ولا متى يلقى الله تعالى.
المسارعة إلى المغفرة
إنّ من أخطر ما يصيب الإنسان أن يعتاد الذنب حتّى لا يعود يشعر بثقله، وأن يؤجّل التوبة بحجّة أنّه سيصلح حاله لاحقاً، لكنّ القرآن يدعو إلى المسارعة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، والمسارعة هنا ليست مجرّد سرعة في أداء العمل، بل هي ألّا يسمح المؤمن للغفلة والتسويف بأن تقطعا طريقه إلى الله؛ فإذا أذنب، بادر إلى التوبة، وإذا قصّر في فريضة، تداركها، وإذا ظلم إنساناً، ردّ إليه حقّه، وإذا شعر بقسوة في قلبه، عاد إلى الله قبل أن تترسّخ القسوة؛ ولهذا يحذّرنا تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[1].
فالآية تنقل الإنسان من سؤال: «ماذا أريد اليوم؟» إلى سؤال أعمق: «ماذا أعددت للقاء الله؟»، وهذه المحاسبة هي التي تجعل الاستغفار عملاً واعياً، لا كلمة تتكرّر على اللسان، عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه»[2].
[1] سورة الحشر، الآية 18.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص453.
25
الموعظة الرابعة: سارعوا إلى مغفرةٍ
الاستغفار ليس كلمة
قد يقول الإنسان عشرات المرّات: «أستغفر الله»، ثمّ يعود إلى الذنب نفسه من دون ندم ولا عزم على الترك. هنا ينبغي أن نفهم أنّ الاستغفار الحقيقيّ ليس حركة لسان فقط، بل موقف عمليّ من الذنب. وقد لخّص أمير المؤمنين (عليه السلام) حقيقة الاستغفار بقوله: «الِاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، والثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْه أَبَداً، والثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّه أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، والرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا، والْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ، فَتُذِيبَه بِالأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمِ ويَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، والسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَه حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّه»[1].
وهذا يضع أمامنا معياراً واضحاً: إذا كان الإنسان يستغفر من أكل مالٍ حرام، ثم لا يعيد المال إلى صاحبه، فماذا تغيّر؟ وإذا استغفر من ظلم إنسان، ثمّ بقي مصرّاً على ظلمه، فماذا يعني استغفاره؟ وإذا استغفر من ترك الصلاة، ثمّ لم يقضِ ما فاته ولم يعزم على المحافظة عليها، فهل اكتملت توبته؟ فالاستغفار الصادق يبدأ من اللسان، لكنّه لا ينتهي عنده، بل يصل إلى السلوك.
أثر الاستغفار في الدنيا
الاستغفار لا يرتبط بالآخرة وحدها، بل جعل الله له آثاراً في حياة الإنسان أيضاً، يقول
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص549، الحكمة 417.
26
الموعظة الرابعة: سارعوا إلى مغفرةٍ
سبحانه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾[1].
ويقول تعالى على لسان نوح (عليه السلام): ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾[2].
وهذا لا يعني أنّ الاستغفار صيغة سحريّة تضمن للإنسان أن تتحوّل كلّ مشكلاته الدنيويّة إلى رخاء؛ فهذا فهم ناقص للنصوص، إنّما يدلّ على أنّ الرجوع إلى الله سبب من أسباب الخير والبركة، وأنّ إصلاح علاقة الإنسان بالله ينعكس على حياته بآثار متعدّدة، وفق حكمة الله وتقديره.
وقد ورد في الروايات أيضاً أنّ للاستغفار أثراً في زوال الهموم ودفع البلاءات، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن كثُرت همومه، فعليه بالاستغفار»[3]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ادفعوا أبواب البلاء بالاستغفار»[4].
لا تؤجّل العودة إلى الله
من أكبر الأخطاء أن ينتظر الإنسان مناسبة معيّنة ليتوب: شهراً مباركاً، أو مرضاً، أو مصيبة، أو خوفاً من الموت. المؤمن يستطيع أن يعود إلى الله الآن، في هذه اللحظة، من
[1] سورة هود، الآية 3.
[2] سورة نوح، الآيات 10 - 12.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص93.
[4] الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، إيران - قمّ، 1414ه، ط2، ج9، ص29.
27
الموعظة الرابعة: سارعوا إلى مغفرةٍ
دون انتظار ظرف استثنائيّ؛ ولذلك ينبغي أن نجعل لأنفسنا وقفة يوميّة قصيرة: ماذا فعلت اليوم؟ أين أخطأت؟ هل ظلمت أحداً؟ هل قصّرت في حق الله؟ هل هناك ذنب أصرّ عليه؟ هل هناك حقّ للناس عليّ؟ ثمّ لا نكتفي بالندم، بل ننتقل إلى الإصلاح.
وإنّ الباب يبقى مفتوحاً ما دام الإنسان حيّاً، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[1].
فلا ينبغي أن يمنعنا ثقل الذنب من الرجوع، ولا أن يدفعنا طول الأمل إلى التأجيل. المطلوب أن نسارع؛ لأنّ المؤمن يعرف أنّ خير ما يفعله بعد الخطأ هو أن يعود سريعاً إلى الله.
[1] سورة الزمر، الآية 53.
28
الموعظة الخامسة: الأمل في مواجهة المِحَن
الموعظة الخامسة
الأمل في مواجهة المِحَن
هدف الموعظة
إظهار أهمّيّة الأمل بالله تعالى وأثره في نفوس المؤمنين، وتحويله من مجرّد انتظارٍ للمستقبل إلى دافعٍ للصبر والعمل والثبات في مواجهة المِحَن.
محاور الموعظة
1. الأمل ضرورة وليس كلّ أملٍ محموداً
2. الأمل الحقيقيّ هو الأمل بالله
3. الأمل مرتبط بالسعي
4. حافظوا على الأمل وصحّحوا وجهته
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الأمل رحمةٌ لأمّتي، ولولا الأمل ما أرضعت أمّ ولداً، ولا غرس غارسٌ شجراً»[1].
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج74، ص173.
29
الموعظة الخامسة: الأمل في مواجهة المِحَن
إنّ الأمل ضرورة لاستمرار الحياة والحركة، وليس مجرّد حالة نفسيّة عابرة؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون أن يتطلّع إلى الغد. الأم ترعى طفلها لأنّها تأمل أن يكبر، والمزارع يغرس الشجرة لأنّه يأمل أن يراها تثمر، والإنسان يعمل ويتحمّل المشقّات لأنّه يتطلّع إلى نتيجة يعتقد أنّها تستحقّ الصبر. لكنّ السؤال ليس: هل نملك الأمل أم لا؟ بل: بمَن يتعلّق أملنا؟ وإلى ماذا يقودنا؟
الأمل ضرورة وليس كلّ أملٍ محموداً
لا يدعو الإسلام الإنسان إلى اليأس من الواقع، ولا إلى الاستسلام للمحن، بل يفتح أمامه باب الرجاء بالله، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[1]. واليأس أخطر من مجرّد الحزن؛ لأنّ الحزين قد يتألّم وهو ينتظر الفرج، أمّا اليائس فيعتقد أنّ الفرج غير ممكن، وأنّ الواقع أقوى من كلّ محاولة للتغيير؛ ولذلك فإنّ الإيمان بالله يمنح الإنسان قدرة على النظر إلى ما وراء اللحظة الحاضرة.
لكن في المقابل، ليس كلّ أملٍ فضيلة، فثمّة آمال تتحوّل إلى غفلة، حين يبني الإنسان أحلامه على طول العمر، ونسيان الموت، والتعلّق بالدنيا، وتأجيل التوبة والعمل الصالح؛ ولهذا حذّر أمير المؤمنين (عليه السلام) من باطل الأمل، فقال: «اتّقوا باطلَ الأمل، فربّ مُستقبِلِ يومٍ ليس بمستدبِرٍ، ومغبوطٍ في أوّل ليلةٍ، قامت بواكيه في آخره»[2]. إذاً، المشكلة في أن يصبح أمل الإنسان غطاءً للغفلة؛ فالأمل المحمود هو الذي يدفعنا إلى العمل، أمّا الأمل المذموم فهو الذي يجعلنا نؤجّل العمل وننتظر المستقبل بلا استعداد.
[1] سورة يوسف، الآية 87.
[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص91.
30
الموعظة الخامسة: الأمل في مواجهة المِحَن
الأمل الحقيقيّ هو الأمل بالله
وإنّ الفرق الأساسيّ بين الأمل الممدوح والمذموم هو الجهة التي يتعلّق بها القلب؛ فعندما يأمل الإنسان بالدنيا وحدها، فإنّ سقوط مشروع أو خسارة مال أو فشلاً في أمر قد يهدم نفسيّته؛ لأنّه جعل مصدر أمانه محصوراً في شيء قابل للتغيّر والزوال؛ أمّا عندما يكون أمله بالله، فإنّه حين يخسر شيئاً من الدنيا لا يخسر توازنه؛ لأنّه يؤمن بأنّ الله أرحم به من نفسه، وأنّ ما عند الله لا يرتبط بظرفٍ آنيّ، يقول سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[1]، فالآية لا تعد المؤمن بحياةٍ خاليةٍ من العسر، وإنّما تفتح له أفقاً يتجاوز العسر، وتمنعه من تحويل المحنة إلى حكمٍ نهائيّ على المستقبل. وقد يتأخّر اليسر، وقد يأتي بصورةٍ مختلفة عمّا نتوقّعه، لكنّ المؤمن يبقى قلبه متعلّقاً بالله، فلا تنقطع آماله عندما تتغيّر الظروف.
وهذا الأمل بالله لا يبقى مجرّد شعورٍ في القلب، بل يظهر في نظرة الإنسان إلى إمكان الخير، وفي دعائه، وفي نيّته، وفي استعداده للعمل حين تتاح له القدرة. ومن هنا كان الدعاء صورةً حيّةً من صور الأمل؛ فالمؤمن حين يدعو الله، إنّما يعبّر عن يقينه بأنّ ما يعجز عنه اليوم قد يتهيّأ له غداً، وأنّ أبواب الخير لا تُغلق أمام مَن يرجو الله ويسأله التوفيق إليها، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ لَيَقُولُ: يَا رَبِّ، ارْزُقْنِي حَتَّى أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْبِرِّ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ، فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِصِدْقِ نِيَّةٍ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا يَكْتُبُ لَهُ لَوْ عَمِلَهُ، إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ
[1] سورة الشرح، الآيتان 5 - 6.
31
الموعظة الخامسة: الأمل في مواجهة المِحَن
كَرِيمٌ»[1]؛ فقيمة الأمل لا تكمن في مجرّد التطلّع إلى المستقبل، بل في أن يتطلّع الإنسان إلى الخير، ويعزم عليه، ويسأل الله القدرة على بلوغه؛ فحتّى عندما لا يملك الوسيلة اليوم، تبقى النيّة الصادقة بدايةً للعمل، ويبقى رجاؤه بالله جزءاً من مساره الإيمانيّ.
الأمل مرتبط بالسعي
إنّ الأمل في المنطق القرآنيّ مرتبط بالسعي، يقول تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾[2]، فمَن يأمل النجاح، عليه أن يعمل له. ومَن يأمل إصلاح أسرته، عليه أن يغيّر أسلوبه. ومَن يأمل إصلاح المجتمع، عليه أن يتحمّل مسؤوليّته. ومَن يأمل نصرة الحقّ، عليه أن يكون من أهل الحقّ في سلوكه وموقفه. وهنا يصبح الأمل مصدر قوّة؛ لأنّ الإنسان الذي يؤمن بأنّ جهده ليس عبثاً، يستطيع أن يصبر على الطريق الطويل؛ أمّا الذي يريد النتائج السريعة، فقد ينهار عندما يتأخّر النصر.
وفي مواجهة الظلم والمحن، يحتاج المؤمن إلى هذا النوع من الأمل تحديداً: أن يعتقد أنّ الباطل مهما بدا قويّاً ليس قدراً أبديّاً، وأنّ الحقّ لا يُقاس بقوّته في لحظة معينة، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[3]. فالإيمان لا يلغي الخوف والألم، لكنّه يمنع الخوف من أن يتحوّل إلى استسلام، ويمنع الألم من أن يتحوّل إلى يأس.
وفي هذا السياق، يبيّن شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) أنّ الأمل ثقافةٌ تصنع موقف الإنسان من المستقبل، فيقول: «نحن كمسلمين، نؤمن بأنّ التحوّلَ
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص85.
[2] سورة النجم، الآيتان 39 - 40.
[3] سورة آل عمران، الآية 139.
32
الموعظة الخامسة: الأمل في مواجهة المِحَن
في مستقبل البشريّة، سيتحقّق على يدَي السيّد المسيح (عليه السلام) الّذي نعظّمه ونقدّره، وعلى يدَي حفيد رسول الله وخاتم النبيّين محمّد (صلّى الله عليه وآله).
هذه العقيدة، وهذا الإيمان من قِبل أتباع الديانات السماويّة، يؤدّي إلى جامعٍ مشتركٍ مهمّ، هو مسألة الأمل، وثقافة الأمل، وروح الأمل؛ الأمل بالمستقبل، الأمل بإمكانيّة التغيير، الأمل بإمكانيّة صُنع الانتصار على الظلم والفساد والاحتلال والطغيان والاستكبار، الأمل بتحقُّق قيام العدل والسعادة والأمن والسلام في هذا العالم... في السلوك الجماعيّ، أخطر نتيجة لليأس هو الاستسلام؛ الاستسلام والقعود وعدم الحركة أمام الاستحقاقات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والحياتيّة والمعيشيّة»[1].
حافظوا على الأمل وصحّحوا وجهته
نحن بحاجة إلى أن نراجع آمالنا: ماذا ننتظر من الغد؟ هل ننتظر مالاً أكثر فقط؟ أم ننتظر أن نكون أقرب إلى الله؟ هل نأمل أن تتغيّر الظروف من أجل راحتنا فقط، أم نأمل أن نكون نحن أكثر قدرة على أداء مسؤوليّتنا مهما كانت الظروف؟
الأمل بالله لا يعني أن نضمن لأنفسنا نتيجة محدّدة، بل يعني أن نثق بأنّ الله لا يضيّع سعي المؤمن، وأنّ واجبنا هو أن نثبت ونبذل ونصبر، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[2]. وهذه الآية تلخّص الفرق: قد يشترك أهل الحقّ وأهل الباطل في الألم، وقد يمرّ الطرفان بالخوف والخسارة والمشقّة، لكنّ المؤمن يمتلك شيئاً إضافيّاً: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
[1] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 22/04/2019م.
[2] سورة النساء، الآية 104.
33
الموعظة الخامسة: الأمل في مواجهة المِحَن
يَرْجُونَ﴾.
لذلك، لا ينبغي أن نسمح للمحن أن تسرق منّا الأمل، ولا أن نجعل الأمل ذريعة لترك العمل. نأمل بالله، ونعمل بما نستطيع، ونصبر على الطريق، ونبقى واثقين بأنّ المستقبل ليس ملكاً للظروف وحدها، بل لله تعالى.
34
الموعظة السادسة: حين نخشى الاستبدال
الموعظة السادسة
حين نخشى الاستبدال
هدف الموعظة
تعميق الوعي بأنّ الخوف الحقيقيّ هو من التولّي عن طاعة الله وفقدان شروط الثبات، لا من صعوبة الطريق أو قوّة الباطل، مع تعزيز محاسبة النفس والتمسّك بالتكليف.
محاور الموعظة
1. الخوف من الاستبدال
2. الثبات مسؤوليّة متجدّدة
3. النصر وعدٌ مشروط
تصدير الموعظة
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾[1].
[1] سورة محمّد، الآية 38.
35
الموعظة السادسة: حين نخشى الاستبدال
إذا كان المؤمن يثق بالله، فلماذا يخاف؟ إنّ القرآن الكريم لا يعلّمنا أن نعيش بلا خوف، بل يعلّمنا ماذا نخاف وممّن نخاف؛ فثمّة خوف محمود يحمي الإنسان من السقوط، وآخر مذموم يشلّ إرادته ويمنعه من أداء تكليفه؛ لذلك فإنّ السؤال الصحيح هو: متى ينبغي أن يخاف الإنسان؟
الخوف من الاستبدال
إنّ آية الاستبدال لا تتكلّم على الخوف من العدوّ أو من الخسارة، بل على خطر أعمق، هو أن يتولّى الإنسان عن طاعة الله، فيستبدله الله بغيره، قال تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. واللافت أنّ الآية سبقتها دعوة إلى الإنفاق، ثمّ ذكرت البخل، ثمّ جاءت بسنّة الاستبدال؛ وهذا يعني أنّ حمل الدين ليس شعاراً، بل مسؤوليّة لها كلفتها، من البذل، والتضحية، والإنفاق، والثبات...
وقد بيّن المفسرون أنّ معنى التولّي هنا هو الإعراض عن طاعة الله ودينه، وأنّ الله غنيّ عن عباده، قادر على أن يأتي بقوم أطوع وأثبت، ليسوا أمثال مَن يتولّى ويُعرِض عن طاعة الله عزّ وجلّ.
وعليه، فإنّ الخوف الحقيقيّ ليس في خسارة معركة، أو من بلاءٍ ما، أو من تأخّر عن تحقيق هدف؛ إنّما الخوف الحقيقيّ يكمن في خسارة رضا الله تعالى، وركوب ما يُسخطه، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾[1].
[1] سورة محمّد، الآية 28.
36
الموعظة السادسة: حين نخشى الاستبدال
الثبات مسؤوليّة متجدّدة
إنّ التضحيات التي يبذلها المؤمن في سبيل الله، والثبات في ساحات المسؤوليّة، لا تعني أنّه أصبح بمنأى عن خطر التراجع أو الانحراف؛ فآية الاستبدال لا تمنح أحداً شهادة دائمة بالثبات، والانتماء إلى خطّ الإيمان ليس امتيازاً أبديّاً، وإنّما هو مسؤوليّة تتجدّد مع كلّ امتحانٍ واختبار؛ ولهذا كان من دعاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «اللهمّ... أصلح لي شأني كلّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عينٍ أبداً»[1]؛ لأنّ الثبات على الطاعة توفيقٌ يحتاجه الإنسان في كلّ لحظة، ولا يملك المؤمن ضماناً ذاتيّاً يحميه من التراجع إذا غفل عن الله أو اطمأنّ إلى نفسه
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[2]، فالآية لا تجعل معيار القرب من الله مجرّد الانتماء أو الادّعاء، بل ترسم صفات واضحة لأهل الثبات: محبّة الله، ومحبّة المؤمنين، والعزّة في مواجهة الباطل، والبذل في سبيل الله، وعدم الخضوع لضغوط الناس ولومهم.
من هنا، فإنّ الثبات الحقيقيّ يبدأ من محاسبة النفس ومراقبة السلوك: هل ما زالت طاعتنا لله كما ينبغي؟ هل حافظنا على الصلاة، والصدق، والأمانة، والعفّة، والرحمة، والعدل؟ هل نؤدّي حقوق الناس؟ هل نتحمّل مسؤوليّتنا تجاه مجتمعنا؟ أم اختصرنا الدين في ميدان واحد، ثمّ أهملنا بقيّة التكاليف التي أمرنا الله بها؟
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص524.
[2] سورة المائدة، الآية 54.
37
الموعظة السادسة: حين نخشى الاستبدال
قد يكون الإنسان شجاعاً في مواجهة عدوّه، لكنّه ضعيف أمام شهوته، وقد يكون ثابتاً في الميدان، لكنّه ينهار أمام المال أو السلطة أو حبّ الظهور. وقد يبذل نفسه في موقف، ثمّ يعجز عن ضبط لسانه أو غضبه أو أهوائه في موقف آخر.
لذلك، فإنّ خطر الاستبدال لا يرتبط فقط بالجبن في ساعة المواجهة، بل قد يبدأ من الداخل: من تراجعٍ تدريجيّ عن الطاعة، أو استهانةٍ بالذنب، أو تعلّقٍ بالدنيا، أو تحوّل التضحية إلى شعور بالاستحقاق، حتّى يصبح الإنسان أسيراً لما يبعده عن الله وهو يظنّ أنّه ما يزال ثابتاً على طريقه.
والثبات الذي نطلبه من الله ليس ثباتاً في الميدان فحسب، بل ثباتٌ على طاعته في كلّ الميادين؛ لأنّ الذي يحمل أمانة الدين لا يُختبر في لحظة واحدة، وإنّما يُختبر في صلاته، وأخلاقه، وأمانته، وتعامله، وشهواته، وماله، ومواقفه، وفي قدرته على أن يبقى عبداً لله عندما تتغيّر الظروف.
النصر وعدٌ مشروط
وإذا كانت سنّة الاستبدال تحذّرنا من أن نتولّى عن أمر الله فيستبدل بنا غيرنا، فإنّ سنّة النصر تفتح أمامنا باباً آخر من الطمأنينة، ولكن ضمن شروطها، يقول تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1]، فهذا وعدٌ إلهيّ لا ينبغي للمؤمن أن يشكّ فيه، لكنّ فهمه يحتاج إلى دقّة؛ فالآية لم تقل إنّ كلّ جماعة تنتسب إلى الإيمان ستنتصر في كلّ مواجهة، ولم تقل إنّ النصر سيكون دائماً سريعاً أو خالياً من الألم والخسائر، وإنّما تحدّثت عن نصر المؤمنين؛ أي أولئك الذين تحقّقت فيهم حقيقة الإيمان ولوازمه.
[1] سورة الروم، الآية 47.
38
الموعظة السادسة: حين نخشى الاستبدال
والقرآن نفسه يقدّم لنا أوضح شاهد على ذلك في غزوة أُحد، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من القتل والجراح والانكسار، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾[1]، فالقرآن لم يفسّر ما جرى باعتباره تخلّياً عن وعد الله، بل كشف أثر الخلل البشريّ في مسار المعركة.
وهنا تتّضح العلاقة بين سنّة الاستبدال وسنّة النصر: الله سبحانه وعد بنصر المؤمنين، لكنّه في الوقت نفسه لا يلغي مسؤوليّتهم، ولا يعفيهم من سننه في الأخذ بالأسباب، والطاعة، والصبر، والثبات، ومراجعة مواطن الخلل؛ ولذلك فإنّ التضحيات العظيمة التي تُبذل في سبيل الله ليست صكّاً بالعصمة، ولا تعني أنّ أصحابها أصبحوا فوق المحاسبة؛ بل تزيدهم مسؤوليّةً في الحفاظ على ما ضحّوا من أجله.
من هنا، فإنّ الخوف الذي ينبغي أن يسكن قلوبنا ليس من طول الطريق ومشقّته، ولا من شدّة العدو، ولا من ارتفاع الكلفة، بل الخوف من أن نفقد شروط النصر؛ نخاف عندما تضعف طاعتنا لله، وعندما نظلم، ونخون الأمانة، ونستهين بحقوق الناس، ويغلب حبّ الدنيا على حبّ الله، وتتحوّل التضحية من عبادة إلى مصلحة، والقوّة من وسيلة لنصرة الحقّ إلى سبب للغرور والاستعلاء.
أمّا الخوف الذي يدفعنا إلى التراجع عن الحقّ لمجرّد أنّ الطريق شاقّ، أو أنّ الثمن غالٍ، أو أنّ الباطل يبدو قويّاً، فليس هو الخوف الذي يريده الله من المؤمن، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[2]، ويقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) معلِّقاً على
[1] سورة آل عمران، الآية 165.
[2] سورة آل عمران، الآية 175.
39
الموعظة السادسة: حين نخشى الاستبدال
هذه الآية: «يقول الله تعالى: أيّها المؤمنون، لا تخافوا أولياء الشيطان وأتباعَه، ولا تخشَوا القوى الشيطانيّة، بل خافوني وخافوا الانحراف عن الصراط المستقيم. إذا انحرف الإنسان عن الصراط المستقيم، فهذا أمر مخوِّف؛ لأنّكم عندما تنحرفون عن الجادّة المستقيمة والصحيحة والقويّمة، سوف تتيهون في الصحراء؛ وهذا ما يجب أن تخافوه»[1]؛ ولذلك كان من أخطر ما يُبتلى به أهل الإيمان أن يطمئنّوا إلى أنفسهم بدل أن يطمئنّوا إلى الله؛ أن يرَوا تضحياتهم دليلاً على استحقاقهم الدائم، بدل أن يروها أمانةً تستوجب مزيداً من التواضع والطاعة والمراجعة.
[1] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 08/02/2019م.
40
الموعظة السابعة: أوقاتك أجزاء عمرك
الموعظة السابعة
أوقاتك أجزاء عمرك
هدف الموعظة
ترسيخ الوعي بقيمة الوقت، وحثّ المؤمن على اغتنام أوقات فراغه في ما ينفعه في دينه ودنياه، والحذر من التسويف وإهدار العمر في ما لا فائدة فيه.
محاور الموعظة
1. الوقت هو العمر نفسه
2. أخطر الأوقات
3. ماذا نفعل بالوقت؟
4. لا تؤجّل ما تستطيع فعله اليوم
تصدير الموعظة
أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ أوقاتَك أجزاءُ عمرِك؛ فلا تنفد لك وقتاً في غيرِ ما يُنجيك»[1].
[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص159.
41
الموعظة السابعة: أوقاتك أجزاء عمرك
إنّ العمر لا يضيع دفعةً واحدة، بل يتسرّب من بين أيدينا في دقائق وساعات نظنّها عابرةً ولا تستحقّ الالتفات. ثمّ تمضي الأيّام وتتراكم، حتّى يلتفت الإنسان بعد سنوات، فيكتشف أنّ جزءاً كبيراً من عمره قد انقضى في أمور لم تضف إلى دينه خيراً، ولا إلى دنياه أثراً.
الوقت هو العمر نفسه
الإنسان لا يملك عمراً مستقلّاً عن وقته؛ فعمره هو مجموع ساعاته وأيامه؛ ولذلك لا يصحّ أن نتعامل مع الوقت وكأنّه شيء زائد يمكن تعويضه لاحقاً. المال إذا ذهب يمكن تحصيل غيره، والعمل إذا فات يمكن إنجازه في وقت آخر، أمّا الساعة التي مضت فلا تعود، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ ماضيَ عمرك أجلٌ، وآتيَه أملٌ، والوقتَ عملٌ»[1]؛ فالماضي انتهى وأصبح خارج قدرة الإنسان، والمستقبل ليس مضموناً، أمّا ما يملكه فعلاً فهو هذه اللحظة التي يعيشها الآن.
والقرآن يضع الإنسان أمام هذه الحقيقة بوضوح، حين أقسم بالوقت، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾[2]؛ فالخسارة هنا ليست مرتبطة بالفقر أو قلّة المال، بل بخروج العمر من يد الإنسان من دون أن يتحوّل إلى رصيدٍ من الإيمان والعمل الصالح؛ ولذلك استثنى الله تعالى من هذه الخسارة أهل الإيمان والعمل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[3].
[1] التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح مصطفى درايتي، مكتب الإعلام الإسلاميّ، إيران - قمّ، 1407هـ، ط1، ص159.
[2] سورة العصر، الآيتان 1 - 2.
[3] سورة العصر، الآية 3.
42
الموعظة السابعة: أوقاتك أجزاء عمرك
أخطر الأوقات
ليست المشكلة في أن يرتاح الإنسان أو يرفّه عن نفسه؛ فالراحة المباحة ضروريّة لاستعادة النشاط، كما عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرّم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات»[1]. المشكلة في أن يتحوّل الفراغ إلى أسلوب حياة، وأن تمتلئ الساعات بما لا يبني الإنسان ولا ينفعه.
وقد يكون الإنسان مشغولاً طوال اليوم، لكنّه في الحقيقة لا يتقدّم؛ ساعات طويلة في التصفّح، ومتابعة ما لا يعنيه، والحديث الذي لا ثمرة له، وتأجيل الأعمال، ثمّ يقول: «لا أملك وقتاً». والحقيقة أحياناً أنّ المشكلة لا تكون حينها في قلّة الوقت، بل في سوء استعماله وإدارته؛ ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «احفظ عمرك من التضييع له في غير العبادة والطاعات»[2].
ومن هنا نفهم خطورة التسويف؛ فقول الإنسان: سأفعل غداً قد يتحوّل إلى سنوات من التأجيل. وفي دعاء أبي حمزة الثماليّ يناجي الإمام زين العابدين (عليه السلام) ربّه قائلاً: «وَأَعِنِّي بِالبُكاءِ عَلى نَفْسِي، فَقَدْ أَفْنَيْتُ بِالتَّسْوِيفِ وَالآمالِ عُمْرِي»[3]. فالإنسان لا
[1] الحرّانيّ، الشيخ ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرَّفة، إيران - قمّ، 1404هـ - 1363ش، ط2، ص409.
[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص76.
[3] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، مؤسّسة فقه الشيعة، لبنان - بيروت، 1411هـ - 1991م، ط1، ج2، ص591.
43
الموعظة السابعة: أوقاتك أجزاء عمرك
يخسر وقته فقط عندما يفعل شيئاً محرّماً فحسب، بل يخسره أيضاً عندما يؤجّل الخير باستمرار.
ماذا نفعل بالوقت؟
اغتنام الوقت لا يعني أن نملأ كل دقيقة بعملٍ متواصل، بل أن يكون للوقت مقصد، وأن نعرف أين تذهب ساعاتنا، وقد لخّص الإمام زين العابدين (عليه السلام) هذا المعنى في دعاء مكارم الأخلاق: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الاهْتِمَامُ بِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ»[1]. فالمطلوب أن تصبح أيام الإنسان منسجمة مع الغاية التي خلقه الله من أجلها. والقرآن يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[2]؛ والعبادة هنا لا تعني الصلاة والصوم فقط، بل كلّ عمل مشروع يُقصَد به الإنسان رضا الله ويؤدّيه على نحو صحيح.
لذلك يمكن أن يتحوّل وقت الفراغ إلى رصيد حقيقيّ: قراءة القرآن، والذكر، والصلاة النافلة، وصلة الرحم، ومساعدة الأسرة، وتعلّم علم نافع، وتطوير مهنة أو مهارة، ومطالعة كتاب، وممارسة نشاط مباح يعين الإنسان على أداء مسؤوليّاته. قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾[3]، فالفراغ في المنطق القرآنيّ ليس دعوة إلى البطالة، بل انتقال من عمل نافع إلى عمل نافع آخر.
لا تؤجّل ما تستطيع فعله اليوم
من أكثر ما يبدّد العمر أن يعيش الإنسان على وعد المستقبل: عندما أتفرّغ سأقرأ، وعندما تتحسّن ظروفي سأصلح علاقتي بالله، وعندما أكبر سأهتمّ بآخرتي، وعندما أجد
[1] الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، نشر الهادي، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ص92.
[2] سورة الذاريات، الآية 56.
[3] سورة الشرح، الآيتان 7 - 8.
44
الموعظة السابعة: أوقاتك أجزاء عمرك
وقتاً سأتعلم وأطوّر نفسي. لكنّ «عندما» قد لا تأتي؛ ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»[1].
إنّ قيمة الوقت لا تظهر عندما يكون الإنسان مشغولاً، بل عندما يكون أمامه وقت يستطيع أن يملأه بما يشاء. هناك تظهر حقيقة اختياره: هل يجعل فراغه باباً للنموّ أم باباً للغفلة؟
وفي النهاية، ليس السؤال يوم القيامة: كم سنة عشت؟ بل ماذا صنعت بهذه السنوات؟ وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾[2].
فالوقت ليس شيئاً نملكه؛ إنّه نحن، وهو العمر حين يتحوّل إلى لحظات. وكلّ ساعة تمضي تأخذ معها جزءاً منّا، ولذلك كان من أبلغ ما قيل: «إنّ أوقاتك أجزاءُ عمرك». فليكن لكلّ يومٍ نصيبٌ من عبادة، ونصيبٌ من علم، ونصيبٌ من عملٍ نافع، ونصيبٌ من الراحة المباحة؛ حتّى لا يأتي يومٌ ننظر فيه إلى ما مضى فنكتشف أنّنا كنّا نملك العمر، لكنّنا لم نحسن استثماره.
[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، مصدر سابق، ص526.
[2] سورة فاطر، الآية 37.
45
الموعظة الثامنة: عند الشدّة
الموعظة الثامنة
عند الشدّة
هدف الموعظة
تعزيز ثقافة اللجوء إلى الله عند الشدائد، من خلال الصبر والصلاة والتوكّل، واستمداد القدرة منها على الثبات ومواصلة المسؤوليّة.
محاور الموعظة
1. الصبر قوّة
2. الصلاة ملجأ
3. في قلب المحنة
4. خشوعٌ يثبّت القلب
تصدير الموعظة
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[1].
[1] سورة البقرة، الآيتان 45 - 46.
46
الموعظة الثامنة: عند الشدّة
يمرّ الإنسان في حياته بأحوالٍ تتغيّر فيها قدرته على الاحتمال؛ فقد يواجه ضيقاً في الرزق، أو مرضاً، أو فقداً، أو خوفاً، أو حزناً، أو حيرةً أمام أمرٍ يعجز عن تغييره. وفي هذه اللحظات يحتاج إلى ما يثبّت قلبه، ويمنحه القدرة على الاستمرار، ويعيده إلى مصدر القوّة الحقيقيّ، ولذلك وجّه القرآن المؤمن إلى الصبر والصلاة، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
الصبر قوّة
الصبر قدرةٌ على الثبات والاستمرار في أداء ما يجب على الإنسان أداؤه حين تشتدّ عليه الظروف. وقد يعرف الإنسان واجبه، لكنّه يحتاج إلى قوّةٍ تحفظه من الجزع والانهيار، وتعينه على مواصلة الطريق. فقد يحتاج إلى الصبر في مرضه، وفي طلب رزقه، وفي تحمّل مسؤوليّات أسرته، وفي ضبط غضبه، وفي مقاومة الشهوات، وفي الثبات على الطاعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[1]، فالصابر يستمدّ من معيّة الله ما يعينه على تحمّل المشقّة ومواصلة التكليف.
وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَه وصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ»[2]، فالصبر يشمل مواجهة البلاء، كما يشمل ضبط النفس عن الشهوات والرغبات حين تدعو إلى معصية الله. وفي الحالين يحتاج الإنسان إلى قوّةٍ داخلية تحفظه من الانقياد لما تفرضه اللحظة من ألم أو رغبة.
[1] سورة الأنفال، الآية 46.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص478، الحكمة 55.
47
الموعظة الثامنة: عند الشدّة
الصلاة ملجأ
يجمع القرآن بين الصبر والصلاة؛ فالصبر يثبّت الإنسان في مواجهة الشدّة، والصلاة تصِل قلبه بالله وتجدّد اعتماده عليه، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان عليٌّ (عليه السلام) إذا أهاله شيءٌ فزع إلى الصلاة، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾»[1].
وتكشف هذه الرواية عن منهجٍ عمليّ في التعامل مع الشدائد: حين يواجه الإنسان أمراً يهوله، يتوجّه إلى الصلاة، فينتقل من الانشغال بحدود قدرته إلى التعلّق بقدرة الله، ومن اضطراب النفس إلى استحضار معيّة الله ورحمته. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾[2]. فالصلاة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بربّه، وتذكّره بأنّ الأمر الذي يعجز عنه لا يعجز الله تعالى، وأنّ ما يضيق به صدره يبقى داخل قدرة الله وتدبيره.
في قلب المحنة
يظهر هذا المعنى في قصّة النبيّ موسى (عليه السلام) حين اشتدّ البلاء على بني إسرائيل تحت ظلم فرعون، فكان من توجيه الله لهم أن يقيموا الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[3]. ففي قلب المحنة بقيت الصلاة جزءاً من بناء المؤمنين وتثبيتهم، لتكون الصلة بالله مصدراً للطمأنينة والقدرة على مواجهة الواقع.
ويظهر هذا المعنى أيضاً في قصّة النبيّ يونس (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص480.
[2] سورة طه، الآية 14.
[3] سورة يونس، الآية 87.
48
الموعظة الثامنة: عند الشدّة
مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[1]. فالصلة بالله واللجوء إليه كانا من أسباب نجاته، بعد أن بلغ به البلاء غايته.
وهكذا تتحوّل الشدّة في حياة المؤمن إلى لحظةٍ يعيد فيها وصل قلبه بالله، ويستمدّ منه القدرة على الصبر والعمل ومواصلة الطريق.
خشوعٌ يثبّت القلب
تختم الآية وصفها للصلاة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. والخشوع يجعل الصلاة ذات معنى عميق في حياة الإنسان؛ فالخاشع يقف بين يدي الله وهو يستحضر لقاءه به ورجوعه إليه؛ ولذلك تصبح الصلاة مصدرَ سكينةٍ وثبات، ويجد فيها ما يعينه على مواجهة أعباء الحياة. يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ العبوديّة لله، والخشوع أمام الله، يوجِبان أن لا يخضع الإنسان لأيّ متعسِّف ومتغطرس. القلب الذي أدرك [وعی] المهابة والعزّة الإلهيّة، يشعر في قرارة نفسه، بعزّةٍ لا تستطيع مقاومتها حتّی أعتی القوی»[2].
بناءً عليه، لا بدّ للإنسان من بناء العلاقة بالصلاة في أوقات الرخاء قبل أوقات الشدّة؛ فالإنسان الذي اعتاد الوقوف بين يدي الله في أيّام الراحة يجد في الصلاة ملجأً طبيعيّاً عندما تضيق به الحياة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾[3]. وعندما تضيق الحياة، يجمع المؤمن بين العمل والتوكّل: يأخذ بالأسباب، ويبذل ما يستطيع،
[1] سورة الصافّات، الآيتان 143 - 144.
[2] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 15/04/2009م.
[3] سورة الطلاق، الآية 3.
49
الموعظة الثامنة: عند الشدّة
ويصبر على ما يعجز عن تغييره، ثمّ يلجأ إلى الله بقلبٍ خاشع. تلك هي المعادلة التي ترسمها الآية: صبرٌ يثبّت الإنسان، وصلاةٌ تصِله بالله، وخشوعٌ يذكّره بأنّ وراء هذه الدنيا ربّاً إليه المرجع والمآل.
50
الموعظة التاسعة: المواساة روح الأخوّة
الموعظة التاسعة
المواساة روح الأخوّة
هدف الموعظة
تعزيز روح المواساة والتكافل، والاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام) في مشاركة الآخرين أعباءهم وحفظ كرامتهم، ولا سيّما في أوقات الشدّة.
محاور الموعظة
1. روح الأخوّة
2. النعمة والمسؤوليّة
3. المواساة في الشدّة
4. حفظ كرامة المحتاج
تصدير الموعظة
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[1].
الإمام الصادق (عليه السلام): «سيّد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، حتّى لا ترضى بشيءٍ إلّا رضيت لهم مثله، ومواساتك الأخ في المال، وذكر الله على كلّ حال»[2].
[1] سورة الحشر، الآية 9.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص144.
51
الموعظة التاسعة: المواساة روح الأخوّة
يضع الإمام (عليه السلام) المواساة في منزلة رفيعة، إلى جانب إنصاف الناس وذكر الله؛ لأنّ الإيمان ينعكس في علاقة الإنسان بربّه وبالناس معاً، ويظهر أثره في المال والمواقف وطريقة عيش الإنسان مع إخوانه. فالمؤمن يرى في النعمة التي بين يديه مسؤوليّة، وفي حاجة أخيه مجالاً للبرّ والعطاء.
يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ مفهوم المواساة مفصليّ في المجموعة والمنظومة القيَميّة والمعرفيّة للإسلام»[1].
روح الأخوّة
المواساة روحٌ تقوم عليها الأخوّة، ومضمونها أن يشعر الإنسان بأنّ ما يصيب أخاه يعنيه، وأنّ ما رزقه الله من قدرةٍ ومالٍ يحمّله مسؤوليّةً تجاه من يحتاج إليه؛ ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «نظام الدين خصلتان: إنصافك من نفسك، ومواساة إخوانك»[2].
وتؤسّس هذه الروحيّة لمجتمعٍ يشعر أفراده بعضهم ببعض، ويتعاملون مع النعمة بوصفها وسيلةً للعطاء والمسؤوليّة. ويجسّد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. فالإيثار هو أن يقتطع الإنسان من راحته وسعته ما يخفّف عن أخيه، وأن يجعل لحاجة الآخر مكاناً في حساباته. وقد عبّر الإمام الباقر (عليه السلام) عن حقيقة الأخوّة بموقف شديد الوضوح، حين سأل أبا إسماعيل: «أرأيت فيما قبلكم، إذا كان الرجل ليس له رداء، وعند بعض إخوانه فضل رداء، يطرح عليه حتّى يصيب رداءً؟»، قال: قلت: لا، قال: «فإذا كان ليس عنده إزار، يوصل اليه بعض
[1] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 22/02/2021م.
[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص498.
52
الموعظة التاسعة: المواساة روح الأخوّة
إخوانه بفضل إزار حتّى يصيب إزاراً»، قلتُ: لا، فضرب بيده على فخذه، ثمّ قال: «ما هؤلاء بإخوة»[1]؛ فالأخوّة تُقاس بمدى استعداد الإنسان لمشاركة أخيه حاجته، وبقدر ما يترجمه هذا الشعور من عطاءٍ وموقف.
النعمة والمسؤوليّة
يحفظ الإسلام للإنسان حقّه في النعمة والعيش الكريم، ويجعل المال وسيلةً للإحسان والبناء وتحقيق حاجات الإنسان المشروعة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾[2]، فالآية تجمع بين الانتفاع بنصيب الإنسان من الدنيا وبين الإحسان إلى الآخرين.
ويتجلّى هذا المعنى في موقف الإمام الصادق (عليه السلام) مع سفيان الثوريّ عندما أنكر عليه لباسه، قائلاً: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فبيّن له الإمام أنّ النعمة حين توضع في موضعها تكون من حقّ أهلها، وقال (عليه السلام): «اسمع منّي وعِ ما أقول لك، فإنّه خير لك عاجلاً وآجلاً إن أنت مُتَّ على السنّة والحقّ ولم تمت على بدعة. أخبرك أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان في زمان مقفر جدب؛ فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها»، ثمّ بيّن أنّه لا تمرّ عليه لحظة إلّا ويجعل لله في ماله حقّاً فيضعه في موضعه، قائلاً: «فوالله، إنّني لمع ما ترى، ما أتى عليَّ مُذ عقلت صباح ولا مساء، ولله في مالي
[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، مصادقة الإخوان، إشراف السيّد على الخراسانيّ الكاظميّ، مكتبة الإمام صاحب الزمان العامّة، العراق - الكاظميّة، 1402هـ، ط1، ص36.
[2] سورة القصص، الآية 77.
53
الموعظة التاسعة: المواساة روح الأخوّة
حقّ أمرني أن أضعه موضعاً إلّا وضعته»[1].
فالمعيار هو علاقة الإنسان بما يملك: يستطيع أن يعيش بكرامة، وأن ينتفع بماله في حاجاته المشروعة، وأن يجعل في ماله نصيباً معلوماً للإحسان. وتظهر المشكلة حين تتحوّل النعمة إلى انفصالٍ عن المجتمع، فيرى الإنسان حاجة من حوله ثمّ يتعامل معها وكأنّها لا تعنيه.
المواساة في الشدّة
وتظهر حقيقة المواساة بصورة أوضح حين تضيق الأحوال؛ ففي الرخاء قد يكون العطاء سهلاً، أمّا عندما تتراجع القدرة الشرائيّة، وتزداد البطالة والفقر، أو يمرّ المجتمع بحربٍ وأزمة، تصبح المواساة اختباراً حقيقيّاً للأخوّة، قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[2]، فالبرّ يرتبط بقدرة الإنسان على أن يشارك غيره مما يحبّ ويملك، وأن يجعل للعطاء مكاناً في أولويّاته.
ولهذا تدعو الظروف الصعبة القادر إلى مراجعة طريقة إنفاقه، فيميّز بين الضروريّ والكماليّ، وبين ما يحتاج إليه فعلاً وما يستطيع الاستغناء عنه لمصلحة أخيه. وقد تكون المواساة بالمال، أو الطعام، أو الدواء، أو تأمين حاجة أسرة، أو مساعدة شابّ على العمل، أو تخفيف دين، أو إعانة طالب، أو الوقوف إلى جانب عائلة فقدت معيلها.
وتتعدّد صور المواساة، لكنّ جوهرها واحد: أن يشعر المحتاج أنّه ليس وحده في مواجهة الضيق، وأنّ في مجتمعه من يشاركه حمل ما أثقل كاهله، وقد شبّه الإمام الصادق (عليه السلام) المؤمنين بالجسد الواحد، فقال: «لا والله، لا يكون [المؤمن] مؤمناً أبداً، حتّى
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص65.
[2] سورة آل عمران، الآية 92.
54
الموعظة التاسعة: المواساة روح الأخوّة
يكون لأخيه مثل الجسد؛ إذا ضرب عليه عرق واحد تداعت له سائر عروقه»[1].
حفظ كرامة المحتاج
تكتمل المواساة حين تجتمع مع حفظ الكرامة؛ فالمحتاج يحتاج إلى العون، ويحتاج في الوقت نفسه إلى أن تبقى كرامته مصونة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾[2]. فالعطاء الذي يتبعه المنّ أو الأذى يفقد جانباً أساسيّاً من معناه. والمواساة الواعية تراعي مشاعر المحتاج، وتحفظ خصوصيّته، وتقدّم له ما يحتاج إليه من دون استعراض أو إذلال أو تذكيرٍ دائمٍ بما قُدّم له، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ والذكر لها، ولكن أتبعها بأفضل منها، فإنّ ذلك أجمل بك في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك»[3].
وتحتاج المواساة في الأزمات إلى حسٍّ اجتماعيّ أيضاً؛ فيراعي الإنسان ظروف من حوله، ويتعامل مع مظاهر النعمة بوعيٍ ومسؤوليّة، ويدرك أثر ما يُظهره من مظاهر الرفاهية في مجتمعٍ يمرّ بالضيق. والمقصود هنا حفظ مشاعر الناس ومراعاة واقعهم، مع بقاء الإنسان حرّاً في الانتفاع بما أنعم الله عليه في حدود ما أباحه الله تعالى.
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج71، ص233.
[2] سورة البقرة، الآية 264.
[3] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، مصدر سابق، ص305.
55
الموعظة العاشرة: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
الموعظة العاشرة
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
هدف الموعظة
الحثّ على الثبات على الحقّ من خلال الاقتداء بصفات المؤمنين: محبّة الله، ورحمة المؤمنين، وعزّة الموقف، والثبات أمام الضغوط.
محاور الموعظة
1. الإيمان والثبات
2. محبّة الله
3. الرحمة والعزّة
4. الثبات أمام اللوم
تصدير الموعظة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[1].
[1] سورة المائدة، الآية 54.
56
الموعظة العاشرة: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
تظهر حقيقة الإيمان في المواقف التي ترتفع فيها الكلفة، وتتعارض فيها المبادئ مع المصالح، ويصبح التمسّك بالحقّ أصعب من التراجع عنه. هناك يتبيّن أثر العقيدة في صناعة الموقف: هل تحكم المبادئ اختيارات الإنسان، أم تحكم المصلحة مبادئه؟ ولذلك، يرسم القرآن في هذه الآية صورةً متكاملةً للمؤمن الذي يحفظ إيمانه في الفتن، ويقدّم رضا الله على حساباته، ويثبت على الحقّ مهما تغيّرت الظروف.
الإيمان والثبات
الإيمان التزامٌ يوجّه الإنسان في اختياراته ومواقفه، ويمنحه معياراً ثابتاً حين تتعدّد الضغوط والمصالح، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾[1].
تصف الآية إيماناً مرتبطاً بالظروف والنتائج؛ يستمرّ ما دامت المصلحة حاضرة، ويتراجع عند حضور الفتنة والخسارة؛ أمّا الإيمان الذي يصنعه القرآن فهو الذي يحفظ للإنسان موقفه عندما ترتفع الكلفة. والخوف والألم والقلق مشاعر بشريّة، والثبات هو أن تبقى هذه المشاعر تحت سلطان المبدأ والتكليف، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ وإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ»[2]؛ فطريق الحقّ قد يحمّل الإنسان مسؤوليّات وتكاليف، بينما قد يبدو طريق الباطل أسهل وأقلّ كلفة. وهنا تظهر قيمة الإيمان في أن يبقى الإنسان وفيّاً للحقّ حين يصبح الوفاء به مكلفاً.
فالمؤمن يجعل الحقّ معياراً لموقفه في القوّة والضعف، وفي الرخاء والشدّة، ويثبت مع المظلوم
[1] سورة الحجّ، الآية 11.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص542، الحكمة 374.
57
الموعظة العاشرة: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
حين تحتاج نصرته إلى تضحية، ويحفظ مبدَأه حين يصبح التراجع عنه أكثر راحةً وأماناً.
محبّة الله
يصف القرآن أنصار الحقّ بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ فالمحبّة هنا علاقةٌ حيّة تظهر آثارها في الطاعة والاتّباع وتقديم رضا الله على الهوى والمصلحة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[1]، فالطاعة هي التعبير العمليّ عن محبّة الله، والاتّباع هو الطريق الذي تتحوّل فيه المحبّة من شعورٍ في القلب إلى سلوكٍ في الحياة.
وتظهر حقيقة هذه المحبّة عندما تتعارض مصلحة الإنسان مع ما يراه حقّاً: حين يكون التمسّك بالمبدأ سبباً لخسارة مالٍ أو مكانةٍ أو علاقةٍ أو راحة. عندها يصبح السؤال واضحاً: أيّهما يتقدّم في قرار الإنسان، رضا الله أم مصلحته؟ عن لقمان الحكيم في وصيّته لابنه: «يا بُنيّ، مَن يرِد رضوان الله يُسخط نفسه كثيراً، ومَن لا يُسخط نفسه لا يُرضي ربّه»[2]. فالثبات يبدأ من المرجعيّة التي يحتكم إليها الإنسان؛ فإذا كان الله هو المرجع الأعلى، بقي المبدأ حاضراً عند تغيّر الظروف، وأصبح رضا الناس والمكاسب الآنية عناصرَ تُوزن بالحقّ، لا معاييرَ تحدّد الحقّ.
الرحمة والعزّة
يجمع القرآن في صفات أنصار الحقّ بين الرحمة والعزّة، فيقول: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ويقول في وصف أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ﴿أَشِدَّاءُ
[1] سورة آل عمران، الآية 31.
[2] الكراكجيّ، العلّامة أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان، كنز الفوائد، مكتبة المصطفويّ، إيران - قمّ، 1369ش، ط2، ص214.
58
الموعظة العاشرة: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾[1]؛ فالرحمة بالمؤمنين تظهر في التواضع، وحفظ الكرامة، ومساندة المحتاج، ورفع الأذى، والعزّة تظهر في حفظ الحقّ والكرامة أمام الظلم والعدوان. وتكامل هاتين الصفتين يصنع شخصيّةً متوازنة: رحيمةً مع أهلها، قويّةً في مواجهة الظلم، عادلةً في حكمها، ثابتةً في مواقفها. يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «كونوا في ما بينكم رحماء، ولتكن قلوبكم نقيّة، بعضكم تجاه بعض، وعطوفين بعضكم على بعض، بحيث لا تستطيع الأسماء فصل بعضكم عن بعض، ولا تستطيع الحدود الجغرافيّة تفريق بعضكم عن بعض، ولا تستطيع الحدود الجغرافيّة وضع الشعوب بعضها في وجه بعض»[2].
إنّ نصرة الحقّ تحتاج إلى هذا التوازن؛ فالقوّة التي تفقد الرحمة قد تتحوّل إلى ظلم، والرحمة التي تفقد العزّة قد تتحوّل إلى خضوع. أمّا المؤمن فيجمع بين قلبٍ رحيم وموقفٍ عزيز، فيحفظ حقّ الضعيف، ويواجه الظلم، ويصون كرامة الإنسان في الوقت نفسه.
الثبات أمام اللوم
تختم الآية صفات أنصار الدين بقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، فالثبات على الحقّ يحتاج إلى قدرةٍ على مواجهة ضغط الناس وكلامهم؛ لأنّ المواقف المبدئيّة قد تكلّف صاحبها قبولاً اجتماعيّاً أو مصلحةً شخصيّة. وقد يُلام الإنسان لأنّه رفض ظلماً، أو وقف إلى جانب مظلوم، أو تمسّك بحكم شرعيّ، أو رفض مالاً مشبوهاً، أو امتنع عن مسايرة جماعةٍ في موقف يراه خاطئاً. وهنا يحتاج إلى التمييز بين النقد الذي يكشف خطأً حقيقيّاً، واللوم الذي يريد دفعه إلى ترك الحقّ طلباً لرضا
[1] سورة الفتح، الآية 29.
[2] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/01/2015م.
59
الموعظة العاشرة: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
الآخرين. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[1]. فمراجعة النفس والاستماع إلى النصيحة من علامات العقل، بينما يجعل رضا الناس معياراً لموقفه من الحقّ الإنسانَ عرضةً للتنازل التدريجيّ عن مبادئه. أمّا من جعل رضا الله ميزانه، فيراجع نفسه باستمرار، ويصحّح خطأه إذا تبيّن له، ويثبت على الحقّ حين يتبيّن له، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «طوبى لمن شغله خوف الله عن خوف الناس»[2].
والثبات على الحقّ يحتاج كذلك إلى فهمٍ صحيح لوعد الله؛ فالمؤمن يؤدّي تكليفه، ويبذل وسعه، ويصبر على الابتلاء، ويثق بأنّ الله لا يضيع عمله، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[3].
إنّ الفتن والابتلاءات تكشف حقيقة ما يحمله الإنسان في داخله، وتظهر ما هو مستعدّ للتضحية به من أجل إيمانه. والمؤمن الذي يحبّ الله ويحبّه الله، ويرحم المؤمنين، ويعتزّ بالحقّ، وينصر المظلوم، ويثبت أمام الضغوط، يجعل من إيمانه موقفاً حيّاً يظهر في اختياراته وتضحياته؛ لأنّ قيمة الإيمان تتجلّى حين يتحوّل من قناعةٍ في القلب إلى ثباتٍ في الموقف والعمل.
[1] سورة آل عمران، الآية 175.
[2] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، مصدر سابق، ص30.
[3] سورة المجادلة، الآية 21.
60
الموعظة الحادية عشرة: بيتٌ من سكينة
الموعظة الحادية عشرة
بيتٌ من سكينة
هدف الموعظة
تعرّف أسس الأسرة الصالحة من خلال الاقتداء بأسرة أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام)، نموذجاً في المودّة والرحمة والتعاون والصبر وحسن المعاشرة.
محاور الموعظة
1. بيتٌ تأسّس على الإيمان
2. التعاون وتنظيم المسؤوليّات
3. حين تضيق الحياة
4. البيت مكان السكينة
تصدير الموعظة
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[1].
[1] سورة الروم، الآية 21.
61
الموعظة الحادية عشرة: بيتٌ من سكينة
حين وصف القرآن الكريم الزواج، جعل أساسه السكن والمودّة والرحمة، فالحياة الزوجيّة تقوم على أن يجد كلٌّ من الزوجين في الآخر سكناً وأماناً، ومودّةً تدفعه إلى العطاء، ورحمةً تحمله على مراعاة الآخر ومساندته، ولا سيّما حين تشتدّ الظروف وتتزايد المسؤوليّات. ومن أبلغ النماذج التي تجسّدت فيها هذه المعاني بيت أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء (عليهما السلام)، الذي قدّم نموذجاً للأسرة التي تتكامل فيها المحبّة مع المسؤوليّة، والعطاء مع الصبر، والرحمة مع تحمّل أعباء الحياة.
بيتٌ تأسّس على الإيمان
قام زواج أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) على الكفاءة الإيمانيّة والأخلاقيّة، فكان اقتراناً اجتمعت فيه مقوّمات الصلاح وحسن العشرة، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في فضل هذا الاقتران أنّه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): «هَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ أَخْلُقْ عَلِيّاً (عليه السلام)، لَمَا كَانَ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِكَ كُفْوٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، آدم فَمَنْ دُوْنَهُ»[1].
وتتجاوز دلالة هذا الزواج تفاصيله التاريخيّة إلى المعيار الذي ينبغي أن يحكم اختيار الزوجين: أن تكون الكفاءة في الدين والأخلاق وحسن المعاشرة أساساً في بناء الأسرة، وأن تأتي سائر الاعتبارات في إطار هذا الأساس. فالبيت الذي يُبنى على المظاهر والقدرة المادّيّة وحدهما يبقى أكثر عرضةً للاهتزاز حين تتبدّل الظروف، بينما تمنحه القيم الراسخة قدرةً أكبر على الصمود والاستمرار؛ فالمال يتغيّر، والعمل قد يتعطّل، والصحّة تضعف،
[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح الشيخ حسين الأعلميّ، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1404هـ - 1984م، لا.ط، ج1، ص203.
62
الموعظة الحادية عشرة: بيتٌ من سكينة
والظروف تتقلّب؛ أمّا الإيمان والأخلاق وحسن العشرة فتبقى من أهمّ ما يحفظ الأسرة ويقوّي قدرتها على تجاوز أعباء الحياة.
من هنا، جعل القرآن الكريم المودّة والرحمة من أسس العلاقة الزوجية، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ والمودّة تظهر في السلوك: في طريقة الكلام، وحسن التعامل، ومراعاة ظروف الآخر، والتغاضي عن الهفوات، والحرص على بقاء الاحترام والمحبّة في تفاصيل الحياة المشتركة.
التعاون وتنظيم المسؤوليّات
عاش أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) حياةً بسيطةً كثرت فيها المسؤوليّات، فكان التعاون بينهما جزءاً من بناء الأسرة وتحمّل أعبائها، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «تقاضى عليّ وفاطمة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على عليّ ما خلفه. قال: فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلّا الله بإكفائي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحمّل رقاب الرجال»[1].
وتُبرِز هذه الرواية قيمة تنظيم المسؤوليّات والتعاون في الحياة الزوجيّة؛ فاستقرار الأسرة يحتاج إلى وضوحٍ في الأدوار، وتفاهمٍ بين الزوجين، وشعورٍ بأنّ أعباء الحياة مسؤوليّةٌ مشتركة، وإن اختلفت طريقة توزيعها بينهما. والمقصود من النموذج الذي قدّمه بيت أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) هو التعاون في تحمّل المسؤوليّة، لا تثبيت تقسيمٍ جامدٍ للأدوار يصلح لكلّ زمانٍ وظرف.
[1] السيّد الحميريّ، قرب الإسناد، مصدر سابق، ص52.
63
الموعظة الحادية عشرة: بيتٌ من سكينة
وتتغيّر الأدوار بحسب حاجات الأسرة وظروفها؛ فقد يعمل الزوج والزوجة معاً خارج المنزل، وقد يتحمّل أحدهما مسؤوليّاتٍ أكبر في مرحلةٍ معيّنة، أو يحتاج إلى دعم الآخر بسبب مرضٍ أو ضغطٍ أو ظرفٍ استثنائيّ. والمقياس في ذلك هو التفاهم والعدل والتعاون، بما يحفظ كرامة الزوجين ويعينهما على حمل أعباء الأسرة. فالأسرة الناجحة لا تقوم على حساب من بذل أكثر، بل على استعداد كلٍّ من الزوجين لمساندة الآخر، وأن يرى في مسؤوليّات الأسرة شأناً مشتركاً يستحقّ التعاون والتضحية.
حين تضيق الحياة
عاش أهل البيت (عليهم السلام) حياةً اتّسمت بالبساطة وكثرة الأعباء، وكان الصبر على مشقّات الحياة جزءاً من سيرتهم. رُوي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) رأى فاطمة (عليهما السلام) تطحن بيديها، وترضع ولدها، وعليها كساء خشن، فدمعت عيناه، وقال لها: «يا بُنَيَّةُ، تَعَجَّلي مَرارَةَ الدُّنيا بِحَلاوَةِ الآخِرَةِ»، فأجابته: «الحَمدُ للَّهِ عَلى نَعمائِهِ، والشُّكرُ للَّهِ عَلى آلائِهِ»[1].
تقدّم هذه الصورة درساً مهمّاً للأسرة في مواجهة ضغوط الحياة؛ فقلّة المال، وكثرة المسؤوليّات، والتعب الجسديّ والنفسيّ، كلّها ظروف تحتاج إلى الصبر والتفاهم وحسن التعامل. وتظهر قيمة هذا الصبر في طريقة تعامل الزوجين مع الضيق: فيخفّ اللوم، ويزداد التقدير، ويحرص كلّ طرف على أن يكون عوناً للآخر في الوقت الذي تشتدّ فيه الحاجة إلى العون.
والصبر داخل الأسرة هو القدرة على إدارة الصعوبات بحكمة، والمحافظة على الاحترام والمودّة، ومواجهة المشكلة بروح التعاون بدل تحويلها إلى خصومة، فحين تضيق الحياة،
[1] ابن شهر آشوب، مشير الدين أبو عبد الله محمّد بن عليّ المازندرانيّ، مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام)، المكتبة الحيدريّة، العراق - النجف الأشرف، 1376هـ - 1956م، لا.ط، ج3، ص120.
64
الموعظة الحادية عشرة: بيتٌ من سكينة
يحتاج كلّ واحد منهما إلى أن يكون سنداً لصاحبه، لا عبئاً إضافيّاً عليه، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[1].
البيت مكان السكينة
من أعمق ما نُقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في علاقته بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) قوله: «فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتّى قبضها الله إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان»[2]. وتلخّص عبارة «فتنكشف عنّي الهموم والأحزان» جانباً أساسيّاً من وظيفة الأسرة: أن يجد الإنسان في بيته سكناً وأماناً، وأن يكون أقرب الناس إليه مصدر طمأنينةٍ وسند، لا مصدراً إضافيّاً للتوتّر والصراع.
والحياة الزوجية تقوم على الاختلاف في الطباع والآراء، لكنّ المودّة والرحمة تحفظان هذا الاختلاف من أن يتحوّل إلى إهانة أو تحقير أو تهديد أو قطيعة، يقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»[3]. فحسن الخلق تظهر حقيقته داخل البيت، مع أقرب الناس إلينا، حيث تظهر طباع الإنسان في لحظات التعب والغضب والضعف.
[1] سورة البقرة، الآيتان 155 - 156.
[2] الإربلّيّ، الشيخ عليّ بن أبي الفتح، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (عليهم السلام)، دار الأضواء، لبنان - بيروت، 1405هـ - 1985م، ط2، ج1، ص373.
[3] الطبرسيّ، الشيخ الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، منشورات الشريف الرضيّ، إيران - قمّ، 1392هـ - 1972م، ط6، ص216.
65
الموعظة الحادية عشرة: بيتٌ من سكينة
ويقدّم بيت أمير المؤمنين والزهراء (عليهما السلام) نموذجاً للأسرة التي تبني سكينتها بالإيمان، وتواجه أعباء الحياة بالتعاون، وتتعامل مع ضيقها بالصبر، وتحفظ علاقتها بالمودّة والاحترام. فالأسرة الناجحة هي التي تحافظ على رحمتها ومودّتها في أوقات الشدّة، وتجعل من المحنة ظرفاً تتكاتف فيه، لا سبباً يتباعد فيه أفرادها.
لهذا، فإنّ استقرار الأسرة لا يرتبط بالظروف المادّيّة وحدها، بل يتعلّق أيضاً بما يصنعه الزوجان داخل البيت: هل يجد الزوج في زوجته سكناً؟ وهل تجد الزوجة في زوجها أماناً؟ وهل يتعاونان عندما تضيق الحياة؟ وهل يرى الأبناء في علاقتهما صورةً حيّة للإيمان والرحمة؟ عندها يقترب البيت من المعنى الذي أراده الله تعالى للزواج: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وإنّ صلاح الأسرة يتجاوز حدود البيت؛ لأنّ الأسرة هي البيئة الأولى التي يتكوّن فيها الإنسان، ومنها تنتقل القيم إلى المجتمع. وقد لخّص الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) هذا المعنى بقوله: «الأسرة هي الخليّة التي تكوّن المجتمع. عندما تصير الأسَر سليمة، يصير المجتمع سليماً»[1]. فكلّما استقامت العلاقة داخل الأسرة، انعكس ذلك على شخصيّة الأبناء، وعلى طريقة تعاملهم مع الآخرين، وعلى سلامة المجتمع وتماسكه.
[1] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 04/01/2023م.
66
الموعظة الثانية عشرة: الثبات طريق النصر
الموعظة الثانية عشرة
الثبات طريق النصر
هدف الموعظة
تعزيز الثقة بالله ووعده، وترسيخ روح الثبات والعمل والأخذ بالأسباب في مواجهة الشدائد.
محاور الموعظة
1. النصر مسؤوليّة
2. الثبات وقت الشدّة
3. التوكّل والعمل
4. الثقة بوعد الله
تصدير الموعظة
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].
[1] سورة آل عمران، الآية 123.
67
الموعظة الثانية عشرة: الثبات طريق النصر
لم تكن بدر معركةً متكافئة في ظاهر الحسابات؛ فقد كان المسلمون أقلّ عدداً وعدّةً، ومع ذلك تحوّل الضعف المادّيّ إلى قدرة على الصمود والانتصار. والقرآن الكريم يقدّم لنا معركة بدر بوصفها شاهداً على قاعدة مهمّة، ألا وهي أنّ القوّة الحقيقيّة لا تُقاس دائماً بما تملكه اليد، بل بما يستند إليه القلب والإيمان والثقة بوعد الله تعالى. لكنّ الثقة بالله لا تعني انتظار النصر من دون عمل، ولا إلغاء الأسباب، بل تعني أن يأخذ المؤمن بالأسباب كلّها، ثمّ لا يجعل قلبه أسيراً لها.
النصر مسؤوليّة
يربط القرآن الكريم النصر الإلهيّ بموقف المؤمن ومسؤوليّته، فيقول تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[1]. فالنصر ثمرة موقفٍ يقوم فيه المؤمن بنصرة الدين والحقّ، ويؤدّي ما عليه من مسؤوليّة، ويبذل ما يستطيع من جهد. ومن هنا، فإنّ الثقة بوعد الله تعالى بالنصر لا تعني عدم العمل والسعي، بل تعني اليقين بأنّه تعالى لا يضيع عمل العاملين، وأنّ الحقّ لا يفقد قيمته ومكانته بقلّة أنصاره، وأنّ قوّة الباطل وكثرة أهله لا تجعله حقّاً، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[2].
وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذا الترابط بين نصرة الله وبذل الوسع في عهده إلى مالك الأشتر: «وأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ ويَدِهِ ولِسَانِهِ، فَإِنَّهُ -جَلَّ اسْمُهُ- قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ»[3]؛ لذلك فإنّ المؤمن ينبغي أن يسأل عن الحقّ، وعن أداء
[1] سورة محمّد، الآية 7.
[2] سورة آل عمران، الآية 139.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص427، الكتاب 53.
68
الموعظة الثانية عشرة: الثبات طريق النصر
التكليف والمسؤوليّة، وعن بذل الوسع والجهد في نصرة الله تعالى.
الثبات وقت الشدّة
وإنّ من أخطر ما يواجه الإنسان في أوقات الشدّة أن يتحوّل الضغط إلى سببٍ للتراجع والوهن؛ ولذلك جعل القرآن الكريم الثبات من أسباب الفلاح، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[1]. يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «يجب الثبات، والعمل عليه، وعدم إضاعة الطريق، والتوجّه دوماً نحو الهدف، والمواظبة على التقدّم. فلو حصلت هذه الأمور، ستتوالى الانتصارات»[2]. والثبات هو أن يحافظ الإنسان على موقفه والتزامه بالحقّ والواجب، وأن يواصل أداء مسؤوليّته مهما اشتدّت الضغوط وارتفعت الكلفة. فالخوف والتعب قد يحضران في لحظات الشدّة، لكنّهما لا يحدّدان موقف الإنسان ولا يدفعانه إلى ترك الحقّ أو الاستسلام لليأس؛ ولهذا ربط القرآن الكريم بين الصبر والغلبة، فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[3].
فالصبر قوّةٌ تحفظ للإنسان قدرته على الاستمرار في أداء الواجب برغم الكلفة، والثبات هو ترجمة هذه القدرة في الموقف والعمل. وقد يخسر الإنسان جولة، أو يتأخّر الفرج، أو تتعقّد الظروف، لكنّ هذه التحوّلات لا تسقط وعد الله، ولا تبرّر التراجع عن الحقّ؛ لأنّ معيار الثبات هو الاستمرار في أداء التكليف، لا غياب الصعوبات أو سرعة الوصول إلى النتائج.
[1] سورة الأنفال، الآية 45.
[2] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/01/2012م.
[3] سورة الأنفال، الآية 66.
69
الموعظة الثانية عشرة: الثبات طريق النصر
التوكّل والعمل
مضافاً إلى الثبات، لا بدّ من التوكّل على الله؛ والتوكّل يجمع بين الثقة به تعالى والأخذ بالأسباب التي أوجبها التكليف، فالقرآن الذي يربّي المؤمن على الاعتماد على الله هو نفسه الذي يأمره بالإعداد والاستعداد، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[1]. وفي بدر، جمع المسلمون بين الأمرين؛ فبذلوا ما استطاعوا من أسباب، وأدّوا ما عليهم من مسؤوليّة، ثمّ تعلّقت قلوبهم بالله وانتظروا النصر منه. وهنا تتكامل المعادلة: يبذل المؤمن أقصى ما يستطيع في العمل والاستعداد، ويترك النتائج لله؛ لأنّ النصر والتوفيق وتحقيق الغايات بيده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2].
فالآية تربط بين الجهاد والهداية إلى السبل، بما يؤكّد أنّ الطريق ينفتح أمام من يتحرّك ويبذل ويجاهد، وأنّ التوكّل الحقيقيّ يبعث على العمل ولا يبرّر العجز أو انتظار النتائج من دون بذل الأسباب. وكلّما اشتدّت الظروف، ازداد المؤمن تمسّكاً بهذه المعادلة: عملٌ جادّ بالأسباب، وثقةٌ كاملة بالله، وتسليمٌ له في النتائج.
الثقة بوعد الله
بعد ذلك كلّه، تأتي الثقة بوعد الله لتمنح المؤمن قدرةً على مواصلة الطريق، حتّى مع تأخّر النتائج واشتداد الأزمات. فالوعد الإلهيّ يرتبط بسننٍ وشروطٍ ومراحل، ولا يعني تحقّق النتيجة في الزمن الذي يحدّده الإنسان أو بالطريقة التي يتوقّعها. لذلك يبقى المؤمن ثابتاً
[1] سورة الأنفال، الآية 60.
[2] سورة العنكبوت، الآية 69.
70
الموعظة الثانية عشرة: الثبات طريق النصر
في عمله، مطمئناً إلى وعد ربّه، ومتهيّئاً لتحمّل كلفة الطريق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[1]. فالإنسان المؤمن يتألّم، لكنّ الألم لا يقطع رجاءه؛ ويتعب، لكنّ التعب لا يوقفه عن أداء واجبه؛ وتتأخّر النتائج، لكنّه يحافظ على مبدئه ولا يستبدل الثبات بمكسبٍ عاجل. وهذا الرجاء هو الذي يمنح الصبر معناه، ويجعل الاستمرار في العمل ممكناً حتى في أصعب الظروف؛ ولهذا جاء الأمر الجامع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[2].
والثقة بالله تمنح الإنسان وعياً دقيقاً بمسؤوليّته؛ فهو يعمل ضمن قدرته، ويجتهد في إصابة الحقّ، ويثبت على تكليفه، ويترك للّه تعالى تقدير النتائج. وقد يخطئ في التقدير، أو يخسر جولة، أو يواجه ما يفوق إمكاناته، لكنّ ذلك كلّه لا يسقط مسؤوليّته ولا يقطع صلته بالله. وهذا من أعمق دروس بدر: لم تكن قيمة المؤمنين في كثرة الإمكانات، وإنّما في اجتماع الإيمان مع العمل والصبر والثبات. فإذا اجتمع الإيمان والعمل والصبر والثبات، امتلك الإنسان ما يعينه على مواجهة الشدائد من دون أن يفقد بوصلته؛ لأنّه يستند إلى وعد الله، ويؤدّي ما عليه، ويثق بأنّ العاقبة والنتائج بيد الله. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذه المعيّة الإلهيّة هي أعظم ما يستند إليه المؤمن في طريق الحقّ.
[1] سورة النساء، الآية 104.
[2] سورة آل عمران، الآية 200.